تحميل رواية «لما قالوا دي صبية» PDF
بقلم ميمي عوالي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
يقال إن لكل منا نصيب من اسمه، وها أنا ذا أنتظر نصيبي هذا منذ ما يقرب من خمس وعشرين عاماً، ولكن لم يأتِ بعد. فرح... ذاك هو اسمي، ولا أعلم من أسمني به، وما زلت أنتظر نصيبي منه. ولكنني إلى الآن لم تربطني باسمي أي علاقة سوى شهادة ميلادي، والتي اقترنت بشهادة طلاق أمي لأنها أنجبتني أنثى. نعم، لقد تزوج أبي منصور من أمي فاطمة منذ قرابة الثلاثين عاماً، فأنجبت له شقيقتي الكبرى رحمة، والتي تبلغ من العمر تسع وعشرين عاماً، ثم أنجبت له شقيقتي الوسطى ندا، البالغة من العمر سبع وعشرين عاماً. حين أقسم أبي على أمي...
رواية لما قالوا دي صبية الفصل الأول 1 - بقلم ميمي عوالي
يقال إن لكل منا نصيب من اسمه، وها أنا ذا أنتظر نصيبي هذا منذ ما يقرب من خمس وعشرين عاماً، ولكن لم يأتِ بعد.
فرح... ذاك هو اسمي، ولا أعلم من أسمني به، وما زلت أنتظر نصيبي منه. ولكنني إلى الآن لم تربطني باسمي أي علاقة سوى شهادة ميلادي، والتي اقترنت بشهادة طلاق أمي لأنها أنجبتني أنثى.
نعم، لقد تزوج أبي منصور من أمي فاطمة منذ قرابة الثلاثين عاماً، فأنجبت له شقيقتي الكبرى رحمة، والتي تبلغ من العمر تسع وعشرين عاماً، ثم أنجبت له شقيقتي الوسطى ندا، البالغة من العمر سبع وعشرين عاماً. حين أقسم أبي على أمي أنها إن لم تأتِ له بذكر يحمل اسمه، فسيقوم بتطليقها على الفور. وهذا هو ما حدث بالفعل، فلم يحنث بقسمه، واقترن ميلادي بطلاقهم الفوري.
فعندما علم والدي الموقر بأنني أنثى، رفض استلامي من الطبيب، واتجه على الفور إلى خارج المشفى، واتجه رأساً إلى القاضي الشرعي ليقوم بتطليق أمي طلقة بائنة جائرة لا رجعة فيها.
تصاب أمي بصدمة نفسية في أيام نفاسها، أثرت على صحتها الجسدية والنفسية معاً، لتمتنع عن إرضاعي ما لا يقل عن ثلاثة أشهر، لأنتقل من يد ليد وأنا أعامل بالشفقة تارة، والتهكم والتوتر تارة أخرى. فكان البعض يرى أنني أيقونة من سوء الحظ أو النحس كما يقولون. ولما لا... فلو لم أولد أنثى، لما كان حدث للجميع ما قد حدث.
وعندما استطاعت أمي لملمة شتاتها، قررت احتضاني مرة أخرى. ولكني لم أنس يوماً نظرة العتاب التي كانت دائماً تخصني بها، وكأنني المسؤولة عن تكويني الذي قد أتيت به إلى تلك الحياة.
فقد عادت مرة أخرى إلى منزل جدي، وهي تجر بناتها الثلاث متشبثين بثيابها، مع السؤال المتكرر من رحمة وندا عن والدهما، والذي انقطع عن رؤية الجميع تماماً لسنوات. وقام أخيه إبراهيم بالوساطة بينه وبين أمنا، فقد اكتفى بالأموال التي كان يبعثها لأمي، والتي كانت باعتراف الجميع مبالغ كريمة تغني أمي عن الاحتياج تماماً. ولكنهم تناسوا احتياجاتها الأخرى، والتي فاجئت بها الجميع وأنا في عمر الخامسة، عندما وجدنا تجمعاً عائلياً بمنزلنا. ولم أعِ وقتها سبب ذلك التجمع، حتى شاهدت أمي وهي ترتدي ثياب العرس وتُزف إلى رجل لم أعلم عنه شيئاً سوى أنه معلم اللغة الإنجليزية لشقيقاتي بمدرستهم، والتي قد التحقت بها أنا الأخرى منذ عام واحد.
لتغيب عنا بضعة أيام وهي تتركنا بحوزة خالي وزوجته، لتعود مرة أخرى لتصطحبنا معها وهي مليئة بالسعادة والحيوية التي لم أرها قط على محياها من قبل، لتعرفنا على زوجها من جديد قائلة: "سلموا يا بنات على بابا عادل".
بابا... تلك الكلمة التي طالما سمعتها من الكثير ممن حولي، ولكنني لم أنطقها قط ولم أعها أيضاً. كلمة مكونة من حرفين متكررين، ولكن يا لصعوبة نطقهما بالنسبة لي. لقد شاهدت شقيقتيّ يرتمن بحب في أحضان هذا الرجل، والذي لا أستطيع إنكار حنانه ومعاملته الحسنة. ولكن شيئاً ما بداخلي منعني من الاقتراب منه، شيئاً ما قد وقف حائلاً بيني وبينه، وبيني وبين النطق بتلك الكلمة. والتي مع صغر سني وأعوامي القليلة، إلا أنني رفضت بشدة أن أناديه بها، رغم المحاولات المستميتة من أمي ومنه أيضاً.
فقد كنت أبتسم بوجهه على استحياء وأقول بطفولة ضائعة مشتتة: "انت عمو وبس". لا أزال إلى الآن أناديه بتلك الكلمة التي أصررت عليها بشدة ولم أتراجع عنها يوماً.
تمضي السنون سنة تلو الأخرى، ونحن نعيش بصفة دائمة مع أمي وزوجها وابنائهما. نعم، فقد رزقها الله بأحمد، والذي يبلغ من العمر حالياً تسعة عشر عاماً، وهو بالعام الثاني له بالجامعة، فقد التحق بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية. ورزقهما أيضاً بمحمود، والذي يبلغ من العمر سبعة عشر عاماً، وهو بالصف الثالث الثانوي.
أما أنا وشقيقاتي الإناث، فقد تخرجت رحمة من كلية الألسن، والتحقت بالعمل بمكتب للترجمة. وتخرجت ندا من كلية الصيدلة، والتحقت بالعمل بشركة من شركات الأدوية. حتى جائنا عمي إبراهيم طالباً إياهما زوجتين لولديه حسن وحسين. وبالفعل لم يمانع أحد، وتم زواج رحمة بحسن وندا بحسين. وعلى ما يبدو للجميع أنهم يعيشون في هدوء وسعادة. وأنا أشاهد ما يحدث وأتابع من بعد، وكأنني لست جزءاً مما يحدث. وبقيت وحيدة بصحبة أمي وزوجها وإخوتي الذكور.
لم أتعمد أن أنأى بنفسي عن الجميع، ولكني وجدت نفسي منبوذة، وكأنني حقاً السبب في انفصال والديّ عن بعضهما البعض. حتى بعد زواج أمي وسعادتها البادية للجميع... إلا أنني ظللت أحمل لعنة الماضي بأعينهم.
أما أبي، فقد تزوج هو الآخر بعد طلاقه لأمي بشهور قلائل، ورزقه الله بما كان يريد ويتمنى، فقد أنجب ذكرين توأمين كاملين معافين، أسماهم نادر ونبيل، واللذان يبلغان من العمر ثلاثة وعشرين عاماً. لم أراهم خلالها مرة واحدة، ولم أر أبي أيضاً.
لم يحاول طوال تلك السنوات أن يتقرب مني أو من شقيقاتي، وكان يبعث لأمي مصروفاتنا مع عمي إبراهيم دون أي كلمة أو لافتة للاطمئنان علينا. ولكن شقيقاتي سعوا لمقابلته ورؤيته بعد أن خطبتهن لابني عمي إبراهيم. وحاولوا معي كثيراً أن يصطحباني إليه، ولكنني أيضاً رفضت رفضاً تاماً. فكيف لي أن ألجأ إلى من رفض مجيئي لتلك الحياة؟ كيف أسمح له بتقبيلي أو احتضاني مثلما يفعل كل الآباء؟
حتى عند زواج شقيقاتي، عندما علمت بحضوره الزفاف، تعمدت الغياب حتى لا أراه. وكنت كلما سمعت إحدى شقيقاتي تتحدث عن أنه لا يعلم شكلي، كان يتولد لدي إحساس بالنشوة، وكأنني انتقمت منه لهجري ورفضي طوال تلك السنوات.
أما أنا، فمنذ أن التحقت بكلية الطب، حتى أصررت على العمل رغم رفض أمي وزوجها رفضاً قاطعاً. إلا أنني قابلت إصرارهم بإصرار أكبر حتى رضخوا لقراري. فالتحقت بالعمل بعيادة طبيب شهير، وكانت عيادته تقع بنفس الحي، مما جعل أمي ترضخ أخيراً لقراري هذا.
فقد كان شيئاً ما بداخلي يرفض أن أكمل تعليمي ونفقاتي من حساب أبي. وكنت أتمنى أن أرد له كل ما أنفقه على تعليمي وإطعامي وكسوتي. وبالفعل أصررت على التكفل بنفقاتي طوال تلك السنوات حتى تمكنت من التخرج.
وها أنا ذا أخيراً استطعت أن أحصل منذ عامين على فرصة عمل بإحدى المشافي الخاصة الشهيرة، والتي سعيت إليها بمحاولات مضنية بعد رفضي البات والقاطع لأن يتوسط لي زوج أمي بالعمل في أماكن أخرى. فقد صممت أن أحيا بالاعتماد على ذاتي وذاتي فقط.
وخلال الثلاث سنوات الماضية، تقدم لي الكثير من الشباب رغبة بالزواج بي، ولكنني دائماً كنت أقابل طلبهم بالرفض. فقلبي لم يكن خالياً، ولكنه لسوء الحظ سكنه من هو ليس أهلاً له.
سليم. تربينا سوياً في منزل واحد، ولما لا، فهو ابن خالي الوحيد. أحببته منذ سنوات المراهقة، ولم يستطع أحد نزع حبه من قلبي رغم قسوته وتهكمه الدائم على وضعي. فكان دائماً يكرر عبارة أمه الشهيرة: "أنتِ السبب في طلاق أمك".
فكانت زوجة خالي العزيز كثيراً ما تذكرني بما حدث. وكانت في البداية تدعي المرح بحديثها، ولكنها مع الوقت كانت ترددها وتكررها بقسوة صادقة النية. ولما لا... فأنا "قدم الشؤم" كما كانت تنعتني دائماً.
وقد استطاع سليم أن يلمس تعلقي به، مما زاده خيلاء، وهو يتعمد إيذائي بتلميحه لي بأن ارتباطي بي أبعد ما يكون عن مخيلتي. وكنت أبتسم له وأنا أحاول إنكار ما يقصده. فهو لا يعلم أنني مهما تعلق قلبي به أو بغيره، إلا أنني أرفض تماماً فكرة الزواج. فأنا على غير استعداد لتكرار مأساتي من جديد مع أطفال جدد قد لا يمتلكون فرصة للنجاة كما امتلكت. ولكنني في كل مرة كان يختفي من أمامي وهو يضحك مستهزئاً مني.
واليوم... يوم خطبته على زميلة له في العمل. فهو يعمل بإحدى شركات الدعاية والإعلان. ومهما حاولت مع أمي أن أعتذر عن الحضور... إلا أنها أصرت على حضوري حتى لا يفسر أحد غيابي بما تعلمه هي الأخرى، ألا وهو حبي الشديد لسليم.
حتى حان وقت ذهابنا إلى الحفل، لأسمع صوت العم عادل وهو يقول بصوت عالٍ: "إيه يا أولاد؟ انتوا كل ده ما خلصتوش؟"
لأخرج من غرفتي بهدوء وأقول: "أنا جاهزة من بدري يا عمو ومستنياكم."
عادل بابتسامة حنونة: "إيه الجمال ده كله يا فرح؟ كنتي مخبية الحلاوة دي كلها فين يا بنتي؟"
فرح بابتسامة هادئة: "ميرسي يا عمو، حضرتك اللي عينيك حلوة."
فاطمة وهي تأتي من الداخل: "دي غلبتني على ما رضيت تيجي معانا، ما كانتش عايزة تيجي."
عادل: "ونتحرم من الحلويات دي، عقبال ما نفرح بيكي يا حبيبتي."
فرح وهي تحاول السيطرة على دموعها: "ميرسي يا عمو."
فاطمة بصوت عالٍ: "يالا يا أحمد أنت وأخوك عشان ما نتأخرش."
أحمد من الداخل: "خلاص أهو يا ماما، بربط الجرافة لمحمود وجايين."
وبعد دقيقتين، يخرج أحمد ومحمود وهما بأبهى صورهم، ليقول محمود بمرح: "ادينا جهزنا أهو، على الله الفرح يبقى فيه بنات حلوين كده بتوع الإعلانات."
أحمد وهو يعاين شقيقته بمرح: "أهي فرح أهيه عاملة زي بنات الإعلانات."
محمود: "الّا بقى يا فرح لو شافك مخرج كده ولّا كده وعجبك، لازم تاخديني معاكي أنا بقولك أهو."
فرح بهدوء: "أنا لا بتاعة إعلانات ولا غيره."
عادل: "يالا بينا بقى طالما جهزتوا، وعقبال ما أفرح بيكم كلكم يارب."
عند دخول فرح إلى قاعة الأفراح، كانت تبحث بعينيها عن سليم وخطيبته لمياء، والتي وجدتهما بمنتصف القاعة يتراقصان بسعادة، ومن حولهم يتحلق الجميع في صخب وسعادة. فاتجهت من فورها إلى المائدة التي تجلس عليها شقيقاتها وأزواجهم، ووجدت عمها إبراهيم أيضاً بصحبتهم.
إبراهيم مرحباً: "أهلاً يا فرح يا بنتي، كده برضه على طول مخبية نفسك منا، ليه يا بنتي ما بتزورينيش زي أخواتك وتطمنيني عليكي؟"
فرح: "معلش يا عمي سامحني، بس الشغل واخد كل وقتي."
إبراهيم: "يا بنتي إحنا أهلك، لازم تعرفينا ونعرفك."
عادل: "إزيك يا حاج إبراهيم."
إبراهيم بود: "إزيك أنت يا عم عادل، أخبارك إيه؟"
عادل وهو يصافح رحمة وندا وأزواجهم: "عاملين إيه يا أولاد، واحشني كلكم."
رحمة: "الحمد لله يا بابا، أنت كمان وحشتنا قوي."
ندا: "تعملوا حسابكم كلكم هتتغدوا عندي يوم الجمعة الجاية."
فاطمة: "يا بنتي لزومه إيه بس التعب ده، تعالوا لنا أنتم."
إبراهيم: "الحقيقة إحنا عاملين العزومة بمناسبة رجوع كامل بالسلامة من بلاد بره."
فاطمة بفرحة: "أخيراً.. حمد الله على سلامته، وهو وصل فعلاً ولّا لسه هيوصل؟"
حسين: "لا يا ماما، هيوصل إن شاء الله يوم الاثنين الفجر."
رحمة: "إحنا اخترنا نعمل العزومة عند ندا عشان الريسبشن عندها واسع وهياخدنا كلنا."
عادل: "يرجع بالسلامة إن شاء الله، عقبال ما تفرح بيه زي أخواته."
إبراهيم: "يارب يا عادل، أحسن ده بالذات دماغه أنشف من حجر الصوان، ورغم إنه أكبر إخواته، إلا إنه شايل الموضوع ده من دماغه خالص."
فاطمة: "ربنا يهديهولك، كامل طول عمره عاقل وعارف مصلحة روحه."
عادل: "وهو نازل خالص ولّا زيارة وراجع تاني؟"
إبراهيم بسعادة: "لا.. نازل نهائي، وحتى كان مكلف سمسار من سنتين يشوف له أرض مناسبة يبني عليها مستشفى صغيرة، وأهي المستشفى خلاص أهي بقت جاهزة على الافتتاح."
عادل: "ما شاء الله، ألف مبروك، ربنا يوفقه ويصلح له الأحوال."
ليؤمن الجميع على حديث عادل.
فاطمة وهي تنهض من مكانها: "إحنا جينا قعدنا وما سلمناش على العرسان."
عادل: "أنا مش شايف سعد أخوكي ولا مراته."
ندا وهي تشير بإصبعها: "خالو هناك أهو هو وطنط سامية، بيشيكوا على البوفيه."
فاطمة: "تعالي يا عادل أما نسلم عليهم ونبارك لهم، يالا معايا يا فرح."
فرح: "طب فين أحمد ومحمود، مش هييجوا معانا؟"
رحمة ضاحكة: "أحمد ومحمود بيرقصوا مش فاضيين."
لتتجه فرح بصحبة أمها وزوجها إلى الموضع الذي أشارت إليه رحمة، ليلقوا التحية على سعد وزوجته.
سعد مرحباً: "أهلاً أهلاً، اتأخرتوا كده ليه؟"
فاطمة: "إحنا هنا من بدري، بس ما كناش شايفينكم، مبروك يا سعد، مبروك يا سامية، عقبال ما تشيلي ولاده."
سعد: "الله يبارك فيكي، عقبال ما تفرحي بفرح على القريب إن شاء الله."
سامية: "آه والنبي، ربنا يفك نحسها بقى ويرزقها بابن الحلال."
لتنظر فرح بتأنيب إلى أمها التي أصرت على حضورها معها. ولكن عادل يسرع بضم فرح تحت جناحه وهو يقول بحنان: "فرح دي ست البنات، ويوم بس ما تقول يا جواز، يا سعده يا هنياله اللي هتبقى من حظه."
سعد وهو يربت بيده على وجنة فرح: "طبعاً دي فرح حتى أحلى أخواتها، والنهاردة بالذات حلاوتها فاقت الحد."
لم تنبت فرح ببنت شفة، فقد فضلت الصمت، واستدارت عائدة إلى مائدة شقيقاتها. فقالت فاطمة موجهة حديثها لسامية: "على فكرة فرح هي اللي رافضة الارتباط، وما حصلش يعني قبل كده إنها اتخطبت وفسخت عشان تدعيلها يتفك نحسها يا سامية، دي حيالله خمسة وعشرين سنة، ما عنستش يعني ولا حاجة."
سعد: "سيبك منها يا فاطمة، هي بس اللي هزارها تقيل حبتين، أكيد ما تقصدش تضايقها."
فاطمة وهي تستدير عائدة لبناتها هي الأخرى: "ماشي يا سعد، مبروك ما عملت لسليم، وربنا يتممله بخير."
وبعد انصرافهم، يقول سعد بامتعاض: "هو انتي ما فيش فايدة في لسانك ده أبداً، دايماً مسممة بدنها كده بكلامك اللي زي السم ده."
سامية بعدم اهتمام: "وهو أنا كنت قلت إيه يعني، ولّا قلت إيه جديد، ما كلنا عارفين إنها نحس من يومها."
سعد بامتعاض: "يا ولية اتقي الله، حرام عليكي."
سامية بتأفف: "إيه ولية دي؟ ما تحسن ألفاظك، ده أنت في فرح ابنك اللي مليان ناس أعيان وناس أكابر."
سعد بسخرية: "ماشي يا برنسيسة، روحي شوفي ابنك بيشاور لك، شوفيه عاوزك ليه."
لتذهب سامية إلى سليم وهي تبتسم بسعادة وتقول له: "خير يا حبيبي، عاوز حاجة؟"
سليم: "آه يا ماما، عاوز ألبس الشبكة بقى، عشان نفتتح البوفيه."
سامية: "ومستعجل ليه؟ ما لسه بدري."
سليم: "عاوز أسلم على الناس، خليهم بس يجيبوا الشبكة يالا."
وبعد أن ألبس سليم عروسه الشبكة، قاموا بافتتاح البوفيه ودعوا الجميع إليه، لينقضي بعض الوقت في تناول الطعام والشراب، ليعود سليم بصحبة عروسه مرة أخرى ويقوما بالمرور على المدعوين للترحيب بهم وشكرهم على الحضور، حتى وصلا إلى مائدة فرح ليقول سليم موجهاً حديثه لعروسه: "ودي بقى يا ستي عيلة عمتي فاطمة"، ويقوم بتقديم الجميع إليها، حتى وصل إلى فرح ليقول بنبرة تهكم: "ودي بقى يا ستي الدكتورة فرح اللي حكيتلك عليها.. بتموت فيا."
تعتدل فرح بوقفتها وتبتسم قائلة: "مبروك يا سليم.. مبروك يا لمياء، ربنا يسعدكم ويتمملكم بكل خير."
لمياء: "عقبالك يا فرح."
سليم بتهكم: "ما أعتقدش."
لتنظر له لمياء بحرج، تستشعره فرح التي قالت: "أصل سليم عارف إني مش حاطة موضوع الجواز في دماغي."
سليم: "تقصدي الجواز اللي مش حاطك في حسبانه؟"
فرح: "الحقيقة أنت اللي مش فاهم."
سليم: "وإيه بقى اللي أنا مش فاهمه؟"
فرح بلهجة تحدي: "إني عشان أتزوج لازم ألاقي الأول راجل يملى عيني، بس للأسف.. الصنف مابقاش موجود.. كان في وخلص، وعشان كده قلت أحسن، يارب تكون فهمت."
وعندما استشعرت ندا بأن الحوار قد أخذ مجرى غير لائق قالت بمرح: "يالا يا سليم خد عروستك وارجع لأصحابك عند الكوشة، عمالين يندهوا عليك."
لينسحب سليم ساحباً عروسه بيده، وعاد إلى أصدقائه الذين هللوا ما إن عاد إليهم ليستكملوا احتفالهم.
لتَمِل فرح على فاطمة قائلة: "ماما أنا لازم أمشي، عشان ألحق أنام شوية، أنا عندي مستشفى بدري."
فاطمة: "يا بنتي اصبري وهنمشي كلنا مع بعض."
فرح: "خليكم براحتكم وابقى حصلوني."
رحمة: "ما تقعدي معانا شوية يا فرح، ده أنا ما بقيتش أشوفك غير كل فين وفين."
فرح: "حبيبتي، أنتِ عارفة الشغل واخد معظم وقتي."
ندا: "أنا عاوزة أجيلك المستشفى يا فرح."
فرح بفضول: "ليه؟ سلامتك؟"
ندا: "بقالي فترة بحس بوجع مش عارفة ده معدتي ولّا القولون ولّا قلبي ولّا إيه بالظبط، فعاوزة أعمل تشيك أب كامل."
فرح: "شاوريلي على مكان الوجع كده."
لتشير ندا إلى موضع الألم، فتضغط فرح بيدها وتقول: "ده شكله ارتجاع في المريء يا ندا، بصي.. خدي الدوا ده على الريق على ما تجيلي، وما تاكليش حاجات دسمة ولا حراقة."
وقامت بكتابة اسم مستحضر طبي ما بورقة وأعطتها لحسين الذي قال: "على الله تسمع الكلام أحسن دي بتاكل الطرشي بدل اللب."
فرح: "يا خبر يا ندا، أنتِ لسه فيكي العادة دي؟ يبقى فعلاً المريء، التزمي بقى باللي قلتهولك ده على ما تجيلي المستشفى."
وأكملت قائلة: "وتعاليلى في أي وقت وأنا هظبطك، وإن شاء الله خير، بس ما تهمليش يا ندا."
فاطمة: "وإنتي تعبانة هتعملي العزومة اللي بتقولي عليها دي إزاي؟"
إبراهيم: "ما تقلقيش يا فاطمة، ندا مش هتحط إيدها في حاجة."
رحمة: "ما أنا قلتلك يا ماما، إحنا اخترنا بيت ندا عشان الريسبشن واسع هياخدنا كلنا، لكن الأكل كله هييجي جاهز، وكمان عمي جايب ناس تخدم علينا."
عادل: "يعيش ويعمل يا إبراهيم، عقبال ما تجوزه."
إبراهيم بامتنان: "يارب يا عادل، يا رب."
عادل: "طب إحنا هنمشي بقى."
حسين: "ما تخليكم معانا شوية."
عادل: "عشان شغل فرح وشغلي، وكمان محمود ومذاكرته."
حسن: "إحنا كمان نمشي، ولّا إيه يا رحمة؟"
رحمة: "ماشي.. يالا نسلم عليهم كلنا مع بعض ونمشي."
وبعد مرور يومين، كانت فرح بعملها، كانت بفترة راحتها، فأخرجت هاتفها وقامت بالاتصال بندا وقالت: "إزيك يا ندا... عاملة إيه؟ طمنيني."
ندا ضاحكة: "الحمد لله يا ست الدكتورة."
فرح: "مش قلتلي إنك هتجيلني أعمل لك تشيك أب؟ ما جيتيش ليه؟"
ندا: "أصل الدكتورة بتاعتي شاطرة والعلاج اللي اديتهولي ريحني، أروح أتعب نفسي تاني ليه بقى؟"
فرح: "أفهم من كده إن الوجع راح خالص؟"
ندا: "بصراحة لا، لكن خف كتير جداً عن الأول."
فرح: "طب برضه تجيني أعمل لك سونار، ونتطمن."
ندا: "خليها بقى بعد حفلة كامل، على الأقل أكون فضيت."
فرح: "طيب.. هسيبك براحتك، بس ماتهمليش."
ندا: "حاضر، ما تقلقيش."
فرح: "أومال ريتاج مش سامعة لها حس يعني؟"
ندا ضاحكة: "حسين يا ستي خدها في حضنه عشان ينيمها، راحوا ناموا هم الاتنين."
فرح بصدق: "ربنا يديمها نعمة عليكي ويخليكم لبعض."
وبعد أن أغلقت فرح هاتفها، وجدت صديقتها رباب تدخل عليها وهي متجهمة الملامح فقالت لها: "إيه يا رباب.. مالك؟"
رباب بحزن: "ما فيش."
فرح: "ما فيش إزاي؟ شكلك في حاجة مضايقاكي."
رباب: "أعمل إيه بس يا فرح؟ كل يوم والتاني ألاقي مصطفى بيخترعلي مشكلة، ومش عارفة الصراحة موضوعنا ده هيرسي على إيه، انصحيني أنتِ أعمل إيه."
فرح: "أنا آخر واحدة ممكن تطلبي منها النصيحة في المواضيع دي بالذات."
رباب: "وليه يعني؟"
فرح: "لأني ببساطة فقدت إيماني بالحياة الأسرية."
رباب: "ما تزعليش مني يا فرح، حساكي بتتكلمي كده وخلاص، أنتِ مامتك متجوزة ومبسوطة وإخواتك متجوزين ومبسوطين، ليه أنتِ اللي مصممة تحطي نفسك في الوضع ده؟"
فرح: "وضع إيه اللي بتتكلمي عنه؟ تقدري تقوليلي من يوم ما اتخطبتي لمصطفى اتخانقتوا كام مرة؟ أكيد مش هتعرفي تعديهم من كترهم، أنتِ بنفسك لسه قايلة إنه بيخترعلك مشاكل، يبقى لزمته إيه بقى من أصل؟"
رباب: "مسير العشرة هتغيره ومش هيهون عليه يضايقني بعد كده."
فرح لنفسها بسخرية وهي تستعد للذهاب لاستئناف عملها: "آه.. فعلاً، زي ما أبويا عمل مع أمي بالظبط، طلقها ورماها بالتلات بنات."
لتومئ فرح برأسها وتقول: "ربنا يهديلك الحال يا رباب، أنا رايحة أبص على العيانين بتوعي."
تمر بعض الأيام حتى يأتي موعد دعوة إبراهيم بمنزل ندا، لتذهب فرح بصحبة فاطمة وزوجها وإخوتها الذكور، وعند وصولهم، وجدوا الجميع بانتظارهم وعلى رأسهم إبراهيم بترحاب شديد وإلى جواره ولده كامل.
وكان كامل في السابعة والثلاثين من عمره، وقد رحب كثيراً بفاطمة التي قد عاصر معها ما حدث لها ومعها من عمه، فقد كان دائماً مصاحباً لأبيه عند زياراته لفاطمة ومحاولة القيام على شئونهم قبل زواج فاطمة وعادل.
كامل بود: "إزيك يا طنط فاطمة.. وحشاني والله."
فاطمة: "إزيك أنت يا كامل، حمد الله على السلامة، نورت بيتك وبلدك كلها."
كامل بابتسامة وهو يحيي عادل: "إزاي حضرتك، نورت."
عادل بود: "أنت اللي نورت الدنيا كلها، ثم أشار إلى أحمد ومحمود قائلاً: "ودول يا سيدي أحمد ومحمود.. يا ترى فاكرهم؟"
كامل: "طبعاً فاكرهم، بس ما شاء الله، دول بقوا رجالة أهو، ثم نظر إلى فرح وقال: "أنتِ أكيد فرح."
إبراهيم بفخر: "تقصد الدكتورة فرح."
كامل بتقييم: "ما شاء الله، وبقينا زملاء كمان."
فرح: "ايش جاب لجاب يا دكتور، حضرتك ما شاء الله دلوقتي خبرة عظيمة، لكن أنا يا دوب لسه بحاول آخد خبرة وأتعلم."
ندا بمرح: "أوعى تصدقها يا كامل، دي بس حطت إيدها عليا عرفت أنا عندي إيه وعالجتني في ساعتها."
كامل: "أنتِ تخصص إيه على كده؟"
فرح: "باطنة، وبعمل الماجستير دلوقتي في أمراض الجهاز الهضمي."
كامل: "برافو عليكي، أنا تخصص جراحة، افتتاح المستشفى بتاعتي هيبقى في خلال شهر أو اتنين بالكتير من النهاردة، إيه رأيك تنضمي لفريق المستشفى وتشتغلي معانا، ولو عندك ترشيحات معينة لكل التخصصات يبقى يا ريت."
فرح: "الحقيقة أنا ماضية عقد مع المستشفى اللي بشتغل فيها لمدة سنة."
كامل: "لسه فاضل تلات شهور على نهاية العقد بتاعي. حلو جداً، ممكن تنضمي لنا على خفيف على ما تخلصي العقد بتاعك هناك، وبعد كده تتفرغي لنا.. ها قلتي إيه؟"
"السلام عليكم.. حمد الله على السلامة يا كامل."
لتلتفت الجميع على ذلك الصوت، لتجد فرح رجلاً يشبه إبراهيم إلى حد كبير مع الفارق، فإبراهيم ينضح وجهه بالطيبة والحنان، أما ذلك الرجل فقد انقبض قلبها وقت أن وقع بصرها عليه، لتشعر فجأة بأن العالم أجمع قد تجمد حولها عندما سمعت كامل يقول ببرود: "أهلاً عمي منصور.. الله يسلمك."
لتنظر فرح إلى عمها وإخوتها بعتاب مدفون وتنهض من فورها متجهة إلى الخارج دون أي كلمة، ليوقفها صوت منصور وهو يقول: "بقى هو ده برضه الأدب يا دكتورة؟ علمواكي إنك لما تشوفي أبوكي، بدل ما توطي على إيده تبوسيها، تسيبيه وتمشي من غير حتى ما تسلمي عليه؟"
لتقف فرح لبرهة في مكانها، دون أن تلتفت إليه، ولكنها سرعان ما تغلبت على غضبها والتفتت له ببرود وقالت متسائلة: "هو حضرتك بتكلمني أنا؟"
منصور بجمود: "وهو فيه حد غيرك سابني ومشي؟"
فرح: "بس حضرتك بتقول.. لما تشوفي أبوكي، هو فين أبويا ده؟"
منصور بحدة: "ما تنسيش روحك وأنتِ بتتكلمي مع أبوكي."
فرح بندية: "أنت اللي ما تنساش نفسك وأنت بتتكلم معايا، أبويا مين ده اللي بتتكلم عنه؟ أنا أبويا مات من خمسة وعشرين سنة."
منصور بغضب: "اخرسي يا قليلة الحيا."
فرح بغضب: "أنا مش قليلة الحيا، أنت اللي قليل الدين."
ليرفع منصور يده عالياً ليهوي بها على وجه فرح لولا أن سبقته يد كامل وهو يزيح فرح من أمامه، لتقول فاطمة بحدة: "إياك تمد إيدك عليها يا منصور."
منصور: "ده بدل ما تربيها وتعلميها الأدب."
فاطمة: "أنا بنتي متربية كويس أوي."
منصور: "في واحدة متربية تكلم أبوها بالشكل ده؟"
فرح بثورة: "بس ما تقولش أبوها، أنهي أب ده اللي بتتكلم عنه؟ أنهي أب ده اللي يرفض يستلم بنته يوم ولادتها لأنها جت بنت مش ولد، أنهي أب ده اللي بيتشرط على رزق ربنا، أنهي أب ده اللي بيبعت لمراته شهادة ميلاد بنته مع قسيمة طلاقها عشان تفضل شايلها وصمة على جبينها طول عمرها.. خمسة وعشرين سنة ما فكرتش تسأل على واحدة فينا، خمسة وعشرين سنة وأنت ما تعرفش عنا حاجة."
منصور: "ما تنسيش إن اللي وصلتي له ده بفلوسي."
فرح بثورة: "لأأأأأ، انسى، أنا من يوم ما دخلت الجامعة وأنا كل مليم اتصرف عليا كان من تعبي وشقايا، تعرف ليه؟ لأني كنت عارفة إن هييجي يوم وأسمع منك الكلمة دي، أنا ما فيش راجل في الدنيا دي له فضل عليا، ورغم إني ما أنكرش كرم عمو عادل وحبه ليا، إلا إني برضه ماسمحتلوش إنه يصرف عليا، كرهتك وكرهت اسمك وجنسك بحاله، لدرجة إني حاولت أغير اسمي بس للأسف القانون ما أنصفنيش."
"انت أب عاق يا منصور بيه، ويا ويلك من ربنا يوم القيامة، تعرف.. أنا بسامح كل الناس.. إلا أنت عمري ما هسامحك أبداً وبدعي عليك كل يوم إن ربنا ينتقم منك دنيا ودين."
ثم التفتت إلى إبراهيم وقالت بعتاب: "كان لازم تعرفني إنه جاي وأنا كنت أقرر إن كنت أشوفه ولّا لأ."
ثم اتجهت من فورها إلى الخارج ليلحق بها عادل وفاطمة وإخوتها الذكور.
رواية لما قالوا دي صبية الفصل الثاني 2 - بقلم ميمي عوالي
التفتت فرح إلى إبراهيم وقالت بعتاب:
كان لازم تعرفني إنه جاي، وأنا كنت أقرر إن كنت أشوفه ولا لأ.
ثم اتجهت من فورها إلى الخارج ليلحق بها عادل وفاطمة وإخوتها الذكور.
بعد انصرافهم، نظر إبراهيم إلى منصور بعتاب وقال:
برضه صممت على اللي في دماغك، ما أنا قلتلك يا منصور… اديني فرصة أحاول معاه.
منصور بعنجهية:
تحاول معاها في إيه أنا مش فاهم، هي لسه صغيرة عشان تعمل اللي بتعمله ده، إيه مشكلتها أنا مش فاهم، ما إخواتها أهم بييجوني وبجيلهم، وفاهمين وعارفين إني ما عملتش حاجة تغضب ربنا.
نَدى بتردد:
سامحني يا بابا، كونك طلقت ماما أو إنك اتجوزت، فده يمكن يكون فعلاً حاجة ما تغضبش ربنا، لكن اللي حضرتك عملته مع فرح ده… يا ترى هو كمان ما يغضبش ربنا؟
منصور بحدة:
جرى إيه يا ست ندى، انتي دماغك هترجع تلف وتحدف من تاني ولا إيه؟
نَدى:
أنا دماغي لا لفت ولا حدفت يا بابا، بس ياريت حضرتك تفتكر إن فرح بتتحاسب من خمسة وعشرين سنة لحد النهاردة على طلاقك لماما يوم ولادتها، اتقال عليها نحس واتعايرت بيه طول السنين دي.
منصور:
المفروض إنها كبرت وفهمت.
رحمة:
فهمت إيه يا بابا؟
منصور:
إيه انتي وآخرة يا ست رحمة، هتديني محاضرة انتي كمان، لما انتوا شايفيني شيطان كده والغلط راكبني من ساسي لراسي زي ما بيقولوا، جيتولي ليه وقربتوا مني ليه؟
رحمة بزعل:
قربنا منك عشان أبونا، وعشان ربنا ما يحاسبناش إننا ما حاولناش معاك بعد قطيعتك لينا كل السنين دي.
منصور بسخرية:
اللهم قوي إيمانكم، تقصدي كنتوا جايين تتنعموا في خيري وتتجهزوا وتتجوزوا بمال أبوكم.
تتبادل نَدى ورحمة النظرات مع أزواجهما وعمهما بخجل، فقال إبراهيم لائماً أخاه:
ما يصحش الكلام اللي بتقوله لبناتك ده يا منصور.
منصور بحدة:
وهو يصح إن كل واحدة فيهم واقفة تحاسبني، وناقص يعاقبوني ولا يضربوني على إيدي ويقولولي ما تعملش كده تاني؟
إبراهيم:
يا منصور افهم… البنات…
ليقاطعه كامل بنفاد صبر وبنبرة يعلوها الغضب:
انت بتتناقش في إيه يا بابا ومع مين، انت بتنفخ في قربة مخرومة.
منصور بسخرية:
نعم يا سي كامل انت وآخرة، إيه… في كلمتين محشورين في زورك انت وآخرة وعايز تبعبع بيهم؟
لينظر له كامل بازدراء قائلاً:
الحقيقة لو كنت شايف من حضرتك رجا من زمان، ما كنتش سكتت أبداً لحد النهاردة.
منصور:
ولزومها إيه بقى حضرتك دي؟
كامل:
دي لزوم تربية أبونا لينا يا… عمي، بس الحقيقة… أنا عايز أسأل حضرتك سؤال محيرني.
منصور بسخرية:
وماله… اسأل.
كامل وهو ينظر لعمه نظرة شماتة:
الّا هو يعني نادر ونبيل أخبارهم إيه؟ يا ترى خلصوا تانية معهد ولا لسه؟
منصور وهو يكبت غيظه:
يخلصوا ولا ما يخلصوش، هو التعليم يعني هيعمل لهم إيه، كده كده أنا هعمل لهم مشروع يمسكوه مع بعض.
كامل بسخرية:
فكرة برضه، بلا تعليم بلا وجع قلب.
