تحميل رواية «لما قالوا دي صبية» PDF
بقلم ميمي عوالي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
يقال إن لكل منا نصيب من اسمه، وها أنا ذا أنتظر نصيبي هذا منذ ما يقرب من خمس وعشرين عاماً، ولكن لم يأتِ بعد. فرح... ذاك هو اسمي، ولا أعلم من أسمني به، وما زلت أنتظر نصيبي منه. ولكنني إلى الآن لم تربطني باسمي أي علاقة سوى شهادة ميلادي، والتي اقترنت بشهادة طلاق أمي لأنها أنجبتني أنثى. نعم، لقد تزوج أبي منصور من أمي فاطمة منذ قرابة الثلاثين عاماً، فأنجبت له شقيقتي الكبرى رحمة، والتي تبلغ من العمر تسع وعشرين عاماً، ثم أنجبت له شقيقتي الوسطى ندا، البالغة من العمر سبع وعشرين عاماً. حين أقسم أبي على أمي...
رواية لما قالوا دي صبية الفصل الحادي عشر 11 - بقلم ميمي عوالي
انتفضت ليلة برعب وهى تحتضن رأس ابنتها وتقول:
لا يا كامل حرام عليك، بنتى مالهاش ذنب، وأنا واقعة فى عرضك تنقذها، دى مريضة ومحتاجة مساعدتك.
كامل بجمود:
أنا مابتعاملش مع نصابين يا ليلة، ولازم تعرفى إنى هبلغ عنك البوليس.
ليلة بفزع:
بوليس ليه يا كامل؟
كامل بسخرية:
إنتى ناسية البيانات المزورة اللى كتبتيها فى استمارة الدخول بتاعة بنتك، وجوزك اللى مات من سنين.
ليلة وهى تنحنى على يد كامل لتقبيلها:
أبوس إيدك يا كامل، أنا عمرى ما أذيتك، أنا عملت كده عشان نفسى إن بنتى تعيش زى باقى العيال وتخف وترجع تضحك من تانى من غير ما تنهج من الوجع.
دير كامل رأسه بعيداً عنها قائلاً:
وأنا مش هعمل لبنتك العملية.
لتقف ليلة أمامه مرة أخرى وهى تنشج بالبكاء، وكان أحمد متشبتًا بثيابها وهو يردد اسمها بقلق، وقالت:
إنت عمرك ما كنت قاسى كده، إيه اللى حصل لك؟
كامل وهو يربت على وجهها ببعض العنف:
اللى حصل إنى مابقيتش أثق فيكى يا مراة سيد.
لتسمع ليلة نداء أحمد وهو يقول بصوت عالى:
يا ماما، اصحى فيه إيه؟
لتفتح ليلة عينيها وتتلفت حولها بفزع لتجد نفسها على الفراش المقابل لفراش مي، وتنام بجوار أحمد الذي يربت على وجهها بقوة وهو يقول بقلق:
مالك يا ماما؟
ليلة وهي تضع يدها على صدرها براحة:
أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله.
أحمد:
فيه إيه؟
ليلة وهي تضم أحمد لصدرها وعيناها تترقرق بالدموع:
أبدا يا حبيبى، أنا بس كنت بحلم.
أحمد:
إنتى كنتى عمالة تعيطى جامد، فكرت فى حاجة بتوجعك.
ليلة وهي تزدرد لعابها:
أختك هي اللي واجعاني يا ابني، خير يا رب، اللهم اجعله خير، أكيد ربنا بيديني إنذار، يا ترى الدنيا هتعمل فيكي إيه تاني يا ليلة؟
في أحدى المخازن التابعة لمنصور، كان سيد يقوم بترتيب البضاعة المستلمة ورصها بعناية ليسمع صوت منصور من خلفه وهو يقول:
الله ينور يا سيد.
ليلتفت سيد إلى منصور قائلاً بامتنان:
الله يبارك لنا فيك يا حاج.
منصور وهو يتابع العمل بعينيه:
وبنتك أخبارها إيه دلوقتي، بيكلموكي؟
سيد وهو يحك رأسه بكف يده:
أيوه يا حاج نحمد ربنا، بس البت ليلة قالتلي حاجة غريبة كده ومش عارف هي فهمت صح ولا غلط.
منصور:
حاجة إيه دي؟
سيد:
إن يعني المستشفى اللي اديتنا عنوانها دي، تبقى بتاعة الدكتور كامل ابن الحاج إبراهيم أخوكم.
منصور بعدم مبالاة:
آه وفيه إيه؟
سيد:
يعني يا حاج، اللفة اللي لفيناها دي، كان بتليفون صغير منك لابن أخوك، كان...
منصور مقاطعًا:
وانت فاكر إن ابن أخويا ناسيني إني حرمته من مراته؟
سيد ببعض الغضب:
كلام إيه ده يا حاج اللي بتقوله؟
منصور:
بقول إن من ساعة ما حصل اللي حصل زمان وأنا وابن أخويا مافيش مابيننا عمار، ولو كنتوا رحتوا له عادي كده ماكانش هيقبل ياخد البت ولا يعالجها، ولا كان ممكن يبنجها ويموتها في العملية عشان ينتقم منك ومن أمها.
سيد برعب:
كلام إيه ده يا حاج، ليه، هي البلد مافيهاش قانون؟
منصور:
قانون إيه، عيلة صغيرة وحالتها حرجة وماتت في العملية، إيه دخل القانون بقى، إنما لما مراتك تقول إنها أرملة وإنها اتبهدلت من بعدك هي وعيالك، هتصعب عليه وهيقولها اللازم كله ومن غير ولا مليم.
سيد باقتناع:
أنا كده فهمت، أنا برضه استغربت لما البت ليلة حكتلي ومابقيتش فاهم ليه اللفة دي كلها، بس كده أنت عندك حق، وجميلك على راسي من فوق كمان.
منصور بسخرية قبل أن ينصرف:
خليه على راسك، وخد بالك من المخزن، أوعى تسهى عنه.
سيد بنبرة غضب وهو يحادث ليلة على الهاتف:
ماقلتلك على اللي فيها، إنتى ليه مش عاوزة تفهمي؟
ليلة:
أنا فهمت، بس مش مقتنعة، طب لو اللي قاله ده حقيقي، ماقالش لبنته ليه، ماكان ممكن يبعتنا لبنته وكانت الليلة برضو هتخلص من غير كل الكذب ده، أنا من ساعة الحلم اللي حلمته وأنا مش متطمنة يا سيد.
سيد بتنهيدة:
استهدي بالله يا بنت الحلال واهدي كده، وبعدين يعني إحنا مش شيوخ يا ليلة عشان أحلامنا تتحقق.
ليلة:
يمكن ماتتحققش بحذافيرها يا سيد، بس أنا بقلق من الأحلام بتاعتي، وحاسة إني بعمل حاجة غلط، مخنوقة يا سيد، وحاسة إني متكتفة ومش عارفة أتصرف.
سيد:
إنتي بس ركزي مع البت ومصلحتها وبطلي قلق مالهوش داعي.
ليلة بقلة حيلة:
حاضر يا سيد، حاضر، وربنا يسترها علينا من عنده وما يفضحناش.
في منزل إبراهيم، كان إبراهيم جالسًا حين أتى عليه كامل وهو يحمل كوبين من الشاي ووضعهما على منضدة صغيرة أمامهما وقال:
كوبايتين شاي بقى إنما إيه .. وصاية.
إبراهيم بحب:
تسلم إيدك يا ابني، عقبال ما أشربه في بيتك كده من إيد مراتك إن شاء الله.
كامل بابتسامة:
إن شاء الله يا بابا.