منصور وهو يحمحم بصوته:
ده أنا حتى كنت بفكر لو أدخل معاك شريك في المستشفى بتاعتك باسمهم… إيه رأيك؟
لتعلُ ضحكات كامل وهو يقول:
إيه ده، انت هتوجه فلوسك للأعمال الخيرية؟
منصور باستغراب:
أعمال خيرية إيه، انت مش عامل مستشفى خاصة؟
كامل:
آه… حصل، بس هيبقى فيها جزء خيري يطهر الواحد من ذنوبه، والحقيقة أنا لا يمكن أقتنع أبداً إنك بتفكر إنك تتطهر.
لينهض منصور من مجلسه بشيء من الغضب وقال:
أنا ماشي، الظاهر إني غلطت فعلاً لما جيت دلوقتي.
إبراهيم:
ما تقعد تاكل معانا لقمة.
منصور وهو ينظر لبناته بوجوم:
مش عايز من وشهم حاجة.
وبعد انصراف منصور، تنظر نَدى لرحمة وتقول بحزن:
لو قعدنا نحلف لفرح لحد الصبح إننا ما كناش نعرف إنه جاي النهاردة، عمرها ماهتصدقنا.
حسن:
الحقيقة أنا مش عارف هو هيعرف إمتى إن كل اللي بيعمله ده غلط.
كامل:
مش هيعرف، وفي نوعية كده من البشر زي عمك كده، بيبقى حلال فيهم إنهم يموتوا على ضلالهم، عشان يتعاقبوا يوم القيامة صح.
إبراهيم وهو يشير بعينيه اتجاه رحمة ونَدى:
ما يصحش الكلام ده يا كامل.
لتُقول رحمة وهي تنهض من مكانها:
ما تفرقش يا عمي، كامل مقالش حاجة غلط، حقك علينا يا كامل بوظنالك اليوم، ياللا يا حسن… أنا عايزة أمشي.
كامل بتفكير:
طب إيه رأيكم، ما تيجوا نحصلهم.
حسين باستغراب:
نحصل مين؟
كامل:
طنط فاطمة والجماعة، تعالوا ناخد الأكل والحاجة ونروح نسهر معاهم… إيه رأيكم؟
إبراهيم بابتسامة:
والله فكرة، حتى فرح ما تنامش وهي زعلانة مننا وظالمانا، وكمان فاطمة وعادل زمانهم أخدوا على خاطرهم مننا كلنا.
أما في منزل فاطمة، فكانت فرح تجلس بغرفتها وهي تنظر إلى السماء من خلال نافذتها في شرود تام، حتى قطع شرودها دقات على باب غرفتها غير المغلق، وعندما التفتت وجدت شقيقها أحمد ينظر إليها بابتسامة عذبة قائلاً:
حاسس إن في حاجة بتوجعني فجيتلك تشوفيها لي.
فرح بانتباه وهي تقترب منه بتفحص:
حاجة إيه اللي بتوجعك؟
أحمد وهو يجذبها إلى الفراش ليجلس بجوارها قائلاً:
قلبي اللي واجعني.
فرح وهي تضع كف يدها على صدره بقلق:
واجعك إزاي، ومن إمتى الكلام ده؟
أحمد بهدوء:
قلبي واجعني على زعلك، مفيش حاجة في الدنيا دي كلها تستاهل إنك تزعلي عليها صدقيني.
فرح بابتسامة:
ومين قال لك إني زعلانة، بالعكس، أنا مبسوطة جداً إني اتأكدت إني حاسباها صح من البداية، أنا بس صعب عليا من إخواتي وعمي إنهم ما قدروish وما بلغونيش إنه رايح هناك.
أحمد:
مش يمكن اتفاجئوا زيك؟
فرح:
ولما الكل اتفاجئ، اومال عرف منين؟
ليأتيها صوت عمها وهو يقف بالباب قائلاً:
مني أنا يا فرح، بس أقسم لك يا بنتي إني ما كنتش أعرف إنه ناوي ييجي.
لتُقف فرح بأدب اجلالاً لعمها قائلة:
أهلاً بحضرتك يا عمي.
ليتقدم منها إبراهيم ويقول:
أنا حكيت قدام أبوكي إني عامل عزومة ليكم عشان خاطر كامل، لأنه كان عايز يعزمنا النهاردة عنده في بيته، فرفضت طبعاً، وحكيتله عن العزومة عشان يفهم سبب رفضي، لكن ما كنتش أتخيل أبداً إنه هييجي ويحصل اللي حصل ده… إنتي عارفة إني طول عمري معاكي وفاهمك وعاذرك، فمش معقول أبداً هحطك في موقف زي ده وفجأة كمان… مصدقاني يا بنتي؟
لتُومئ فرح رأسها لتنهيدة عميقة وتقول:
مصدقاك يا عمي، بس يا ترى بقى إخواتي هم كمان ما كانوش يعرفوا؟
إبراهيم:
لو كنتي استنيتي شوية كمان كنتي شفتي إخواتك عملوا إيه وقالوا إيه لأبوهم لدرجة إن العلاقة ما بينهم رجعت اتوترت من تاني.
أحمد بمرح:
ما تسيبونا بقى من السيرة دي، المهم دلوقتي إن الكل جه بره وجايبين معاهم الأكل اللي ما لحقناش ناكله، وأنا بصراحة جعان، ياللا بقى يا فرح تعالي عشان ناكل.
فرح:
وليه تعبت نفسك كده يا عمي؟
إبراهيم:
يعني تعبنا عملنا إيه يا بنتي، إحنا يا دوب جينا بالعربية عشان ناكل لقمة مع بعض، ولا إنتي بقى مش عايزة تقعدي مع عمك وإخواتك؟
فرح:
العفو يا عمي، حضرتك عارف معزتك عندي من زمان.
إبراهيم:
طب ياللا ياللا قومي معايا، ده حتى كامل ما هانش عليه زعلك انتي ووالدتك، وهو اللي اقترح علينا نجيب كل حاجة ونيجي.
فرح:
كتر خيره.
بعد مرور شهرين على تلك الواقعة، كان كامل قد أتم تجهيز الكثير من مستلزمات مشفاه بإمكانيات متوسطة، وقام بتكوين فريق طبي ماهر من غير متطلبي الثروات، وقام بمهاتفة فرح وقال:
إزيك يا دكتورة… أخبارك إيه؟
فرح:
أهلاً يا دكتور كامل، أنا بخير الحمد لله، إزاي حضرتك؟
كامل:
أهو بنجهز للافتتاح.
فرح:
ألف مبروك، ربنا يجعلها فتحة خير عليك إن شاء الله.
كامل:
علينا كلنا بإذن الله، ولا إنتي رجعتي في كلامك؟
فرح:
ما أنا بلغت حضرتك إن لسه فاضلي شهر على ما العقد بتاعي هنا ينتهي.
كامل:
بس ده ما يمنعش إنك تحضري معانا الافتتاح ولا إيه، خصوصاً إني حطيت اسمك من ضمن فريق الجهاز الهضمي الأساسي في المستشفى، وكنا عايزين نعمل اجتماع مبدئي نحدد فيه الخطوط العريضة اللي هنشتغل عليها.
فرح:
تقصد إنك عايزني أحضر الاجتماع ده؟
كامل:
بالظبط كده، وعشان مش عايز أعمل لك مشكلة في آخر العقد بتاعك، إنتي قوللي راحتك يوم إيه، وأنا أحدد فيه الاجتماع ده.
فرح بامتنان:
الحقيقة أنا متشكرة جداً، ولو على كده أنا راحتي يوم التلات إن شاء الله.
كامل بحماس:
خلاص، يبقى اتفقنا، الاجتماع يوم التلات الساعة عشرة الصبح إن شاء الله.
فرح:
ياريت تبعتلي العنوان واللوكيشن.
كامل:
لا ماتحمليش هم، أنا هعدي عليكي الساعة تسعة آخدك معايا في سكتي، على ما تعرفي تتعودي على الطريق لوحدك.
فرح:
مش عايزة أعطل حضرتك.
كامل:
لا يا ستي مش هتعطليني ولا حاجة، ياللا هسيبك عشان أنا اللي ما أعطلش شغلك، وأشوفك التلات الصبح بإذن الله.
وفي صبيحة الثلاثاء وفي تمام التاسعة تستمع فرح إلى رنين هاتفها لتجد أن كامل يستدعيها لكي يذهبا معاً للمشفى، فذهبت إليه على الفور وما إن جلست بجانبه بالسيارة حتى قالت:
صباح الخير.. اتأخرت عليك حضرتك؟
كامل بابتسامة وهو يدير سيارته استعداداً للانطلاق بها:
لا أبداً، ما اتأخرتيش، فطرتي ولا لأ؟
فرح:
أخدت كوباية نسكافيه بسرعة كده عشان أفوق.
كامل:
كويس، عموماً أنا كمان عملت زيك، وخمنت إن انتي كمان هتنزلي من غير فطار، فعملت حسابك معايا.
قالها وهو يمد يمينه إلى المقعد الخلفي جاذباً حقيبة ورقية وضعها على قدم فرح وقال:
طلعيلنا بقى كل واحد سندوتش كده، عشان لما نبتدي الاجتماع ما نهبطش من الناس ويبقى شكلنا وحش.
تمد فرح يدها بداخل الحقيبة وتخرج سندوتش وتنزع عنه غلافه وتمد يدها به إلى كامل قائلة:
اتفضل، بس أنا اعذرني مش هقدر آكل حاجة دلوقتي خالص.
كامل بجدية:
المفروض إنك دكتورة وعارفة كويس إن الكلام ده غلط، اومال إزاي بتنصحي العيانين بتوعك إنهم يلتزموا بنظام صحي؟
فرح:
أنا في الطبيعي بفطر كل يوم، بس النهاردة أما صحيت حسيت إن معدتي قافشة ومش قادرة آكل حاجة.
كامل وهو يتمعن بوجهها:
قلقانة؟
فرح بتردد:
يعني… شوية.
كامل:
وإيه اللي مقلقك، انتي مش أول مرة تحتكي بالمجال الطبي ولا أول مرة تشتغلي؟
فرح:
عندك حق، بس أنا الصراحة مابحبش الاجتماعات والكلام الرسمي ده، آه بيتقال فيه كلام مهم… لكن بحس إن بيبقى درجة التركيز على الشكليات أعلى من أي وقت تاني، وأنا ما بحبش كده.
كامل:
ليه؟
فرح:
مش لسبب بعينه، بس ما بحبش حد يبحلق فيا ويفصص في تفاصيلي وملامحي.
كامل بشرود:
عندك حق، رغم إن في بنات كتير بتحب أوي إنها تكون دايماً تحت الملاحظة.
فرح بجدية:
أنا مش من البنات دي.
كامل بابتسامة:
عارف… عارف إنك مش زي أي حد، بس ده ما يمنعش إنك تنسي كل الكلام ده، وبرضه هتاكلي السندوتش اللي عملتهولك.
فرح باستغراب:
هو انت اللي عامل السندوتشات؟
كامل:
أيوه طبعاً، أنا ما بحبش آكل أي حاجة جاهزة.
فرح بدهشة:
غريبة أوي، يعني عايز تفهمني إنك طول سنين الغربة دي كنت بتعمل أكلك لنفسك؟
كامل:
أيوه… مستغربة ليه؟
فرح:
أصلك أكيد كنت بتبقى طول اليوم بره، وفي شغلك أكيد كنت بترجع مهدود وعايز تنام.
كامل بابتسامة:
حقيقي، بس كنت بستغل يوم إجازتي إني أظبط حالي.
فرح ضاحكة:
ده انت غلبت ستات مصر الموظفين.
كامل:
يا بنتي الحكاية مش حكاية راجل وست، الحكاية حكاية نظام حياة ولازم تكيفي نفسك على ظروفك المحيطة بيكي.
فرح باعجاب:
والله معاك حق، ياريت كل الناس تبقى زيك كده.
كامل وهو يجذب السندوتش من يدها:
طلعي يلا السندوتش بتاعك كليه وقوليلي رأيك.
ليجذب فضول فرح فتلتقط السندوتش الآخر وتخرجه من مغلفه، لتجد أنه وضع به شرائح من الطماطم والخس والخيار بطريقة جذابة شهية ومن حولها خليط من الجبن الريفي المخلوط بالزعتر والشطة وزيت الزيتون.
فرح باعجاب:
إيه الدماغ دي، تسلم إيدك، بصراحة رغم بساطته إلا إنه يفتح النفس، بس كده إحنا محتاجين بعد ما ناكل…
ليقاطعها كامل بضحكة عالية:
نحبس بكوباية شاي سخن بالنعناع.
فرح باستمتاع:
يا جماله يا جماله.
عند وصولهم إلى المشفى، قام كامل بعمل جولة تفقدية سريعة على بعض الأماكن، وكانت فرح بصحبته تدون بذاكرتها مداخل الأقسام وممراتها المتشابكة، ليستقروا أخيراً بغرفة الاجتماعات والتي وجدوا الجميع بانتظارهم، وعند دخولهم حيوا الجميع، وجلس كامل على رأس مائدة الاجتماع وجلست فرح على المقعد المخصص لها والمجاور أيضاً لكامل والتي وجدت ورقة مدون عليها اسمها تستقر أمام مقعدها على المائدة.
ليبدأ كامل في تعريف الفريق الطبي على بعضهم البعض ثم قال:
أعتقد أن سبق للكل أنه يعرف إني لسه واصل مصر من قريب، وإن والدي ربنا يديله الصحة هو اللي كان متولي الإشراف على بناء المستشفى بتاعتنا هنا، وطبعاً بما إننا على وشك الافتتاح، فإحنا محتاجين إننا نحط الخطوط العريضة اللي هنمشي عليها عشان ما يحصلش أي مشاكل لا قدر الله بعد كده.
طبعاً كل قسم هنا هيبقى له رئيس بيشرف عليه واللي مبدئياً هيبقى للأكبر سناً مابين زملائه في القسم، معظمنا نعتبر لسه شباب، وعشان كده يمكن ما يبقاش فيه فرق خبرة كبير بينا وبين بعض، الحقيقة الكلام ده هينطبق على كل الأقسام ما عدا قسم الباطنة واللي هتبقى رئيسه الدكتورة فرح بنت عمي، واللي يمكن كلكم تشوفوا إنها صغيرة في السن عن باقي زمايلها في القسم، لكن اللي ما حدش يعرفه إن دكتورة فرح عندها احتكاك بالمجال الطبي من وهي لسه في سنة أولى طب وكمان كانت وما زالت بتشتغل في صرح طبي كبير ألا وهو مستشفى علام الكردي واللي لا يستهان بها على الإطلاق في مجال الطب والصحة، والكل يعلم عنه إنه ما بيشغلش أي حد.
كانت فرح تجلس وهي تستمع لحديث كامل بتركيز شديد حتى تفاجئت بتوليها هذا المنصب والذي لم يذكر كامل أي شيء عنه من قبل في حديثهما سوياً، ولكنها قررت عدم التعليق على حديثه حتى ينتهي الاجتماع والذي انتهى بعد أربع ساعات كاملة، نال منهم الإرهاق فيهم بشدة، ليتفق الحضور على موعد الافتتاح والذي تم تحديد موعده بعد شهر من الآن، مع بدء كل قسم بحصر كل ما يحتاجه، حتى يكون المشفى على أتم الاستعداد لبداية العمل دون توقف أو عقبات.
وبعد انصراف الجميع نظر كامل لفرح بابتسامة وقال:
جوعتي؟
فرح:
بالصراحة أيوه.
كامل بدعابة:
شفتي بقى، أهو لو ما كنتيش سمعتي كلامي وكلتي السندوتش بتاعك كان زمانك هبطتي مننا وإحنا لسه بنقول يا هادي.
فرح:
الحقيقة كمان إني مش متعودة إني أقعد فترة كبيرة كده على بعضها، أنا متعودة إني أتحرك وأشتغل.
لينهض كامل قائلاً:
طب ياللا بينا، تعالي أفرجك على المكتب بتاعك.
فرح:
ممكن حضرتك تقعد بس وتفهمني الأول انت ليه عملت كده؟
كامل:
عملت إيه؟
فرح:
حضرتك مش شايف إن منصب رئيس القسم ده كبير عليا أوي؟
كامل بابتسامة:
إيه… خايفة؟
فرح:
مش هكدب وأقول لأ، دي مسؤولية كبيرة أوي عليا، حضرتك كأنك بترمني في البحر وبتقولي عومي.
كامل:
اسمعي يا فرح، في حاجة مهمة أوي لازم تفهميها، كل زمايلنا اللي موجودين معانا دول تعبوا وذاكروا واجتهدوا صحيح عشان يبقوا دكاترة، لكن أنا شايف إن تعبتي أكتر من أي حد هنا، واجتهدتي أكتر من الكل، إن كنت أنا اتغربت عن بلدي وأهلي عشان أوصل للي وصلت له، فإنتي كمان اتغربتي زيي بالظبط، بس مع اختلاف الظروف.
ولو إنتي خايفة من المسؤولية، فالحقيقة متطمن عليكي ومش قلقان، بس ده ما يمنعش إنك في أي وقت لو احتاجتي لمشورتي هتلاقيني دايماً في ضهرك… تمام.
لتُقول فرح وهي شاردة في حديثه الذي أثلج صدرها:
تمام يا دكتور، وبشكر حضرتك على ثقتك الغالية، وأتمنى إني أكون قدها.
كامل:
إخواتنا مستنيينا على الغداء في بيت حسن، ومأكدين عليا إنك لازم تيجي معايا.
فرح:
بس أنا ما قلتش لماما.
كامل:
بسيطة… كلميها وبلغيها، وأكيد مش هتعترض، ثم مد يده إليها بميدالية مفاتيحه قائلاً:
ومعاش أسفيني على العربية على ما أبص على حاجة على السريع كده وهحصلك عليها.
وفي الطريق إلى منزل حسن ورحمة قال كامل بتردد:
عايز أسألك سؤال بس قلقان من رد فعلك.
فرح:
سؤال إيه ده، وبخصوص إيه؟
كامل:
بخصوص والدك.
فرح بجمود:
أنا والدي مات يوم ما اتولدت.
كامل ببساطة:
عندك حق، وأوعي تفكري إني بحاول أحنن قلبك عليه، أنا بس عايز أفهم.
فرح:
و حضرتك عايز تفهم إيه؟
كامل:
إنتي لما قررتي إنك تشتغلي بعد الثانوية العامة على طول، كنتي بتشتغلي فعلاً عشان ما يصرفش عليكي؟
فرح:
أيوه.
كامل:
طب هو يعني لو كنتي قلتيلهم كده، كان ممكن بابا أو عمو عادل يرفضوا إنهم يساعدوكي مادياً بعيد عن أبوكي؟
فرح:
وهم ذنبهم إيه عشان يتحملوا مصاريفي؟
كامل:
طالما إنك مش هتبقي عبء على حد فيهم يبقى ليه لأ؟
فرح بسخرية:
الّا أنا كنت عبء على اللي من صلبه، تفتكر مش هبقى عبء على غيره؟
كامل:
بس اللي أعرفه إن عمي عمره ما اتأخر عن نفقاتكم.
فرح:
الفلوس عمرها ما بتبنى بني آدم يا دكتور، وبعدين أنهي نفقات دي اللي حضرتك بتتكلم عنها، النفقات اللي كان بيبعتها مع عمي أول كل شهر زي الصدقة اللي بيمن علينا بيها.
ثم أكملت بألم:
تصدق، أنا لو كنت لقيطة وأولاد الحلال هم اللي كانوا بيعملوا معايا كده، ما كنتش هبقى ناقمة عليه بالشكل ده.
كامل:
أنا عارف إن عندك حق، لكن أنا مش عايز الموضوع يأثر فيكي أكتر من كده.
فرح بسخرية:
معلش يا دكتور، أصل حضرتك ما تعرفش أنا قضيت عمري كله إزاي بسببه، ما تعرفش إني كل ليلة بدعي عليه قبل ما بنام إن ربنا ينتقم منه وإنه يندم على اللي عمله بس بعد فوات الأوان، بعد ما يفوت الوقت على إنه يصلح أي حاجة من اللي عملها فيا أنا وإخواتي.
كامل بتنهيدة عميقة:
طب تفتكري لو فضلتِ على طول عايشة في الوجع ده، هتبقى كده أخدتي حقك منه، بالعكس، أنا شايف إنك تعيشي حياتك وتفرحي وتنبسطي، وإنتي ما شاء الله ناجحة في شغلك وفي حياتك، لكن ليه توقفي حياتك عليه؟
فرح:
ومين قال لحضرتك إني موقفة حياتي عليه؟
كامل:
الجمود اللي بتتعاملي بيه مع اللي حواليكي يا فرح، صدقيني الحياة أبسط من كده بكتير.
لتنظر فرح أمامها بجمود ولا تعقب على حديثه، ليحترم كامل صمتها ولا يعقب هو الآخر حتى وصلا إلى منزل حسن ورحمة، ليجدوا حسين ونَدى أيضاً باستقبالهما، ليرحب بهما الجميع ويجلسون جميعاً يتجاذبون أطراف الحديث، في حين جلس كامل وهو يحتضن ريتاج ابنة نَدى وآدم ابن رحمة وهو يداعبهما بمرح وحب شديدين، فقالت رحمة بمشاكسة:
لما انت بتعشق العيال الصغيرة كده، ما تشد حيلك وتتجوز وتجيبلك عيلين تلاتة كده تمليك عشان تلعب معاهم براحتك.
لينظر إليها كامل بجمود قائلاً:
خليكي في حالك يا رحمة عشان ما نزعلش من بعض.
حسن:
بتهزر معاك يا كيمو ما انت عارف رحمة.
كامل:
عارف، بس بلاش الموضوع ده بالذات خصوصاً قدام بابا، مش عايز وجع دماغ على الفاضي.
حسين بانتباه:
هو بابا اتأخر ليه كده صحيح؟
فرح:
هو عمي قال إنه جاي.
نَدى:
أيوه.. كلمته ييجي يتغدى معانا بدل ما يتغدى لوحده.
رحمة:
طب حد يكلمه على ما أحضر السفرة.
كامل:
عملتيلي شوربة يا رحمة ولا أقوم أعمل؟
رحمة وهي تتجه إلى المطبخ:
طبعاً عملت وأنا أقدر برضه.
نَدى:
والله انت جميل يا كامل، ياريت حسين يتعلم منك شوية.
حسين:
يعني كمان عايزاني أعمل أكل… يا جبروتك.
كامل بمرح:
وما تعملش ليه يا جدع، على الأقل تعمل بلقمتك.
حسين:
انت بالذات اسكت خالص، أحسن رجوعك مصر ده شكله هيعمل لنا انقلاب.
ليأتيهم صوت جرس الباب، ليدخل إبراهيم وعلى وجهه علامات الإجهاد الشديد، لينظر إليه كامل بقلق قائلاً:
مالك يا بابا، شكلك تعبان كده ليه، في حاجة بتوجعك ولا حاجة؟
إبراهيم بإجهاد:
لا يا ابني أنا بس تعبت من المناهدة مع عمك.
رحمة بانتباه:
في حاجة حصلت ولا إيه؟
إبراهيم بامتعاض:
كان عايز ييجي معايا، وأنا فين وفين على ما عرفت أمشي وأسيبه.
كامل وهو ينظر اتجاه فرح:
هو عارف إن فرح هنا؟
إبراهيم:
سمعني وأنا بتكلم مع نَدى في التليفون وفهم.
فرح وهي تلملم متعلقاتها:
أنا آسفة يا عمي لو كنت عملتلكم أي قلق، أنا ممكن أمشي حالا.
إبراهيم بحزم:
اقعدي يا فرح تمشي فين؟
حسين بتوجس:
الصراحة يا بابا عمي عنيد وممكن نلاقيه هنا في أي لحظة.
حسن بفضول:
نفسي أعرف اشمعنى الأيام دي اللي عايز يعيد علاقته بفرح، اشمعنى بعد السنين دي كلها… إيه اللي جد يعني؟
إبراهيم بحزن:
اللي جد مرض نبيل يا ابني.
لتتوقف رحمة عن تحضير المائدة وتقول بفضول:
وهو نبيل ماله يا عمي؟
إبراهيم:
عرفنا من فترة إن نبيل عنده كانسر.
لتعلُ الهمهمات بالحوقلة، ولكن فرح كانت تجلس بجمود شديد، في حين قال كامل:
بس برضه ما فهمتش إيه علاقة إصراره على إنه يرجع علاقته بفرح بمرض نبيل؟
إبراهيم بحزن:
الحقيقة من حوالي ست شهور، كان ابتدى التعب يبان على نبيل، كان بيرجع كتير وعلى طول همدان، فمنصور أخده وداه مستشفى علام عندك يا فرح.
لتنتبه فرح على حديث عمها الذي أكمل قائلاً:
يومها كانوا فاكرين إنه أكل حاجة مش نضيفة أو إنه واخد برد في معدته، وحظه وقعه تحت إيدك، إنتي اللي كشفتي عليه وكان معاه منصور، اللي عرفك لكن إنتي طبعاً ما عرفتيهوش، ووقتها شكيتي في الكانسر وطلبتي منه يعمل أشعة وتحاليل.
لحد هنا وكانت الحكاية عادية، لحد ما كان خارج من أوضة الأشعة وسمع حد بيتكلم عنك وبيقول: “هي الدكتورة فرح دي على طول جد كده، ما بتضحكش أبداً؟” فرد عليه اللي معاه وقال له: “دكتورة فرح دي بمية راجل، ورغم إن والدها متوفى من يوم ما اتولدت ومامتها وجوزها هم اللي ربوها، إلا إنها ونعم التربية والأخلاق.”
لما سمع إنك معرفة كل اللي حواليكي إنك يتيمة اتضايق، لأنه لسه على وش الدنيا.
فرح بتهكم:
يا سلام على رقة المشاعر، بس أنا كده فهمت هو عرف شكلي إزاي رغم إني مش فاكرة الحكاية دي أصلاً.
إبراهيم بقلة حيلة:
والله يا بنتي ما عارف حكايتكم دي آخرتها إيه.
فرح:
مالهاش آخر يا عمي، لأن ما كانلهاش أول من البداية، أنا أبويا مات من زمان، ولا يمكن أبداً هيصحى من تاني مهما حصل ومهما عمل، لأن اللي بيموت عمره ما بيصحى من تاني.
رواية لما قالوا دي صبية الفصل الثالث 3 - بقلم ميمي عوالي
رحمة وهي تقترب من مجلسهم:
عشان كده بابا صمم يخليني أنا وندى نعمل كل الأشعات والتحاليل اللي عملناها الشهر اللي فات.
فرح باستغراب:
أشعات وتحاليل إيه، وليه؟
محسن:
مافيش يا بنتي ما تقلقيش، إحنا اتفاجئنا بعمي بيتصل وبيقول إنه حجز لهم في مستشفى على أعلى مستوى، وصمم إنهم يروحوا هناك يعملوا تشيك أب كامل عشان يتطمن عليهم.
فرح:
وبعدين، النتيجة طلعت؟
ندى ضاحكة:
ولا نعرف أصلًا، ماحدش فينا اهتم إنه يسأل على النتيجة، لأن بابا قال إنه هو اللي هيستلم النتيجة بنفسه ولو فيه أي حاجة هيقول لنا.
حسن:
طب يالا ناكل الأول قبل ما الأكل يبرد، ولا إيه؟
رحمة:
يالا يا عمي اتفضل، يالا يا كامل.
التفوا جميعًا حول الطعام، وبدأوا في تناول الطعام، ليقول كامل:
بس المفروض تطلبوا التحاليل والأشعة دي وتبقى معاكم، على الأقل لو كررتوا التحاليل دي في أي وقت يبقى عندكم مرجع للحالة الصحية بتاعتكم.
علا الوجوم على وجه إبراهيم ويقول:
ولا يطلبوها ولا يجيبوا سيرتها من الأساس، وتاني مرة لو طلب حد فيكم عشان يعمل حاجة زي دي بلغوني قبل ما تروحوا.
كامل باستغراب:
طب ليه يا بابا؟ دي الحاجات دي تكلفتها المادية بقت عالية جدًا، حتى لو يجيبوها يعرضوها عليا وعلى فرح نتطمن عليهم.
رحمة بتردد:
هو أصلًا عاوز يعمل نفس الفحوصات دي لفرح كمان.
فرح بجدية:
يبعد عني تمامًا، ومالوش علاقة بيا.. أعمل ولا ما أعملش، أعيش أموت، مالوش علاقة نهائي بي.
تبادلت ندى ورحمة النظرات مع أزواجهن بدون أي تعليق.
إبراهيم:
كبري دماغك إنتي، المهم طمنوني عملتوا إيه النهاردة، واتفقتوا على ميعاد الافتتاح ولا لسه؟
كامل:
لسه فيه شوية كماليات محتاجينها للمستشفى قبل الافتتاح، بس مبدئيًا اتفقنا إن الافتتاح بعد شهر من دلوقتي إن شاء الله، وباركوا لفرح، هتبقى رئيس قسم الباطنة عندنا.
تختلط أصوات التهانى من المتواجدين لتقول ندى مداعبة شقيقتها:
يبقى كده لينا واسطتين في المستشفى ومن حقنا نكشف ببلاش.
كامل ضاحكًا:
يعني لو كانت واسطة واحدة كنتي هتدفعي يا ست ندى؟
ندى ضاحكة:
الواحد كان هيتحرج منك برضه يا كيمو، إنما فرح ممكن نخطفها عادي ونساومها بتمن الكشف.
كامل:
لا يا ستي ما تتحرجيش، وطبعًا ربنا يحفظكم جميعًا من أي شكوى أو مرض، لكن طبعًا المستشفى تحت أمركم في أي وقت.
وفي مكان آخر كان يجلس منصور وبجانبه ابنه نبيل الذي أهلكه المرض مضجعًا على الأريكة، وكان بصحبتهم نادر الذي قدم كوبًا من العصير لأخيه قائلًا:
اشرب كوباية العصير دي يا نبيل على ما ماما تخلص الغدا.
نبيل بضعف:
ماليش نفس يا نادر.
منصور:
قوم يا ابني اتعدل واشرب العصير، أنت العلاج بتاعك يهد جبال، والمفروض تتغذى كويس.
نبيل:
مش قادر يا بابا، ولو شربته مش هقدر أتغدى، سيبوني براحتي.
لتأتي أم نبيل من الداخل وتقول:
طب قوم يا حبيبي استريح في سريرك، الكنبة مش مريحة، اسند أخوك يا نادر دخله أوضته.
ليسند نادر أخاه ويساعده على الدخول إلى غرفته ليأخذ قسطًا من الراحة، في حين جلست أم نبيل بجوار زوجها قائلة:
مافيش جديد يا منصور.
منصور بحزن:
أبدًا يا دولت، وتحاليل البنات طلعت هي كمان والدكتور أما شافهم قال إن ولا واحدة منهم تنفع، كنت عشمان ألاقي واحدة فيهم مطابقة لكن طلعوا زيي وزيك مش مطابقين.
دولت:
طب ما تجرب تعمل التحاليل دي لنادر.
منصور بحزم:
لا.. نادر لا، افرضي لا قدر الله تعب بعد كده ولا حصل له حاجة، يبقى خسرت ولادي الاتنين.
دولت:
بس الدكتور قال إن مافيش خطورة على المتبرع.
منصور بتصميم:
كلام الدكتور مش قرآن، وياما بيحصل غلطات في أوضة العمليات، أنا مش ممكن أجازف بسلامة ولادي أبدًا.
اديني عملت إعلان طلبت فيه متبرع بالفلوس، وأما نشوف النتيجة هتبقى إيه.
دولت:
طب وأختهم التالتة، عملت لها التحاليل؟
منصور بغل:
أهي لآخرة متفرعنة وحاطة مناخيرها في السما، راكبة دماغها ومش مدية فرصة لحد إنه يتكلم معاها من أصلها.
دولت:
طب ما تكلم إبراهيم خليه يكلمها.
منصور بسخرية:
إبراهيم.. ده طلع فيا كلني أما عرفت إني عملت التحاليل للبنات، وأداني محاضرة في الدين والأخلاق، لا وكمان حذرني إني أهوب من الدكتورة ولا أفكر أأذيه.
دولت بتردد:
ما هو برضه يا إبراهيم، ما ينفعش تبقى سايبها ومقاطعها السنين دي كلها، وأول ما تعرفها تقول لها اديني حتة من كبدي لأخوكي اللي ما تعرفيهوش أصلًا.
منصور بكبر:
وهي يعني كانت سألت عليا ولا فكرت تزورني مرة واحدة.
دولت:
أنا تعبت من المناهدة معاك، مين يسأل على مين بس.
منصور:
وما إخواتها هما اللي جوني وسألوا عليا.
دولت:
ما تنكرش إن إبراهيم هو اللي أقنعهم، لأنه خاف على زعلك لو حط إيده في إيد جوز أمهم وقت كتب الكتاب، يعني ما جاش اترموا في حضنك كده من نفسهم.
منصور بحدة:
هو انتي معايا ولا معاهم.
دولت:
أنا مع الحق.
منصور بسخرية:
ولما إنتي مع الحق، وافقتي ليه على جوازي منك وإنتي عارفة كل حاجة من الأول.
دولت بحزن:
ما أنكرش إني غلطت، بس ربنا اللي يعلم نيتي وقتها كانت إيه، ماهو على يدك، كنت لوحدي وماليش حد ولا حتة أروحها، وكمان كنت فاكرة إنك هتحن لبناتك وهتسأل عليهم وتودهم مش تفضل راميهم وحتى ما فكرتش تطل في وش واحدة منهم طول السنين دي.
منصور:
قفلي على السيرة دي، مش عاوز أسمعك تتكلمي فيها تاني مرة، ولازم تفهمي إني ممكن أعمل أي حاجة في الدنيا دي عشان ولادي وسلامتهم.
دولت وهي تهز رأسها ذات اليمين وذات اليسار بقلة حيلة:
أنا عملت اللي عليا وخلصت ذمتي من ربنا وأنت حر.
منصور باستهانة:
اديكي قلتيها.. أنا حر.
ليخرج نادر من غرفة أخيه ويقول بتبرم:
يا بابا نبيل كل يوم في النازل، لازم نشوف حل بسرعة، يا إما نبتدي العلاج بالكيماوي زي ما الدكتور قال.
منصور:
اصبر بس شوية، يمكن نعمل العملية، الدكتور قالي إننا لو استأصلنا الجزء المصاب ده بالكامل وعملنا زراعة هيبقى أحسن بكتير وأضمن إنه إن شاء الله ما يظهرش تاني.
نادر:
خلاص، أنا هروح بكرة المستشفى أعمل التحاليل.
منصور بجزع:
لا.. قلت ستين مرة إنت بالذات.
نادر:
يا بابا أنا أكتر واحد التحاليل بتاعتي ممكن تطلع مطابقة لتحاليل نبيل، أنا مش فاهم إنت ليه بتعمل كده.
منصور:
قلتلك ألف مرة إنت تخليك بعيد عن القصة دي كلها ومش عاوز كلام في الموضوع ده مرة تانية يا نادر.
نادر بحدة:
وأنا مش هفضل قاعد وأنا بتفرج على أخويا وهو بيموت قدامي عشان إنت مش عاوز تتحرك.
منصور بغضب:
أنا مش ساكت، أنا بجري في كل اتجاه يا نادر عشان…
ليقاطعه نادر قائلًا باعتراض:
هو إنت فاكر إن إنت بس اللي مستني متبرع مناسب، ده في الوفيات مستنيين، بس للأسف، نبيل ممكن يموت مننا وإحنا مستنيين، الدكتور قال إن الزراعة تنفع دلوقتي لكن لو اتأخرنا كمان شوية ممكن ما تنفعش، وأنا مش هستنى أما أخويا يموت وأنا واقف أتفرج عليه وفي إيديا إني أنقذه.
منصور بحزن:
طب سيبني أعمل آخر محاولة مع فرح.
نادر بحدة:
أنا نفسي أعرف إنت بتفكر إزاي، أنا ولا فرح.. تفرق إيه ما إحنا الاتنين عيالكم.
منصور بلهفة:
لا، إنت مش زيها، إنت ابني اللي شايل اسمي وهتشيله لعيالك وهتخلد اسمي في الدنيا من بعدي، لكن هي عيالها هيشيلوا اسم أبوهم اللي لا نعرفه ولا نعرف أصله من فصله.
نادر بسخرية:
وإنت لما تموت هتستفيد إيه من اسمك إنه يتخلد ولا ما يتخلدش، يعني إنت ضامن إني أتزوج وأخلف.
منصور بحدة:
ما تقولش كده، ده أنا عايش عمري كله على الأمل ده، إني أشوف عيالك إنت وأخوكي.
نادر بعند:
وممكن ما نخلفش، أو نخلف بنات مثلًا.
منصور بغضب:
هو إنت عاوز تنرفزني وخلاص.
نادر:
اسمع بقى، أنا من زمان أنا ونبيل عايشين حياتنا بالطول والعرض ومش فارق معانا حاجة ولا هاممنا حاجة، لغاية ما فجأة شفت أخويا توأمي بيضيع مني وأنا واقف عاجز ومش قادر أساعده، قعدت مع روحي وراجعت نفسي في حاجات كتير أوي عملناها غلط وندمت عليها كلها، كنا فرحانين إنك مدينا كل حاجة وحارم إخواتنا من كل حاجة، وفرحانين إننا واكلين التورتة كلها لوحدنا لكن أنا دلوقتي بتمنى الأيام لو ترجع من تاني عشان ما أغلطش نفس الغلط ده، وأولهم مستقبلنا اللي ضيعناه بإهمالنا، وأقرب من إخواتي وأتنعم بقربهم، وما عنديش استعداد أبدًا إني أفضل في نفس الدايرة السودا دي، أنا عاوز أفوق من السواد ده بقى.
منصور بخبث:
طب وماله يا حبيبي، قرب من إخواتك، وروح لأختك الدكتورة اتعرف عليها وعرفها بنفسك، يمكن تحن لك ونوصل للي عاوزينه.
نادر بيأس:
تصدق… أنا فعلًا هروح لها، بس مش عشان اللي إنت عاوزه، لأ، أنا هروح لها عشان أحذرها منكم.
منصور بغضب:
وهو أنا يعني هموتها، ما الدكتور قال إن في خلال شهرين الجزء اللي هياخده من الكبد بتاعها هينمو من تاني ويرجع كأنه ما اتاخدش منه حاجة، يبقى إيه بقى الأزعريّة اللي إنت عاملها دي ولازمتها إيه.
نادر بغيظ:
ولما إنت عارف ومقتنع بالكلام ده، مش عاوز تخليني أعملها أنا ليه.
منصور بإصرار:
إنت لا.
لينظر له نادر بغيظ شديد ويتركه ويتجه إلى الخارج، فتلحقه والدته قائلة:
على فين يا ابني ده خلاص الأكل جهز وهحطلكم الأكل إنت وأخوك، اصبر شوية، مانت عارف ماحدش بيقدر عليه غيرك.
ليزفر نادر أنفاسه بحدة، ثم يتنهد قائلًا:
ماشي يا ماما، هاتى الأكل بسرعة، هاكل نبيل وأنزل على طول عشان عندي كام مشوار عاوز أعملهم.
بمنزل حسن ورحمة، كانت فرح تستعد للمغادرة بعد أن أصر كامل على إيصالها لمنزلها، عندما سمعوا دقًا على الباب، وعندما قام حسن بفتح الباب وجد أمامه نادر، فقال حسن:
أهلاً يا نادر، خطوة عزيزة.. اتفضل.
ليدلف نادر إلى الداخل وهو يتفحص الوجوه حتى استقر بصره على فرح، فقال وهو يتفحصها بعينيه:
السلام عليكم جميعًا.
ليرد الجميع السلام، بينما قال إبراهيم:
إزيك يا نادر، إن عادة يعني، عمرك ما عملتها.
نادر بابتسامة:
إيه يا عمي، ارجع.
حسن:
ترجع إيه يا ابني، اتفضل، نورت بيت أختك.
كانت فرح تنظر لنادر نظرة قد يبدو عليها الجمود، ولكنها لم تخلو من الحنين، ولكنها تصنعت الجمود التام وهي تقول:
طب يا جماعة همشي أنا بقى، أشوف وشكم بخير.
ليقول نادر بلهفة:
لحظة واحدة معلش، هو إنتِ فرح.. أختي.
لتنتقل عينا فرح بين عيني نادر وهي تحاول قراءة ما وراء نظراته إليها، ولكنها لم تجد بهما غير الخوف والرهبة، فقالت:
أيوه أنا فرح، لكن أختك دي…. مش هقدر أرد عليك فيها على الأقل دلوقتي.
نادر بابتسامة:
مش هقدر ألومك، بس يا ترى ممكن تديني من وقتك نص ساعة، وصدقني مش هعطلك أكتر من كده، ولو في أي لحظة حبيتي تمشي مش هقدر أمنعك.
لتنظر فرح إلى عمها بتردد، فقال لها:
اسمعيه يا فرح، ده مهما كان أخوكي، ولو قال أي حاجة ضايقتك سيبيه وامشي فورًا من غير ما تترددي لحظة واحدة.
فقالت رحمة:
خلاص يا فرح ادخلوا الصالون واقعدوا براحتكم.
كامل:
وأنا هستناكي عشان أروحك.
لتتجه فرح إلى غرفة الصالون ويتبعها نادر الذي جلس بمقابلها وقال:
أولًا أنا مش هقدر ألوم بابا إني ما عرفتكيش قبل النهارده، لأن مش هو بس اللي غلطان، لأ، أنا ونبيل كمان غلطنا إننا ماسعيناش إننا نعرفك أو نقرب منك، والحقيقة رغم إننا اتعرفنا على رحمة وندى من فترة كبيرة، إلا إننا برضه عمرنا ما قربنا منهم ولا اعترفنا إنهم إخواتنا.
أبونا زرع جوانا الأنا، عشنا لروحنا وبس، كنا بنعيش اليوم بيومه، عمر ما واحد فينا فكر في مستقبله، مافقناش غير على أكبر قلم خدناه كلنا لما عرفنا بمرض نبيل، الدكاترة اكتشفوا إنه عنده كانسر في الكبد، وفي حالة متقدمة، وإنه محتاج عملية زراعة كبد، ولحد دلوقتي ما حدش من كل اللي اتعمل لهم تحاليل طلع مطابق، ولا حتى ندا ورحمة.
فرح باستغراب:
وهو ندا ورحمة…
نادر بسخرية:
ما يعرفوش، أبويا عمل لهم الفحوصات من غير ما يعرف.
فرح بنبرة غضب:
ولو كانت واحدة فيهم طلعت مطابقة، كان برضه هيعملها العملية من غير ما تعرف.
نادر بتنهيدة عميقة:
صدقيني ما أعرف نيته كانت إيه بالظبط، بس مش ده أبدًا المهم.
فرح بسخرية:
أومال إيه بقى المهم.
نادر:
المهم إنه لحد دلوقتي رافض بإصرار إني أعمل الفحوصات دي، رغم إني متأكد بنسبة كبيرة إني هطلع مطابق.
فرح بدهشة:
يعني عمال يلف هنا وهنا وسايبك وإنت أقرب حد ليه.
نادر بامتعاض:
أيوه، بيقول خايف عليا.
فرح بامتعاض:
مافيش فايدة.
نادر:
إنتي صح، هو فعلًا مافيش فايدة، وكمان عشان تبقي فاهمة أوعي تفكري إن محاولاته الأخيرة إنه يرجع علاقته بيكي إنه مثلًاحن لك أو حس بغلطته، لا.. ده بس عشان عنده أمل إن الفحوصات بتاعتك تطلع مطابقة لفحوصات نبيل.
فرح بجمود:
ومين قال لك إني ممكن أوافق أعمل حاجة زي دي، حتى لو أنا متأكدة إن فحوصاتنا متطابقة.
نادر:
حقك طبعًا، بس أنا ليا عندك رجاء وأتمنى إنك تسمعيني للآخر.
فرح بفضول:
رجاء إيه.
نادر:
عاوز أفهم بابا إني أقنعتك تعملي الفحوصات دي بس بشرط إنه ما يتدخلش وما يتواجدش معانا، في حين إن أنا اللي هعملها مش إنتي، ولو بإذن الله طلعت الفحوصات بتاعتي مطابقة، نحدد ميعاد العملية في أسرع وقت من غير ما يعرف إني المتبرع.
فرح:
وليه اللفة دي كلها، ما تقول له وخلاص.
نادر بألم:
ممكن يعاند وما يدفعش تمن العملية، أنا عارف تفكيره وحافظه كويس، ونبيل مش هيستحمل أكتر من كده، بيدبل يوم عن التاني وحاسس إنه بيروح مني.
فرح بحنين:
شكله إيه.
نادر بابتسامة حزينة وعبراته تلمع بعينيه:
نسخة مني، بس شعره كيرلي، وسيم أوي، البنات كلها بتحبه، روحه حلوة وطيب أوي يا فرح، لو اتعاملتي معاه هتحبيه على طول، أرجوكي يا فرح، رغم إن المفروض أو الطبيعي إني أقول لك عشان خاطر أخوكي، لكن أنا مش هقول لك كده، أنا هقول لك انسى إننا ولاد منصور، واعتبرينا حالة إنسانية محتاجة مساعدتك… أرجوكي، أرجوكي انقذي أخويا، لو حصل له حاجة، أنا كمان هروح وراه مش هستحمل فراقه.
لتدمع عينا فرح على ألم نادر فتقف وهي تقول:
أما تحدد ميعاد الفحوصات بلغني.
ليقف نادر بسرعة محتضنًا إياها بشكر وامتنان وقد أطلق لعبراته العنان وهو يقول بتأثر:
جميلك ده هيفضل طول عمره محاوطني وعمري ما هنساه لك أبدًا.
لتربت فرح على ظهره بهدوء قائلة:
أنا محتاجة أمشي دلوقتي.
ليبتعد نادر بسرعة وبقول بأسف:
آه طبعًا.. أنا آسف، وسامحيني لو كنت عطّلتك.
في سيارة كامل، كانت تجلس فرح بجوار كامل وهي شاردة تمامًا، حتى انتبهت إلى كامل وهو يناديها بصوت عال قائلًا:
إيه يا بنتي، إنتي رحتي فين.
فرح بانتباه:
ما روحتش في حتة، أنا مع حضرتك أهوك.
كامل بفضول:
نادر كان عاوزك ليه.
فرح باختصار:
أبدًا، كان عاوز يتعرف عليا.
كامل بعدم اقتناع:
بس كده، يتعرف عليكي بس.
فرح بسخرية:
تفتكري أنا عندي إيه ممكن يطمعوا فيه يا دكتور.
كامل بجدية:
ما تستهونيش بروحك يا فرح، خلي دايما عندك ثقة في نفسك.
فرح:
وثقتي دي هتفرق مع اللي حواليا.
كامل:
تقصدي مين باللي حواليكي، أعتقد إن دايرة اهتماماتك مش هتوصل أبدًا لناس معينة ما أعتقدش إنهم ليهم تأثير على حياتك.
فرح:
متهيألك.
كامل:
هو إيه ده اللي متهيألك.
فرح:
متهيألك إنهم مالهمش تأثير على حياتي، بالعكس دول كان ليهم أكبر تأثير على حياتي.
كامل بفضول:
إزاي بقى.
فرح بتنهيدة عميقة:
كفاية تعرف إني اتوصمت بالنحس طول عمري بسببه، تفتكر ده مش كفاية، بدل ما الناس تعاتبه على عقليته المتخلفة وجحوده لبناته.. عاقبوني أنا، بدل ما يلوموه على طلاقه لأمي.. لاموني أنا، أنا اللي كان قدامي على أمي وإخواتي قدام نحس فاتسببت في تشريد إخواتي وطلاق أمي.
ثم ضحكت بسخرية وهي تقول:
وحضرتك تقولي مالهمش تأثير على حياتي.
كامل بجدية:
والمفروض إن كل ده انتهى من زمان.
فرح:
هو إيه ده انتهى، مافيش حاجة انتهت، لسه المسلسل شغال، وهيفضل لحد أما أموت من غير ما يبقى له نهاية.
كامل:
إيه التشاؤم ده، ليه كل ده يعني، وصدقيني أما تتجوزي وتخلفي هتنسي كل الكلام ده.
فرح بسخرية:
أتجوز!!، وإنت بقى تضمنلي إن اللي هتجوزه ده ما يطلعش بنفس العقلية المتعفنة بتاعة منصور، ويطلقني ويرميني بولادي زي ما عمل، لا طبعًا، عمري ما هسلم نفسي أبدًا لجنس راجل ممكن يتحكم فيا.
كامل بمرح:
إنتي قررتي خلاص إننا كلنا وحشين كده.
فرح باعتذار:
سامحني يا دكتور أنا ما أقصدش أي إساءة، بس المثل بيقول اللي اتلسع من الشوربة بينفخ في الزبادي.
كامل ضاحكًا:
والله في منا كتير زبادي.
ليبتسم فرح على دعابته فيقول بجدية:
اسمعي يا فرح… صدقيني مش كل الرجالة جبابرة ومفتريين، وطبعًا برضه مش كل الستات ملايكة وبجناحات ولا إيه.
فرح بموافقة:
أكيد.
كامل:
وعشان كده حاولي تبصي للي حواليكي نظرة تانية مافيهاش منصور، طلعيه من حساباتك تمامًا، واعتبريه مات بجد زي ما إنتي مفهمة الكل، رغم إن الموت بالطريقة دي خسارة فيه.
فرح بدهشة:
خسارة فيه إزاي يعني.
كامل:
خسارة فيه كل اللي هيدعيله بالرحمة وهما فاكرينه مات واندفن، ما يعرفوش إن قلبه بس اللي مات، وعايش معانا بعقله يرازى فينا وفي اللي حواليه.
فرح بفضول:
هو أنا لو سألت حضرتك سؤال تضايق.
كامل وهو ينظر إليها:
سؤال إيه ده اللي ممكن يضايقني.
فرح:
أنا لاحظت إنك بتعامل منصور بنوع من الحدة، يا ترى الحدة دي ليها سبب خاص بيك.
ليلتفت كامل مرة أخرى إلى عجلة القيادة والطريق ويقول:
أيوه.. ليها سبب خاص بيا.
فرح:
يا ترى ممكن أعرف إيه السبب ده.
كامل:
كفاية أقول لك إنه السبب في إنه ضيع مني حب عمري.
فرح:
إزاي.
لتنتبه فرح على توقف سيارة كامل أمام منزلها، وبكامل يقول:
معلش بقى، مرة تانية نبقى نكمل كلامنا، اطلعي إنتي وسلميلي على كل الموجودين.
لتخرج فرح من السيارة وهي تقول:
أنا متشكرة جدًا لحضرتك، تعبتك معايا.
كامل بابتسامة:
خدي بالك من نفسك وخلصي الشهر اللي فاضل لك بسرعة عشان نستعد للافتتاح، ولو عاوزتي أي حاجة كلميني.
فرح:
شكرًا.
كامل وهو يدير السيارة مرة أخرى:
وأكيد أنا كمان لو احتجتلك هكلمك.
فرح:
تحت أمر حضرتك.
بمنزل منصور.. ما إن دلف نادر من الخارج حتى وجد أبيه يجلس أمامه وهو يتصفح الجريدة اليومية، فقال دون أي مقدمات:
فرح هتيجي معايا تعمل الفحوصات.
منصور بانتباه:
إنت رحت له.
نادر:
أيوه، واتفقت معاها ووافقت.
لينهض منصور قائلًا بذهول:
إنت حكيت لها الحقيقة.
نادر:
قلت لك أيوه.
منصور بذهول:
وهي ما عندهاش مانع لو الفحوصات طلعت متطابقة تعمل العملية.
نادر:
أيوه، بس عندها شرط واحد.
منصور بغل:
أيوه طبعًا، فرصة وجت لحد عندها عشان تذلني.
دولت:
مش تعرف الأول هي عاوزة إيه.
منصور بغضب:
مش من حقها تعوز حاجة، هي ولا ليها أي لازمة أصلًا.
نادر:
لا.. ليها لازمة، وإنت محتاجها عشان نبيل ولا نسيت.
دولت:
إيه شرطها يا نادر.
نادر وهو يتجول بعينيه بعيني أبيه:
إن بابا ما يحضرش أي حاجة من الفحوصات بتاعتها، أنا اللي هبقى معاها، مش عاوزة تشوفه نهائي.
منصور بغضب:
هي فاكرة روحها إيه عشان تطلب طلب زي ده.
نادر:
هي ما طلبتش، هي اشترطت، وإنت حر، يا تقبل يا ترفض، ويكون في معلومك، بقية الشرط إن لو الفحوصات طلعت مطابقة، إنك مش هتحضر تجهيزات العملية.
منصور:
لااااا، دي زودتها أوي.
نادر وهو يتجه إلى غرفته:
خلاص بلاش، هدخل أتصل بيها وأبلغها إنها تنسى الموضوع وكأنه لم يكن.
منصور بحدة:
استنى عندك.. ثم زفر بغضب وقال: ماشي يا سي نادر، اتفضل روح إنت معاها، أنا هكلم الدكتور وهحدد لكم ميعاد تروحوا له عشان يعمل لها الفحوصات.
نادر وابتسامة ساخرة تعلو شفتيه دون أن يستدير إليه:
حدد المعاد وبلغني عشان أبلغ الدكتورة فرح.. أختي.
ليتركه نادر ويذهب إلى أخيه بحجرته، ليجده ممددًا على فراشه، واهن الجسد شاحب الوجه، ليتقدم منه بحب ويجلس بجواره ويقول:
هانت يا نبيل، إن شاء الله المرة دي حاسس إنها هتظبط.
نبيل بوهن:
أنا تعبت يا نادر، مش قادر أتحمل الألم أكتر من كده، أنا بدعي ربنا كل لحظة إني أموت، وكفاية عليا لحد كده.
نادر:
أوعاك تقول كده تاني مرة، بدل ما تدعي ربنا بكده، ادعيله إنه يخفف عنك ويقرب منك الشفا، عارف أنا شفت مين النهاردة.
نبيل بضعف:
سمعتك وإنت بتتكلم مع بابا، بس ما صدقتكش يا نادر، أنا عارف كويس إنت بتفكر في إيه.
نادر بابتسامة:
وأنا عارف إنك عارف، بس المهم، إن ماحدش تاني يعرف، ده سر بيننا إحنا الاتنين وفرح وبس.
نبيل:
يعني إنت رحت لفرح فعلًا.
نادر:
أيوه، واتفقت معاها وهتيجي معايا فعلًا، بس طبعًا إنت فاهم الباقي.
نبيل:
ومش هيبقى فيه خطورة عليك.
نادر:
ولا أي حاجة إن شاء الله، وإحنا الاتنين هنبقى زي الفل.
نبيل:
بس بابا لما يعرف هيعمل مشكلة جامدة.
نادر:
سيبك منه، أبوك مصمم إنه يأذينا كلنا لآخر لحظة في عمره، ويمكن يكون ربنا عمل كده بس عشان أنا وإنت نفوق يا نبيل ونعرف الصح من الغلط.
رواية لما قالوا دي صبية الفصل الرابع 4 - بقلم ميمي عوالي
بعد مرور يومين، قام نادر بمهاتفة فرح لإبلاغها بتحديد موعد الفحوصات التي حددها منصور. اتفق معها على المرور عليها بعملها لاصطحابها معه إلى المشفى.
عندما وصل إليها واستقلت معه سيارته، قالت:
"أنت دلوقتي لما تعمل الفحوصات تضمن منين إن منصور ما يعرفش إن انت اللي هتعملها مش أنا؟"
نادر: "كل حاجة بتمشي بالفلوس."
فرح: "أيوه بس اسمك هيبقى موجود على الفحوصات."
نادر: "ماتشيليش هم الكلام ده، أنا هتصرف في كل حاجة."
فرح: "ولما انت ممكن تتصرف، ليه واخدني معاك، ما كنت تعمل الكلام ده لوحدك؟"
نادر: "أنا أبويا مش أهبل، ولو بصيتي وراكي، هتلاقي عربية زرقا ماشية ورانا. أبويا باعت اللي يأكد له إن انتي فعلاً رايحة معايا المستشفى."
لتلتفت فرح إلى الخلف، لتجد بالفعل سيارة تسير خلفهم.
فيقول نادر: "يا ريت تتعدلي عشان مايفهمش إننا خدنا بالنا، وتقدر تتابعيني من المراية اللي جنبي."
لتلتفت فرح معتدلة بجلستها وهي تتابع تلك السيارة بعينيها وتقول:
"وإيه اللي مخليه يعمل كده؟"
نادر: "لأني قبل ما أجلك عند حسن هددته إني هحكيلك على كل حاجة. وطبعًا بناءً على ماضيه معاكي كان متأكد إنك لما تعرفي هترفضى. فلما أنا أروح أقول له في نفس اليوم إنك وافقتي، رغم فرحته إلا إنه برضه ما ادانيش الأمان على الآخر."
فرح: "طب ماهو معنى كده إنه ممكن يطب علينا في أي لحظة."
نادر: "لا.. ماتقلقيش من الناحية دي، أصل أنا حطيت له العقدة في المنشار."
فرح: "مش فاهمة… عملت إيه يعني؟"
نادر بسخرية: "قلت له إنك موافقة على الفحوصات وكمان العملية لو الفحوصات طلعت سليمة، بس بشرط إنه لا يحضر ده ولا ده."
لتلمع عينا فرح بإحساس بالنشوة والانتصار على منصور وهي تقول:
"ووافق على الشرط ده؟"
نادر: "ما يقدرش يرفض، ده عاوز يتعلق ولو بقشاية."
فرح بفضول: "طب ونبيل؟"
نادر بتنهيدة حزينة: "نبيل عارف إحنا هنعمل إيه، أنا ما بعرفش أخبي عليه حاجة، ولا هو كمان بيعرف يخبي عني حاجة."
فرح بصدق: "إن شاء الله تطلع الفحوصات تمام، وتعملوا العملية ويخف ويبقى زي الفل."
نادر بامتنان: "أيوه بالله عليكي، كل ما ييجي على بالك ادعي له."
فرح: "من ساعة ما اتعرفت عليك وحكيت لي الحقيقة وأنا بدعيله… وبدعيلك انت كمان."
نادر بعدم تصديق: "بعد كل اللي حصل لك من بابا؟"
فرح بتنهيدة: "وإنتوا ذنبكم إيه، بالعكس.. أنا شايفة إنكم كمان اتظلمتوا بسببه. ما تزعلش مني.. طريقة تربيته ضيعت مستقبلكم."
نادر بحزن: "وأزعل منك ليه، إنتي عندك حق. بس في الحكاية دي بالذات، مش بابا بس اللي غلطان، أنا ونبيل كمان غلطنا. ماما كانت دايما تنصحنا إننا ناخد بالنا من مستقبلنا، بس إحنا استسهلنا، وقررنا نرمي كل حاجة ورا ضهرنا ونتمتع بالدنيا وبس. لكن لما حصل اللي حصل، حسينا إن ربنا بيدينا إشارة إننا نشوف الحقيقة بعنينا، وإن الدنيا دي مش دايمة لحد، لا كبير ولا صغير."
"تعرفي أنا ونبيل اتفقنا على إيه؟"
فرح: "على إيه؟"
نادر: "إن شاء الله لما نعمل العملية ويخف، هنروح سوا نعمل عمرة وندعي ربنا إنه يسامحنا ويهدينا."
فرح: "إن شاء الله خير، ربنا كريم."
عند وصولهم إلى المشفى، لاحظت فرح أن السيارة الزرقاء المتتبعة لأثرهم قد توقفت على بعد منهم، وترجل منها شخص ما وهو مستمر في مراقبتهم.
فقالت: "طب هو ممكن يدخل ورانا؟"
نادر وهو يتقدم منها: "تعالى ندخل بس وما تشغليش بالك… أنا هتصرف."
ليدلفا معاً إلى المشفى، ليتجه بها نادر سريعاً إلى درجات السلم ليصعد بها إلى الطابق التالي ويصطحبها بعد ذلك إلى المصعد ليذهب إلى المكان المخصص لعمل تلك الفحوصات، ودلف إلى الداخل بصحبة فرح. فوجده يختلي بالطبيب لبضع دقائق ثم يعود إلى فرح قائلاً:
"كله تمام، هتنتظريني هنا ولا هتيجي معايا؟"
فرح: "هاجي معاك."
ليغادرا المشفى بعد ثلاث ساعات من الفحوصات الشاملة لنادر. ليلمحوا قائد السيارة الزرقاء جالسًا بالسيارة في انتظار رؤيتهم.
ليقول نادر بتهكم: "أهو لسه قاعد مكانه، شكله خاف يروح يقول له إننا زوغنا منه."
فرح: "طب ياللا بينا عشان أنت شكلك باين عليه الإجهاد."
نادر وهو يدير السيارة: "أنا مابحبش جو المستشفيات أصلًا."
فرح: "أومال بقى لما الفحوصات تطلع إن شاء الله وتبقى مطابقة هتقعد في المستشفى إزاي؟"
نادر: "بس هي تطلع مظبوطة.. وبعد كده يحلها المولى، إنتي بس قولي يا رب."
فرح: "يارب."
نادر: "أنا عارف إني تقلت عليكي، بس كنت عاوز أطلب طلب تاني."
فرح: "خير."
نادر: "لو ربنا كتب لي أنا ونبيل الخير وقومنا منها بالسلامة، عاوز نبقى أخوات بجد."
فرح بابتسامة: "إن شاء الله تقوموا بالسلامة."
عند وصول نادر إلى المنزل، كان منصور بانتظاره على جمر من النار. وما أن رآه حتى هب من مكانه قائلاً بلهفة:
"ها طمنني.. عملت الفحوصات كله؟"
نادر: "ماتقلقش، كل الفحوصات اتعملت، ومستنيين النتيجة."
منصور بتفاؤل: "عندي أمل إنها تطلع مطابقة."
دولت بقلق: "هي أختك صحيح موافقة على العملية يا نادر؟"
ليقول نادر بتعاطف مع أمه: "ماتقلقيش يا ماما، إن شاء الله الفحوصات تطلع مطابقة، وساعتها مفيش حاجة هتمنع العملية إن شاء الله، ونبيل هيخف وهيبقى زي الفل."
دولت بأمل: "يارب يا ابني يارب."
وبعد ثلاثة أيام، يقوم نادر بمهاتفة فرح مرة أخرى وهو يبكي بشدة ويقول:
"الفحوصات طلعت مطابقة يا فرح، هنعمل العملية خلاص، الدكتور حدد معادها بعد بكرة إن شاء الله."
فرح بتأثر بمشاعر أخيها: "إن شاء الله تقوموا بالسلامة."
نادر: "سامحيني يا فرح هتعبك، لأني هحتاجلك معايا اليومين دول إنتي و كامل ابن عمي، إنتوا اللي هتساعدوني إنكم تبعدوا بابا تمامًا على ما العملية تتم."
فرح بفضول: "عاوزنا نعمل إيه؟"
نادر: "هقول لك…"
كان منصور يجلس بصحبة نبيل بغرفته، بينما كانت دولت تعد حقيبة نبيل ببعض المستلزمات التي سيحتاج إليها لدى مكثه بالمشفى. ليستمعوا إلى رنين جرس الباب. ثم يأتيهم نادر بعد دقائق مستدعياً أباه لملاقاة إبراهيم و كامل.
ليذهب منصور إلى الخارج لملاقاتهم بترحاب قائلاً:
"أهلاً يا إبراهيم.. نورت، ثم قال ساخراً، نورت يا دكتور، أخيراً قررت تدخل بيت عمك."
إبراهيم: "إزيك يا منصور، إحنا جايين نطمن على نبيل."
إبراهيم: "أهو خلاص بيجهز عشان هنروح على المستشفى بعد شوية، عشان يبدأوا يحضروا للعملية."
كامل: "معلش يا عمي، أنا هوديه أنا ونادر وبابا، وهنفضل معاه لغاية العملية ما تتعمل، ولما يخرج من أوضة العمليات بالسلامة، يبقى حضرتك تقدر تيجي."
ليهب منصور من مكانه منتفضاً وهو يقول بغضب:
"إيه الهرى اللي ابنك بيهريه ده يا إبراهيم، ده مين ده اللي هيمنعني إني أحضر عملية ابني؟"
كامل بهدوء: "اللي أعرفه إن كان فيه شرط من البداية وحضرتك وافقت عليه."
منصور: "هو عشان جاريتها في التخاريف بتاعتها على ما تعمل الفحوصات هتفكر إنها هتمشيني على كيفها؟"
كامل: "هي برضه كانت متوقعة كده، وعشان كده هي مستنية مني تليفون وعلى أساسه هتحدد إن كانت تطلع على المستشفى ولا تطلع على المؤتمر الطبي اللي معمول في شرم."
منصور بحدة: "انت بتهددني يا كامل؟"
كامل ببرود: "أنا ما بهددش حد يا عمي، أنا مجرد بوصل رسالة بأمانة شديدة، زي ما هوصل لها الرد بنفس الأمانة."
نادر: "هو يعني يا بابا لو حضرتك روحت المستشفى هتدخل أوضة العمليات، خليك هنا معزز مكرم، وأول العملية ما تخلص هيجيلك تليفون تيجي على طول."
إبراهيم: "وأنا مش هسيبه يا منصور، هفضل معاه وجنبه أنا وكامل، ما تقلقش."
ليأتيهم صوت دولت باكية: "طب وأنا كمان ما أروحش معاه؟"
كامل بتعاطف: "صدقيني هيبقى أفضل."
نادر: "وبعدين ما أنا كمان هبقى معاه ومش هسيبه لآخر لحظة، ده أنا حتى طلبت من الدكتور إني أبقى معاه في أوضة العمليات وهو وافق."
كان منصور ينظر إليهم جميعاً بغضب كامن في صدره، وهو يدب بيديه على جانب مقعده بغل وقال:
"بقى كده يا بنت فاطمة، بتنتقمي مني وبتربيني… فاكرة نفسك بتمسكيني من إيدي اللي بتوجعني، لكن معلش.. كله سلف ودين.. صبرك عليا بس لما العملية تخلص وأطمن على ابني."
لينظر إليه كامل في ازدراء ويقول: "طب والله كويس إنك عارف إن كله سلف ودين يا عمي."
ثم نظر إلى نادر وقال: "ياللا يا نادر.. هات أخوك وحصلونا على تحت، هنروح المستشفى بعربيتي."
وعندما ذهب الجميع، جلست دولت باكية على بعدها عن ابنها في تلك اللحظات الحاسمة، وكانت تنظر لمنصور بحزن وهي تحمله من داخلها كل ما يحدث للجميع.
أما منصور فكانت النيران تتآكل في صدره وهو يزداد حقداً على فرح وينوي لها أشد العقاب.
وصل الجميع إلى المشفى وأصر نادر على أن يكون بغرفة منفصلة عن أخيه خوفاً من أن يفاجئهم منصور بالحضور في أي لحظة. فمكث إبراهيم بصحبة نبيل بغرفته كمرافق له. أما كامل.. فتواصل مع الطبيب الجراح الذي سيقوم بإجراء العملية لمتابعة كل التفاصيل.
وفي الصباح التالي.. وصلت فرح إلى غرفة نبيل ودقت الباب. وعندما سمعت الإذن بالدخول، دلفت إلى الداخل. فوجدت نبيل في أيدي بعض الممرضات وهن يجهزنه للعملية.
أجل، فقد أبلغوا منصور بموعد يلي الموعد الحقيقي بأربعة وعشرين ساعة. وعندما شاهدته فرح ابتسمت وقالت:
"صباح الخير."
ليلتفت إليها نبيل بوهن، ولكن ما أن رآها عرفها، فقال بابتسامة:
"صباح الخير، إنتي الدكتورة فرح مش كده؟"
لتقترب منه فرح بابتسامة قائلة:
"أيوه أنا، أنا كنت فاكرة إن نادر بيبالغ لما وصف لي انت قد إيه وسييم."
نبيل: "نادر دايماً عينيه حلوة، والظاهر إنه طالع لك."
فرح بمرح: "لااا، ده انت كمان لسانك حلو، يبقى ليهم حق البنات يقعوا فيك."
نبيل: "خلاص بقى، تبنا إلى الله."
فرح: "ها… جاهز للعملية؟"
نبيل: "خايف أوي، وكان نفسي أشوف نادر قبل العملية."
فرح: "ما تقلقش، هتشوفه في العمليات قبل التخدير."
نبيل بابتسامة مرتعشة وعيناه تتلألأ بالدموع: "طول عمري أسمع عن أخواتي البنات، بس عمري ما جربت حنيتهم، ممكن تحضنيني؟"
لتنظر إليه فرح بصمت لبرهة، ثم تتقدم منه وتقوم باحتضانه لتتفاجئ به وهو يضمها إليه بشدة ويبكي بنشيج قائلاً:
"بالله عليكي لو حصل لي حاجة، ابقي اسألي على ماما، ماما مش وحشة، بالعكس والله، ماما طيبة أوي، وعمرها ما وافقت بابا على اللي بيعمله."
لتربت فرح على كتفيه وتقول:
"إيه اللي انت بتقوله ده، انت هتقوم بالسلامة وهتخف وهتبقى زي الفل، بلاش التشاؤم ده."
لتبعده عن أحضانها وتمد كف يدها لتمسح عبراته وتقول:
"كامل ابن عمك هيبقى معاكم في أوضة العمليات، وأنا هستناكم برة مش هتحرك من مكاني قبل ما أطمن عليكم، ما تتأخروش عليا."
ما أن أغلقت غرفة العمليات أبوابها، حتى جلست فرح برهبة وهي تشعر بالخوف وظلت تناجي ربها بنجاح العملية وأن يسلمهم وتطمئن عليهم. لتشعر بيد تربت على كتفها. وعندما وجدت عمها بجوارها ارتمت بأحضانة باكية وهي تقول:
"طول عمري مش مسامحاه في اللي عمله فيا، والنهاردة كرهي ليه زاد أكتر وأكتر عشان حرمني من أخواتي طول السنين دي كلها، ذنبنا إيه نتغرب عن بعض السنين دي كلها، ذنبنا إيه يا عمي فهمني."
إبراهيم بحزن: "مالكمش ذنب يا بنتي، اهدى انتي بس كده وتعالى نصلي وندعيلهم إن ربنا يخرجهم لنا بالسلامة."
أحد عشر ساعة متواصلة، استغرقتها العملية الجراحية كادت تودي بحياة نبيل أكثر من مرة لولا عناية الله. حتى خرج كامل بصحبة الطبيب من غرفة العمليات، لتسرع إليه فرح ورحمة وندا وأزواجهم الذين انضموا لفرح وإبراهيم.
ليقول الطبيب بإجهاد:
"العملية الحمد لله نجحت، لكن دعواتكم الصادقة إن جسم نبيل يقبل الجزء اللي اتنقل له وما يعتبرهوش جزء غريب ويقاومه. النتيجة الفعلية هتبان بعد أسبوع من دلوقتي إن شاء الله إن كان حصل تكيف ولا لأ، وهيفضل في الرعاية المركزة طول الأسبوع ده عشان يبقى تحت الملاحظة التامة."
فرح: "طب ونادر حالته إيه؟"
الطبيب بتنهيدة: "نادر اتنقل الأوضة بتاعته دلوقتي وهيفوق في خلال كام ساعة إن شاء الله، وهيبقى كويس ماتقلقوش. بس خليكم فاكرين، نادر مضى على تعهد إن العملية على مسؤوليته بالكامل، لأني ما أخبيش عليكم متوقع اللي ممكن منصور بيه يعمله لما يعرف الحقيقة. لكن أنا اضطريت أطاوع نادر على اللي حصل لأني كنت شايف حالة نبيل وهي بتتدهور يوم عن التاني."
إبراهيم: "ماتقلقش يا دكتور، هو لما يشوفه كويس قدامه إن شاء الله هينسى أي حاجة تانية."
الطبيب: "أتمنى، بعد إذنكم."
ليتركهم الطبيب مع كامل وينصرف.
ليقول إبراهيم: "إيه يا كامل، ساكت يعني، في حاجة ولا إيه؟"
كامل: "أبدا يا بابا، بس حبيت أدي مساحة للدكتور يشرح لكم الوضع كله."
حسن: "شكلك تعبت أوي برضه يا كامل، أنا بقول تروح تستريح، وانت كمان يا بابا، روح استريح طالما نبيل هيبقى في الرعاية."
إبراهيم: "وأسيب نادر لوحده؟"
فرح: "ماتقلقش يا عمي، روح حضرتك استريح وأنا هفضل مع نادر مش هسيبه."
ندا: "خلاص إحنا ممكن نبدل مع بعض."
فرح: "لا يا ندا روحوا انتوا عشان الأولاد اللي سايبينهم من الصبح مع ماما دول، أنا ما ورايش حاجة، هبات مع نادر النهاردة، على ما عمي يجي لي الصبح إن شاء الله عشان أروح الشغل."
كامل منهياً الحوار: "خلاص، اعملوا زي ما فرح قالت، وعموماً أنا كمان بايت هنا، فماحدش يقلق."
حسين: "هتتعب يا كامل."
كامل: "يا ابني أنا اتعودت على كده، ياللا انتوا بالسلامة."
حسين: "طب أنا هروحهم وهجيب لكم أكل وأجيبهولكم."
محسن: "لا روح هات دلوقتي الأول وبعدين روح، وأنا هاخد ندا معانا على مانجيب العيال من عند طنط فاطمة."
وبعد ساعة من الزمن، كانت فرح تجلس بغرفة نادر تتابع مؤشرات شقيقها. ليدلف إليها كامل وبيده حقيبة الطعام التي أتى بها حسين ويقول:
"ها يا فرح، إيه الأخبار؟"
فرح: "الحمد لله، مؤشراته تطمن، بس يا ترى هيفوق إمتى؟"
كامل وهو يضع الطعام على الحامل المتحرك ويقربه من مقعدها: "طب ياللا تعالي كلي، زمانك واقعة من الجوع زيي، وهو ممكن يفوق في أي لحظة."
فرح بامتنان: "الحقيقة أيوه، فعلاً جعانة جداً، ما أكلتش حاجة من ساعة ما خرجت من البيت."
كامل وهو يفتح أغلِفة الطعام: "ومين سمعك، وريحة الكفتة جوعتني زيادة."
ليبدأوا في تناول طعامهم بنهم. ولكن قبل أن يكملوا طعامهم سمعوا صوت نادر وهو يقول بخفوت:
"يعني سايبني متبنج وبتاكلوا كفتة لوحدك؟"
للتلتفت فرح بلهفة قائلة:
"حمدلله على السلامة."
نادر وهو يبتلع لعابه بألم: "عطشان أوي."
ليتجه إليه كامل ليقوم بفحصه والاطمئنان عليه. وبعد برهة قام كامل بتقريب منشفة مبللة من فم نادر، وقال:
"معلش استحمل شوية… وأنا شوية كده وهطلب لك كوباية ينسون."
نادر: "ونبيل، فاق ولا لسه؟"
فرح: "لااا، نبيل لسه بدري عليه، ما أعتقدش إنه هيفوق دلوقتي."
نادر: "عاوز أشوفه."
كامل: "أولاً انت لسه بدري عليك على ما تقدر تتحرك، ثانياً نبيل في الرعاية المركزة، مش في أوضة عادية زيك، يعني ممنوع أصلًا حد يدخل له، لكن أوعدك إنك أول ما تبتدي تشد حيلك هاخدك تبص عليه."
نادر بفضول: "بابا ما حاولش يتصل أو يعمل حاجة؟"
فرح: "آه صحيح."
كامل: "الظاهر إنه اقتنع بكلام نادر لما كلمه الصبح وقال له إن الدكتور أمر إن ما يبقاش فيه أي تليفونات محمولة قريبة منه وعشان كده كل التليفونات هتتقفل، وإنه هيبقى يفتحها بالليل عشان يطمنهم."
فرح: "طب ما هما زمانهم قلقوا."
كامل: "خليت بابا كلم عمي وطمنه، وقال له إن نادر مش عاوز يسيب أخوه لوحده."
نادر: "لما أحس إني قادر أتكلم كويس هبقى أكلمهم."
كامل بتحذير: "اعمل حسابك إن أبوك مش هيعديها لك على خير، وكلنا هنيجي في الرجلين."
نادر: "أنا اللي يهمني إني أطمن على نبيل، أي حاجة تانية دلوقتي ما تفرقش معايا."
في اليوم التالي، وفي الثامنة صباحاً، كان نادر يغط في نوم عميق من أثر الأدوية المسكنة. عندما دق إبراهيم بهدوء على غرفته، ففتحت له فرح الباب على الفور. وعندما وجد نادر غارقاً في النوم قال بهدوء:
"صباح الخير يا بنتي."