ثم قال بفضول:
الأ قوللي يا بابا، فاكر حضرتك ليلة اللي كانت شغالة معاك زمان؟
إبراهيم بدهشة:
ودي إيه اللي فكرك بيها دلوقتي يا ابني؟
كامل:
هو لما جوزها مات، مات في شغل مشترك بينك وبين عمي ولا شغل يخص عمي لوحده؟
إبراهيم باستغراب:
هو سيد مات .. لا إله إلا الله، امتى حصل الكلام ده؟
كامل باستغراب:
هو حضرتك ماكنتش تعرف ولا إيه؟
إبراهيم:
أبدا يا ابني، أنا أول مرة أسمع الكلام ده، إنما أنت عرفت منين الكلام ده؟
كامل وهو يرتشف الشاي:
من ليلة.
إبراهيم:
وانت شفتها فين؟
ليقص كامل على أبيه ما حدث، ليقول إبراهيم:
لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، والله يا ابني لو كنت أعرف كنت اتكفلت بيها هي وأولادها وما سبتهاش في الضيقة دي أبدًا، بس يعني عمك اقتنع أهو بقيمة بنته وشطارتها.
كامل بسخرية:
ما أعتقدش يا بابا.
إبراهيم:
ما تعتقدش إيه بقى، ماهو باعتلها الناس على اسمها أهو.
كامل:
الحقيقة يا بابا أنا مش هاضم الحكاية دي ولا عارف أبلعها، ومتأكد إن عمي له هدف تاني خالص من ورا الحكاية دي.
إبراهيم:
ما تبقاش شكاك زيادة عن اللزوم، ومش كل ما هيعمل حاجة هنسيء الظن بيه.
كامل ضاحكًا:
انت اللي طيب بزيادة يا عم إبراهيم.
إبراهيم:
أصله يعني هيستفيد إيه مش فاهم.
كامل بشرود:
مش يمكن بيحاول يكسب نقط عند فرح.
إبراهيم:
ولو .. مش وحش برضه.
كامل:
ولما ليلة تحكي اللي حصل معاها بطريقة تتفهم إن المقصود منها إنها تفهمك إنها لوحدها.
ليعتدل إبراهيم بانتباه قائلاً:
لوحدها إزاي مش فاهم؟
كامل:
يعني، إنها اترملت واتبهدلت هي وولادها وإن مابقالهاش حد وإن الدنيا جاية عليها بزيادة.
إبراهيم بعتاب:
جرى إيه يا كامل، أوعى تكون دماغك بتوزك إنك...
كامل مقاطعًا:
بتوزني لايه بس يا بابا؟
إبراهيم:
يعني يا ابني إنك توصل القديم من تاني.
كامل:
أنا مابقيتش خالي يا بابا عشان أعمل كده.
إبراهيم:
وانت لو كنت خالي كنت هتعمل إيه؟
كامل بتنهيدة:
برضه ماكنتش هعمل غير اللي عملته، صدقني أنا شيلت ليلة من حساباتي من زمان، بس لما تجيلي المستشفى بحالتها دي وبعد ما خطبت فرح ويبقى عمي اللي باعتها يبقى الحكاية فيها أنا.
إبراهيم:
مش فاهم.
كامل:
مفكر إني لما هشوف ليلة هحنلها، وده طبعًا المفروض إنه هيبوظ صورتي قدام فرح فنسيب بعض.
إبراهيم:
يااااه على دماغك، إيه يا ابني اللفة دي كلها، لا طبعًا ما أعتقدش.
كامل بسخرية:
طب ممكن تفكرني آخر مرة عمي اهتم بحد غلبان ولا عيان عشان يعمل معاه كده، بلاش .. يعني الراجل يموت في حادثة تبع الشغل وبدل ما يعوض أهله لأنها إصابة عمل، يقوم يستغل جهلهم وحوجتهم، ويمرمط مراته وابنه اللي لسه عيل ويشغلهم عنده عشان يعرفوا يلاقوا لقمة ياكلوها، يقوم دلوقتي الحنية دي فجأة كده ليه، رغم إن البنت مريضة من زمان.
إبراهيم:
أيوه يا ابني، بس مش يمكن يكون بس بيحاول يعمل حاجة كويسة يقرب بيها من فرح.
كامل بتنهيدة:
والله يا بابا أتمنى، بس زمن المعجزات خلص من زمان.