فرح: "صباح الخير يا عمي، كويس إن حضرتك وصلت بدري."
إبراهيم: "أنا هنا من ساعة تقريباً، بس كنت بتكلم مع كامل وبتطمن منه على نبيل."
فرح: "نبيل الحمد لله فاق من البنج الفجر، وحالته تطمن، بس طبعاً زي ما الدكتور قال، لسه مش هنقدر نطمن إلا بعد خمس أو ست أيام كده إن شاء الله."
إبراهيم: "إن شاء الله يا بنتي، ربنا يتم فضله علينا للآخر، ياللا انتي عشان ما تتأخريش على شغلك، كامل مستنيكي في العربية عشان يوصلك."
فرح: "ماشي يا عمي، وإن شاء الله هرجع من الشغل على البيت أغير هدومي وأجيلك على طول."
إبراهيم: "براحتك يا بنتي، ما تقلقيش روحك، ولو حبيتي تريحي ريحي، أنا مش هسيب أخواتك لوحدهم."
لتتجه فرح إلى الخارج حتى وصلت إلى سيارة كامل وجلست بجواره وهي تقول بهدوء:
"صباح الخير."
كامل: "صباح النور، عاملة إيه، ما نمتيش عدل طبعاً."
فرح: "لا عادي ما تقلقش، أول ما أشرب فنجان قهوة هفوق على طول."
كامل: "يبقى نشربها سوا قبل معاد شغلك."
ليصطحبها إلى إحدى الأماكن التي اصطف أمامها بسيارته وطلب من شخص ما إفطار وقهوة، ليأتيهم ما طلبوا وهم في أماكنهم، ليتناولوا الطعام والقهوة في صمت شديد. ثم يتحرك كامل مرة أخرى باتجاه عملها ليقول في ريبة:
"أنا عارف من طبعك إنك ما بتتكلميش كتير، بس حاسة إنك مش طبيعية فوق العادة، في حاجة حصلت ولا إيه؟"
فرح: "أبدا، بس الصراحة لأول مرة أحس إني خايفة منه."
كامل بفضول: "تقصدي مين؟"
فرح: "منصور."
كامل باستغراب: "وخايفة منه ليه يعني، هو في إيده إيه يعمله عشان يأذيكي؟"
فرح: "مش ده قصدي."
كامل: "أومال تقصدي إيه؟"
فرح: "وأنا سايبة نادر وماشية عمي قالي.. أنا مش هسيب أخواتك لوحدهم."
"كلمة أخواتك لما قالها.. حسيتها وجعتني من جوة، يمكن معرفتي بيهم ما كملتش أسبوع، بس حبيتهم أوي يا دكتور، وحزينة من جوايا إني ما عرفتهمش ولا قربت منهم قبل كده."
كامل: "وهم لو كانوا حاولوا يقربوا قبل كده كنتي هتسمحي لهم بده؟"
فرح بتيه: "مش عارفة."
كامل: "طب برضه ده إيه علاقته بخوفك من عمي؟"
فرح بنبرة حزينة: "خايفة يبعدنا عن بعض أو يحرمنا من بعض من تاني بقسوته وجبروته."
كامل: "متهيأ لي أخواتك مش هيسمحوا بده يا فرح، ولو هما رضوا بده ووافقوا عليه، يبقى ما يستاهلوش إنك تفكري فيهم من الأساس."
فرح: "بس أنا حساهم يستاهلوا."
كامل: "يبقى خلاص، تأكدي إنه مش هيقدر عليهم."
كان منصور بمنزله بصحبة زوجته، يكاد أن يذهب عقله من القلق على ابنه والغضب من نادر لأنه لا يستطيع محادثته. وكلما زاد قلقه، كلما زادت نقمته على فرح لاستطاعتها أن تبعده عن ابنه في أحلك الأوقات سواداً بالنسبة إليه.
وأثناء غضبه وجد هاتفه يدق برقم نادر فقام بالرد على الفور قائلاً بحده:
"هو أنا يا زفت مش متفق معاك إنك تكلمني تطمني كل شوية، قافل تليفونك ليه كل ده أنا مش فاهم."
نادر وهو يحاول جاهداً أن ينقي صوته حتى يبدو طبيعياً:
"الدكتور مانع التليفونات في الأوضة عند نبيل تماماً عشان ما تأثرش على الأجهزة، وأنا ماسيبتوش لحظة، وسبت عمي يطمنك كل ما كان بيقدر يبعد عن الأوضة، وأديني أهو كلمتك أول ما بقيت بعيد عنه."
إبراهيم وهو يحاول السيطرة على غضبه: "وانت سايبه مع مين؟"
نادر: "مع الدكاترة بيتطمنوا عليه."
إبراهيم: "والعملية هتبدأ إمتى، عاوز أجي بقى أطمن على أخوك."
نادر بتردد: "الدكتور قال إن العملية بتاخد وقت طويل جداً ممكن يوصل لأكثر من عشر ساعات والعملية هتبدأ بالليل متأخر وكمان مش هيخرج على أوضة عادية هيخرج على العناية المركزة، يعني كده كده برضه مش هتشوفوه وهو خارج من العمليات، فممكن حضرتك تيجي بكرة تشوفه."
إبراهيم بحدة: "انت عاوزني أقعد هنا وأخوك في العمليات، أنا هاجي يعني هاجي."
نادر: "بلاش تبوظ كل حاجة على آخر لحظة، العند ما منهوش أي لزمة، حضرتك خليك عندك، وأنا إن شاء الله هطمنك أول ما أطمن."
لتختطف دولت الهاتف من يد زوجها وتقول بلهفة وهي تنظر لزوجها بغيظ دفين:
"ما تقلقش يا نادر، أبوك أكيد مش هيعمل حاجة تأذي أخوك بعد كل ده، انت بس طمني عليك وعلى أخوك."
نادر بابتسامة: "إحنا بخير يا ماما ما تقلقيش."
دولت: "وأختكم يا حبيبي.. كويسة."
منصور بغضب: "إنتي في إيه ولا في إيه، خليكي في مصلحة عيالك."
دولت بامتعاض: "طب على الأقل اطمن عليها عشان مصلحة ابنك، دي هتديله حتة من لحمه."
ليختطف منصور منها الهاتف مرة أخرى ويقول لنادر:
"أول ما تدخلوا العمليات تكلمني، هبقى عندك في ساعتها."
نادر: "لو عرفت أكلمك بقى، ربنا يقدم اللي فيه الخير، ياللا سلام."
وبعد أن أغلق الخط قال لعمه:
"أنا مش فاهم إنتوا أخوات إزاي، إيه كم العند ده."
إبراهيم: "مش سهلة عليه برضه يا ابني إن يقعد مكانه وهو عارف إن أخوك داخل عمليات، وخصوصاً إنه حس إن فرح بتنتقم منه."
نادر: "طب تصدق بقى، إني حاسس إن ربنا عمل حكاية نبيل دي بالذات عشان أنا ونبيل ننصلح حالنا ونقرب من أختنا، ونفسي كمان نقرب من رحمة وندا."
إبراهيم: "أهم زمانهم جايين يتطمنوا عليكم، ما مشيوش امبارح غير لما اتطمنوا إنكم خرجتم من العمليات والحمد لله بخير."
نادر: "بس أنا كان نفسي بابا ما يجيش المستشفى قبل ما أقدر أقف على رجلي، مش عاوز يستفرد بفرح ويطلع عليها كل اللي حصل."
إبراهيم: "ما تقلقش على فرح، فرح بميت راجل وأنا وكامل مش هنسيبها."
نادر: "بس الأفضل إنها ما تبقاش موجودة لما ييجي يا عمي، أبويا ماينضمنش."
إبراهيم بتفكير: "حاضر يا ابني هكلمها وأبلغها."
رواية لما قالوا دي صبية الفصل الخامس 5 - بقلم ميمي عوالي
في اليوم التالي، وصلت فرح إلى غرفة الرعاية التي يرقد بها نبيل. نظرت إليه من وراء الزجاج، ووجدته بصحبة كامل والطبيب الجراح المسؤول عن حالته. عندما نظرت إلى وجه نبيل، وجدته يبتسم لها بوهن ويشير إليها بأصابعه مرحباً بها.
التفت كامل إليها، وما إن رآها حتى التفت إلى إحدى الممرضات وأسر إليها بشيء موجهاً إصبعه على فرح. خرجت الممرضة إلى فرح قائلة بابتسامة:
"اتفضلي معايا يا دكتورة عشان أعقمك، أخو حضرتك عاوز يشوفك."
ذهبت معها فرح حتى أنهت تعقيمها، ثم دلفت إليهم لتجد أن الجراح الآخر قد انصرف. بقى كامل في انتظارها وهو يتحدث بمرح مع نبيل.
فقالت فرح:
"السلام عليكم، طمنوني أخباركم إيه؟"
رد كامل بمرح:
"تعالي يا ستي اتفرجي، الدكتور بيقول لنبيل الممرضة بعد كده هتغير لك على الجرح. قال له: مش معقول يبقى ابن عمي دكتور وأختي دكتورة وأسيب حد غريب يغير لي على الجرح."
فرح بابتسامة تملأ عينيها قبل أن تطل على شفتيها:
"عاوزني أنا اللي أغير لك على الجرح؟"
نبيل بوهن:
"أيوة."
فرح:
"وأشمعنى بقى؟"
نبيل:
"الممرضة هتغير لي بعملية بحتة، شغلها بقى وأخدت على كده، لكن انتي هتغيري لأخوكي، فهتغيري لي بالراحة وبحنية وكمان هتبقي خايفة عليا لا أتوجع."
تدمع عينا فرح وهي تستمع لتبرير شقيقها، فتنحني لمستوى رأسه لتقبيل جبهته قائلة بدلال:
"وما خوفتيش إن قلب أختك يتوجع وهي بتشوف جرحك؟"
نبيل بابتسامة:
"لأ… مافيناش من سهوكة الله يكرمك، أحسن أنا ماسك روحي بالعافية."
كامل بسخرية:
"ولو ما مسكتش روحك هتعمل إيه يعني مش فاهم؟"
نبيل:
"اسكت يا كامل بالله عليك، أحسن أنا أخدت حتة حضن قبل العملية، مش عاوز أقول لك على جماله ولا حلاوته. ثم تنهد بعمق قائلاً: الله يسامحك يا بابا."
فرح وهي تكشف عن موضع جرحه لكي تقوم بالتغيير عليه فتقول بتعجب:
"ما الجرح متغير عليه أهو."
كامل ضاحكًا:
"ما الدكتور قال له المرة الجاية بقى، لأنه كان لازم هو بنفسه اللي يكشف عليه ويغيره على الجرح المرة دي عشان يتطمن إن كله تمام."
أعادت فرح هندمة ملابس أخيها قائلة:
"طب طمنوني.. إيه الأخبار؟"
كامل:
"الدكتور متطمن وبيقول إن كله هيبقى تمام إن شاء الله، وإنه هينقله أوضة عادية في خلال تلات أيام بالكتير إن شاء الله."
فرح وهي تقبل جبهة أخيها:
"حمد الله على السلامة يا حبيبي، وإن شاء الله تقوم بالسلامة وتبقى زي الفل."
نبيل:
"نادر عامل إيه دلوقتي؟"
كامل:
"عاوز يجيلك بأي طريقة، بس إحنا مانعينه لحد ما الجرح بتاعه يلم شوية."
نبيل:
"بابا لسه ما عرفش؟"
كامل:
"لسه، وبنحاول نعطله على قد ما نقدر، بس شكله خلاص جاب آخره."
لينظر نبيل برجاء لكامل قائلاً:
"ماتسيبهمش لوحدهم يا كامل الله يخليك."
كامل بمرح:
"آه يا عم، انت الوحيد اللي هتبقى في الأمان."
نبيل:
"ربنا يستر."
فرح بدهشة:
"أنا نفسي أعرف انتوا مالكم خايفين كده ليه، عدت الحمد لله وأنت أخوك بخير، خلاص بقى."
كامل وهو يسحب فرح إلى الخارج:
"يلا بينا إحنا عشان نشوف نادر ونتطمن عليه، كفاية كده النهاردة على نبيل."
لينادي نبيل على فرح قائلاً:
"فرح…"
وعندما التفتت إليه قال:
"ما تنسينيش."
فرح بابتسامة:
"مش هنسالك، ما تقلقش.. مش هقدر."
ليقوما بنزع ملابس التعقيم، ويتوجها سوياً إلى غرفة نادر. وما إن دخلاها حتى قام إبراهيم من مجلسه قائلاً بلوم لفرح:
"برضه جيتي، هو أنا يا بنتي مش قلت لك خليكي أنتِ ومش لازم تيجي تاني.. خصوصًا الليلة دي، أنا خايف عليكي."
فرح:
"خايف عليا من إيه بس يا عمي، هو يقدر يعمل لي إيه أصلًا، وبعدين لعلمكم بقى، هو أصلًا مش هيسأل عليا ولا حتى هيحاول يعرف عني أي حاجة إلا لو عرف إن نادر هو اللي عمل العملية مش أنا."
إبراهيم:
"مش فاهم أنتِ عاوزة تقولي إيه."
فرح بسخرية:
"يعني بكل بساطة، لما ييجي هيبقى كل همه إنه يتطمن على نبيل، ولما يستغرب إن نادر مش موجود ممكن تقولوا له أي حجة لغيابه في الوقت اللي هيبقى هو موجود هنا."
إبراهيم برفض:
"لأ يا فرح يا بنتي، مش للدرجة دي أبدًا، أكيد هيسأل عليكي وهيحب يتطمن على صحتك."
فرح بسخرية:
"لولا إن الرهان حرام يا عمي كنت راهنتك على كلامي ده، عمومًا جرب وأنت تشوف، وأنا عن نفسي مش هسيب نادر لوحده لحد ما تشوفوا الدنيا هيحصل فيها إيه."
إبراهيم:
"هو هيبقى هنا أكيد على واحدة بالليل كده، وهو فاكر إن العملية لسه هتتعمل، ولما ييجي يعدلها المولى."
وبالفعل، كان منصور بالمستشفى عند منتصف الليل بصحبة دولت. وعندما قام بالسؤال عن نبيل في الاستعلامات، علم بأنه قد دلف إلى الرعاية المركزة بعد خروجه من غرفة العمليات. ليهاتف الطبيب وهو في قمة غضبه، ولكن وجد هاتفه مغلقًا. ليهاتف إبراهيم، والذي كان لا يزال بصحبة فرح ونادر ليذهب إليهم على الفور. وما إن رآهم حتى صاح بغضب:
"انتوا بتلعبوا بيا يا إبراهيم."
إبراهيم وهو يهرول إليه:
"ششششش أنت ناسي إنك في مستشفى."
منصور بحدة:
"ده أنا هطربقها على دماغ اللي فيها."
إبراهيم:
"ده بدل ما تتطمن على ابنك."
منصور بثورة:
"طبعًا دي أوامر الست الدكتورة."
إبراهيم بقلة حيلة:
"لا حول ولا قوة إلا بالله، يا راجل اتقي الله ووطي صوتك ده شوية، العيانين محتاجين يناموا ويستريحوا وإحنا في نص الليل، تعالوا معايا عشان تبصوا على ابنكم وتتطمنوا عليه."
منصور بلهفة:
"هو فاق.. اتكلم يعني؟"
إبراهيم:
"أيوة الحمد لله، وكامل كان عنده بعد المغرب، والدكتور بص على الجرح بتاعه وطمنا وقال إن قدامه تلات أيام ويروح أوضة عادية."
كانوا قد وصلوا إلى شرفة غرفة نبيل بالرعاية المركزة، ليطل عليه منصور بلهفة. لينقر على الزجاج نقرتين، ليلتفت إليهم نبيل وهو بين الصحو والمنام. وعندما رأى أبواه ابتسم لهما مطمئنًا إياهما. وعندما لمح الدموع في عيني دولت، أشار لها بإصبعه علامة على أنه بخير.
دولت:
"هو عملها امتى يا أبو كامل؟"
إبراهيم متنهدًا:
"عملها امبارح يا أم نبيل."
منصور بسخرية:
"كمان، والمحروس ابني لحد النهاردة الصبح يقول لي: أصل العملية هتتعمل بالليل متأخر، خليك وتعالى الصبح، بتستغفلوني كلكم، خلاص للدرجة دي عصيتكم كلكم عليا."
إبراهيم بذهول:
"هي مين دي اللي عصيتنا يا منصور، هو أنت مش هتفوق لروحك بقى، يعلم ربنا إن البنت ولا كان ليها أي دخل بالكلام ده لا من قريب ولا من بعيد."
منصور:
"أومال ليه ده كله لو مش شورتها."
إبراهيم:
"عشان كلنا عارفين إنكم على أعصابكم، طب بزمتك مش كده أحسن، أديك أهو لا وقفت قدام العمليات ولا أعصابك تلفت من القلق بسبب الانتظار، إنما فجأة لقيت العملية اتعملت ونجحت كمان، حقك تحمد ربنا وتبوس إيدك وش وضهر إنك في غمضة عين اتطمنت على ابنك."
دولت وهي تقبل يدها:
"أحمدك وأشكر فضلك يا رب، ربنا يتم فضله علينا للآخر."
منصور:
"أومال البيه التاني فين؟"
ليأتيهم صوت كامل وهو يقول:
"نادر مع أخته يا عمي."
منصور بسخرية:
"بقى بدل ما يقعد مع أخوه ويراعيه، قاعد لي مع الهانم اللي اتشرطت على أبوه."
كامل:
"الهانم دي اللي هي أخته على فكرة وتبقى بنتك برضه بالمناسبة، وبعدين أخوه في الرعاية، وممنوع حد يدخل له، فهو هيقعد هنا يعمل إيه."
منصور بعدم اهتمام لحديثه:
"ندهولي."
إبراهيم:
"طب ما تروح أنت تطمن عليهم بنفسك."
منصور:
"لأ… مرة تانية."
دولت بإحراج:
"خدني أنا ليها أطمن عليها يا أبو كامل."
منصور بغلظة:
"اقفي مطرحك.. عاوزة تروحي فين؟"
دولت:
"أروح أطمن على اللي أنقذت حياة ابني وأشكره."
منصور بعنجهية:
"ربنا هو اللي أنقذ حياة ابنك مش حد تاني."
كامل بسخرية:
"اللهم قوي إيمانك يا عمي."
منصور بحدة:
"روح انده لي الزفت ده عشان يروح يستريح، طالما ملوش عازة في المستشفى."
كامل بجمود:
"نادر مينفعش يسيب المستشفى دلوقتي."
منصور بحدة:
"وما ينفعش ليه بقى إن شاء الله؟"
كامل بشماتة وهو يتمعن في رد فعل منصور:
"أصل نادر هو اللي عمل العملية يا عمي… مش فهمك."
منصور بلهفة:
"ابني.. ابني أنا.. أخدتوا حتة من جسم ابني أنا، مين سمحلكم تعملوا كده، مين قال إني موافق على حاجة زي دي."
كامل:
"أصل في حاجات كتير أوي مش لازم نستنى موافقتك عليها يا عمي، في أولويات.. زي الموت من الحياة كده، ما ينفعش نستناك تقسمها بمزاجك."
ليزيحه منصور من أمامه بعنف وهو يجذب إبراهيم من ملابسه وهو يقول:
"وديني عنده.. وديني لابني وحسابكم كلكم معايا هيكون عسير."
ليمد كامل يده ليزيح قبضة منصور من على ملابس إبراهيم ويقول بحدة:
"لولا إننا في المستشفى أنا كان هيبقى لي كلام تاني معاك، ياريت حضرتك تتصرف بحضر وباحترام للمكان اللي إحنا موجودين فيه، واتفضل امشي ورايا وأنا هوصلك لأوضة نادر."
ليلجم منصور غيظه ويسير وراء كامل بعنفوان تدل خطواته على غضب دفين. وما إن وصلوا إلى غرفة نادر حتى فتحها منصور بعنف ليجد فرح تقف بجوار نادر وهي تساعده على شرب الماء. ليزيحها بعنف حتى اصطدمت بالحائط. في حين انحنى على نادر قائلاً بحدة:
"ليه تعمل في روحك كده، أنا مش حذرتك من الحكاية دي وقلت لك بلاش منها، فهمني ليه عملت كده."
نادر وهو ينظر لفرح بأسف:
"أنا عملت كده عشان أنقذ أخويا، أنا أولى بأخويا من أي حد تاني يا بابا، وما ينفعش أبقى أنا الراجل وأسيب أختي البنت هي اللي تتعرض للكلام ده وأنا واقف أتفرج عليه."
منصور بغضب:
"أختك البنت اللي اتشرطت على أبوك واتمسخرت بيه، ثم أنت مش قلت لي إنها موافقة."
نادر بشجاعة:
"فرح مالهاش أي علاقة بالكلام اللي قلته لك، أنا اللي قلت لك كده عشان ماتمنعنيش إني أنقذ أخويا قبل ما يفوت الأوان، وأنا اتفقت مع فرح إننا نفهمك كده لحد ما العملية تتم على خير."
منصور بفضول:
"يعني إيه، يعني بتضحكوا عليا من البداية، أومال إزاي الفحوصات طلعت متطابقة."
نادر:
"متطابقة لأنها فحوصاتي أنا مش فحصك."
منصور بوعيد:
"يعني الحكاية متدبرة من الأول، وأنا برضه اللي مستغرب إنها وافقت بسهولة كده إنها تدي أخوك حتة من لحمها، واتاريها تمثيلية."
ليلتفت منصور إلى فرح قائلاً بحدة:
"ويا ترى بقى التمثيلية دي كانت من تأليف مين، طبعًا من تأليفك أنتِ، ما هو الموضوع جه على هواكي عشان تنتقمي مني، مش كده يا دكتورة، أوعوا تفكروا إني ممكن أصدق إن الكلام ده يطلع من دماغ نادر لوحده أبدًا."
تعتدل فرح في وقفتها وتقول بسخرية:
"والله لو التفسير ده هو اللي هيريحك، فصدق براحتك إن أنا اللي ألفت السيناريو ده."
ليلطمها منصور لطمة بظهر يده لم يدركها أحد لمنعها.. أسالت الدماء من شفتيها وأسنانها، لتنظر له فرح بقوة وتقول ببكاء:
"مش جديدة عليكم."
منصور بحقد:
"اطلعي برة، مش عاوز أشوف وشك تاني، ولا تقربي من ولادي تاني، صدق اللي قال عليكِ قدم نحس، غوري من وشي."
لتنظر فرح بجمود إلى أبيها ولكنها اعتدلت بوقفتها وقالت وهي تسحب حقيبتها استعدادًا للرحيل:
"لو كنت شايف إنها نحس عشان جيت بنت مش ولد، فامي أهيه جابت بدل الولد ما شاء الله اتنين، ومن يوم ما اتجوزت عمو عادل وهي السعادة والضحكة ما فارقوهاش، تفتكر مين بقى اللي كان نحس على التاني يا منصور بيه."
ليقترب منها منصور بحدة وهو ينوي أن يطيح بها مرة أخرى لولا أن وقف كامل وإبراهيم حائلاً بينهما. وكان إبراهيم يقول:
"أوعاك تأذيها تاني يا منصور."
ولكن كامل فعل ما لم يكن في الحسبان، فقد قام بتوثيق منصور بكلتا يديه وقال له بحدة وهو يسيطر عليه بين يديه:
"هو أنت مش ناوي تتقي الله وتجيبها لبر أبدًا، إيه مالك، متفرعن وماشي تقول أنا ربكم الأعلى بمناسبة إيه، ما تفوق بقى وبطل جبروتك ده.. الدنيا ماهياش ماشية على هواك، كل اللي حواليك كرهوك حتى عيالك."
منصور وهو يحاول الفكاك من بين يديه:
"أنا ماليش عيال غير نبيل ونادر."
كامل بشماتة:
"حتى دول كرهوك وطلعوا من تحت طوعك، كفاية بقى إحنا كلنا زهقنا من الغل اللي مالي قلبك ده."
منصور بحقد:
"أنت اللي محروق بزيادة من ساعة ما خليتها سابتك واتجوزت غيرك، وبدل ما تشكرني إني بعدتها عنك بطمعها، عمال تغلي من ناحيتي وكارهني وكاره لي الخير."
لينظر له كامل باشمئزاز ودفعه بعيدًا عنه قائلاً:
"تعرف، أنا بدعيلك من كل قلبي إنك تفضل على ضلالك ده لحد ما تموت، عشان تندم وقت ما لا ينفع الندم."
ثم رفع إصبعه بتحذير وأكمل قائلاً:
"بس أنا بقى بحذرك... على الله تفكر تأذي فرح لأنك لو فكرت بس مجرد تفكير في ده، ماحدش هيقف لك غيري يا… يا عمي."
ثم التفت وسحب معه فرح متجهًا إلى الخارج، لتسير معه فرح دون أي حديث حتى جلست بجواره بسيارته، ولم تنتبه إلا بعد أن توقف بجوار النيل وكان الجو هادئًا، فكان الوقت متأخرًا، والشوارع تكاد تخلو من المارة. وانتبهت إليه وهو يقول:
"كانت بتشتغل سكرتيرة عند أبويا في مكتبه، كانت ظروفها على قدها، لما كنت بروح لبابا المكتب كنت بحب أقعد معاها ونتكلم سوا في كل حاجة. كانت بتدرس في كلية تجارة جنب شغلها عشان تقدر تصرف على روحها، أمها وأبوها كانوا متطلقين، عاشت مع أمها، وأبوها ما كانش بيصرف عليهم من بعد ما طلق أمها وسابهم وساب روحه لشيطانه وسكره وجريه ورا الستات لحد ما اتحبس بسبب خناقة في سهرة من سهراته، وما كان لهمش مصدر رزق ثابت، عجبني إصرارها واعتمادها على نفسها، وصدقها مع نفسها واللي حواليها، حبينا بعض واتفقنا نتجوز بعد ما أخلص الجيش، وفاتحت بابا اللي كان متعاطف جدًا مع ظروفها ومعجب بأخلاقها، واداني موافقة مبدئية على طلبي، وفجأة رجعت في إجازة من الإجازات مالقيتهاش، اختفت.. كأنها فص ملح وداب، كل اللي عرفته إنها اتجوزت، مين وإمتى وإزاي، محدش دلني على حاجة، لحد ما في الآخر عرفت إنه هو اللي ورا الحكاية من أولها لآخرها، هددها بأمها وإنه هيشردهم في الشارع لو ما سمعتش كلامه وجوزها لواحد من اللي بيشتغلوا معاه وخلى أمها عزلت من البيت اللي كانوا عايشين فيه عشان ما أعرفش طريقها."
فرح:
"أومال عرفت الكلام ده إزاي؟"
كامل بسخرية:
"في مرة كنت قاعد هنا، ده المكان اللي كنت دايما بقعد فيه معاها بعيد عن الكل، لقيت إيد بتتحط على كتفي وبتقول لي: إزيك يا كامل."
التفتت بسرعة لقيتها هي، ولقيتها… حامل، ولما لقيتني بصيت لها وسكتت حكت لي على اللي حصل، وقالت لي إنها ما كانتش هتقدر تتحمل تبقى السبب في بهدلة أمها في أواخر أيامها، وإن لطف ربنا بيها إن جوزها ابن حلال وبيحبها وبيعملها بما يرضي الله."
"يومها فضلت أسمعها لحد ما خلصت كلامها كله ومشيت، ما فكرتش أبدًا من وقتها إني أعرف عنها حاجة، بس لسه لحد دلوقتي موجوع منه، كرهته، زي ما أنتِ كرهتيه ويمكن أكتر، بس أنا كرهت عنجهيته الكدابة وجبروته، واللي لحد دلوقتي مش لاقيله سبب ولا مبرر."
"يمكن تكوني بتفكريني بيها، أنتِ كمان اعتمدتي على نفسك ورسمتي طريقك وبتحاولي تمشي فيه، بس يمكن أنتِ تصميمك وعزيمتك أكبر وأقوى منها."
كامل التفت لفرح لقى دموعها نازلة على وشها فقال لها بتعاطف:
"أول مرة أشوفك بتعيطي، إيه… أوعى أكون صعبان عليكِ، ولا يكون اللي عمله مؤثر فيكي ولا فرق معاكي.. ده منصور يا فرح، ثم إحنا كنا متوقعين اللي حصل ده من الأول."
فرح بحزن:
"مش بعيط عشانه، أنا بعيط لأن للأسف حبيت إخواتي وصعبان عليا إنه يحرمني منهم أو يبعدهم عني من تاني."
كامل وهو يمد يده ليدير السيارة مرة أخرى:
"صدقيني.. المرة دي مش هيقدر."
أما عند نادر، فقد ساد الغرفة صمت رهيب بعد انصراف كامل وفرح، مما زاد في وضوح أنفاس منصور العالية المتلاحقة من شدة الغضب، فكان يلهث بشدة وكأنه في حلبة سباق. وظل كذلك حتى قال نادر:
"أنا من زمان وأنا عارف من ماما إن عندي أخوات بنات.. رغم إن عمرك ما جبت سيرةهم قدامنا، بس عمري ما اهتميت بالحكاية دي، وأما لقيت إنك مش مهتم بيهم ولا بتسأل عليهم، ما حطيتش في دماغي، حتى لما رحمة وندا اتجوزوا ولاد عمي إبراهيم، لقيتهم لطف وطيبين، بس برضه ما اهتمتش إني أقرب منهم ولا أتعرف عليهم من قريب، لكن فرح لأ يا بابا."
منصور بحدة:
"وأشمعنى يعني فرح، تعرفها من امتى ولا اتعاملت معاها امتى عشان تتمسك بيها أنا مش فاهم."
نادر:
"كفاية إني لجأت لها عشان تساعدنا أنا ونبيل وما اتأخرتش."
منصور بغضب:
"عشان غبي، رايح لأكتر واحدة بتكره أبوك وعاوزها تساعدك إنك تستلطف أبوك.. تفتكر هتمانع ولا هتقول لك لأ، دي ما صدقت إنها تديني بالقلم على وشي بإيدك."
نادر بذهول:
"دي بنتك وصلبك زينا بالظبط، إزاي تتكلم عنها بالشكل ده."
منصور:
"ما بحبش البنات وخلفاتها، خيرها كله للغريب، لكن أنت وأخوك عزوتي، وأنتم اللي هتخلدوا اسمي على وش الدنيا."
نادر:
"بس أنا مش هقاطع إخواتي وأبعد عنهم من تاني بعد ما ابتديت أقرب منهم عشان طريقة تفكيرك الغريبة دي."
منصور بسخرية:
"إخواتك.. وأنت بقى كنت قربت منهم امتى عشان تبعد من تاني يا سي نادر."
نادر:
"إخواتي ما سابونيش من ساعة ما عملت العملية، دايما كانوا جنبي وما خلوونيش محتاج حاجة."
منصور:
"هو عشان قعدوا جنبك يومين يبقى خلاص السمنة ساحت على العسل، قال إخواتك قال."
نادر:
"وإما هما مش إخواتي، روحت ليه تعمل لهم الفحوصات وكنت عاوز تاخد منهم عشان تدي نبيل، أشمعنى بس افتكرتهم وأنت اللي عاوز منهم بدل ما تديهم."
منصور بعنجهية:
"كفاية إنهم شايلين اسمي، هديهم إيه تاني أكتر من كده."
كان إبراهيم يجلس في صمت وصبر شديدين في انتظار ما ستؤول إليه مناقشتهم حتى نفذ صبره فقال:
"ده بدل ما تفرح إن ولادك قريبين من بعض وقلبهم على قلب بعض، يا راجل اتقي الله وانسى بقى، مش كل بنت في الدنيا ولا كل ست أبدًا هتبقى زي نوال.. اتقي الله في بناتك بقى وبطل تحملهم ذنب عمره ما كان ذنبه."
ليلتفت له منصور بحدة ناهراً إياه وهو يقول:
"اسكت يا إبراهيم، مش عاوز أسمع السيرة دي أبدًا."
إبراهيم بعند:
"لأ مش هسكت، والمرة دي بالذات مش هسكت لأنك زودتها أوي، طول السنين اللي فاتت وأنا بقول معلش.. معذور، بكرة يفهم، بكرة يعقل، بكرة يعرف قيمة بناته، بكرة يفرح بيهم ويقرب منهم، حتى لما جوزت بناتك لولادي قلت فرصة تقرب منهم وتودهم ويودوك، لكن أنت عامل زي تل الرمل اللي كل ما يهب عليهم شوية هوا ماينوبش اللي حواليه غير الرمل اللي يعمي عينيه."
"لأ أنت أول ولا آخر واحد يحب وما يطولش، نوال أما هربت منك هربت من قسوتك وجبروتك، ذنبها إيه فاطمة تنتقم منها بدل نوال وتزلها وتعمل اللي عملته فيها، ذنبهم إيه بناتك تقهرهم وتيتّمهم وأنت على وش الدنيا، حتى دولت.. استغليت حوجتها ويتمها عشان تتجوزها وتسيطر عليها، واتجوزتها وأنت في ضميرك تعمل فيها زي ما عملت في فاطمة لو برضه جابت لك بنات، بس ربنا كان رؤوف بيها عشان عالم بظروفها وإن مالهاش حد.. اتقي الله بقى، أنا خلاص نفضت إيدي منك، ومن عمايلك، بس اعمل حسابك يوم ما هتندم وتفكر تلجأ لي عشان أحنن قلب بناتك عليك، هقول لك ما كانش ينعز.. كان في وخلص يا منصور."
ليستدير إبراهيم استعدادًا للانصراف، ولكن يستوقفه صوت نادر وهو يقول وهو ينظر إلى أبيه بتحدي:
"عمي، من فضلك، بلغ فرح إني مستنيها بكرة."
إبراهيم:
"هبلغها يا ابني، وهي حرة إن كانت تيجي ولا ماتجيش بعد اللي حصل."
لتمر الأيام ويعلن الطبيب نجاح عملية نبيل وأن جسده قد تقبل الزراعة بنجاح. وكانت فرح تقوم بزيارة أشقائها في الأوقات التي تتأكد فيها أن منصور قد غادر إلى منزله أو عمله، واجتمعت بدولت أكثر من مرة، والتي عاملتها بود ولطف لم يخلو من بعض الحزازية.
وبعد مرور أسبوع استطاع نادر مغادرة المشفى، أما نبيل، فظل تحت الرعاية والإشراف الطبي لأسبوع آخر حتى استطاع هو الآخر مغادرة المشفى مع المتابعة المستمرة مع طبيبه المتخصص.
إلى أن جاء موعد افتتاح المشفى الخاص بكامل، والذي حضره جميع أفراد العائلة ما عدا منصور، الذي تغيب عن الحضور بعد أن علم أن كامل قد دعا فاطمة وزوجها وأبنائهم. وحضره أيضًا نادر ونبيل اللذان توطدت علاقتهما بأبناء عمهما خلال محنتهما.
وكان نادر ونبيل قد تعرفا بدورهما على أحمد ومحمود، وفاطمة وعادل، وكان هناك جو من الألفة والبهجة بين الجميع، حتى اختلى نادر ونبيل بإبراهيم بعيدًا عن الجميع وقال نادر:
"بقولك يا عمي."
إبراهيم:
"خير يا ابني."
نادر:
"كنت عاوز أسألك… مين نوال دي اللي قلت عليها لبابا يوم ما جالي المستشفى."
إبراهيم بامتعاض:
"ده موضوع قديم يا ابني واتقفل من زمان."
نادر:
"بس شكله كده عمل عقدة لبابا ومش قادر إنه ينساها، وأنا عاوز أعرفها."
إبراهيم بتنهيدة:
"أبوك طول عمره وهو جامد في معاملته مع اللي حواليه، مهما كان بيحبهم، مابيبينش أبدًا ده لأنه بيبقى فاكر إن ده ضعف. نوال كانت بنت خالتنا، وكانت أمنا اللي مربياها بعد موت أبوها وأمها، وأبوك كان بيحبها وطلبها للجواز، وفعلاً اتخطبوا، بس كانت بتخاف منه ومن قسوته. فهمته إنها موافقة عليه، وكانت بترتب لهروبها مع اللي بتحبه بجد واللي كان صاحب منصور من سنين."
"صحينا في يوم لقيناها اختفت، بعد ما سابت جواب لأمي إنها عملت كده عشان مش عاوزة منصور وما بتحبهوش وبتخاف منه لدرجة الرعب."
"صمم إنه يخطب ويتجوز بعدها بسرعة، وتقدم لفاطمة واتجوزها خلال شهرين تلاتة، سقاها من العذاب والإهانة أشكال وألوان لحد ما حصل اللي حصل، وبعدها بمافيش اتجوز أمكم بعد ما بيتهم ولع باللي فيه، وجوزها مات في الحريقة هو وابنها اللي كان عمره شهور."
نادر بذهول:
"هي ماما كانت متجوزة قبل بابا؟"
إبراهيم:
"كانت أرملة يدوب عدى عليها ست شهور، ومالهاش حد، بس كان كل تفكيره وقتها إنها سبق لها خلفة الصبيان، يبقى أكيد هتجيب له هو كمان الصبيان اللي بيحلم بيه."
نادر:
"أنا برضه لحد دلوقتي مش فاهم هو كاره إخواتي ليه."
إبراهيم:
"هو شايف إن الستات كلها خاينة وإن خلفة البنات عار، ولولا إنه عشان يجيب الولد لازم يتجوز ست، متهيأ لي ما كانش اتجوز أبدًا."
رواية لما قالوا دي صبية الفصل السادس 6 - بقلم ميمي عوالي
في صباح يوم مشرق، وبعد مرور خمسة أشهر على بداية العمل الرسمي بالمشفى الخاصة بكامل، كانت الأمور تجري على طبيعتها. فالجميع كانت مجرى حياته تسير بروتينية معهودة.
إبراهيم ومنصور يمضيان بعملهما كالمعتاد، وعادل وفاطمة تسير حياتهما بتؤدة ومحبة.
أما نادر ونبيل، فقد انحرف خط حياتهما بعدما تعرض نبيل لما تعرض له في مرضه وشدته. فبعد أن استقرت الحالة الصحية لنبيل، وبعد أن حضر مع أخيه حفل افتتاح المشفى، قررا الذهاب إلى الأراضي المقدسة لأداء مناسك العمرة. وبعد عودتهما، قررا محاولة تعويض ما فرطا فيه من مستقبلهما ودراستهما.
وقد كان، فقد التزما بالجد والاجتهاد حتى استطاعا تعويض جزء ليس باليسير من دراستهما بأحد المعاهد. وها هما قد التحقا بالامتحانات، حتى جاء اليوم الأخير من امتحاناتهما.
عند خروجهما من المعهد، وجدوا فرح تقف مستندة إلى سيارة نادر بالخارج، وهي تلتهم شيئًا ما.
فاقترب منها الشقيقان بمرح من خلفها، حتى انقض نادر على ما بيديها ودسه بفمه وهو يقول بصياح:
"أنتِ واقفة هنا بتاكلي وإحنا محتاسين جوه بقالنا ساعتين. ده بدل ما تفرغي نفسك للدعا. بقى هي دي الوصية اللي وصيناكي بيها؟"
نبيل وهو يحتضن فرح بذراع واحد ويقبل رأسها:
"أنا متأكد إنها دعت لي عشان أنا حاسس إني حلّيت كويس."
نظر نادر بذهول لفرح قائلاً:
"يا نهارك مش فايت، انتِ دعيتي لنبيل بس وما دعيتليش أنا كمان؟"
فرح بانزعاج:
"معنى كلامك ده إيه بقى، إنك ما جاوبتش كويس؟"
نادر وهو ينفي برأسه يمينًا ويسارًا:
"لأ، أنا مش حاسس إني حلّيت كويس. أنا حاسس إني حلّيت كويس جدًا."
تبطش به فرح، موكزة إياه في كتفه وهي تقول:
"يا أخي حرام عليك.. وقعت قلبي."
ليقبلها نادر بوجنتها وهو يداعبها قائلاً:
"سلامة قلبك يا قلبي."
فرح باستفهام:
"يعني أطمن على التقدير؟"
نادر:
"ماتقلقيش، إن شاء الله هنجيب التقدير اللي نقدر بيه نكمل في الكلية."
فرح بسعادة:
"أيوه كده فرحتوني. طب يلا بينا بقى أحسن أنا جعانة أوي ومهبطة، وحتى البسكوت اللي كنت بأكله جيت سيادتك واستوليت عليه، وكمان لسه هنعدي على محمود ناخده من عند المدرسة."
نادر:
"طب ما تيجي نتغدى بره، أنا هعزمكم، وهو نفرفش محمود."
فرح:
"لأ، أخواتك مستنيينك عشان ما يزعلوش، وبعدين زمان أحمد خلص امتحانه هو كمان وطلع على عند ندا على طول."
نبيل:
"طب خلاص، نروح النهاردة لندي، ونتفق على يوم تاني نخرج مع بعض ونتجمع فيه كلنا سوا."
يقوم نبيل ونادر بمهاتفة أمهما لطمأنتها عليهما بعد الامتحان، وأبلغاها بأنهما سيتوجهان مع فرح إلى منزل شقيقتهما وتقضية باقي اليوم بصحبتهما.
وفي الطريق أثناء توجههما إلى منزل ندا، سمع نادر رنين هاتفه. وعندما قام بالرد، وجد أباه. فتبادل النظرات مع نبيل قبل أن يجيب قائلاً:
"السلام عليكم، أيوه يا بابا."
منصور:
"انت فين انت واخو."
نادر:
"إحنا خلصنا الامتحانات و..."
منصور بحدة:
"عارف إنكم خلصتوا الزفت، وعارف إنكم مع الدكتورة اللي بقيتوا معاها طول الوقت وناسسين إني أبوكم وليا حق عليكم. ممكن أفهم انتوا رايحين معاها فين وليه؟"
نادر بهدوء وهو يحاول كبت رد فعله:
"أبدا يا بابا، بس حسن وحسين واخواتي البنات عازمينا على الغدا في بيت ندا عشان يحتفلوا بينا إننا خلصنا الامتحانات."
منصور بسخرية:
"ومن امتى بتضحوا بشلة النادي ورحلة السخنة في آخر يوم امتحانات؟"
نادر بابتسامة:
"لأ ما خلاص يا حاج، توبنا إلى الله."
منصور:
"طب مش أنا وأمكم أولى من اللي انتوا رايحين لهم دول؟"
نادر بتنهيدة:
"انتوا الخير والبركة طبعًا يا بابا، حاضر، بكرة إن شاء الله هنقضيه كله معاكم."
منصور بحدة:
"وليه مش النهاردة؟"
نادر:
"لأنه كان اتفاق ووعد من أسبوعين فاتوا، ولأن الأيام جاية كتير، فما حبكتش يعني."
منصور بغضب:
"خليكوا ورا الدكتورة اللي سايقاكم ومعصياكم عليا، ولما أشوف آخرتها معاكم."
ليغلق منصور الهاتف بغضب بوجه نادر، الذي لم يقم بأي رد فعل سوى أنه أكمل حديثه وكأن منصور ما زال على الخط قائلاً:
"حاضر يا بابا، هسلم لحضرتك عليهم كلهم، مع السلامة."
ليدس نادر الهاتف في جيبه مرة أخرى، وينظر لفرح قائلاً بمرح:
"ها يا دكتورة، عاملة إيه بقى؟"
فرح بابتسامة وتنهيدة:
"عاملة نفسي مش واخدة بالي."
نادر باستفهام:
"مش واخدة بالك من إيه بالظبط؟"
فرح بسخرية:
"من التليفون اللي اتفتح في وشك يا ابن منصور."
نادر بمرح وهو يدلك وجهه:
"إيه الإحراج ده، انتِ سمعتي؟"
فرح:
"الحقيقة منصور حنجرته قوية وتخرم أجمد طبلة ودان فيكي يا بلد."
نبيل:
"حقك عليا يا فرح، ماتزعليش منه."
فرح وهي تنظر لنبيل بحب:
"حقي عند ربنا يا حبيبي، وأنا مش زعلانة منه على فكرة."
نبيل بطيبة:
"طب ماتنسي اللي فات يا فرح، وتعالي نبتدي صفحة جديدة، إيه رأيك؟ إحنا من ساعة ما عرفناكي وإحنا حسينا إن فاتنا كتير أوي، واعتقد إن بابا كمان أكيد هينبسط لو..."
لتقاطعه فرح بهدوء قائلة:
"بص يا حبيبي، أنت فهمت كلامي غلط. أنا أما قلت إني مش زعلانة منه.. ما كنتش أقصد إني قلبي صفى من ناحيته، بالعكس، أنا أقصد إن إحساسي من ناحيته ماينفعش يتوصف بالزعل، لأن إحساسي اتخطى إحساس الزعل بمراحل. لكن اللي أقصد إنه مابقاش يفرق معايا في أي حاجة يعملها ولا في أي حاجة يقولها."
ليتبادل نبيل ونادر نظرات الخجل في صمت فيما بينهما، ليصلوا إلى مدرسة محمود ويصطحبوه معهم إلى منزل شقيقتهما.
عند وصولهم، وجدوا الجميع بانتظارهم. لتستقبلهم رحمة قائلة بفضول ولهفة:
"طمنوني الامتحانات أخبارها إيه النهاردة؟"
نادر:
"أنا بالنسبة لي تمام آخر حاجة."
نبيل:
"وأنا برضه الحمد لله."
محمود:
"وأنا راجعت الامتحان مع فرح وبتقول إن الحمد لله تمام."
لتتقبلهم رحمة وهي تقول ببهجة:
"عقبال النتيجة يا حبايبي يا رب."
لتجد فرح عمها إبراهيم يجلس بهدوء، فتذهب إليه وتحييه وهي تقول:
"إزيك يا عمي، مالك ساكت ليه كده، لا سكت الله لك حس."
إبراهيم بابتسامة هادئة:
"أهلاً يا فرح يا بنتي، عاملة إيه؟"
فرح بمداعبة:
"زعلانة منك عشان مابتسألش عليا."
إبراهيم:
"إزاي بقى، ده أنا حتى ببعت لك السلام كل يوم مع كامل."
ليأتيهم صوت كامل من المطبخ وهو يقول بصوت عالٍ:
"وأنا بوصل لها سلامك كل يوم يا بابا حتى أسألها."
فرح بمشاغبة:
"ما حصلش، طب أنت النهاردة ما وصلتيليش حاجة."
ليخرج كامل من المطبخ وهو يرتدي مريول الطهي ويمسك بيده إحدى أدوات الطهي وهو يقول:
"وهو أنا جيت المستشفى أصلاً النهاردة عشان أوصل لك حاجة؟"
فرح وهي تنظر إلى مظهره بمرح:
"مش عذر أبدًا يا دكتور، المفروض كنت اتصرفت ووصلت الأمانة. وبعدين سيبك من كل الكلام ده، أنت ناوي تأكلنا إيه النهاردة؟"
ندا وهي تأتي هي الأخرى من الداخل بنفس المظهر:
"استعدي يا بنتي، ده كامل ناوي يشهيصكم النهاردة، عامل شوربة كريمة بالمشروم إنما إيه.. تجنن، أنا شكلي هخلصها قبل ما أحطلكم الأكل."
ليلتف الجميع حول المائدة وهم يتناولون طعامهم في جو من المودة والمرح. ولكن فرح كانت تلاحظ إبراهيم بين الفينة والأخرى وهو يجلس بينهم شارد الذهن.
لتميل فرح على كامل قائلة:
"عمي ماله، حاساه مش على طبيعته، في حاجة شغلاه ولا لأ قدر الله تعبان؟"
كامل بتنهيدة هامسة:
"بقاله كام يوم على دا الحال، على طول سرحان وبيفكر في حاجة الله أعلم بيها."
فرح:
"طب ماسألتهوش؟"
كامل:
"كل ما أسأله يقول لي ماتشغلش بالك، موضوع كده لما يحصل هبقى أقول لك."
فرح بمرح:
"أوعى يكون ناوي يتجوز وعاوز يعملهالك مفاجأة."
ليضحك كامل بخفة قائلاً:
"وأنا موافق."
فرح باستغراب:
"بتتكلم جد؟"
كامل:
"وهو ليه لأ، حقه، بابا تعب معايا أنا وإخواتي سنين على ما وصلنا للي إحنا فيه، وأعتقد إنه لو حب إنه يتجوز فعلًا ماحدش فينا أبدًا من حقه إنه يعترض. بس أنا ما أعتقدش إن ده اللي في باله، واضح إن في حاجة معينة بيفكر فيها، يمكن حاجة في الشغل."
فرح:
"عمومًا أنا بعد الغدا هبقى أحاول أتكلم معاه."
حسين بصوت عالٍ:
"إيه يا كامل أنت وفرح، يا ريت مش عاوزين أي أحاديث جانبية."
حسن:
"ده أنت حشري أوي، ماتسيبهم يا عم."
حسين:
"أصلهم أكيد بيتكلموا في الشغل، حاكم أنا عارفهم هما الاتنين، يموتوا في الشغل، حتى وهم نايمين تلاقيهم بيحلموا بالعيانين بتوعهم."
محمود:
"أهو أنا إن شاء الله لما أجيب مجموع وأدخل كلية الطب هبقى أقعد في النص، عشان أتعلم بسرعة وآخد الكلية في سنتين تلاتة بس."
لكلهم ضحكوا على كلام محمود، وأحمد قال:
"يلا على البركة، على الأقل بعد التخرج تلاقي مكان تشتغل فيه على طول."
نادر:
"وإحنا إن شاء الله أول ما نجيب تقدير هنقدم في كلية التجارة وبعد ما نخلص البكالوريوس أنا ناوي إن شاء الله إني أكمل دراسات عليا وأشتغل في الجامعة."
فرح بابتسامة:
"برافو عليك يا نادر، أيوه كده. وأنت يا نبيل هتعمل كده برضه ولا ناوي على إيه؟"
نبيل:
"أنا إن شاء الله ناوي أكمل زي نادر برضه، بس حتة تدريس الجامعة ده مش في دماغي، أنا ناوي أمسك الشغل مع بابا إن شاء الله."
حسن:
"والله عين العقل يا نبيل، وهو على الأقل حد فيكم هيبقى فاهم الدنيا رايحة فين وجاية منين."
بعد الغداء، اجتمعوا كلهم قدام التليفزيون. وفرح راحت قعدت جنب عمها ومالت عليه وقالت له بهمس:
"بتفكر في إيه شاغلك أوي كده ومخليك ساكت بالشكل ده؟"
إبراهيم:
"أبدا يا بنتي، ما أنا معاكم أهو."
فرح:
"هو أنا يعني مش عارفة حضرتك يا عمي، لأ طبعًا، أنت في حاجة شاغلاك أوي ومش مخلياك معانا خالص."
إبراهيم:
"أبدا يا بنتي، ده أنا حتى فرحان بلمتكم مع بعض. أنا بس اللي عندي شغل كتير الفترة دي ومش ملاحق عليه."
فرح بعدم تصديق:
"شغل إيه ده يا عمي، ده حتى حسن وحسين على طول معاك ومش سايبينك. أوعى تكون تعبان بعد الشر ومخبي علينا."
إبراهيم بنفي:
"لأ يا بنتي.. أنا الحمد لله زي الفل، وبلاش تعملي دكتورة عليا. أنتِ بس خدي بالك من نفسك وخدي بالك من كامل."
فرح باستغراب:
"ماله كامل يا عمي؟"
إبراهيم بحزن:
"العمر بيجري بيه يا بنتي."
فرح:
"العمر بيجري بينا كلنا يا عمي، بس إيه اللي يشغلك كده بالنسبة لكامل؟"
إبراهيم بتنهيدة:
"كان نفسي أطمن عليه قبل ما أقابل وجه كريم."
فرح بانقباضة:
"ربنا يديك طولة العمر يا عمي، ليه بتقول كده، ده حتى دكتور كامل كل الناس بتحبه وبتدعي له."
إبراهيم:
"كان نفسي أشوف له زوجة تكون هي اللي بتحبه وتراعيه وأشوف عياله زي إخواته."
فرح بفهم:
"إن شاء الله تشوف أحفاده كمان. ثم أكملت بمرح.. أنت بس دور له على عروسة حلوة كده وبنت ناس وليا عليا أروح أخطبهاله بنفسي."
لينظر لها إبراهيم بتمعن ثم يقول بخفوت:
"لو طلبتك ليه يا فرح تقبلي؟"
ليعتلي الوجوم والصمت على وجه فرح التي تنظر لعمها بصدمة دون أي تعليق. ليكمل إبراهيم حديثه قائلاً:
"أنا نفسي أطمن عليكي وعليه، انتوا اللي فاضلين، وشايف إن مافيش أحسن منكم لبعض. صدقيني يابنتي مش عشان كامل ابني، لأ، بس أنا شايف إن كامل أكتر بني آدم في الدنيا دي ممكن يصونك ويراعي فيكي ربنا. وأنتِ كمان، أنا متأكد إنك برضه هتصونيه وتراعي فيه ربنا. أنا اتطمنت على أخواتك مع ولادي، وبتمنى أطمن عليكي انتي وكامل مع بعض. رغم إني عارف إنه يمكن يكون فيه فرق سن بينك وبين كامل أكتر من الفرق اللي بين أخواتك وأجوازهم، لكن ماهواش الفرق اللي يخوف. أنا من فترة وأنا نفسي أفاتحك وأتكلم معاكي في الحكاية دي، بس كنت خايف تصديني، لكن لقيت إن سكاتي طول والأيام بتجري ورا بعضها وهي واخداكي واخداه. ورغم إني عارف إنه يمكن تكون قلوبكم لسه ما ألفتش على قلوب بعض، لكن صدقيني يا بنتي، العشرة بتألف القلوب أكتر بكتير من توليفة العشق اللي مش دائمًا بتدوم. مش عاوزك تردي عليا دلوقتي، لكن عاوزك تفكري، وهسيبك شهر بحاله تاخدي وتدي مع نفسك، وصدقيني.. لو رفضتي مش هزعل منك، لكن تأكدي إنك لو وافقتي، هتبقى فرحتيني فرحة العمر كله."
ظلت فرح تستمع إلى عمها وهي في حالة صمت شديد من تأثير المفاجأة. عندما وجدته ينظر إليها وهو في انتظار أي تعليق منها، قالت بوجوم:
"يا عمي حضرتك عارف إني ما بفكرش في موضوع الجواز ده من أساسه ومش في دماغي."
إبراهيم:
"عارف يا بنتي، بس لمتى، ماهو يعني أكيد مش هتفضلي عمرك كله كده عايشة من غير راجل."
فرح:
"وهو يعني الراجل هيزودني إيه، بالعكس، أنا من غيره أحسن بكتير. بكبر في شغلي وبتقدم في مستقبلي من غير أي تدخل من أي حد. إنما لو اتجوزت…."
إبراهيم مقاطعاً إياها:
"ما انتِ مش هتتجوزي أي راجل، وأديكي شايفة كامل تفكيره عامل إزاي، طول عمره وهو مؤمن بالمساواة بين الراجل والست وعمره أبدًا ما هيقف في طريق مستقبلك، بالعكس، ده أول واحد هيساندك ويشجعك إنك تنجحي وتتقدمي."
فرح باحراج:
"أيوه يا عمي بس…"
إبراهيم:
"أنا مش عاوز ردك دلوقتي، أنا عاوزك تفكري على مهلك وتصلي صلاة استخارة مرة واتنين وتلاتة، وبعد أسبوعين من دلوقتي هكلمك وأسمع ردك."
فرح بفضول:
"طب وحضرتك تضمن منين إني لو حتى وافقت، إن كامل ممكن يوافق؟ حضرتك كده بتحرجني وبتحرجه."
إبراهيم:
"عمري ما كنت هفاتحك في حاجة زي كده إلا لو متأكد إن انتي بالذات طول عمرك وليه معزة خاصة عند كامل، يمكن حتى من يوم ولادتك.. لما صمم إنه هو اللي يسميكي بنفسه."
فرح بذهول:
"كامل هو اللي سماني؟"
إبراهيم بابتسامة:
"أومال إيه، أنتِ أول مرة تعرفي؟"
فرح:
"أيوه، وحتى طول عمري مستغربة وبقول مين اللي شاف إن الاسم ده يليق عليا وسط كل اللي حصل وقتها."
إبراهيم بصوت مسموع:
"وقتها كانت أمك الله يكون في عونها حالتها حالة، وخالك كان ملخوم بيها وباللي حصل، ولما أبوكي طلب مني أطلع لك شهادة الميلاد، كامل جه معايا المستشفى وشافك، وصمم يسميكي فرح."
كان الجميع قد انضموا تباعًا لمجلس إبراهيم وفرح بعد أن سمعوه وهو يقص على فرح تلك القصة، فنظرت فرح لكامل بفضول وقالت:
"طول عمري وأنا شايفة إن ماليش أي علاقة باسمي، وما كنتش أعرف مين اللي سماني، وبما إني أخيرًا عرفت، ممكن تقولي اشمعنى الاسم ده اللي اخترتهولي؟"
كامل بابتسامة:
"لأني أما شيلتك في المستشفى ضحكتيلي، وقتها كنت لسه عيل ومش فاهم طبعًا إن ضحكتك وقتها مش ليا من أصله، بس أنا فرحت بالضحكة دي، ويمكن كانت أول مرة أفرح فيها بعد ما أمي الله يرحمها ما ماتت، وعشان كده سميتك فرح، والاسم عجب بابا وكتبك بيه."
فرح:
"كنت دائمًا أسأل ماما وأقول لها.. ليه اخترتوا لي الاسم ده، فكانت تقول لي ما أعرفش مين اللي سماكي."
كامل بمرح:
"واديكي عرفتي، ها، هتعملي إيه بقى؟"
فرح وهي تلتقط حقيبتها وتنهض متأهبة للانصراف:
"هاخد بعضي وأروح."
ندا:
"إيه ده، تروحي فين، إحنا لسه ما قعدناش مع بعض، أنتِ جاية تاكلي وتمشي؟"
نادر:
"إيه يا فرح، أنتِ مش قلتي هنقضي اليوم سوا؟"
فرح:
"معلش حقكم عليا، بس حسيت فجأة إني محتاجة أنام."
ندا:
"طب ما تدخلي تنامي لك ساعة كده وهبقى أصحيكي."
فرح:
"لأ ساعة إيه، أنا عاوزة أنام وأتعمق في النوم، محتاجة أستريح لي شوية، أنا بقالي كتير ما أخدتش راحة، فعاوزة أنام النهاردة أصحى الفجر."
ليننهض إبراهيم قائلاً:
"خلاص يا أولاد سيبوها براحتها، أنا هاخدها أوصلها قبل ما أرجع على المكتب."
كامل باستياء وهو يوجه حديثه لفرح:
"عاجبك كده، أديها هتفركش، ما تقعدي يا بنتي شوية وأنا هنزل أوصلك."
إبراهيم بحزم:
"خلاص بقى يا كامل سيبها براحتها، وانتوا يا أولاد كل سنة وانتوا طيبين وإن شاء الله نتجمع تاني لما نتائجكم كلها تظهر وتفرحونا بإذن الله."
كانت فرح تتقلب على فراشها بتوتر وقلق وهي تتذكر كلمات إبراهيم لها في السيارة حينما قال:
"ماترميش كلامي من غير ما تفكري فيه يا فرح، وما تخليش الدنيا تسرقك بزيادة يا بنتي، العمر بيتسرب من بين إيديكم وأنتم مش دريانين، الحقوا نفسكم قبل قطر الستر ما يفوت."
لترد عليه فرح بتساؤل قائلة:
"وهو الستر كمان له قطر ووقت يا عمي؟"
إبراهيم بحكمة:
"الستر يا بنتي الناس بتحصره في منظرهم قدام الناس وبس، رغم إن الستر ده في كل حاجة في حياتنا، في الصحة والمال والعرض وحاجات كتير غيرهم. لكن أهم ستر في حياتنا هو ستر الجواز، الجواز ستر للست زي الراجل بالظبط يا بنتي، وماهواش ستر من الغلط أو الخطيئة بس.. لأ.. ده ستر من الزمن، والوحدة. كلنا في صغرنا بنبقى متخيلين إن صحتنا ودنيتنا دائمًا لنا، ومابنبقاش واخدين بال من الأيام اللي بتمر ورا بعضها وهي بتاكل من عمرنا يوم ورا التاني ومن صحتنا معاها. البني آدم لما بيكبر بيحتاج نفس و ونس معاه. اسأليني أنا يا بنتي، أنا الوحدة واكلة مني راقات وماحدش حاسس بيا، لولا إني حرمت على نفسي جنس الحريم من بعد مرات عمك الله يرحمها، لا يمكن كنت أقدر أصمد السنين دي كلها. يمكن ربنا عوضني بإخواتك وحنيتهم عليا، لكن أوقات كتير ببقى نفسي أتسير مع حد من سني يفهمني وأفهمه، ونشكي لبعض وجعنا… فاهماني يا فرح؟"
لتتعمق فرح في نومها وكلمات إبراهيم تتردد بين جنباتها.
أما في منزل إبراهيم، فبعدما عاد كامل إلى المنزل وجد إبراهيم جالسًا في الشرفة وهو يتأمل السماء بنجومها المتلألئة في صمت شجي.
ليقول كامل في مرح:
"يعني أنت سبتنا كلنا هناك وجيت هنا عشان تستفرد بالقمر والنجوم والجو الشاعري ده لوحدك؟"
ليلتفت إليه إبراهيم بابتسامة هادئة قائلاً:
"حمد الله على السلامة يا ابني، إيه الأخبار؟"
كامل وهو يلقي بنفسه على المقعد بجوار أبيه:
"مافيش جديد، قعدنا شوية وبعد كده أحمد ومحمود استأذنوا عشان يمشوا، فنادر ونبيل قاموا هم كمان وقالوا هيوصلوهم، فاستأذنت أنا كمان وجيت. إنما أنت بقى.. لما أنت مش راجع الشغل فعلًا زي ما قلت لنا، مشيت ليه؟"
إبراهيم وهو يعيد نظره إلى الفضاء:
"أبدا، بس كنت محتاج أقعد مع نفسي شوية."
كامل بمرح:
"أوعى تكون بتفكر تتجوز بجد زي ما فرح قالت لي."
لينتبه إبراهيم على ذكر فرح فيقول:
"إن كان عليا، أنا مش عاوز غير إني أطمن عليك وعليها."
كامل بفضول:
"تقصد فرح؟"
إبراهيم بتنهيدة:
"أيوه فرح."
كامل بريبة:
"ومالها فرح يا بابا، هو في حاجة حصلت أنا ما أعرفهاش؟"
إبراهيم بوجوم:
"أنا اتطمنت على أخواتها البنات مع أخواتك، واتطمنت على أخواتك معاهم، لكن أنت وفرح، حاسس إني هموت من غير ما قلبي يتطمن عليكم."
كامل:
"ليه بتقول كده بس يا بابا، ربنا يديك الصحة وطولة العمر."
إبراهيم:
"يا ابني أنا كبرت، والأعمار بيد الله وحده، وكان نفسي أطمن عليك انت وفرح، ومن كتر ما تمنيت إني أطمن عليك، حلمت حلم غريب، ومش عارف إزاي صدقته ومشيت وراه وخايف أكون اتسرعت في اللي عملته."
كامل:
"حلم إيه ده يا بابا اللي حلمته وإيه ده اللي اتسرعت وعملته؟"
إبراهيم بخجل:
"حلمت إن انت وفرح اتجوزتوا، ومن ساعة الحلم ده وأنا عمال أبني في أماني لدرجة إني مشيت وراها وفاتحتها النهاردة في الموضوع ده."
لينظر كامل إلى أبيه ببعض الفضول قائلاً:
"فاتحتها إزاي يعني مش فاهم، قلت لها إيه يا بابا؟"
إبراهيم بتنهيدة:
"عرضت عليها إني أخطبها ليك يا ابني."
كامل وهو لازال تحت تأثير الصدمة:
"خطبت لي أنا فرح بنت أخوك، دي أصغر مني باثناشر سنة يا بابا، ده أخواتها الكبار متجوزين أخواتي الصغيرين."
إبراهيم:
"الفرق اللي بينكم ماهواش كبير للدرجة دي يا ابني، أنا كنت أكبر من أمك الله يرحمها بخمسة عشر سنة، وما أعتقدش إن كان فيه حد في سعادتنا وإحنا مع بعض، ورغم إنك كنت لسه صغير وقت ما أمك الله يرحمها ما ماتت، إلا إنك أكيد فاكر كنا عاملين إزاي مع بعض."
كامل:
"أيوه يا بابا بس فرح…"
ليقاطعه إبراهيم قائلاً ببعض الحدة:
"بس إيه وبس إيه، أنا عارف إني جريت ورا حلمي من غير تفكير، وعارف إني اتسرعت، بس اللي مش عارفه هي ممكن تنسالي طلبي ده وتسـامحني ولا لأ."
كامل بتردد:
"هي… هي ردت عليك ولا سكتت ولا إيه بالظبط اللي حصل؟"
ليقصه عليه إبراهيم كل ما دار بينه وبين فرح، ليقول كامل:
"يعني المفروض إنك اديتها فرصة تفكر وتقول رأيها."
إبراهيم:
"أيوه، رأيها اللي أنا عارفه ومتوقعه من دلوقتي."
كامل:
"واللي هو إيه بقى؟"
إبراهيم:
"أكيد هترفض مش محتاجة كلام يعني، وأكيد بعد كده هتتعامل معايا أنا وانت بحزازية ويمكن مع أخواتكم كمان."
كامل بفضول:
"وإيه اللي مخليك متأكد أوي كده إنها هترفض؟"
إبراهيم بتنهيدة:
"طول عمرها وهي واخدة موقف من صنف الرجالة بحاله، ده سبحان من خلاها تتعامل مع الكل وتتكلم وتضحك، بس أنا طمعت بزيادة وفكرتها ممكن تلين وتوافق."
كامل بشرود:
"طب مش يمكن توافق؟"
لينظر إليه إبراهيم بفضول قائلاً:
"أنت عاوزها توافق؟"
كامل بانتباه:
"الصراحة يا بابا، أنت عارف إني شايل من دماغي موضوع الجواز، لكن لو فرح وافقت، فـ أنا كمان موافق."
لينظر إليه إبراهيم وكأنه لا يصدق أذنيه وقال:
"أنت بتتكلم جد يا كامل، يعني أنت أخيرًا قررت تتجوز؟"
كامل:
"لأ يا بابا، ما قررتش أتـجوز، لكن موافق إني أتـجوز فرح."
إبراهيم بعدم فهم:
"يعني إيه مش فاهم؟"
كامل:
"مش فاهم إيه يا بابا، أنا كلامي واضح، أنا ما بفكرش نهائي في موضوع الجواز دلوقتي، لكن لو فرح وافقت على اقتراح حضرتك فـ أنا كمان موافق."
إبراهيم:
"يعني إيه، هتتجوز تقضية واجب؟"
كامل:
"لأ يا بابا مش تقضية واجب ولا حاجة، فرح إنسانة صبورة ومكافحة، دكتورة ومثقفة ويعتمد عليها، عندها طاقة إيجابية تكفي جيل بحاله، وفوق كل ده كله… قلبها كبير. يعني باختصار شديد.. يوم ما أفكر في الجواز مش هلاقي أحسن منها."
رواية لما قالوا دي صبية الفصل السابع 7 - بقلم ميمي عوالي
لتمر الأيام على وتيرة واحدة على معظم أبطالنا دون أحداث تذكر، إلا أن فرح وكامل جدّ على تعاملاتهما بعض الرسمية المتعمدة من فرح، والتي لم تستطع التعامل بغير ذلك بعدما سمعته من عمها وطلبه إياها للزواج من كامل.
أما كامل، فقد قابل رسميتها بتجاهل تام وكأنه يعتاد على ذلك أو كأنه لم يلاحظ تغييرها هذا. إلا أنه كان يراقب رسميتها تلك بتسلية شديدة، وكان ينتهز أي فرصة يختلي بها بنفسه حتى يسمح لضحكاته أن تخرج للحرية من بين جنبات صدره، فقد كان يراقب التوتر الكامن وراء رسميتها الشديدة بمرح حبيس نفسه.
حتى مر أسبوعان كاملان على حديثها مع عمها، حتى جاء يوم وتتفاجأ فرح بإحدى العاملات تبلغها بأن كامل يطلبها في مكتبه لأمر هام.
وعند ذهابها إلى مكتب كامل، تتفاجأ بعمها يجلس مع كامل بارتياح. وعند دخولها، يقف إبراهيم مرحبًا بها بشدة، ضامًا إياها إلى صدره بمحبة خالصة، قائلاً:
"أهلاً باللي ما بتسألش عني بقالها أسبوعين."
فرح بخجل:
"حقك عليا يا عمي، بس الحقيقة الشغل أخدني شوية الأيام اللي فاتت."
كامل بابتسامة خبيثة:
"والشغل برضه هو اللي خلاكي ما تبلغينيش بنتيجة محمود؟"
فرح بشهقة:
"هي نتيجة الثانوية ظهرت؟"
كامل وهو يتصنع عدم المبالاة:
"لا يا ستي ما ظهرتش، هم بس أعلنوا الأوائل."
فرح وهي تلتقط أنفاسها، واضعة كفها على صدرها:
"ربنا معاه يارب ويفرح قلبه ويطمنا كلنا."
كامل بابتسامة:
"وهو ممكن يفرح إيه أكتر من إنه يطلع السادس على الجمهورية؟"
فرح بعدم تصديق:
"انت بتتكلم عن محمود أخويا ولا عن مين؟"
إبراهيم بفرحة:
"أيوه يا بنتي، محمود، اسمه جه في التليفزيون، ومن الصبح بيحاول يكلمك وإنتي ما بترديش على تليفونك."
فرح بسعادة وهي تسحب هاتفها من جيب ردائها الطبي وتعاوِد الاتصال على شقيقها:
"أنا بعمله وضع الطيران وأنا بمر على العيانين عشان ما أتشّتتش، بس لو أعرف إن ده اللي هيحصل ما كنتش نزلت من البيت النهاردة من أساسه."
وما إن فتح محمود خط الهاتف، حتى قالت فرح بسعادة:
"ألف مبروووك يا حبيبي، الحمد لله ربنا ما ضيّعش تعبك على الفاضي وحقق لك اللي بتتمناه."
لتظل فرح تتحدث مع شقيقها لعدة دقائق بمرح وسعادة، حتى أنهت مكالمتها بعد أن وعدته بمكافأة عظيمة. وما إن أعادت هاتفها إلى جيبها مرة أخرى، حتى وجدت أن كامل قد غادر الغرفة دون أن تشعر، لتبقى بمفردها مع عمها الذي قال:
"مبروك يا فرح، عقبال أحمد ونادر ونبيل إن شاء الله."
فرح:
"إن شاء الله يا عمي، أنا الحقيقة شبه متطمنة على أحمد، بس نفسي كمان أطمن على نادر ونبيل."
إبراهيم:
"إن شاء الله نطمن كلنا ونفرح بيهم، وربنا يفرحني أنا كمان لما أسمع ردك على طلبي اللي طلبته منك من أسبوعين."
لم تحاول فرح ادعاء عدم الفهم أو محاولة المراوغة، بل قالت ببعض الأسف والخجل من عمها:
"الحقيقة يا عمي أنا مش عارفة أقول إيه لحضرتك، بس أنا عشمانة إنك تكون فاهم موقفي ومقدره ومن غير ما تاخد على خاطرك مني."
إبراهيم:
"رافضة كامل نفسه ولا رافضة الجواز يا بنتي؟"
فرح:
"الجواز يا عمي، أنا مش ناوية أبدًا إني أربط نفسي بأي راجل مهما كان هو مين، سامحني أرجوك."
إبراهيم بتنهيدة:
"طب لو أنا قلتلك إني مش قابل رفضك ده يا فرح، وإني مصمم على طلبي ده، هتقولي إيه؟"
فرح بدهشة:
"مش فاهمة حضرتك تقصد إيه، يعني إيه مصمم على طلبك، أنا ما أعتقدش أبدًا إني ممكن أغير رأيي مهما كانت الأسباب."
ليصمت إبراهيم لبرهة كأنه حيران، ويقارن بين خيارين، ثم تنهد قائلًا ببعض التردد:
"أنا هصارحك بسر يا فرح، وأتمنى إنك تكوني قد الثقة اللي أنا بثقها فيكي، وإن الكلام ده ما يطلعش لمخلوق."
فرح ببعض القلق:
"سر إيه ده يا عمي اللي هتقولهولي؟"
إبراهيم ببعض التردد:
"اسمعي يا فرح يا بنتي، أنا لما طلبتك للجواز من كامل، فده كان لأني عارف ومتأكد من جوايا إنكم الاتنين أنسب حد للتاني، لكن ما كانش ده السبب الوحيد لطلبي ده."
"أنا يا بنتي عاوز أطمن عليكي قبل ما أموت، وأنا خلاص حاسس إن ما بقاش في عمري كتير."
فرح:
"ربنا يديك طولة العمر يا عمي، بس أنا مش فاهمة حاجة."
إبراهيم:
"يا بنتي، أنا طول الوقت حاسس إني داخل في حرب مع أبوكي بسببك."
فرح باعتراض:
"بسببى أنا؟ طب ليه، أنا ماليش أي علاقة بيه من أساسه، والكل عارف إنه ميت بالنسبة لي."
إبراهيم:
"ودي أكتر حاجة مجنناه منك ومخليكي دايماً عدوة بالنسبة له."
فرح بتهكم:
"ده شيء يسعدني على فكرة."
إبراهيم:
"ويقلقني يا بنتي."
فرح بعدم فهم:
"وإيه اللي يقلق حضرتك أنا مش فاهمة؟"
إبراهيم:
"اسمعي يا بنتي، رغم إني ما كنتش أبدًا أحب إني أقول لك اللي هقوله ده، أبوكي مش سهل، ولما بيحط حاجة في دماغه لازم ينفذها، ومن ساعة اللي حصل وقت عملية نبيل وهو الغل ماليه بزيادة من ناحيتك، رغم إن نادر ونبيل أكدوا له أكتر من مرة إنك مالكيش أي علاقة وإن الفكرة بالكامل كانت فكرة نادر، لكن غله زاد لما حس إن نادر ونبيل اتعلقوا بيكي في الفترة القصيرة دي وبقوا تقريبًا على طول معاكي، ولما لقيتي إنك مصممة إنك برضه تعتبريه ميت، حس إنك بتتكبري وبتتعالي عليه وصمم إنه يكسر مناخيرك."
فرح بفضول:
"وهيكسرها إزاي بقى إن شاء الله؟"
إبراهيم:
"عاوز يجوزك واحد من اللي شغالين معاه."
لتصمت فرح لعدة ثوانٍ وهي تحملق لملامح عمها بدون تصديق، ثم تنفجر ضاحكة بصخب شديد، وكلما حاولت التوقف عن الضحك تدخل في نوبة جديدة حتى دمعت عيناها بشدة. وعندما استطاعت أخيرًا السيطرة على ضحكاتها، قالت:
"إيه يا عمي النكتة الجامدة دي، تعرف إن صدقتك في الأول."
إبراهيم بامتعاض:
"لا هو انتي فاكراني كل ده بهزر معاكي؟"
فرح:
"ما هو أصل يا عمي يعني ماتزعلش مني، لا أنا قاصر هيجوزني غصب عني، ولا هو ماسك عليا زلة وهيجبرني أوافق غصب عني."
إبراهيم بخفوت:
"لا يا بنتي، الزلة مش عليكي انتي، الزلة على أحمد أخوكي."
فرح برهبة:
"ماله أحمد، عمل له إيه وزلة إيه دي اللي ماسكها عليه؟"
إبراهيم:
"إنتي عارفة الشباب وطيشهم، خرج مع أصحابه وسهروا مع بعض في ديسكو من الديسكوهات اللي بيقولوا عليها دي، واتصور صور يعني.. مش ولابد."
فرح:
"وفرض.. شاب ومتصور مع أصحابه، إيه المشكلة؟"
إبراهيم بإحراج:
"المشكلة إن الصور مش مع أصحابه يا فرح، الصور ليه هو في أوضاع مش كويسة.. افهمي إنتي بقى أنا مش هقدر أفسر أكتر من كده."