في منزل منصور... كان نبيل يجلس مع أخيه في غرفتهما وهما يرتبان سويًا خطواتهما القادمة في الجامعة، بعد أن تم قبولهما بكلية التجارة.
نادر:
طب هنروح نجيب الجدول من أول يوم، ولا نصبر شوية ولا إيه؟
نبيل بهدوء وهو يستند برأسه إلى حافة الفراش من ورائه مغمض العينين ويدلك جبهته برفق:
إحنا هنبتديها صبر من أولها، إيه، أنت غيرت رأيك وما بقتش عاوز تدرس في الجامعة زي ما كنت بتقول ولا إيه؟
نادر:
لا طبعًا ما غيرتش رأيي ولا حاجة، بس أقصد إن أول يوم بتبقى الدنيا فوق بعضها وإحنا لسه مانعرفش حد هنا.
نبيل:
ما هو عشان مانعرفش حد فلازم نعتمد على نفسنا من الأول.
نادر:
هو أنا ليه حاسك مش مظبوط، أنت تعبان؟
نبيل:
عندي صداع جامد أوي.
نادر:
طب ما تاخد مسكن.
نبيل:
خدت وماعمليش حاجة.
نادر بقلق:
إيه، محتاج نروح لدكتور؟
نبيل:
لو ما راحش لبكرة هبقى...
وفجأة نهض نبيل مسرعًا إلى الحمام وقام بإفراغ جميع ما بمعدته وسط إرهاق وتوجع شديد، ونادر يقف بجواره وهو يسند كتفيه ويربت على ظهره بحنان ممتزج بقلق، وعندما انتهى نبيل، قام نادر بمساعدته في غسل فمه ووجهه وهو يقول:
الدنيا ابتدت يبقى فيها لسعة برد، لا تكون خدت برد، ولا تقلت في الأكل ولا إيه؟
نبيل باعياء:
مش عارف.
نادر بفضول:
طب هو أنت أول مرة يحصل كده ولا حصلت وأنت ماقلتش؟
نبيل:
حصلت أكتر من مرة بعد ما خلصنا امتحانات المعهد.
نادر بعتاب:
طب وليه ماقلتش يا نبيل، المفروض كنت قلت طالما اتكررت، وكنا روحنا لدكتور، أو حتى كنت قلت لأختك ولا لكامل عشان نتطمن على الأقل.
نبيل:
مش عاوز، أنا تعبت، وزهقت من دايرة الدكاترة والأدوية دي، مش هقدر أدخلها تاني.
نادر:
وهو أنت عشان مصدع شوية يبقى لازم في حاجة وحشة، بس إحنا برضو لازم نتطمن، وبعدين ما أنت كنت لسه بتقول لو الصداع ماراحش لبكرة هتروح للدكتور.
نبيل:
أنا ماقلتش كده، أنا بس كنت هقول إني هغير نوع المسكن.
نادر ببعض الحدة:
تبقى بتهزر، إحنا هنروح للدكتور يا نبيل، الكلام ده ما ينفعش يتسكت عليه.
نبيل:
ممكن تسيبني أنام يا نادر، يمكن أروق شوية.
نادر:
طب أعملك حاجة سخنة تشربها؟
نبيل:
لا، مش عاوز، أنا هحاول أنام، اطفي أنت بس النور وسيبني لوحدي شوية، يمكن أنام.
نادر بتنهيدة:
ماشي .. أنا هخرج أقعد برة شوية، لو احتجت حاجة انده عليا أنا مش هنزل.
ليخرج نادر مغلقًا الباب وراءه بعد أن أظلم الغرفة، ليجد والده ووالدته يجلسان سويًا أمام التلفاز، فالتفتت إليه والدته قائلة:
أومال نبيل نام ولا إيه؟
نادر:
آه، قال إنه مصدع شوية وهيحاول ينام.
دولت:
طب كويس، شكله مش عاجبني بقاله كام يوم.
منصور:
وانت قررت هتعمل إيه في الكلية، هتروح ولا إيه؟
نادر:
آه يا بابا إن شاء الله.