لتصمت فرح وهي تدور بعينيها في الغرفة بتشتت، ثم قالت:
"برضه فلنفرض… إيه علاقة ده بإنه عاوز يغصبني على الجواز وعلاقته إيه بجوازي من كامل؟"
إبراهيم:
"كان عاوز يضغط عليكي بصور أحمد، ويا توافقيه على اللي عاوزه يا هينشرها على النت ويشهر بأحمد وسمعته، لكن أنا قدرت إني آخد منه الصور دي وحرقتها بإيدي، ولما ثار واتخانق معايا وهو بيتهمني إني دايمًا ناصرك عليه، وإني واقف في طريق الجوازة اللي عاوز يجوزهالك، لقيتني بقول له.. وما أقفش في طريقي إزاي وهي هتبقى مراة كامل، لو مش هخاف على سمعة أحمد ابن فاطمة، هخاف على سمعة ابني اللي هيتجوز أختي."
"ويومها هاج وماج واتهمني بالكذب وإني بس بقول له كده لمجرد إني أعارضه، وده كان نفس اليوم اللي فتحتك فيه في جوازك من كامل، ورغم إني بعدها خفت لا تزعلي مني وتبعدي عني، لكن تهكمه عليا كل يوم وسؤاله على معاد فرحكم خلاني أصمم إنكم تتجوزوا."
"من زمان ومنصور عارف إن كامل ما بيحبوش، وعارف إن شوكته جامدة، وإنه مش سهل أبدًا إنه يطاطي له أو يعمل اعتبار لأي قرابة، وعشان كده مش هتطمن عليكي غير وإنتي تحت جناحه يا بنتي."
فرح بغضب:
"طول عمره وهو مثال للخسة وقلة الضمير، ما يشيلني من دماغه بقى، عاوز مني إيه تاني، ده بدل ما يلوم نفسه ويندم على اللي عمله معايا ومع أخواتي السنين دي كلها، ده بدل ما يفرح إن نادر ونبيل أخيرًا التفتوا لمستقبلهم وقرروا يمشوا صح، زعلان إننا قربنا من بعض؟ زعلان إن أولاده بيحبوا بعض وجنب بعض رغم ندالته وفشله!!! ده إنسان مش طبيعي بالمرة، ده محتاج يتعالج عند دكتور نفساني."
إبراهيم:
"ما أنكرش إن كلامك صح، ومش هدافع عنه قدامك ولا أقول لك يصح وما يصحش، لكن ما فيش حد عنده السلطة إنه يعمل معاه كده، ورغم إني ما كنتش أتمنى أبدًا إني أحكيلك حاجة زي دي وأنا عارف ومتأكد إنها هتزود الفجوة اللي بينكم، لكن إنتي اضطرتيني أصارحك بالحقيقة عشان تقتنعي بكلامي."
فرح ببعض الحدة:
"حقيقة إيه، واقتنع إيه بس يا عمي، انت فاكر إني كده اقتنعت، طب خليه ييجي ناحية حد من أخواتي كده وأنا هوريه مين هي فرح."
إبراهيم:
"ولما هتوريه إنتي مين، هتستفيدي إيه لو كان بعد ما جه جنبهم؟"
فرح:
"ما يقدرش يعمل حاجة."
إبراهيم:
"للأسف يا بنتي يقدر، ويقدر أوي كمان."
فرح:
"وأنا مش هعمل حاجة أنا رافضاها لمجرد إني خايفة منه."
إبراهيم:
"ومين قال الكلام ده؟"
فرح:
"انت اهو.. عاوزني أتجوز كامل عشان أتحامى فيه."
إبراهيم:
"مش حقيقي، أنا عاوزك تتجوزي كامل عشان هيصونك وهيّشيلك في عينيه، عاوزك تتجوزيه عشان انتو الاتنين مناسبين لبعض، عاوزك تتجوزيه عشان يبقى عزك وسندك، عاوزكم تتجوزوا عشان أفرح بيكم وبس."
"سلسالكم، مش معنى الكلام اللي أنا حكيتهولك ده، إني ما تمنيتكيش من زمان لكامل، من قبل حتى ما يرجع من السفر، رغم إني عارف إن طول عمرك قلبك كان مشغول بابن خالتك."
لتنظر فرح بصدمة، ولكن إبراهيم يكمل حديثه قائلًا:
"لكن أنا كنت شايف إنه ما يناسبكيش، مش عشان هو وحش لا، عشان ما كانش هيقدر يسعدك ولا يصونك، وعلى قد ما شفت نظرة الحزن في عينيكي يوم فرحه، على قد ما فرحت إنك ما بقيتيش من نصيبه. إنتي غالية أوي يا فرح، غالية عندي وكامل، وعشان كده أنا طلبتك ليه وده السبب الرئيسي قبل أي أسباب تانية."
فرح بفضول:
"أفهم من كده إن كامل عنده علم بطلبك ده؟"
إبراهيم بابتسامة:
"أيوه يا بنتي، ومستني موافقتك، وعشان كل الكلام اللي دار بيننا النهاردة ده، أنا هسيبلك أسبوع كمان تفكري فيه من تاني، واسمحلي أكلم فاطمة وعادل أطلبك منهم رسمي."
فرح:
"لا يا عمي أرجوك، أرجوك اصبر شوية، وأوعدك إني لو وافقت على طلبك ده، أنا هبلغهم بنفسي وهبلغ حضرتك."
لينهض إبراهيم ويجذبها معه ويقبل رأسها قائلًا:
"ماشي يا حبيبتي، وهمشي أنا بقى وأسيبك، عطلتك النهاردة بما فيه الكفاية، بس النهاردة مامتك عزمتني أنا وكامل على العشا بمناسبة نجاح محمود، وأنا قلت أبلغك عشان تبقي مستعدة إنك تشوفيني من تاني النهاردة."
فرح:
"حضرتك تنور يا عمي في أي وقت."
ليفتح إبراهيم الباب متجهًا إلى الخارج بصحبة فرح، ليجدوا كامل متجهًا إليهم وهو يحمل صندوقًا خشبيًا، قائلًا لهم بمرح:
"دي هدية محمود اللي كنت واعده بيها، أهو لا هنستنى تنسيق ولا غيره."
فرح بفضول:
"هدية إيه دي؟"
كامل:
"كل لوازم كلية الطب، مش هيحتاج يشتري أي حاجة غير الكتب والملازم وبس، وكمان هسيبه ييجي يتدرب هنا وقت ما يحب."
فرح بامتنان:
"كتر خيرك يا دكتور، أنا مش عارفة أشكرك إزاي."
كامل بتسلية:
"وإنتي مالك إنتي بتشكريني ليه، أو أوعي تكوني فاكرة إني عامل ده عشانك، أنا عامل ده عشان حاجة تانية خالص."
إبراهيم بمرح:
"وإيه بقى الحاجة التانية دي؟"
كامل:
"إنتو بقيتوا حشريين أوي على فكرة، عندي أسبابي الخاصة."
إبراهيم:
"ماشي يا سيدي، أنا ماشي بقى، عاوز مني حاجة؟"
كامل:
"لا يا بابا شكراً، هشوفك بالليل بقى إن شاء الله عند طنط فاطمة."
وفي المساء، استقبل منزل فاطمة وزوجها إبراهيم وكامل، وأيضًا رحمة وندا وزوجيهما وأبنائهما، وأيضًا سعد شقيق فاطمة وزوجته سامية، وجاء أيضًا بصحبتهم سليم وخطيبته لمياء، وبالطبع نادر ونبيل اللذان التف حول فرح غالبية الوقت وقلما ما كانا يفارقانها.
وكان الجميع في حالة سعادة بالغة بنجاح محمود الباهر وتفوقه الفائق لكل التوقعات، فكانت ترتسم البهجة على ملامحهم، وخاصة فاطمة التي كانت وكأنها قد لامست السحاب بأناملها. وبعد انتهائهم من تناول العشاء، انقسم التجمع إلى تجمعين، تجمع ضم فاطمة وعادل وسعد وزوجته وإبراهيم، أما التجمع الثاني فكان يضم الجيل الثاني من أبنائهم جميعًا.
ووسط بهجة الجميع ومرحهم، قالت رحمة موجهة حديثها للمياء خطيبة سليم قائلة:
"ها يا لمياء، مش محتاجة أي مساعدة في تجهيز حاجتك، لو احتاجتي أي حاجة أو عي تتكسفي إنك تطلبيها مني أو من ندا، اعتبرينا زي أخواتك بالظبط."
لمياء بمودة:
"ميرسي يا رحمة، الحقيقة أنا من ساعة ما اتعرفت عليكي إنتي وندا وفرح وأنا حبيبتكم جدا واعتبرتكم فعلاً أخواتي."
سليم بخبث:
"إيه يا رحمة، واشمعنى هتطلب منك إنتي وندا بس، إيه، لو طلبت من فرح، مش هتقف جنبها ولا إيه؟"
رحمة بسلامة نية:
"أبدًا ما قصدتش طبعًا، بس فرح إحنا نفسنا بنشوفها بالعافية بسبب شغلها، وكمان أنا وندا عندنا خبرة بالحاجات دي، إنما فرح لسه ما عندهاش خبرة في الكلام ده."
سليم بسخرية:
"ولا هيبقى عندها."
كانت فرح تستمع إليهم وهي ترسم على شفتيها ابتسامة غير مبالية بما يحدث من حولها. وعندما انتهى سليم من جملته، وجدت نادر يحيط كتفيها بذراعه ويقبل وجنتها قائلًا بفخر:
"طبعًا مش هيبقى عندها، ثم يبقى عندها ليه، فرح دي يوم ما توافق إنها تتجوز لازم تتجوز واحد عارف قيمتها كويس وما يخليهاش تشغل بالها بالكلام الفارغ ده."
سليم بسخرية:
"آه وماله.. في الأحلام إن شاء الله."
لمياء بإحراج:
"دكتورة فرح دي ست البنات كلهم وألف مين يتمناها."
كامل بنوع من المرح:
"لا يا آنسة لمياء أرجوكي، إحنا خلاص قفلنا الباب اللي قدام الألف دول."
سليم بتهكم:
"لا معلش، هو أصلًا مقفول لوحده."
كامل:
"لا يا أستاذ سليم، أنا اللي قفلته لما اتقدمت للدكتورة فرح ووعدتني إنها تفكر في الموضوع."
ندا بفرحة:
"إنت بتتكلم جد يا كامل، إنت خطبت فرح؟"
رحمة:
"إيه، إمتى الكلام ده، ومن ورايا كمان؟"
كامل:
"الحقيقة فرح اللي صممت مانعلنشي حاجة لحد ما تديني موافقتها، إنما لو عليا، أنا الود ودي نتجوز من بكرة."
نبيل بمرح:
"ده إنت ما طلعتش سهل أبدًا يا كامل يا ابن عمي والله، بقى تقعد كل السنين دي وفي الآخر تطلع منظر على فرح أختي."
محمود بسعادة:
"لازم توافقي يا فرح، ده أنا كنت فرحان إني هتدرب معاكي في المستشفى وإنتي رئيسة قسم، إنما دلوقتي هتدرب معاكي وإنتي مرأة صاحب المستشفى مرة واحدة."
سليم بسماجة:
"تتربى في عزك إن شاء الله يا دكتور، وإيه يا فرح مش ناوية تردي على الراجل وتفكي النحس ولا ناوية تكملي عمرك وإنتي زي ما إنتي بعقدة وشنيطة."
كانت فرح ما زالت ترسم ابتسامتها فوق شفتيها، ولكن ابتسامتها اهتزت عند سماعها لما قاله كامل. ورغم ضيقها من حديث سليم، إلا أنها تمكنت من السيطرة على برودة أعصابها، وأخيرًا تمكنت من الحديث، فقالت موجهة حديثها إلى سليم بشيء من الاحتقار:
"الحقيقة يا سليم طول عمري وأنا رافضة فكرة الجواز لأني ما صادفتش كائن مذكر يستحق إن يتفال عليه راجل، كلهم كانوا أشباه رجال، لكن الحقيقة دكتور كامل قدر إنه يغير رأيي ده لأنه راجل بمعنى الكلمة، الرجولة عنده مش مجرد كلمة متسجلة في بطاقته."
ندا بفرحة:
"يعني وافقتي يا فرح، ألف مبروك يا حبيبتي.. ألف مبروك."
لتعلو صوت الزغاريد في لحظة من رحمة وندا، ومباركات من الجميع، لتأتي فاطمة على صوت الزغاريد وهي تقول بمرح:
"حوشوا شوية من الزغاريد دي لنجاح أحمد ونادر ونبيل."
محمود بفرحة:
"تعالي يا ماما باركي لفرح ودكتور كامل هيتجوزوا."
فاطمة بذهول:
"هيتجوزوا إزاي يعني؟"
حسين ضاحكًا:
"تعالي يا طنط احضرينا، أثريهم متفقين من ورانا ومظبطين كل حاجة."
ندا:
"لا يا ماما أوعي تصدقي حسين، ده كامل طلبها وهي لسه حالًا دلوقتي قايلة إنها موافقة."
لتقترب فاطمة من فرح وعيناها تتراقص من الفرحة قائلة:
"بجد يا فرح، بجد يا حبيبتي وافقتي؟"
لتتنقل فرح بعينيها بين الجميع، وعندما التقت عيناها بعيني كامل، وجدت أنه يبتسم لها مشجعًا إياها على الإجابة، فعادت بعينيها لأمها وقالت:
"أيوه يا ماما صح."
لترتفع زغاريد فاطمة هي الأخرى، وتتجه إلى غرفة الصالون المتواجد بها الباقون لتزف إليهم الخبر، لتعم البهجة على الجميع، وخاصة إبراهيم الذي اتجه إلى الخارج فاتحًا ذراعيه لفرح ضامًا إياها وهو يهنئها واعدًا إياها بكل خير ممكن.
وعندما قالت فاطمة لإبراهيم:
"ويا ترى هتكلمي أبوها عشان تقرا معاه الفاتحة إمتى؟"
لتقول فرح بحزم:
"ماما.. من فضلك، منصور ملوش أي علاقة بالموضوع ده."
فاطمة بخجل من إبراهيم:
"أيوه يا بنتي بس يعني…"
كامل:
"أنا كمان يا طنط رأيي من رأي فرح."
لتنظر فرح لنادر ونبيل قائلة:
"أوعوا تضايقوا من كلامي ده، بس أنا عشت طول عمري يتيمة، مش هاجي بعد كل السنين دي وأشحتلي أب."
ثم وجهت حديثها لعمها وأمها قائلة:
"إن كان ولابد، يبقى فاتحتي تتقرا مع عمو عادل، لأنه هو اللي رباني ورعاني طول عمري أكني بنته من صلبه."
وفعلًا، تم قراءة الفاتحة وسط سعادة بالغة من غالبية المتواجدين، وبالأخص عادل الذي شعر بالفخر من حديث فرح عنه.
وبعد مضي بعض الوقت، بدأ الجمع في الانصراف، وعند انصراف سليم، قام بتحية الجميع بعد أن حياهم سعد وسامية ولمياء، وتعمد أن يكون آخر من يغادر. وعند انصرافهم، انحنى على أذن فرح قائلًا بتهكم:
"رغم إني مش مصدق إن قلبك عرف يحب تاني، بس مبروك يا بنت عمي."
لترد عليه فرح بنظرة السخرية المعتادة دون أي كلمة، وبعدها انصرف نادر ونبيل، ثم رحمة وندا وأزواجهما، ولم يتبق سوى إبراهيم وكامل، الذي استأذن عادل وفاطمة في الحديث مع فرح، فسمحت لهم فاطمة بالجلوس بالشرفة.
ما إن جلس كامل حتى قال:
"اقعدي يا فرح، في بينا كلام كتير لازم يتقال."
فرح:
"اتكلم يا دكتور أنا سامعة حضرتك."
كامل بابتسامة:
"أولًا لازم تتعودي تشيلي الألقاب، ماهو ماينفعش تفضلي تقوليلي يا دكتور بعد ما اتخطبنا."
فرح بجمود:
"هحاول."
كامل بابتسامة:
"أنا عارف إنك اتخدتي على خوانة، وعارف كمان إنك يمكن تكوني اتضايقتي مني بسبب اللي حصل، لكن أنا الحقيقة كلام سليم استفزني فحبيت أرد له استفزازه بنفس طريقته."
فرح بدهشة:
"وانت إيه اللي يفرق معاك في إنه يعمل اللي عمله ده أو لا؟"
كامل بتنهيدة:
"لأني عارف إن كان ليكي مشاعر من ناحيته وعارف كمان إنه عارف ده."
فرح بذهول:
"عارف!! ورغم ذلك عاوز تتجوزني؟"
كامل:
"وإيه المشكلة، كان فيه مشاعر وانتهت، أنا متأكد إنها انتهت.. نظرة عينيكي بتقول كده، ثم ما أنا كمان كان عندي مشاعر لواحدة تانية وبرضه خلاص انتهت، يبقى إيه المشكلة؟"
فرح:
"تقوم تورط نفسك وتورطني بالشكل ده."
كامل:
"أولًا أنا ما ورطتش نفسي ولا حاجة، لأن المفروض إني اتقدمتلك بالفعل من يوم ما بابا فتحك في الموضوع، أما بقى حكاية إني ورطتك دي، فأنا شايف إنك تدي لنفسك فرصة تفكري بعقلك بس عن قرب."
فرح:
"مش فاهمة."
كامل:
"اسمعي يا فرح، يمكن يكون رأيي في الجواز ما يفرقش أبدًا عن رأيك، ويمكن ده اللي خلى عمك يفكر فيكي إنتي بالذات ليا، هو شايف إن تفكيرنا قريب من تفكير بعض في كل حاجة حتى في الجواز ذات نفسه، وعشان كده لما بابا عرض عليا الموضوع أنا رحبت بالفكرة لأسباب كتير أهمها إن مهما كان رفضنا للفكرة إلا إن هييجي علينا وقت هنحتاج نعمل ده، لو مش عشان الطبيعة البشرية فعشان الونس والصحبة على الأقل، ولقيت إن أنا وإنتي حتى لو اختلفنا مش هنوجع بعض، أعتقد إن احنا الاتنين عندنا قدر كافٍ من الرقي اللي يخلينا نحترم مشاعر بعض."
"وعشان كده قلت نجرب إننا نتخطب ونقرب من بعض بعيدًا عن شغلنا وحياتنا العملية، نخلق مواضيع تانية واهتمامات تانية ممكن تبقى مشتركة بيننا، نحاول نتخيل إننا فعلاً ارتبطنا ببعض ونشوف إن كنا هنجح ولا لأ."
"إحنا في الفترة اللي فاتت يمكن عرفنا عن بعض حاجات كتير، لكن أكيد لسه فيه حاجات ما نعرفهاش، خلينا ندخل التجربة ونسيب الأيام هي اللي تحكم مابيننا، اعتبري إننا اتعرفنا على بعض واتقدمتلك بنظام الصالونات، هندرس بعض ولما يحصل قبول واقتناع نحدد معاد الجواز."
فرح:
"أيوه، بس مش دايما جواز الصالونات بيحصل فيه اقتناع."
كامل:
"بس إحنا لازم يحصل يا فرح، عشان أخواتك وأخواتي، وعشان عمك وعشان مامتك وعشانك وعشاني، صدقيني ادي نفسك فرصة وفكري على مهلك، بس اعملي حسابك إننا وسط كل ده هنحدد معاد الشبكة."
فرح برفض:
"وإيه لزمتها الحكاية دي كمان؟"
لينهض كامل قائلًا بمرح:
"يا ستي خلينا نهيصلنا شوية ما فيهاش حاجة، و خلينا نفرح الناس معانا، سيبك إنتي بس من الحاجات دي وما تشغليش بالك بيها، وسيبى عمك يتصرف."
وبعد انصراف كامل وإبراهيم، دلف كل منهم إلى غرفته، لتتجه فرح إلى غرفة أحمد ومحمود وتدق الباب. وعندما فتح أحمد الباب، قالت له فرح بوجوم:
"عاوزاك شوية في أوضتي."
لتتجه إلى غرفتها وأحمد من ورائها، وبعد أن دلفا إلى الحجرة، قامت بإغلاق الباب والتفتت لأحمد قائلة بحدة وهي تحاول السيطرة على نبرة صوتها:
"عمري ما هنسالك إن انت السبب إني أعمل حاجة زي دي غصب عني."
أحمد باستغراب:
"في إيه يا فرح، وحاجة إيه دي اللي بتتكلمي عنها أنا مش فاهم حاجة."
رواية لما قالوا دي صبية الفصل الثامن 8 - بقلم ميمي عوالي
ظل أحمد ينظر لفرح بدهشة وعدم فهم، وهي تكاد تنفجر غيظًا وكَمَدًا.
فقال: "ممكن تهدّي بس وتفهّميني إيه اللي حصل؟"
فرح بغيظ دفين: "اللي حصل يا بية يا محترم، يا اللي الكل متطمن عليك وفاهم إن مخك كبير، وعارف الصح من الغلط، إنك سبت نفسك لشلة فساد ما وراهاش غير السهر والديسكوهات، وآخرتها كمان أخلاقك تنحدر بيك للرذيلة لدرجة إن يبقى لك صور توسخ سمعتك وسمعتنا كلنا معاك."
أحمد بدهشة: "إنتي جبتي الكلام ده كله منين؟"
فرح بحدة: "الكلام ده حقيقي ولا مش حقيقي؟"
أحمد بدفاع: "أنا ما أنكرش إني بخرج وبسهر مع صحابي، وإيه المشكلة يعني لما ننبسط ونسهر طالما ما بيأثرش على مستوانا ولا مذاكرتنا."
فرح بذهول: "وما فكرتش في تأثيره على دينك ورضا ربنا عنك؟ ما فكرتش في تأثيره على سمعتك ولا سمعة إخواتك ولا أمك وأبوك؟"
أحمد باعتراض: "وإيه علاقة خروجي مع أصحابي بيكي إنتي وإخواتي وماما وبابا؟ أنا مش فاهم. ثم إيه سبب كل الهوليلا اللي إنتي عاملاها على الفاضي دي؟"
فرح: "هو إنت لما يطلع عليك سمعة إن أخلاقك مش كويسة، ده ملوش علاقة بينا. لما يتقال إنك بتاع ستات وديسيكوهات وبلا أزرق وما بتتقيش ربنا، ده ملوش علاقة بينا. طب بلاش أنا وإخواتك، ماما وعمو عادل اللي عشمانين فيك إنك هتبقى حاجة كبيرة وبانين عليك آمالهم إنك تبقى سفير ولا حاجة كبيرة، لو عرفوا حاجة زي كده بعد تعبهم معاك السنين اللي فاتت دي كلها، ما تخيلتش صدمتهم وخيبة أملهم فيك."
أحمد: "كل ده عشان بخرج أشم نفسي مع أصحابي؟"
فرح بغضب: "وهو إنت عشان تشم نفسك، ما تشمهوش غير بالحرام؟"
أحمد بمكابرة: "وإيه الحرام في اللي بعمله؟"
فرح بتنهيدة وهي تحاول إقناعه: "يا حبيبي افهم. هو لما تروح الأماكن اللي زي دي وتشوف المناظر اللي بتبقى موجودة مش حرام؟ لما تشوف العري والسكر والمسخرة اللي بتبقى موجودة دي مش حرام؟ لما تقعد في أماكن مليانة خمور حتى لو مش هتشرب برضه مش حرام... ده الرسول عليه الصلاة والسلام قال: 'لُعِنَ شارِبُها وحامِلُها ومُسْقِيها'. ده كمان لعن بائعها واللي مُتباع له واللي عصرها حتى لو مش هو اللي هيشربها. يبقى بديهي كده إن حتى كمان اللي قاعد في مجلسها عليه وزر، ده في حالة إنه ما شربهاش كمان يا أحمد. والحقيقة أنا لحد دلوقتي ماعرفش موقعك إيه من الإعراب بالظبط في الحكاية دي. ده غير بقى كمان إنك اتصورت وإنت في أوضاع مش كويسة."
أحمد بفضول: "أوضاع إيه دي؟ ومين اللي صورني؟ ومين أصلًا اللي حكى لك كل ده؟"
لتصمت فرح قليلاً وهي توازن الأمور بعقلها وهي في حيرة من أمرها، ولا تدري أتصارحه بالحقيقة أم لا. ولكنها أحكمت رأيها في النهاية فقالت بشيء من الجمود: "أنا ما أعرفش الحكاية من أولها جت إزاي، لكن اللي عرفته إن منصور كان معاه ليك صور بأوضاع مش كويسة.. اتصورتها إمتى وإزاي ومين اللي صورك.. ما عنديش أي فكرة. وكان في نيته يهددني بيها عشان يضغط عليا ويجوزني واحد من طرفه، يا إما هينشرها على النت. وأهو يبقى كسر مناخيري وخلاص من وجهة نظره، لولا عمي إبراهيم شافها معاه وقدر ياخدها يحرقها. وفهمه إني هبقى مراة كامل، وبما إنك أخويا، فكده هيأثر على سمعة كامل كمان."
أحمد بعدم تصديق: "تقصدي إنك وافقتي على جوازك من كامل بس بسبب الموضوع ده؟"
فرح: "إنت عارف كويس إني شايلة موضوع الجواز والارتباط ده من دماغي أساسًا."
أحمد: "أيوه بس كامل بن آدم ممتاز بكل المقاييس."
فرح: "وأنا مش معترضة على كامل، أنا معترضة على الوضع اللي اتحطيت فيه بسببك."
أحمد بمكابرة: "وضع إيه وسببي إيه؟ ده إنتي المفروض تشكريني على اللي حصل ده."
فرح بذهول: "أشكرك؟ أشكرك إنك خليتني لأول مرة أحس إن منصور قدر يهزمني ويجبرني على حاجة أنا مش عاوزاها."
أحمد ببساطة: "بالعكس، إنتي ليه باصة لها بالشكل ده؟"
فرح: "أومال عاوزني أبص لها إزاي؟"
أحمد: "بصي لها إن بعد ما كان منصور متضايق منك لوحدك، هيتضايق أكتر إن إنتي وكامل هتبقوا سوا."
فرح: "يا سلاااام! طب ما أنا بشتغل مع كامل وماسكة كمان قسم بحاله عنده في المستشفى."
أحمد بتوضيح: "هو أصلًا متغاظ من شغلك معاه، وحتى ما حضرش حفلة الافتتاح لو تفتكري. تخيلي بقى إحساسه إنك هتبقي معاه برة وجوه، وهتبقي راسك براس كامل وكأنك صاحبة المستشفى زيه بالظبط. المستشفى اللي كان نفسه يشارك فيها كامل، وكامل مارضيش يا فرح."
لتشرد فرح في حديث شقيقها لبعض الثواني، ثم تعود مرة أخرى لحديثها فتقول: "كل الكلام اللي إنت قلته ده مش في دماغي وما فكرتش فيه، لكن كل اللي شاغلني دلوقتي هو إنت ومستقبلك."
أحمد: "يا بنتي ماتكبريش الموضوع. وبعدين أنا راجل يعني مش بنت هتخافي على سمعتي."
فرح: "تفتكر لو إنت عرفت إن كامل بيسهر في الأماكن دي وبيعمل اللي إنت بتعمله، كنت هترحب بجوازي منه وهتبقى متطمن على أختك معاه؟"
وعندما لاحظت فرح صمت أحمد، أحست أنها لامست وتراً حساساً، فاستكملت حديثها قائلة: "زي ما سمعة البنت مهمة، سمعة الولد كمان مهمة. لكن أنا عاوزاك قبل ما تفكر في السمعة والشكليات دي، فكر في الحلال والحرام اللي ماما ربتنا عليه من صغرنا. وإننا قبل ما نخاف من كلام الناس، لازم نخاف من غضب ربنا والعياذ بالله. أنا عاوزاك تفكر في كلامي كويس، واستغفر ربنا على كل اللي فات، واعتبره درس تتعلم منه إنك تبعد عن الحرام بكل أشكاله عشان ربنا يبارك لك في كل خطواتك.. اوعدني يا أحمد."
أحمد بتنهيدة: "حاضر يا فرح.. أوعدك."
***
أما بمنزل منصور، فعند عودة نادر ونبيل إلى المنزل وجدا أبويهما ما زالا جالسين أمام التلفاز. فالقيا السلام ثم جلسا بينهما ليقول منصور بسخرية تتخللها الغضب: "إيه؟ هي الدكتورة سمحت لكم ترجعوا تباتوا في بيتكم؟ ده أنا قلت هتباتوا عندها عشان تبقى خدتكم خالص."
نبيل: "إحنا كنا مع أخواتنا وأولاد عمنا يا بابا، ما كناش مع فرح بس."
منصور بتهكم: "إخواتكم البنات؟"
نادر: "أيوه يا بابا أخواتنا البنات، وإيه المشكلة؟"
منصور بحدة: "المشكلة إنكم كنتم في بيت الراجل اللي اتجوز طليقة أبوكم. إيه؟ شايفين إن ده وضع طبيعي وعادي؟"
ليتبادل نادر ونبيل النظرات وهما يتابعان والدتهما التي قالت: "طب ومش هو ده برضه نفس الراجل اللي ربى بناتك يا منصور السنين دي كلها؟"
منصور بحدة: "دولت.. الزمي حدودك وما تتدخليش في اللي ما لكيش فيه."
نادر: "بس ماما ما غلطتش في اللي قالته يا بابا. إحنا النهاردة كنا موجودين في البيت اللي أخواتي اتربوا فيه طول عمرهم."
منصور بتهكم: "واللي كنتم بتحتفلوا بنجاحه النهاردة ده، هو كمان أخوكم برضه. بذمتكم مش مكسوفين من روحكم؟ وهي مجرّاجكم زي الغنم وهي كل اللي في نيتها إنها تكيدني وخلاص."
نبيل: "وإيه بس اللي يضايق حضرتك في إننا نبقى مع أخواتنا؟"
منصور بحدة: "يا أغبياء! إنتوا مش فاهمين حاجة. واخداكم تحتفلوا بأخوها اللي طالع من الأوائل في الثانوية العامة، عشان تقول لي: ادّي ماما اللي خلفت البنات، ادّيها جابت هي كمان صبيان وعرفّت تربي وأولادها كلهم طالعين متفوقين من الأوائل. وأهو.. أنا بقيت دكتورة وأخويا كمان هيبقى دكتور زيي. لكن إنت، إنت ولادك الاتنين حِيَّلا في حتة معهد سنتين و خاص كمان."
نادر بذهول: "مش ممكن طبعًا اللي حضرتك بتقوله ده. إزاي تفكيرك وصل بيك للنقطة دي؟ طب ليه مش قادر تفتكر لها إنها هي اللي شجعتني أنا ونبيل إننا نذاكر عشان نجيب تقدير ونكمل في كلية إن شاء الله؟"
منصور بعناد: "وهو إنتو يعني هتعملوا إيه بالشهادات؟"
نادر: "لا إله إلا الله محمد رسول الله. أنا ما بقيتش فاهم إنت عاوز إيه بالظبط."
منصور بتعنت: "عاوزكم تبعدوا عنها وخلاص."
نبيل: "دي أختنا وشرف لينا إنها تبقى أختنا، نبعد عنها ليه؟"
منصور: "ما بتحبنيش، يبقى أكيد ما بتحبكمش إنتوا كمان."
نبيل: "بالعكس، فرح بتحبنا وبتحبنا جدًا كمان. وإلا ما كانتش اهتمت بينا وبمصلحتنا."
منصور بمكابرة: "هي بس بتعمل كده عشان تغيظني."
نادر: "يا بابا.. يا بابا المفروض حضرتك تحاول تقرب منها وتحسسها بوجودك، وخصوصًا وهي داخلة على جواز."
منصور بانتباه: "جواز إيه؟"
نبيل بدون تفكير: "ماهو النهاردة اتقرى فاتحتها هي وكامل ابن عمي."
منصور بفضول: "ومين بقى اللي قروا فاتحتها معاه؟"
نادر بتردد: "قروها مع جوز مامته."
منصور بغيظ: "كماااان! كمان بتتجوز من غير ما ترجع لي، وإبراهيم رايح يقرأ فاتحتها مع جوز أمها وأنا عايش على وش الدنيا. ماشي يا دكتورة.. أما أشوف آخرتها معاكي هتبقى إيه."
***
في غرفة نادر ونبيل، كان نبيل حزينًا لحال والده وأفعاله، فقال لأخيه بضيق: "أنا مش فاهم هو هيفضل يعمل اللي بيعمله ده لحد إمتى؟ وكل ما الواحد يفكر يتكلم معاه وهو مفكر إن ربنا هيهديه، يلاقيه شاطط بدماغه بزيادة. كان نفسي يصلح علاقته بيها وبالبنات اللي علاقتهم بالاسم بس دي، وكل حاجة حلوة بيعملوها معانا يقلبها هو ويفسرها على مزاجه بالعكس. مش عارف هيستفيد إيه من كل ده."
نادر بتنهيدة: "تصدق أنا أول مرة أتضايق من الحكاية دي النهاردة. حسيت إني غرت من عم عادل إنه هو اللي بيقرأ فاتحتها مع كامل وعمي إبراهيم. وكان نفسي أقول له ده مكان بابا مش مكانك. بس أكيد ماليش عين أبدًا إني أقول حاجة زي كده."
نبيل: "طب وهنسيبهم كده؟ مش هنحاول نقربهم من بعض؟"
نادر: "عمرهم ما هيقربوا طول ما بابا دماغه بالشكل ده. الصلح عمره ما هييجي غير أما هو الأول يقتنع إنه كان غلطان."
نبيل بحزن: "وطبعًا ده عمره ما هيحصل."
نادر: "ربنا يهديه."
نبيل: "يارب."
***
في اليوم التالي بالمشفى الخاص بكامل، كانت فرح تمر على المرضى وتتابع عملها حتى انتهت من المرور. وأثناء عودتها إلى مكتبها الخاص تفاجئت بعدد من زملائها يقدمون إليها التهاني بمناسبة خطبتها، والتي استيقظت في الصباح وقد نسيتها تمامًا بكل ملابساتها. حتى أنها وقفت صامتة لبرهة وعلى وجهها علامات الاستغراب.. حتى استوعبت وتذكرت أمر خطبتها فرسمت ابتسامة بسيطة على وجهها وشكرتهم على تهانيهم وتركتهم متجهة إلى مكتبها وهي تتساءل بينها وبين نفسها عن سر معرفتهم بنبأ الخطبة. ولكن سرعان ما علمت بالسر بعد ما رأت منشورًا معلقًا على اللافتة المخصصة للإعلانات الخاصة بالمشفى مذكور به نبأ الخطبة معلنًا من كامل نفسه، ويدعو فيه جميع العاملين لحضور حفل الخطبة والذي يأتي موعده بعد أسبوع واحد من تاريخه.
كانت فرح تقرأ المنشور وكأنها تقرأ دعوة لمناسبة أحد ما غيرها. فهي إلى تلك اللحظة لم تقتنع بما أقدمت عليه ولم تأخذه على محمل الجدية. ولكنها انتبهت من أفكارها المتضاربة على صوت كامل وهو يقول بهدوء: "بقى ينفع برضو في أول يوم لينا مع بعض ما تجيش تصبحي عليا في مكتبي؟"
لتلتفت إليه فرح وتقول بابتسامة مصطنعة في محاولة منها للتماسك وهي تشير بعينيها اتجاه المنشور: "ممكن أعرف إيه لازمة الإعلان اللي إنت حطيته ده؟ ليه استعجلت كده؟"
كامل: "احنا مش اتفقنا امبارح؟"
فرح: "ممكن نتكلم في المكتب بعد إذنك."
ليشير إليها كامل بيده في صمت لكي تتقدم أمامه، لتذهب أمامه بالفعل باتجاه المكتب. وما إن دلف كامل خلفها.. حتى قالت بنوع من الحدة: "إنت قلت لي إنك هتديني فرصة أفكر وأقرر."
كامل ببساطة: "حصل. وقلت لك كمان إن وسط تفكيرك ده هنعمل شبكة وهنفرح، ولا نسيتي؟"
فرح: "مانسيتش، بس مش لدرجة إني ألاقيك عامل إعلان ومحدد المعاد كمان من غير ما تاخد رأيي."
كامل: "في دي عندك حقك. أنا آسف يا ستي ماتزعليش. وأوعدك إني ما أكررهاش تاني. بس أنا اعتقدت إن المعاد مش هيفرق معاكي بما إننا اتفقنا على المبدأ."
لتنظر إليه فرح بامتعاض قائلة: "إنت بتحرجني بأسفك ده صح."
كامل ضاحكًا: "إنتي كنتي عاوزاني أقاوحك ولا إيه مش فاهم؟ فعلًا.. صدق اللي قال إن الستات دول مالهمش مالكة."
فرح: "أنا ما أقصدش على فكرة إني كنت عاوزاك تقاوحني، بس الصراحة ما توقعتش أسفك، فحسيت إنك طفيت نرفزتي بسرعة برضه ما توقعتهاش."
كامل بتنهيدة: "اقعدي يا فرح واسمعيني لأن دي يمكن فرصة كويسة إني أوضح لك حاجة مهمة في طبعي."
لتجلس فرح وهي تنظر إليه بفضول، بينما يقول: "أنا إنسان عادي جدًا وبسيط جدًا. طول عمري وأنا بحب أعتمد على نفسي، وبحب الاهتمام. الاهتمام باللي حواليا ومنهم."
فرح: "مش فاهمة."
كامل: "أقصد إني ما بحبش إني أبقى إنسان على الهامش. بحب أندمج مع التفاصيل. وطالما إني بسمح لنفسي إني أعمل ده، فلازم يبقى عندي شجاعة الاعتذار. واللي بعتبرها أعلى مراحل الشجاعة، إني لما أعرف إني غلطت أو تجاوزت حدودي في أي حاجة مهما كانت بسيطة.. إني أعتذر. ودي أبسط حقوق اللي غلطت في حقه."
فرح بإعجاب: "الحقيقة ما أقدرش أنكر إن إعجابي برقي أخلاقك بيزيد يوم عن التاني."
كامل ضاحكًا: "إنتي مستكترة تقولي إنك معجبة بيا؟"
فرح بإحراج: "إعجابي بشخصيتك مش بيك."
كامل برزانة: "شخصيتي هي عنواني يا فرح، وهو البني آدم إيه غير شخصية؟"
فرح بإذعان: "يمكن يكون عندك حق."
كامل: "وادي طبع جديد إحنا مشتركين فيه."
فرح بفضول: "طبع إيه ده بقى؟"
كامل: "عدم المكابرة. إحنا الاتنين ماشيين على مبدأ.. الاعتراف بالحق فضيلة."
***
لتمر الأيام سريعًا لتنغمس فرح مع كامل في تحضيرات الخطبة، والتي وجدت نفسها تتعامل وكأنها عروس بمحض إرادتها. فتركت نفسها لشقيقاتها ما بين صالون التجميل ومعارض الأزياء. وكان ذلك بالطبع بخلاف ذهابها مع كامل لانتقاء الشبكة.
وفي صباح يوم الخطبة، مر عليها كامل واصطحبها لكي يوصلها إلى صالون التجميل. وعند وصولها وقبل أن تتركه وتذهب، استوقفها كامل قائلًا: "فرح."
لتلتفت إليه بفضول قائلة: "ها.. في حاجة؟"
كامل وهو يحك جبهته وترتسم علامات التردد على ملامحه: "كنت عاوز أنبهك على حاجة كده."
فرح: "حاجة إيه.. خير؟"
كامل بحمحمة: "يعني، أنا ما بحبش المكياج التقيل، وكمان ما تخليش حد يلعب في دماغك ويخليكي تخلعي الحجاب."
فرح ببساطة: "لا ماتقلقش.. أنا ما بحبش الكلام ده." وتركته واتجهت إلى صالون التجميل وهي تحمل حاجياتها.
وبعد أن اطمأن كامل إلى أنها قد دخلت بالفعل، يدير سيارته ويعود إلى منزل والده ليبدأ الاستعداد الخاص به هو الآخر. وعند وصوله للمنزل وما إن قام بفتح الباب إلا وسمع نقاشًا حادًا بين إبراهيم ومنصور، والذي كان يقول بغضب: "مش كفاية إنك رايح تحط إيدك في إيد جوز أمها عشان تطلبها منه وسكتت؟ كمان اتفاجئ زيي زي الأغراب إن خطوبتهم النهاردة. إيه؟ للدرجة دي اعتبرتوني فعلًا ميت بالنسبة لكم كلكم؟"
إبراهيم: "أنا نفسي أعرف إنت عاوز إيه منها هي بالذات، ومن إمتى فارقة معاك كده وعمال تحط مناخيرك في كل حاجة تخصها. مش دي اللي رفضت تستلمها يوم ما اتولدت وبعتتلها شهادة ميلادها مع ورقة طلاق أمها؟"
منصور: "أنا حر. أطلق ولا أتجوز دي حاجة ما تخصش حد غيري، ماحدش يقدر يحاسبني. لكن طول ما أنا وهي على وش الأرض هتفضل شايلة اسمي، وده في حد ذاته شرف ليها ولأي حد."
وعند هذه الجملة قرر كامل التدخل في الحديث فقال بسخرية: "يا سلام على التواضع. ويا ترى الشرف ده بقى سببه إيه عشان بس نبقى فاهمين يا منصور بيه ونحتفل بيه معاك؟"
ليلتفت منصور بحدة إلى كامل ويقول: "أهو عريس الغفلة وصل أهو."
كامل بتهكم: "الله يبارك فيك يا... عمي."
منصور: "آه طبعًا. ماهو اتلم المتعوس على خايب الرجا. ماهو إنتوا الاتنين فعلًا ما تليقوش غير ببعض."
كامل بسماجة: "والله يا منصور بيه دي شهادة لا نعتز بها بالمرة."
منصور بحدة: "اقف معووج واتكلم عدل يا ابن إبراهيم. وأوعاك تنسى إني أبقى أبو المحروسة اللي ناوي تتجوزها وإني أقدر أوقف الجوازة دي وأمنعها في لحظة."
ليضحك كامل بتهكم قائلاً: "لا لا لأ يا عمي.. قول كلام غير ده. ويا ترى بقى هتوقفها بصفتك إيه؟"
منصور بحزم: "بصفتي أبوها."
ليقترب منه كامل ويقول وهو يطحن فكيه بغيظ: "الأب مش بشهادة الميلاد يا منصور بيه. الأب اللي بيحب ويحن ويربي، الأب اللي بينصح ويراعي، الأب اللي بيهتم. والحقيقة والشهادة لله اللي عمل كل ده هو عم عادل اللي إحنا قرينا معاه الفاتحة. إنما إنت، إنت ولا حاجة من كل دول. يبقى إيه اللي دخلك أصلًا في الموضوع؟"
إبراهيم: "استنى إنت يا كامل وروح شوف اللي وراك، وسيبني أنا وعمك نتفاهم مع بعض."
كامل: "آسف يا بابا، الموضوع ده بالذات يخصني أنا."
منصور بشماتة: "آه طبعًا. ماهو إنت المرة اللي فاتت اتغفلت، وشكلك خايف لا تتغفل من تاني المرة دي."
كامل بثقة: "مش هيحصل. صدقني مش هتقدر. فرح مش بالضعف اللي كانت فيه الغلبانة التانية اللي هددتها بأمها. فرح قوية وما بتنحنيش بسهولة. وده اللي كاوِي قلبك ومخليك مش متحمل الهدنة اللي عليك. إنها مش محتاجاك، وعمرها ما هتحتاج لك طول ما أنا على وش الأرض."
منصور: "تقصد إنكم اتفقتوا عليا."
كامل باستياء: "فوق بقى من الوهم اللي إنت عايش نفسك جواه ده. إنت أصلًا عمرك ما كنت في دايرة اهتمامنا ومش تفكيرنا من الأساس عشان نجيب حتى سيرتك. يبقى هنتفق عليك إزاي وبتاع إيه؟ إحنا كل الحكاية إننا مش عاوزين منك غير إنك تبعد عننا وخلاص. بخيرك وشرك. مش عاوزينك وسطنا لأننا مش معترفين بيك. بنتك من سنين وهي بتحكي إن أبوها مات. وأنا كمان.. آن الأوان إني آخد العزا فيك."
ليتركهم منصور غاضبًا ويذهب، ليقول كامل: "أنا مش عارف إيه البني آدم ده. جاي عاوز إيه أنا مش فاهم."
إبراهيم: "عاوزنا ما نعملش الخطوبة النهاردة. قال إيه، عاوزنا نأجلها لحد ما يطبع دعاوى باسمه ويعزم بيها الناس بنفسه. من ساعة ما عرف إن فيه تجار كتير عرفوا إنك هتخطب بنته و طبعًا الفضول واكل الكل إنه يعرف إزاي بنته تتخطب في عدم وجوده وهو هيتجنن."
كامل: "يعني الحكاية كلها منظرة وعشان الناس مش أكتر. وعلى كده بقى هو ناوي يحضر الخطوبة؟"
إبراهيم: "والله يا ابني مانا عارف بعد اللي حصل ده هييجي برضه ولا هيريحنا من مشاكله ووجع القلب اللي كل ساعة والتانية ده."
***
وفي المساء أقيم حفل الخطبة وسط سعادة ومرح من الجميع. وكان أكثرهم مرحًا هم أشقاء فرح الذكور. فقد شكل نادر ونبيل مع أحمد ومحمود فرقة مصغرة وظلوا طيلة الحفل بين الغناء والرقص احتفالًا بالخطبة. والتي كانت العلامة المميزة بها.. هو غياب منصور، والذي سعد به الجميع. فقد كانت الخطبة عبارة عن حفلاً بسيطًا غير مبهرج كما طلبت فرح، والتي تفاجئت باندماجها مع الفرحة التي عمت الأجواء من حولها.
وقام كامل بإلباسها الشبكة وسط الزغاريد والمباركات، حتى أتى دور إبراهيم الذي احتضن فرح بسعادة طاغية قد ارتسمت بوضوح على معالم وجهه وقال لها: "ألف مبروك يا بنتي، ربنا يسعدك ويفرح قلبك زي ما فرحتيني النهاردة." ثم التفت لكامل وقام باحتضانه هو الآخر قائلاً بسعادة كبيرة: "ألف مبروك يا كامل، أخيرًا يا ابني فرحت بيك، عقبال الليلة الكبيرة إن شاء الله. خد بالك من بنت عمك وحطها في عنيك وقلبك، وربنا يسعدكم ويخلف عليكم بالذرية الصالحة يا رب."
لينقضي الحفل بسلام. وعند عودة نادر ونبيل إلى المنزل، كان الهدوء يعم على المكان. وكم كانت سعادتهم عندما لم يجدوا أباهم بانتظارهم. ولكن سعادتهم لم تدم طويلًا، فبمجرد أن دلفا إلى غرفتهما وجدا منصور جالسًا بها وهو متجهم الوجه. فقال نادر بخفوت: "مساء الخير يا بابا."
نبيل: "إزيك حضرتك يا بابا؟ هو فيه حاجة ولا إيه؟ مش عادتك تقعد في أوضتنا. أوعى تكون زعلان مع ماما."
منصور: "حضرتوا الفرح واتبسطتوا؟"
نبيل ونادر في آن واحد: "آه، الحمد لله."
منصور: "وياترى بقى كنتم عارفين إن الهانم أختكم اللي كل ما تتكلموا تقولوا أختنا.. رفضت إني أحضر لها حاجة. وكمان البيه الدكتور المحترم مؤيدها وموافقها على كده وكأنها يتيمة ولا مالهاش أب عايش على وش الدنيا."
نادر: "معلش يا بابا يعني عاوز أسأل حضرتك، هو إنت ليه بقيت مهتم فجأة كده بفرح؟ حضرتك من زمان وإنت شايلها هي والبنات من حسبانك نهائي. ده حتى رحمة وندا برغم إن المفروض إن فيه علاقة بينكم وبين بعض، إلا إنك عمرك ما فكرت تسأل على واحدة فيهم أو حتى تزورها ولا تكلمهم حتى في التليفون إلا وقت تعب نبيل. ولولا عمي إبراهيم اللي كان بيحاول يجمعك معاهم كل سنة مرة أو اتنين بالكتير في الأعياد، وعمرك ما اهتميت عملوا إيه ولا راحوا فين ولا جم منين. اشمعنى فرح؟ ماتشيلها من دماغك وريح نفسك وريحنا كلنا معاك."
ليقف منصور بجمود ويقول بنبرة حازمة: "أنا فعلًا هشيلها من دماغي نهائي، بس إنتوا كمان لازم تشيلوها من دماغكم. أنا عاوزكم تقطعوا علاقتكم بيها تمامًا، وتنسوا إن فيه واحدة بالاسم ده متسمية على اسمي.. مفهوم؟"
ليزدرد نبيل لعابه ويقول بخفوت: "سامحني يا بابا، أنا ما أقدرش أقطع علاقتي بأي حد من أخواتي."
نادر: "ولا أنا كمان يا بابا. إحنا ما صدقنا عرفنا طعم لمة الأخوات شكلها إيه."
منصور بجمود: "تبقوا مش عاوزنيني أشيلها من دماغي."
رواية لما قالوا دي صبية الفصل التاسع 9 - بقلم ميمي عوالي
في حجرة نادر ونبيل، كان نبيل يجلس وعلى وجهه ترتسم علامات الحزن لما سمعه من والده.
قال بخفوت: ربنا يهديك يا بابا، ده بدل ما يشجعنا إننا نبقى إيد واحدة ونفضل ملمومين حوالين بعض وما نتفرقش أبداً.
نادر: الغيرة تعمل أكتر من كده.
نبيل بذهول: غيرة؟ غيرة إيه؟ هو في حد في الدنيا يغير من أولاده؟
نادر: هو مش غَيوران منها، هو غَيوران من مامتها وجوزها.
نبيل: مش فاهم.
تنهد نادر بمرارة وهو يجلس أمام أخيه ويقول: أبوك حاسس بالفشل، لما قارن نفسه وقارننا بأخواتنا البنات، لقى إن كفتهم طابة بكتير عننا. يمكن ما كانش بيدقق أوي في الحكاية دي في الأول، لكن بعد ما فرح واجهته باللي عمله وإنها مصممة تعلن موته وهو لسه على وش الدنيا، وقف قدام نفسه، بس بدل ما يحاول يصلح اللي عمله، العزة والعنجهية واخدينه كالعادة.
نبيل: طب والعمل؟ هنقاطع البنات فعلًا زي ما هو عايز؟
نادر بتنهيدة: أكيد لأ، بس محتاجين نلين المسائل معاه شوية، مش ناقصين جنان، وأنت عارف أبوك في العند ما يتوصاش.
***
كان كامل قد اصطحب فرح للعشاء بعد انتهاء حفل الخطبة، وكان بصحبتهم محمود الذي أصرت فرح على وجوده معهم.
أثناء تناولهم العشاء، قال محمود بإحراج: والله ما أنا عارف أنا بعمل إيه وسطيكم في يوم زي ده، واحد وخطيبته بيتعشوا سوا ويوم خطوبتهم، إيه اللي يحشرني أنا بينهم.
وقبل أن تنطق فرح بأي كلمة، وجدوا كامل يقول بهدوء: جرى إيه يا عمنا؟ لا هو أنت ما تعرفش حاجة في الشرع خالص كده.
محمود: وإيه دخل الشرع بس في الحكاية دي؟
كامل بابتسامة: لأن الشرع بيقول إن طالما أختك لسه مش على ذمتي، ماينفعش أختلي بيها في أي مكان.
ليشير محمود بمرح إلى المكان من حولهم قائلاً: تختلي مين بس يا عمنا وسط الخلق دي كله؟
ليضحك كامل وهو يقول: وهو أنت بقى كنت عارف إني هاجي هنا منين؟ وبعدين مش يمكن كنت خطفتها مثلاً؟
محمود: لا لا لا ماتعملهاش، إحنا واثقين فيك.
كامل: الشرع ما فيهوش الكلام ده يا حبيبي، ولازم تقرأ وتفهم على الأقل لما إن شاء الله تيجي تخطب وتتجوز تبقى فاهم الحلال من الحرام.
فرح بتأنيب: يعني أنا لو ما كنتش صممت إنك تيجي معانا، ما كنتش هتفكر أصلًا إن كان ده صح ولا غلط يا محمود؟
محمود وهو يحك رأسه بإحراج: الصراحة يا فرح.. الكذب خيبة، ما جاش في بالي أبدًا الحكاية دي، بس برضه يعني دكتور كامل ابن عمك، الكل بيحلف بأخلاقه.
كامل بمرح: طب مش يمكن بأمثل على ما أفوز بفرح؟
لتلتفت فرح إلى كامل بفضول قائلة: تفوز بيا؟
كامل: آه طبعًا، وهو أنتِ شوية يا فروحة؟
فرح باستياء: فروحة؟
كامل بمرح: إيه؟ بدلعك؟
فرح: لو حطيت نقطة تحت الـ "ح" هتبقى "فروجة" يعني فرخة.
ليضحك كامل بشدة ثم يقول: طب ما إحنا لو سبنا اسمك زي ما هو، وحطينا نقطة على الـ "ح" برضه هتبقى فرخة.
ليقول محمود بذهول: يا دماغكم العالية! وأنتم مالكم ومال النقط؟ بتشيلوها وتحطوها بمزاجكم ليه؟ ده بدل ما تتفقوا معايا على معاد تقديم التنسيق بتاعي.
فرح: وماله التنسيق بتاعكم؟
محمود: عايزك أنتِ ودكتور كامل معايا وأنا بعمل الرغبات بتاعتي.
كامل: بسيطة، تعالى نعملها بكرة بالليل في المستشفى.
محمود: وإشمعنى في المستشفى؟
كامل: لأن فرح بكرة نبطشية في المستشفى، شبكة النت عندي في مكتبي قوية، هنقعد براحتنا ونظبط الدنيا.
محمود وهو ينهض من مكانه: طب أنا هروح الحمام وأرجع لكم.
ليقول كامل بعتاب بعد أن تركهم سوياً: حاولي تفكّيها شوية يا فرح.
فرح: أفُك إيه؟
كامل: النهاردة في الخطوبة كانت الابتسامة مالية وشك وبتتعاملي على إنك عروسة ومبسوطة، ليه حاسة رجعتي تتعاملي برسمية تاني؟
فرحة بدفاع: أنا ما بتعاملش برسمية ولا حاجة، لو قصدك على حكاية "فروحة" دي، فأنا فعلًا ما بحبهاش من زمان، من وأنا صغيرة أوي ومش عارفة ليه.
كامل بدعابة: بس أنا عارف ليه.
فرح بفضول: ليه بقى؟
كامل ضاحكاً: عشان وأنتِ صغيرة لما كنتي في الحضانة وكانوا بيعلموكي الحروف، كنت مرة عندكم مع بابا، وأنتِ وقتها كنتي بتعملي الواجب، اللي كان عبارة عن اسمك، ولما جيتي تفرجينا على كراستك لقيتك حاطة نقطة تحت حرف الـ "ح"، فأنا وقتها ضحكت عليكي وخلّيتك حطيتي واو كمان وكتبتي اسمك في الكراسة "فروجة"، واللي عرفت بعد كده إنك رجعتي من الحضانة تاني يوم وأنتِ معيطة وزعلانة مني لأني خليتك عملتي الواجب غلط، ولما جيتلكم المرة اللي بعدها خصمتيني وما كنتيش راضية تتكلمي معايا، وقلت لك وقتها إن دلع اسمك "فروحة"، بس أنتِ قعدتي تزعقلي وتقولي لي: "لا النقطة هتخليني فروجة والميس قالت لي إني كده هبقى فرخة وياكلوني".
لتضحك فرح بشدة قائلة: تصدق أنا مش فاكرة ولا كلمة من الحكاية دي.
كامل: هتفتكري إيه بس، ده أنتِ كان عمرك وقتها حوالي أربع سنين.
فرح: ورغم ذلك فضلت فاكرة إني بتضايق من الاسم ده.
كامل: وده اللي نفسي إنك تحاولي تغيريه يا فرح.
فرح: مش فاهمة، إيه ده اللي عايزني أغيره؟
كامل: في حاجات كتير قافلة بابك في وشها وأنتِ بتعتبري إن ده من البديهيات، من غير ما تحاولي تفهمي السبب اللي مخليكي من جواكي بتعملي ده.
فرح بفضول: زي إيه بقى؟
لكن محمود قد طَلّ عليهم مرة أخرى، فقال كامل بإيجاز: حاولي أنتِ توصلي بنفسك.
***
مر على خطبة كامل وفرح قرابة شهر، كانت الأمور تسير خلاله على ما يرام، فلم يجد أي جديد سوى أن نتيجة أحمد ونادر ونبيل قد أُعلنت وحصل أحمد على تقدير جيد جداً، ونبيل كذلك، أما نادر فقد حصل على تقدير امتياز. وقد سعد الجميع وأصرت فرح على إقامة حفل على شرف نجاحهم، وخاصة بعد أن استطاع نادر ونبيل تقديم أوراقهما بكلية التجارة والالتحاق بها. ولكن الغريب بالأمر أن منصور امتنع تماماً عن معاتبة أبنائه على وجودهم مع فرح أو أي من أخواتهم الإناث وكأنه شيء طبيعي. ورغم عدم ارتياح نادر ونبيل للأمر، إلا أنهما دعوا الله أن يكون أبوهما قد علم الحق من الباطل.
***
حتى أتى يوم وكان إبراهيم في زيارة للمشفى لعمل بعض الفحوصات الطبية التي أصر كامل على عملها بعد أن لاحظ حالات الإعياء التي تصيب أبيه من وقت لآخر. وبعد أن قامت فرح باصطحاب عمها لعمل تلك الفحوصات بتكليف من كامل، عادوا مرة أخرى لمكتب كامل الذي كان بغرفة العمليات لإجراء عملية ما. وما أن دلفوا من الباب، قال إبراهيم بتعب: أنا مش فاهم لزمته إيه بس اللفة اللي لففتوهالي النهاردة دي، ما أنا كويس أهو.
فرح: لا يا عمي، أنت مش كويس خالص، أنت فعلًا من فترة وأنت مش عاجبني وأنا اللي طلبت من كامل إنه يخليك تيجي تعمل الفحوصات دي.
إبراهيم: يا بنتي ما أنا كويس أهو.
فرح: يا حبيبي ربنا يديك الصحة وطولة العمر، بس تقدر تنكر إنك أغمى عليك من أسبوع وأنت في الشغل؟
إبراهيم بدهشة: وأنتِ عرفتي منين الحكاية دي؟
ليستمعوا لصوت كامل الذي أتاهم منهكاً وهو يحمل عتاباً ممزوجاً بالغضب لفرح، وهو واقفاً بالباب: وإزاي يحصل الكلام ده وما حدش يبلغني في ساعتها؟ كان لازم تقول لي في وقتها ماتخبيش عليا طول الوقت ده، كان بدل ما تقول لي "أنا مش عاجبني صحة عمي" كنت تحكي لي اللي حصل على طول.
فرح بهدوء: أنا لسه عارفة الحكاية دي النهاردة، قبل ما عمي يوصل النهاردة، كان نادر معايا على التليفون، واحنا بنتكلم قلت له إني مستنية عمي عشان هيعمل فحوصات، فقال لي: "طب كويس، أحسن ماما قالت لي النهاردة إن عمي أغمى عليه في المكتب الأسبوع اللي فات". ولما قلت له: "وإزاي ما حدش يعرف طول الوقت ده؟" قال لي إن منصور ما بيحكيش حاجة قدامهم، وإنهم لما بيعرفوا حاجة بيعرفوها بالصدفة من مامته.
لتنهي فرح حديثها وتنهض وهي تتحدث لعمها قائلة: أنا هروح أكمل شغلي يا عمي، وإن شاء الله نتطمن عليك والفحوصات تطلع زي الفل.
ليتنهد كامل قائلاً: أنا آسف يا فرح، أنا ما قصدتش إني أتنرفز عليكي، أنا بس اتخضيت من موضوع الإغماء ده.
ثم التفت لأبيه مكملاً حديثه وقال: وأنت يا بابا، ليه أغمى عليك وإزاي ما عرفتنيش في وقتها؟
إبراهيم بامتعاض: يابني ما تكبرش الحكاية، أنا بس يومها ما كانليش نفس أفطر، ولما نزلت الشغل نسيت، واليوم عدى من غير ما آخد بالي، إيه المشكلة يعني؟ بتحصل.
كامل: يعني يبقى ابنك دكتور ومرات ابنك دكتورة وتسيب نفسك كده من غير ما تطمن على روحك؟
قالها كامل والتفت بعينيه اتجاه فرح فوجدها تنظر إليه وهي شاردة، فرفع إصبعيه مفرقعاً إياهما أمام عينيها قائلاً: إيه يا دكتورة؟ سيبتينا لوحدنا ورحتي لحد فين كده؟
فقالت فرح بانتباه: أبدًا، أنا بس عايزة أروح أتابع الحالات بتاعتي.
إبراهيم: روحي يا بنتي ماتعطليش نفسك معايا أكتر من كده.
فرح: أبدًا يا عمي لا عطلة ولا حاجة، إن شاء الله بكرة نتطمن كلنا عليك، بس أنت ما تهملش في الأدوية بتاعتك على ما نتيجة الفحوصات كلها تطلع، بعد إذنكم.
وبعد خروج فرح، قال إبراهيم لكامل بعتاب: ابقى راضيها بكلمتين حلوين يا كامل.
كامل: طب ما أنا اعتذرتلها وقدامك كمان، أنت عارف إني عمري ما انكسفت إني أعتذر طالما مقتنع إني غلطان.
إبراهيم: عارف يا ابني، بس الستات بيحتاجوا الحنية والمسايسة، خدها بالهداوة يا ابني.
كامل باستسلام: حاضر يا بابا، ما تقلقش، المهم قوم أنت يالا عشان أنزل أوصلك وأرجع تاني.
إبراهيم وهو ينهض من مكانه: لا توصلني ولا أوصلك، أنا همشي لوحدي وبعدين أنا مش راجع على البيت.
كامل باعتراض: يا بابا ارتاح شوية، ثم أنا عايز أفهم، حسن وحسين إزاي ما عرفوش إنك أغمى عليك في الشغل ولا عرفوا وداروا عليا؟
إبراهيم بنفي: أبدًا يا ابني ما حدش عرف، وبعدين ما تكبروش الحكاية، إيه يعني لما هبطت شوية عشان ما فطرتش، ما كل الناس كده.
كامل برفض: مش كل الناس عندها الضغط والسكر يا عم إبراهيم، والله أعلم اللي حصل معاك ده من أنهي فيهم.
إبراهيم وهو يتجه باتجاه الباب: ما أنا عشان كده ما قلت لكش عشان ما تعمليش من الحبة قبة وتعمل دكتور عليا.
كامل بدهشة: أعمل دكتور!!! أومال أنا إيه؟
إبراهيم بابتسامة بعد أن فتح الباب: باشا الدكاترة كلهم، يالا سلام.
كامل بتنهيدة: طب طمنني عليك لما توصل.
***
كانت فرح انتهت من المرور على مرضاها واتجهت إلى مكتبها لتنهي التقارير الخاصة بالحالات التابعة لها، وما أن دلفت من الباب حتى وجدت كامل جالساً بالداخل وأمامه بعض الأطعمة المغلفة. وكان يجلس باسترخاء وهو يستند برأسه إلى الخلف مغمضاً عينيه بهدوء جعلها تعتقد أنه غارق في سبات عميق. فجلست على مكتبها دون إحداث أي صوت ووضعت الأوراق من يدها وبدأت في إعداد التقارير لتسمع صوت كامل قائلاً بهدوء: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
لتنظر إليه فرح بدهشة وتقول: أنا فكرتك نايم.
كامل بسخرية: وافرضى، إيه، كنتى هتسبينى نايم من غير حتى ما تحاولي تقولي لي أعدل رقبتك؟
فرح بخجل: ما اتعودتش أصحّي حد نايم وخصوصًا لو….
كامل وهو يعتدل بجلسته: خصوصًا لو إيه؟
لتحمحم فرح بصوتها وتقول: بس أنت ليه قاعد كده؟
كامل: ماشي، مش رخّم عليكي، المهم… أنا بعتت جبت لنا غدا عشان ناكل سوا.
فرح: وليه تعبت نفسك؟
كامل بمرح: كنت أما أشوف حد من زمايلي بيشتغل في نفس المكان مع خطيبته، كنت ألاقيها مظبطاها، إيشي فطار وإيشي سندوتشات وإيشي دوّق ده وإيشي إيه رأيك في ده، وإحنا من ساعة ما اتخطبنا ماشفتش منك غير الشاش والقطن.
فرح: أنت عايزني أجيب لك معايا أكلك؟
كامل: ماينفعش.
فرح: هو إيه اللي ماينفعش؟ ما أنت لسه كنت بتقول أهو.
كامل: أولًا.. أنا كنت بهزر معاكي، ثانيًا الحاجات دي مابتنطلبش يا فرح، الحاجات دي بتتعمل بحب واهتمام تلقائي، وأوعي تعملي حاجة أنتِ مش حاسة بيها.
فرح: أنت ليه بتقول كده؟
كامل: بقول الحقيقة من غير تزييف.
فرح: أفهم من كده إنك لما جبت الأكل وجيت لي دلوقتي إنك عملت كده باهتمام؟
كامل: ويمكن بحب.
فرح: إمتى؟
كامل وهو يرفع كتفيه بمعنى عدم المعرفة: ما أعرفش، بس المفروض إنك دلوقتي خطيبتي، يعني ليكي حقوق عليا حتى لو ما طلبتيهاش، لكن أنا لازم أديها.
فرح: وإيه الحقوق دي؟
كامل ببساطة: الاهتمام.
فرح: وإيه تاني؟
كامل: لأ، ما فيش تاني، هو كده وبس.
فرح: إزاي بقى؟
كامل: الاهتمام بيندرج تحته كل الحاجات التانية ومن غير أسئلة كتير، يالا تعالي اقعدي قدامي وافتحي الأكل عشان جعان جدًا.
لتنهض فرح لتلتف للجلوس أمامه لتدخل عليهم فتاة ما قائلة: فرح أنتِ هنا ولا إيه؟
لتلتفت فرح قائلة: أهلًا يا دكتورة بشرى.
بشرى: لما شفت بابك مفتوح استغربت، ثم نظرت لكامل وقالت: أنا آسفة يا دكتور لو كنت قطعت حديثكم.
كامل: أبدًا يا دكتورة، إحنا كنا هنتغدى، اتفضلي معانا.
بشرى: و فاتحين الباب وأنتم بتاكلوا، مش خايفين من الجوع اللي زيي وماليين المستشفى يتلموا عليكم؟ تصدقوا أنا هموت من الجوع، بس ما فضيتش آكل طول اليوم.
كامل: وأنا إمتى قعدت مع أي دكتورة والباب مقفول يا دكتورة؟
بشرى: أيوه يا دكتور، بس فرح خطيبتك يعني.
كامل: أديكِ قلتيها، يعني لسه ما بقتش مراتي، تعالي خديلك سندوتش بقى، الأكل كتير أهو.
بشرى: ميرسي يا دكتور، بس الظاهر إني أنا اللي هاكل معاك مكان فرح.
فرح بتساؤل: في حاجة ولا إيه؟
بشرى: في حالة في ريسبشن الطوارئ ومحتاجينك تبصي عليها.
كامل: هو ما فيش حد في قسم الباطنة موجود ولا إيه؟
بشرى: الحقيقة الدكتور محسن راح للحالة، بس هي طلبت فرح بالاسم.
لتنهض فرح بقلق وتتجه للخارج على الفور قائلة: يا ترى مين؟ خير يا رب.
ليلحق بها كامل هو الآخر ببعض القلق حتى وصلوا إلى المكان المخصص لاستقبال الطوارئ، لتجد فرح سيدة لم ترها من قبل، في منتصف العقد الثالث من عمرها، وهي تجلس محتضنة فتاة صغيرة تبلغ من العمر سبع سنوات ووجهها غارق بالدموع. وما أن وصلت إليها وقبل أن تتحدث معها، وجدت كامل يقول بخفوت مصحوب بالدهشة: ليلة.
لتلتفت فرح إلى كامل بفضول فوجدته ينظر للسيدة بشرود وكأنه يخترق وجهها إلى سنوات عدة مضت من عمره، فعادت ببصرها مرة أخرى إلى السيدة وقالت بمودة: حضرتك طلبتي تشوفيني، أنا دكتورة فرح، أؤمري.
لتنهض ليلة على الفور وتنحني على يد فرح في محاولة لتقبيلها قبل أن تسحبها فرح وهي تقول باستغراب: العفو يا ستي، استغفر الله العظيم، قولولي بس إيه الحكاية.
ليلة وهي تنظر لفرح وتهرب بعينيها من كامل: بنتي بتروح مني وصاحب الشغل بتاع جوزي الله يرحمه لما عرف، قال لي على اسمك وإن انتي اللي هتقدري تعرفي هي مالها وتطمني قلبي عليها.
ليمُد كامل يده ليحمل الطفلة من أحضانها ويتجه بها إلى غرفة الكشف، وفرح وليلة من خلفه.
وبعد أن وضع الطفلة على الفراش، تقدمت فرح من الفتاة وسألتها بابتسامة: اسمك إيه يا قمر؟
الفتاة: اسمي مي.
فرح: الله، اسمك حلو زيك، مالك بقى يا مي، إيه اللي بيوجعك يا حبيبتي؟
لتشير مي إلى صدرها وتقول: هنا بيوجعني ومش بعرف ألعب مع أصحابي، كل ما أجي ألعب معاهم هنا يوجعني أوي ومش بقدر آخد نفسي.
لتتبادل فرح النظرات مع كامل الذي نظر إلى ليلة قائلاً: الحالة دي عندها من إمتى؟
ليلة بخفوت: من زمان، بس الحكاية كل ما دا وبتزيد وأنا ما كنتش عارفة أعمل إيه.
لتبدأ فرح بالكشف على مي وبعد الانتهاء قالت: هنحتاج نعمل لها أشعات وفحوصات كتير عشان نقدر نفهم بالظبط إيه الحكاية ونمشي صح.
ليلة بخجل: والحاجات دي يعني هتتكلف كتير يا دكتورة؟
لتنظر فرح إلى ملابس ليلة التي تكاد أن تكون بالية لتفهم على الفور الحالة المادية الصعبة التي تعاني منها، فقالت: لا خالص ماتقلقيش.
ليلة: يعني هتتكلف في حدود كام كده عشان بس أبقى عارفة.
لتلتفت كامل إلى ليلة ويقول بتنهيدة: مش هتتكلف حاجة خالص يا ليلة.
ليلة بخجل: أنت عرفتني، ده أنا قلت الدنيا والزمن مش هيخلوك تفتكرني.
كامل: أنا أول مرة أعرف إن جوزك اتوفى دلوقتي.
ليلة وعيونها تمتلئ بالعبرات: مات من سنتين دلوقتي، وقع عليه باب كونتينر ومات في ساعتها.
كامل: عندك ولاد تانيين؟
ليلة بدموع وهي تشير إلى طفل هزيل كان يقف على بعد وهو يراقب الموقف بقلق: أيوه، عندي أخوها أحمد، عنده تسع سنين، بيشتغل مع عمك في المكتب.
كامل بفضول: وطفل في السن ده بيشتغل إيه؟
ليلة: بيقضي له المشاوير الصغيرة، أو يبعته يشتري له حاجة، وينضف مكاني لو أنا مش موجودة.
كامل: وأنتِ كمان بتشتغلي عنده؟
ليلة بانكسار: لقمة العيش يا سي كامل، وطلبات العيال.
كامل: وهو ما دفعلكيش تعويض عن حادثة جوزك؟
ليلة بسخرية: تعويض إيه بس يا سي كامل، ده قال لي احمدي ربنا إني مش هحملك التعويض اللي كان جوزك هيدفعه بسبب إهماله.
فرح بغل: ما يبقاش منصور لو ما عملش كده.
ليلة بتردد ووجل: بس هو اللي دلني عليكي، لما لقاني دايخة بيها من سنة دلوقتي من مستشفى لمستشفى ومن حكيم لحكيم، وقال لي إن إيدك فيها الشفا.
كامل: أنتِ واحدة جامعية ومتعلمة يا ليلة، ليه ما دورتيش على شغل كويس؟
ليلة بحزن: أنا ما كملتش الكلية.
كامل بقلة حيلة: عموماً شدي حيلك وما تقلقيش على مي، إحنا هنعمل لها كل اللازم، ولو تحبي أنا ممكن أشوف لك شغل بمرتب كويس هنا في المستشفى، على الأقل تقدري تاخدي بالك من ولادك وتعليمهم، وبلاش تطلعي منهم ليلة وسيد تانيين.
ليلة وهي تمسح دموعها: أنا كل اللي يهمني دلوقتي إني أتطمن على مي، وأي حاجة تانية تهون.
فرح: البنت هتفضل هنا على ما نعمل لها كل اللازم وأنتِ ممكن لو تحبي تفضلي معاها.
ليلة بتردد: هو أنا ممكن أخلي أخوها معانا؟ أنا ماليش حد.
لتنظر فرح لكامل وكأنها تنتظر مشورته، فوجدته يقول: ماتقلقيش يا ليلة، خليه معاكي.
ثم نظر لفرح وقال: شوفي اللازم يا دكتورة واعمليه، وابقي بلغيني لما تخلصي.
ثم تركهم وانصرف إلى مكتبه، لتبدأ فرح في توجيه الجميع لما عليهم عمله، ولم يمضِ سوى القليل من الوقت حتى كانت مي قد بدأت الفحوصات المطلوبة منها، ولم تدخل الغرفة المخصصة لها إلا بعد أن انتهت من عمل كل الفحوصات المطلوبة.
وعندما انتهت فرح اتجهت إلى مكتب كامل، وما أن دقت على الباب حتى وجدت إحدى فتيات التمريض تقول: دكتور كامل مستني حضرتك في مكتبك يا دكتورة فرح.
لتعود فرح إلى مكتبها مرة أخرى لتجد كامل جالساً كالمرة السابقة، ولكنّه هذه المرة كان شارداً وبشدة، فحمحمت بصوتها وقالت: روحت لك مكتبك قالوا لي إنك هنا.
لينتبه كامل إليها ليعتدل قائلاً: إحنا لسه ما أكلناش.
لتجلس كما كانت أمامه في المرة السابقة وتمد يدها لتفتح أغلفة الطعام وهي تقول: لولا إن حالة البنت فعلًا تعبانة أنا ما كنتش اتكلمت معاها من أصله، أنا مش فاهمة هو باعتهالي بـ إيه عين ويا ترى قال لها عليا إيه ولا مين، بس أنا لاحظت إنك تعرفها ومن زمان كمان، هي مين دي يا كامل؟
كامل: دي اللي منصور جوّزها لواحد من اللي بيشتغلوا معاه عشان يبعدها عني.
لتتوقف يدا فرح عن ما كانت تفعله وهي في منتصف الطريق، ونظرت لكامل بفضول دون تعليق. ليمد كامل يده ليكمل ما توقفت فرح عن عمله وهو يقول بمنتهى الهدوء: إحنا لازم نتجوز في أسرع وقت.
فرح باستنكار: إيه؟ خايف تضعف قدام حبك القديم؟
ليتوقف كامل هو الآخر عن ما كان يفعله، واتكأ بيديه على قدميه وهو ينظر إلى فرح ثم قال: لو كنتي من البنات الخفيفة ولا مثلًا في مشاعر ليا جواكي كنت قلت إنك غيرانة.
فرح برفض: مش حكاية غيرانة، بس مهما إن كان، أنا بقالي سنين رافضة فكرة الجواز والارتباط من الأساس، يبقى ما يجيش في الآخر يوم ما أرتبط تحت الضغط النفسي والعصبي ده كله أقوم أتجوز واحد….
وعندما صمتت قال كامل بفضول: واحد إيه يا فرح؟ سكتتي ليه؟ ماتكملي.
فرح بتردد: سامحني يا كامل، أنا ما أقصدش أقلل منك، بس مهما إن كان أنا إنسانة وعندي كرامة، ولا يمكن أبدًا أهينها أو أقلل منها.
كامل: وإيه اللي هيقلل كرامتك أو يمسها من الأساس؟
فرح: يعني، زمان منصور خلاها سابتك وجوزها، لكن النهاردة، خلاص جوزها مات وبقى ممكن إنك….
ليقاطعها كامل قائلاً: كنت فاكرك أذكى من كده.
فرح بعدم استيعاب: تقصد إيه؟
كامل بابتسامة سخرية: ليلة بنتها المرض ما مسكهاش فجأة كده، دي مريضة من زمان، فجأة كده عمي قلبه حن وساب كل دكاترة البلد وبعتهالك أنتِ مخصوص هنا في المستشفى، ده على أساس إن الدكاترة خلصت من البلد، ثم القلب مش تخصصك أصلًا.. أنتِ آه ممكن تعرفي وتفهمي، بس في الآخر فيه دكتور متخصص هو اللي هيتابع الحالة مش أنتِ.
فرح: برضه مش فاهمة.
كامل بتنهيدة: الحكاية بكل بساطة، إنه بيحاول يصحّي جوايا أحاسيس ماتت من سنين ومالهاش وجود في حياتي، لمجرد إنه يدق مسمار في علاقتي بيكي، بعتهالك وهو طبعًا عارف ومتأكد إني هشوفها ولو بالصدفة، ومش بعيد كمان يكون هو اللي أجبرها تيجي هنا.
فرح: أيوه بس البنت فعلًا تعبانة.
كامل: عارف، بس أصلها لما اتكلمت، ما قالتش الراجل اللي بيشتغل عنده، لكن قالت الراجل اللي كان جوزي الله يرحمه بيشتغل عنده، يعني بتوصل لي معلومة إنها بقت أرملة بطريقة غير مباشرة.
فرح: ولما أنت عارف كده، هتساعدها ليه؟
كامل: أنتِ لسه قايلة، البنت فعلًا مريضة، وكمان بمعرفتي بليلة، فـ أنا متأكد إنه ضاغط عليها بحاجة عشان تعمل كده، لكن على ما نعرف كل الكلام ده، لازم نتجوز وبسرعة.
رواية لما قالوا دي صبية الفصل العاشر 10 - بقلم ميمي عوالي
كانت فرح تجلس أمام كامل وهي في حالة مختلطة من المشاعر المبهمة بالنسبة لها، كان الغضب من منصور في أوجه، والغضب من كامل أيضًا، ولكنها كانت تشعر بنيران تنضرم بداخلها لأول مرة، ولكنها كانت تعلم أنها ليست نيران الغضب، بل نيران الغيرة من ثبات كامل إلى هذه الدرجة رغم تحليله المنطقي والكامل لكل ما حدث.
وفي وسط غضبها قال كامل بهدوئه المعتاد:
"قلتي إيه؟"
فرح وهي تحاول السيطرة على نبرات صوتها:
"أنا مش فاهمة.. إيه علاقة اللي منصور بيعمله بأننا نتجوز بسرعة كده زي ما أنت عاوز؟"
كامل وهو يناولها شريحة من الطعام:
"أنا عاوزه يطلعنا من دماغه، عاوزه يمارس الفراغ اللي هو فيه ده على أي حد تاني غيرنا."
فرح بسخرية:
"منصور وفراغ في جملة واحدة.. مش راكبة."
كامل:
"سميها زي ما تحبي، فراغ بقى.. حقد.. غل، المهم إني عاوزه يفكّنا منه."
فرح:
"وهو يعني جوازنا اللي هيخليه يشيلنا من دماغه؟"
كامل وهو يلوك الطعام بفمه:
"على الأقل نبقى جبنا فيه جون."
فرح بانتباه:
"هو أنا ليه حاسة إن زي ما تكون واخد جوازك مني تحدي لمنصور؟"
كامل ببساطة:
"ده جزء من الحقيقة مش الحقيقة كلها."
فرح بفضول:
"ممكن تشرح لي أكتر من كده؟"
كامل:
"مش هقدر أنكر إني رغم إني شلت ليلة من دماغي من يوم ما شفتها وعرفت إنها اتجوزت وحامل كمان من جوزها، وهي بنفسها قالت لي إن جوزها بيحبها وبيراعيها. ويمكن ده لأني فسرت علاقتي بيها قبل كده إنه يمكن كان إحساس بالمسؤولية ناحيتها أكتر من إنها تبقى مشاعر حب وبس. لكن لأنها كانت أول مرة في حياتي أحب بنت وأهتم بيها، كان ليها وقع تاني في نفسي. ورغم إني شلتها من حياتي ونسيت زي ما قلت لك، إلا إن المرارة اللي منصور زرعها في حلقي من ناحيته عمرها ما انتهت ولا عمري قدرت أنساها. حسيت إنه غلبني، بس ما غلبنيش بشرف لأنه كان بيلعب معايا من ورا ضهري. ويمكن من يومها وأنا حلفت إني لازم أردهاله بأي طريقة."
ثم أكمل بابتسامة:
"وأظن مفيش طريقة أحلى من جوازي أنا وأنتي من بعض، وكمان رغم أنفه وهو على الهامش وواقف يتفرج من بعيد."
وبرغم أن في ذلك الإحساس انتصار لفرح على منصور، إلا أنها أحست بغصة في حلقها، فهي لم تسعَ أبدًا لما حدث، ولكنها أخلصت النية في محاولة تقبل الأمر كما طلب منها كامل، ولكن أن تعرف أنها بالنسبة لكامل كنرد أراد القدر أن يجعله فوزًا على منصور جعلها تغضب من داخلها.
وعندما لاحظ كامل جمود ملامحها أكمل حديثه قائلًا:
"إيه.. كنتي فاكرة إني مش هقول لك الحقيقة؟ المفروض إنك عرفتي عني إني مابكذبش أبدًا مهما كانت النتائج. وبعدين أنا قلت لك إن ده جزء من الحقيقة، مش الحقيقة كلها."
فرح:
"وإيه هي بقية الحقيقة يا ترى؟"
كامل:
"إني اقتنعت بكلام بابا."
فرح:
"كلام إيه؟"
كامل وكأنه يقر واقعًا ما:
"إننا أنسب اتنين لبعض، وإننا لو سيبنا نفسنا لدماغنا اللي سايقانا، هنرجع نندم وقت ما لا ينفع الندم."
فرح بفضول:
"وأنت شايف إننا مناسبين لبعض إزاي بقى؟"
كامل بابتسامة:
"فينا صفات كتير مشتركة، وقبل ما تقولي لي زي إيه هقول لك أنا: الصراحة والصدق، عدم المكابرة، عدم اللف والدوران.. وحاجات تانية كتير بس يمكن ذهني مش حاضر إني أحصرها كلها دلوقتي. بس باختصار أعتقد إني كفاية أقول لك، إني فعلاً معجب بيكي وبدماغك وشخصيتك وإنك أرجل بنت شفتها في حياتي."
فرح بذهول:
"تعمل إيه؟"
يضحك كامل بشدة قائلًا:
"والله ما أقصد حاجة وحشة، أنا قصدي إنك بنت جدعة وكفاية إنك رغم كل وسائل الرفاهية اللي كانت حواليكي، إلا إنك قررتي إنك تبقي مسؤولة عن نفسك وإنتي يا دوب كنتي لسه سايبة عتبة الطفولة بسنتين تلاتة مش أكتر. صدقيني احترمتك أوي وأعجبت بصلابتك وإصرارك. مش دايماً بتلاقي البني آدم عارف هو عاوز إيه، إنما إنتي عرفتي هدفك وقررتي تحققيه ونفذتي بكل إصرار وتحدي. حتى لما طلبتك تشتغلي معايا، أصرتي إنك تكملي عقدك لآخر لحظة، واللي حسيت إنه كان التزام منك، مش خوف من شروط جزائية ولا غيره. ورغم إن مرتبك هناك كان ضعف مرتبك معايا، إلا إنهم لما عرضوا عليكي تجديد العقد رفضتي وفضلتِ إنك تبقي معايا هنا. يعني مش مادية، لأ.. حسيتك عندك رسالة وبتحاولي تأديها."
هنا تورّد وجه فرح، فهي المرة الأولى التي يمتدح خصالها أحد ما، تلك الخصال التي طالما لامها عليها الكثيرون.
ليبتسم كامل بطريقة محببة ويقول:
"أول مرة أعرف إنك بتتكسفي زي بقية البنات. عمومًا أنا هخلي عمك يكلم طنط فاطمة وعم عادل عشان يحددوا مع بعض معاد الجواز."
فرح بانتباه:
"الموضوع مش سهل كده يا كامل."
كامل:
"وإيه اللي هيصعبه بقى؟ الشقة موجودة ومتوضبة كمان، وإن كان على الفرش، ممكن خلال شهر بالكتير كل حاجة تبقى تمام."
فرح ببعض التردد:
"أيوه.. بس إحنا اتفقنا ندي لبعض فرصة إننا نفهم بعض أكتر من كده. وكمان أنا مش هكدب عليك، أنا لسه ما أخدتش قرار نهائي إني فعلاً أرتبط وأتجوز، بس طاوعتك ووافقت على إننا ندي لبعض فرصة إننا نحاول ناخد خطوة ونفهم بعض، لكن إحنا لسه ما عملناش ده."
كامل:
"لازم تفهمي إن الواقع أثبت إن العشرة هي أحسن حاجة تقدري تعرفي منها طباع اللي قدامك. أي حاجة تانية غير كده بيبقى تمثيل من الطرفين وعمرهم ما بيعرفوا الحقيقة الكاملة غير برضه بعد العشرة يا فرح. وإحنا قررنا نخطى خطوة، سيبينا نخطيها بالراحة وإحنا فاهمين إحنا بنعمل إيه."
وعندما صمتت فرح، قال كامل:
"يبقى اتفقنا.. ربنا يقدم لنا كل خير من عنده إن شاء الله."
...
في غرفة مي، كانت ترقد مي على فراشها والمرض يرسم ملامحها. آسي طفولي وليلة تحتضن رأسها بين ضلوع صدرها وهي تقول بدعاء:
"إن شاء الله المرة دي تبقى آخر مرة، وباذن الله تخفي وتروقي وتعملي كل اللي نفسك فيه."
ليقترب منها أحمد على تخوف وهو يقول بقلق:
"ماما.. أنا خايف."
ليلة وهي تمسح دموعها:
"خايف من إيه يا حبيبي؟"
أحمد بهمس وكأنه يخشى أن يسمعه أحد غيرهما:
"خايف لا الدكتور يعرف اللي الحاج منصور قال لك عليه، ويرجع يمشينا من هنا من غير ما يعالج مي. أنا مش عارف إنتي ليه سمعتي كلامه، ما كنتي سبتيها في المستشفى التانية، ماهي أكيد كانت هتعمل العملية برضه."
ليلة بتنهيدة شاردة:
"يعني إنت مش شايف الفرق بين هنا وهنا؟ هنا هتبقى كل حاجة بسرعة وببلاش، مش زي هناك. دول هناك عاوزين حتى العلاج إحنا اللي نجيبه على حسابنا. ده حتى الشاش والقطن بتوع العملية برضه على حسابنا.. ده أصلًا لو عملوها، هيفضلوا يمطوحوا فينا لحد إمتى، وإختك مابقتش متحملة المطوحة دي كلها."
أحمد بتردد:
"طب وهو أنا ليه حاسة إن زي ما تكون واخد جوازك مني تحدي لمنصور؟"
كامل ببساطة:
"ده جزء من الحقيقة مش الحقيقة كلها."
فرح بفضول:
"ممكن تشرح لي أكتر من كده؟"
كامل:
"مش هقدر أنكر إني رغم إني شلت ليلة من دماغي من يوم ما شفتها وعرفت إنها اتجوزت وحامل كمان من جوزها، وهي بنفسها قالت لي إن جوزها بيحبها وبيراعيها. ويمكن ده لأني فسرت علاقتي بيها قبل كده إنه يمكن كان إحساس بالمسؤولية ناحيتها أكتر من إنها تبقى مشاعر حب وبس. لكن لأنها كانت أول مرة في حياتي أحب بنت وأهتم بيها، كان ليها وقع تاني في نفسي. ورغم إني شلتها من حياتي ونسيت زي ما قلت لك، إلا إن المرارة اللي منصور زرعها في حلقي من ناحيته عمرها ما انتهت ولا عمري قدرت أنساها. حسيت إنه غلبني، بس ما غلبنيش بشرف لأنه كان بيلعب معايا من ورا ضهري. ويمكن من يومها وأنا حلفت إني لازم أردهاله بأي طريقة."
ثم أكمل بابتسامة:
"وأظن مفيش طريقة أحلى من جوازي أنا وأنتي من بعض، وكمان رغم أنفه وهو على الهامش وواقف يتفرج من بعيد."
وبرغم أن في ذلك الإحساس انتصار لفرح على منصور، إلا أنها أحست بغصة في حلقها، فهي لم تسعَ أبدًا لما حدث، ولكنها أخلصت النية في محاولة تقبل الأمر كما طلب منها كامل، ولكن أن تعرف أنها بالنسبة لكامل كنرد أراد القدر أن يجعله فوزًا على منصور جعلها تغضب من داخلها.
وعندما لاحظ كامل جمود ملامحها أكمل حديثه قائلًا:
"إيه.. كنتي فاكرة إني مش هقول لك الحقيقة؟ المفروض إنك عرفتي عني إني مابكذبش أبدًا مهما كانت النتائج. وبعدين أنا قلت لك إن ده جزء من الحقيقة، مش الحقيقة كلها."
فرح:
"وإيه هي بقية الحقيقة يا ترى؟"
كامل:
"إني اقتنعت بكلام بابا."
فرح:
"كلام إيه؟"
كامل وكأنه يقر واقعًا ما:
"إننا أنسب اتنين لبعض، وإننا لو سيبنا نفسنا لدماغنا اللي سايقانا، هنرجع نندم وقت ما لا ينفع الندم."
فرح بفضول:
"وأنت شايف إننا مناسبين لبعض إزاي بقى؟"
كامل بابتسامة:
"فينا صفات كتير مشتركة، وقبل ما تقولي لي زي إيه هقول لك أنا: الصراحة والصدق، عدم المكابرة، عدم اللف والدوران.. وحاجات تانية كتير بس يمكن ذهني مش حاضر إني أحصرها كلها دلوقتي. بس باختصار أعتقد إني كفاية أقول لك، إني فعلاً معجب بيكي وبدماغك وشخصيتك وإنك أرجل بنت شفتها في حياتي."
فرح بذهول:
"تعمل إيه؟"
يضحك كامل بشدة قائلًا:
"والله ما أقصد حاجة وحشة، أنا قصدي إنك بنت جدعة وكفاية إنك رغم كل وسائل الرفاهية اللي كانت حواليكي، إلا إنك قررتي إنك تبقي مسؤولة عن نفسك وإنتي يا دوب كنتي لسه سايبة عتبة الطفولة بسنتين تلاتة مش أكتر. صدقيني احترمتك أوي وأعجبت بصلابتك وإصرارك. مش دايماً بتلاقي البني آدم عارف هو عاوز إيه، إنما إنتي عرفتي هدفك وقررتي تحققيه ونفذتي بكل إصرار وتحدي. حتى لما طلبتك تشتغلي معايا، أصرتي إنك تكملي عقدك لآخر لحظة، واللي حسيت إنه كان التزام منك، مش خوف من شروط جزائية ولا غيره. ورغم إن مرتبك هناك كان ضعف مرتبك معايا، إلا إنهم لما عرضوا عليكي تجديد العقد رفضتي وفضلتِ إنك تبقي معايا هنا. يعني مش مادية، لأ.. حسيتك عندك رسالة وبتحاولي تأديها."
هنا تورّد وجه فرح، فهي المرة الأولى التي يمتدح خصالها أحد ما، تلك الخصال التي طالما لامها عليها الكثيرون.
ليبتسم كامل بطريقة محببة ويقول:
"أول مرة أعرف إنك بتتكسفي زي بقية البنات. عمومًا أنا هخلي عمك يكلم طنط فاطمة وعم عادل عشان يحددوا مع بعض معاد الجواز."
فرح بانتباه:
"الموضوع مش سهل كده يا كامل."
كامل:
"وإيه اللي هيصعبه بقى؟ الشقة موجودة ومتوضبة كمان، وإن كان على الفرش، ممكن خلال شهر بالكتير كل حاجة تبقى تمام."
فرح ببعض التردد:
"أيوه.. بس إحنا اتفقنا ندي لبعض فرصة إننا نفهم بعض أكتر من كده. وكمان أنا مش هكدب عليك، أنا لسه ما أخدتش قرار نهائي إني فعلاً أرتبط وأتجوز، بس طاوعتك ووافقت على إننا ندي لبعض فرصة إننا نحاول ناخد خطوة ونفهم بعض، لكن إحنا لسه ما عملناش ده."
كامل:
"لازم تفهمي إن الواقع أثبت إن العشرة هي أحسن حاجة تقدري تعرفي منها طباع اللي قدامك. أي حاجة تانية غير كده بيبقى تمثيل من الطرفين وعمرهم ما بيعرفوا الحقيقة الكاملة غير برضه بعد العشرة يا فرح. وإحنا قررنا نخطى خطوة، سيبينا نخطيها بالراحة وإحنا فاهمين إحنا بنعمل إيه."
وعندما صمتت فرح، قال كامل:
"يبقى اتفقنا.. ربنا يقدم لنا كل خير من عنده إن شاء الله."
...
في غرفة مي، كانت ترقد مي على فراشها والمرض يرسم ملامحها. آسي طفولي وليلة تحتضن رأسها بين ضلوع صدرها وهي تقول بدعاء:
"إن شاء الله المرة دي تبقى آخر مرة، وباذن الله تخفي وتروقي وتعملي كل اللي نفسك فيه."
ليقترب منها أحمد على تخوف وهو يقول بقلق:
"ماما.. أنا خايف."
ليلة وهي تمسح دموعها:
"خايف من إيه يا حبيبي؟"
أحمد بهمس وكأنه يخشى أن يسمعه أحد غيرهما:
"خايف لا الدكتور يعرف اللي الحاج منصور قال لك عليه، ويرجع يمشينا من هنا من غير ما يعالج مي. أنا مش عارف إنتي ليه سمعتي كلامه، ما كنتي سبتيها في المستشفى التانية، ماهي أكيد كانت هتعمل العملية برضه."
ليلة بتنهيدة شاردة:
"يعني إنت مش شايف الفرق بين هنا وهنا؟ هنا هتبقى كل حاجة بسرعة وببلاش، مش زي هناك. دول هناك عاوزين حتى العلاج إحنا اللي نجيبه على حسابنا. ده حتى الشاش والقطن بتوع العملية برضه على حسابنا.. ده أصلًا لو عملوها، هيفضلوا يمطوحوا فينا لحد إمتى، وإختك مابقتش متحملة المطوحة دي كلها."
أحمد بتردد:
"طب وهو أنا هغيب من المدرسة كل يوم؟"
لتزفر ليلة أنفاسها بغضب قائلة:
"هو إنت يعني كنت بتاخد إيه في المدرسة يا سي أحمد، ولا يعني حتى كنت بتذاكر؟ دلوقتي بس عاوز تروح المدرسة، ما فرقتش بقى، حتى لو هتعيد السنة، ما فيهاش حاجة بس أختك تبقى بخير."
لينظر إليها أحمد بتوجس ويعود إلى مقعده ليجلس في صمت محاولًا كبت حديث طويل بداخله كان يريد إدارته مع أمه.
...
في مساء ذات اليوم قام إبراهيم بمهاتفة عادل وفاطمة، وقاموا بتحديد موعد في اليوم التالي للاتفاق على موعد الزواج.
أما في اليوم التالي فتوجهت فرح إلى مكتبها لتستعد لبداية عمل يوم جديد لتجد كامل بانتظارها وهو يتفحص بعض التقارير الطبية بيده، لتقول فرح باستغراب:
"السلام عليكم، إنت نقلت مكتبك عندي ولا إيه الحكاية؟"
كامل:
"وعليكم السلام، ولأ يا ستي ماتقلقيش، ما نقلتش مكتبي عندك ولا حاجة، بس عرفت إن التقارير بتاعة بنت ليلة طلعت، فجبتهم وجيت لك."
فرح وهي تمد يدها باتجاه التقارير لتتناولها بفضول، وبعد أن نظرت بداخلها على تقرير أشعة ما قالت بأسى:
"زي ما توقعت، البنت عندها ثقب في القلب وهنحتاج نعمل لها العملية في أسرع وقت."
كامل:
"أيوه، بس لازم الأول نرفع لها نسبة الهيموجلوبين، الأنيميا عندها عالية أوي."
فرح:
"ماتقلقش، أنا إن شاء الله هظبط الموضوع ده."
كامل:
"هتعملي إيه؟ أنا عاوز نتيجة سريعة."
فرح:
"ممكن نعمل لها نقل بلازما، نظبط لها النسبة شوية، مع الغذا والعلاج والرعاية يظبطوا الباقي ماتقلقش."
كامل:
"ماشي، هتروحلها؟"
فرح:
"أكيد."
كامل:
"تمام، ابقي عرفيني عملتي إيه."
فرح بفضول:
"إيه، مش هتروح تبص عليها؟"
كامل:
"لما تقرروا إنها جاهزة للعملية، تعرفيني، وقتها هتفق مع جراح القلب ونبقى نبص عليها سوا."
فرح بتردد:
"طب.. لو ليلة سألت عنك؟"
كامل بابتسامة سخرية:
"هي أكيد هتسأل عني يا فرح، رغم إنها المفروض ماتسألش، لكن لو سألت زي ما أنا متوقع، يبقى تخميني صح."
فرح:
"تقصد إن منصور بعتهالك أنت مش أنا؟"
كامل:
"بالظبط كده."
ثم نهض قائلًا:
"يالا مش هعطلك، وأنا في مكتبي لو عاوزة حاجة، واعملي حسابك إننا هنروح سوا، حماتي عزماني على العشا."
فرح وهي تكبت ضحكتها:
"حماتك؟"
كامل بمرح وهو يتجه للخارج:
"خليكي فريش كده وعيشي اللحظة."
...
كانت فرح بعد أن قامت بالكشف على مي تدون بعض الملاحظات في السجل الخاص بها والمرفق بفراشها، ثم التفتت لمي مرة أخرى وقالت:
"ها يا مي، مبسوطة هنا ولا في حاجة مزعلاكي؟"
مي بطفولة:
"الإبرة بتاعة النهاردة وجعتني."
فرح:
"أنهي إبرة؟"
مي وهي تشير بإصبعها الصغير على الكانولا المثبتة بذراعها:
"دي، هي هتفضل كده، أنا عاوزة أشيلها."
فرح:
"لأ نشيلها إيه، ده أنا خليتهم يحطوها لك عشان مانشككيش تاني."
ليلة:
"طمنيني يا دكتورة."
لتلتفت فرح لليلة وتقول وهي تدقق بملامحها:
"إن شاء الله خير، ممكن تتفضلي معايا بره شوية."
لتذهب ليلة خلف فرح وما إن خرجا من الغرفة حتى التفتت فرح إلى ليلة قائلة:
"إنتي أكيد عارفة إن مي عندها ثقب في القلب."
ليلة:
"أيوه عارفة."
فرح:
"المفروض البنت كان اتعمل لها العملية دي من فترة كبيرة."
ليلة والدموع تتلألأ بعينيها:
"النصيب يا دكتورة."
فرح:
"عمومًا إن شاء الله خير، ماتقلقيش، إحنا بس محتاجين إننا نقويها شوية قبل ما نعمل لها العملية."
ليلة بتردد:
"طب ويعني العملية دي مش هدفع فيها حاجة خالص؟"
فرح:
"لأ مش هتدفعي حاجة ماتقلقيش، إنتي بس حاولي ترفهي باستمرار عنها، لأن الحالة النفسية مهمة جدًا في المرحلة دي، وإحنا النهاردة هنعمل لها نقل بلازما، ولو احتاجنا نكررها هنرجع تاني نكررها بعد كام يوم، لأن البنت الأنيميا عندها عالية، وهيجيلها أكل مخصوص، شطارتك بقى إنك تأكليها الأكل اللي هيجيلها."
ليلة وهي تتلفت حولها:
"هو دكتور كامل مجاش النهاردة؟"
فرح:
"خير، محتاجة حاجة؟"
ليلة:
"ها.. لأ أبدًا، بس يعني كنت عاوزة أشكرة."
فرح:
"لأ ولا يهمك، كامل مابيهتمش بالحاجات دي."
ليلة بفضول:
"هو إنتي بجد خطيبته؟"
فرح وهي تمد يدها أمامها:
"دي دبلته اللي في صباعي."
ليلة وهي تنظر لخاتم الخطبة:
"مبروك، كامل طول عمره ابن حلال ويستاهل كل خير، أنا أصلي أعرفه من زمان."
فرح وهي تدعي عدم الاهتمام:
"ميرسي كتر خيرك، ولو احتاجتي أي حاجة بلغى أي حد من التمريض يبلغني، ودكتور القلب المختص هيوصل إن شاء الله في خلال ساعتين، وهبقى موجودة معاه ماتقلقيش. المهم لازم تتطمني إننا هنعمل لمي كل اللي محتاجاله، كامل عمره مابيتخلى أبدًا عن حد مريض وخصوصًا لو طفلة صغيرة في السن ده."
ليلة:
"ربنا يبارك له ويبارك لك.. شكراً."
وبعد عودة ليلة إلى غرفة طفلتها سمعت صوت هاتفها، وعندما قامت بالرد قالت بخفوت:
"أيوه يا سيد.. إزيك؟"
سيد:
"إزيك إنتي يا ليلة وإزي مي دلوقتي، طمنيني عملتوا إيه؟"
لتقص عليه ليلة ما قالته فرح ثم قالت:
"وأديني مستنية أما أشوف النتيجة هتبقى إيه."
سيد:
"إن شاء الله هتخف وهتبقى كويسة، بوسيهالي وقوليلها بابا بيحبك أوي وكان نفسه يشوفك."
ليلة:
"والله يا سيد أنا خايفة."
سيد:
"هو إنتي فاكرة إني مبسوط من اللي بيحصل، بس معلش يا ليلة، عشان خاطر مي."
ليلة:
"وهو يعني كان لازم أعمل كده عشان أجيبها هنا؟ ما كان ممكن أجيبها هنا من غير اللفة دي كلها وبرضه كانوا هيعملوا معايا اللي عملوه."
سيد:
"وإحنا كنا هنعرف عنهم منين يعني؟ أهو كتر خير الحاج منصور إنه دلنا عليهم، وبعدين ماهو قال لك إنهم لما بيعرفوا إن العيل يتيم بيهتموا بيه وبيعملوا له كل حاجة ببلاش."
ليلة بتنهيدة:
"بس خايفة لا يعرفوا يا سيد."
سيد:
"وإيه اللي هيعرفهم يعني؟ هما يعني هيعملوا لك كشف عيلة؟"
ليلة بتردد:
"أصل يا سيد الصراحة يعني…."
سيد بتوجس:
"في إيه يا بت مالك، ماتتكلمي على طول، حد اتعرض لك ولا عمل لك حاجة؟"
ليلة:
"لأ مش كده، بس الصراحة يعني، أنا لما جيت عرفت إن المستشفى بتاعة ابن أخو منصور."
سيد باستغراب:
"ابن أخوه مين؟ ابن الحاج إبراهيم اللي كنتي شغالة معاه زمان؟"
ليلة:
"أيوه، يعني كان ممكن أتوسط لنا عنده من غير اللفة دي، أو كان قال للحاج إبراهيم أو حتى كان خلاني أنا قلت له، خصوصًا إن اللي فهمته إنهم عاملين جزء من المستشفى خيري وبيعلجوا فيه الناس اللي على قد حالهم زي حالاتنا كده، يعني لو كنا جينا لهم هنا من غير اللفة دي كلها، كان ممكن برضه ياخدوا البت ويعالجوها من غير كل ده."
سيد بفضول:
"وابنه ده.. اللي كان عاوز…؟"
ليلة مقاطعة إياه:
"الكلام ده كان زمان وخلص يا سيد."
سيد:
"شفتيه؟"
ليلة:
"أيوه."
سيد بحدة:
"واتكلمتي معاه؟"
ليلة:
"كان موجود مع الدكتورة وهي بتكشف على مي."
سيد:
"شافك يعني وافتكرك؟"
ليلة:
"أيوه."
ليسود الصمت لبرهة قبل أن تقول ليلة:
"ماشفتوش تاني من ساعتها، وعلى فكرة هو خاطب الدكتورة اللي بتعالج بنتـ.."
سيد:
"وإنتي عرفتي منين؟"
ليلة:
"التمريضية اللي جابت الأكل لمي بالليل، قالت لي إن الدكتورة فرح موصية على الأكل اللي جه لمي وقالت لي وسط الكلام إنها هتبقى مرأة الدكتور كامل صاحب المستشفى وتبقى كمان بنت عمه."
سيد بدهشة:
"بس الحاج إبراهيم مالهوش إخوات غير الحاج منصور، يعني إيه؟ الدكتورة دي تبقى بنت منصور؟ معقولة الكلام ده.. طب إزاي؟"
ليلة:
"أنا برضه استغربت زيك كده، وبصراحة مش فاهمة هو منصور ليه عمل كده، بس بصراحة من وقتها وأنا متوغوشة، إنت عارف.. طول عمري مابحبش منصور، ولا بحب طريقة تفكيره، وخايفة لا يكون قاصد يعمل حاجة معينة باللي عمله ده."
سيد:
"إن جيت للحق عندك حق، الموضوع كده فيه إن."
ليلة:
"ده إن وإخواتها كلهم يا سيد."
سيد:
"أيوه بس يقصد إيه؟"
ليلة:
"مش عارفة، وليه مانبهنيش وهو عمال يأكد عليا إني أقول إني أرملة وإني بشتغل مكان جوزي أنا وابني، وإني لازم نبين إننا متهانين ومتبهدلين، ليه ما قاليش إن كامل هو صاحب المستشفى، وليه صمم إني أجيب أحمد معايا؟ ولا كان عاوز يوريني لكامل وخلاص؟"
سيد بحدة:
"وهو هيقصد يوريكي لابن أخوه ليه؟"
ليلة بحدة مماثلة:
"وأنا إيش عرفني بقى يا سيد، أنا بحكيلك اللي حصل عشان تبقى معايا في الصورة وماترجعش تقول إنك خبيت عليا حاجة."
سيد بفضول:
"وإنتي لما شفتيه يا ليلة، حنيتي له؟"
ليلة:
"اخص عليك يا سيد، إنت تعرف عني كده برضه، ثم لو ده حصل ما كنتش حكيتلك حاجة، بالعكس بقى، أنا أول ما شفته ما كنتش عاوزة أحكي الكلام اللي منصور حفظهولي."
سيد:
"وحكيتِ ليه؟"
ليلة بتنهيدة:
"عشان خاطر مي يا سيد."
سيد:
"يبقى هنكمل برضه عشان خاطر مي يا ليلة."
ليلة بخوف:
"طب مش يمكن كامل يسأل عننا الحاج إبراهيم ويعرف كل حاجة، وساعتها ممكن يطردنا وبرضه البت ماتعملش العملية، ويبقى مانبناش غير إننا خسرنا مكاننا في المستشفى التانية اللي كانت واخدة فيها دور والسلام."
سيد بقلق:
"أيوه، بس أنا بقالي سنين ماشفتش الحاج إبراهيم ولا هو شافني، من ساعة ما قسموا الشغل وأنا كمان بقيت في المخازن ماليش أي تعامل معاه بقالي بتاع خمس سنين دلوقتي."
ليلة بقلق:
"بس أكيد لو حب يسأل أي حد هيعرف في ثواني إني كدبت وساعتها ممكن يطردونا من غير ما يعملوا العملية للبت، أنا بس نفسي أفهم كان غرضه إيه من اللي عمله ده، نفسي أعرف بيفكر في إيه."
سيد بتنهيدة وأسى:
"سيبيها على الله بقى يا ليلة."
ليلة بسخرية:
"أسيبها على الله وأنا عارفة إني كدابة يا سيد، ابنك وقف قدامي امبارح وبيحاسبني إني كدبت وكمان طلبت منه إنه هو كمان يكذب، اللي كنت بموته من الضرب لو بس كذب كدبة صغيرة حتى لو هزار."
سيد:
"طب هنعمل إيه بس فهميني."
فرح بتردد:
"أنا بفكر أروح أقول لكامل على كل حاجة."
سيد بغضب:
"وإنتي تروحي تتكلمي معاه بتاع إيه، طالما هو مالوش احتكاك بيكي أصلًا، ولا إنتي اللي عاوزة تروحي تفتحي معاه أي كلام والسلام."
ليلة بصدمة:
"أنا يا سيد، الله يسامحك، أقفل يا سيد مع السلامة، أنا غلطانة إني بتكلم معاك."
لتغلق ليلة الهاتف وقد بدأت عيونها تمتلئ بالدموع وهي تقول بأسى:
"يارب إنت عالم بحالي وغني عن سؤالي، أنا عارفة إني كدبت وغلطت، خوفي على ضنايا خلاني مشيت ورا منصور وعملت اللي قال لي عليه، أنا عارفة إنه مش عذر، بس أنا عاملة زي الغرقان اللي بيتعلق في قشاية، وكنت فاكرة إن منصور قلبه رق للبنت المريضة دي، أثاري بيلعب بيا وببنتي الغلبانة دي كمان معايا، ويا ريتني فاهمة هو بيلعب بيا ليه، يارب.. يارب ألهمني الصواب ودلني على الصح عشان أعمله، وسامحني يارب واسترها معايا ده أنا ماليش غيرك."
...
في المساء، كان الجميع على مائدة العشاء بمنزل فاطمة، وكانت فاطمة قد دعت أيضًا رحمة وندا وأزواجهم، وقام أحمد بدعوة نادر ونبيل اللذان أصبحا قلما كانا يغيبان عن تلك التجمعات مهما اختلف مكانها.
إبراهيم:
"تعبتي حالك يا أم رحمة، تسلم إيديكي والله الأكل زي الفل."
فاطمة:
"وأنا هتعب لاعز منكم يا حاج، بالف هنا وشفا."
نادر:
"بجد يا طنط أكلك بقى إدمان، تسلم إيديكي."
نبيل وهو يوجه حديثه لأبناء عمه:
"وأنا أقول الناس دي بتتخن ليه، أخيرًا عرفت."
حسين:
"يا بني خليك في طبقك ومالكش دعوة بينا."
نبيل:
"أوعى تفكرني بحسدك، أنا بقر بسن."
نادر:
"إلا صحيح يا طنط ماعندكيش بنت أخت ولا بنت أخ تكون بتطبخ حلو زيك كده؟"
فاطمة بابتسامة:
"كان على عيني يا ابني."
رحمة:
"إنتوا على فكرة زي القطط، بتاكلوا وبتنكروا، طب ما أنا وندا كمان بنعرف نعمل أكل زي ماما ولا إيه يا حسن؟"
حسن بنحنحة:
"آه، آه طبعًا يا حبيبتي."
حسين بضحك:
"الجبنة سيد الأخلاق، أكل إيه ده، ده إحنا اتهرينا إندومي."
ندا بدفاع:
"ده بس لما بنبقى مش فاضيين."
حسين:
"أيوه فعلاً."
كامل:
"وإنتو يعني فيها إيه لو ساعدتوهم؟"
رحمة بامتعاض:
"قول لهم، يا بختك يا فرح، صبرتي ونلتي يا حبيبتي."
حسن بتحذير لكامل:
"يا تقول كلمة عدلة يا تسكت، إنت من ساعة ما رجعت من برة وهم عاملين علينا ثورة."
لينهض إبراهيم من مقعده قائلًا:
"سفرة دايمة يا جماعة."
لتنهض فاطمة على الفور قائلة:
"حالا القهوة هتبقى جاهزة يا حاج."
بعد أن اجتمعوا حول المشروبات والفاكهة، قال إبراهيم:
"إحنا محتاجين نحدد معاد لجواز فرح وكامل، إيه رأيكم؟"
عادل:
"والله يا حاج زي ما تحبوا، أنا تحت أمركم."
فاطمة موجهة حديثها لكامل:
"إنت عاوز على إمتى يا كامل؟"
كامل:
"والله يا طنط فاطمة أنا مستعد من بكرة، الشقة جاهزة، بابا الله يبارك في صحته موضبها من كله، مش ناقصها غير الفرش، وطالما مستورة والحمد لله، فالحاجات دي ممكن تتجاب في يوم."
رحمة باعتراض:
"يوم إيه بس يا كامل، لأ طبعًا، ده إنتوا محتاجين تلفوا على المحلات وتتفرجوا وتفارنوا وتختاروا وتنقوا وتنقوا وليلة كبيرة أوي."
كامل بابتسامة:
"لأأ.. إنسي، أنا مش كده خالص، أنا بقى محدد هدفي من الأول ومابحبش أضيع وقتي."
حسن بانتصار:
"أهو.. شفتي، عشان تعرفي بس إني بالي طويل وبصبر على اللف والتنقية."
لينظر كامل إلى فرح التي كانت تلتزم الصمت منذ البداية قائلًا بفضول:
"طب وإنتي يا فرح، بتحبي تنزلي وتلفي برضه زي رحمة كده؟ لو بتحبي براحتك أنا مش هفرض عليكي حاجة، براحتك طبعًا ده هيبقى بيتك ولازم تختاري كل حاجة فيه عن اقتناع."
لت murmur فرح بصوتها وتقول بهدوء:
"لأ ماتقلقش، طلعنا مشتركين في دي كمان."
عادل بود:
"من صغرها وهي عاقلة، ماهياش زي البنات اللي مابيشغلهاش غير المظاهر."
ندا:
"بس دي مش مظاهر يا بابا، ده بيت هنعيش فيه الباقي من عمرنا."
فرح:
"أنا فاهمة يا ندا وعارفة ده، ومش معنى إني مابهتمش بالمظاهر إني مش هيفرق معايا، أنا بس أقصد إني من النوع اللي لما بيعجبني حاجة، بجيبها على طول وما بحاولش أقعد ألف بعدها وأقول يمكن ألاقي الأحسن، فده بيوفر معايا وقت ومجهود كتير."
كامل:
"هو ده، برافو عليكي."
إبراهيم:
"يبقى على خير الله، نقول شهرين كويسين."
كامل باعتراض:
"لأ يا بابا، شهر واحد كفاية."
فاطمة:
"أيوه يا ابني، بس ممكن مانلحقش نخلص."
كامل:
"ما إحنا اتفقنا يا طنط، وإن شاء الله متيسرة ماتقلقيش، هو شهر حلو أوي."
فاطمة باذعان:
"خلاص يا ابني اللي تشوفوه."
نادر باحراج:
"بعد إذنك يا عمي، هو حضرتك مش هتبلغ بابا؟"
إبراهيم:
"أكيد يا ابني إن شاء الله هبلغه، بس كنت مستني نتفق الأول."
...
في المشفى.. كانت ليلة تغط في نوم عميق لتفيق من نومها على كامل وهو يقف على رأس الفراش ويديه بداخل جيبي البالطو الطبي الخاص به وهو ينظر إليها بغضب لتقول بخوف:
"في إيه؟"
كامل وهو يشير بإصبعه باتجاه الباب:
"فيه إني عاوزك تاخدي عيالك وتطلعي برة المستشفى بتاعتي يا نصابة."