منصور وهو يدعي عدم الاهتمام:
بتشوف أخواتك البنات اليومين دول ولا مابقيتوش تروحوا عنده؟
نادر:
لا بشوفهم، كنا معزومين على العشا عند مامتهم من كام يوم.
منصور بانتباه:
ومين اللي كان عازمكم؟
نادر:
أحمد.
دولت:
هم على طول بيعزموكم يا نادر، ماتبقى يا ابني اعزمهم عندنا مرة.
نادر بتردد:
ماينفعش يا ماما، وبعدين عادي يعني، دول أخواتنا، وإن كان على أحمد، أنا ونبيل بنعزمه برة، وساعات بنروح النادي، بنتصرف يعني.
منصور:
ومين بقى كانوا معاكم في العزومة دي؟
نادر:
كلهم، حتى كمان عمي وكامل.
منصور:
وإيه المناسبة بقى للمة دي؟
نادر بحمحمة:
كامل كان عاوز يحدد معاد الجواز.
منصور وهو يومئ برأسه باستهزاء:
امممم، ربنا يهني سعيد بسعيدة.
نادر:
أنا هقعد في البلكونة شوية.
منصور بسخرية:
آه وماله، ماهو أنت مابقيتش تقدر تقعد معانا.
ليذهب نادر إلى الشرفة دون أن يعلق بأي كلمة، وما إن جلس بمفرده حتى قام بالاتصال على فرح، وما إن أجابته حتى قال:
إزيك يا فرح؟
فرح:
أهلاً يا نادر، إزيك عامل إيه وإزاي نبيل؟
نادر وعينه تراقب مدخل الشرفة خشية أن يسمعه أي من والديه:
مانا بكلمك عشان عاوز أسألك على حاجة تخص نبيل.
فرح بفضول:
ماله نبيل؟
نادر:
أنا اكتشفت النهاردة إنه بقاله فترة بيعاني من صداع وكمان بيرجع.
لتصمت فرح، وعندما طال صمتها قال نادر:
فرح انتي معايا؟
فرح ببهوت:
الكلام ده من إمتى يا نادر؟
نادر:
اللي عرفته إنه من واحنا في الامتحانات.
فرح:
وإزاي ما تقولوش حاجة زي كده، ده الدكتور محذر ومنبه، وبعدين هو عمل الفحوصات الدورية اللي الدكتور كان كاتبها ولا لأ؟
نادر:
عملها ومفروض إن النتيجة كمان طلعت.
فرح:
يعني إيه مفروض، ماهو يا طلعت يا ما طلعتش.
نادر بامتعاض:
أصلي ما رحتش معاه وهو بيستلم النتيجة، يومها أنا رحت أخلص إجراءات في الكلية عشاني أنا وهو، وهو راح عشان يستلم النتيجة لوحده، وبعدها لما سألته، قالي كله تمام.
فرح بلهجة إصرار:
تجيبهولي وتبقوا المستشفى حالا، أنا عندي نوبطشية.
نادر:
بس هو مش راضي يكشف.
وقصت عليه نادر الحوار الذي دار بينه وبين نبيل، فقالت فرح:
خلاص .. سيبني أنا أتصرف.
نادر:
طب ممكن ما تقولهوش إني قلتلك حاجة، مش عاوزة ياخد مني موقف ولا يخبّي عليا تعبه، ده لولا إني كنت موجود ولاحظت إنه تعبان وكمان رجع قدامي، يمكن ما كانش قال لي حاجة.
فرح بتنهيدة:
ماشي يا نادر، أنا هشوف هعرف أتصرف إزاي، بس هي التحاليل كانت في نفس المستشفى ولا في حتة تانية؟
نادر:
أيوه.
فرح:
خلاص، أنا هتصرف.
بعد انتهاء المكالمة، اتجهت فرح على الفور إلى مكتب كامل الذي يصر على تواجده بالمستشفى أثناء نوبات العمل الليلية التي تكون من نصيبها، وما إن وصلت لمكتبه حتى طرقت الباب بلهفة ودخلت فور سماعها السماح بالدخول، وما إن رآها كامل حتى هب من مكانه بقلق قائلاً:
إيه يا فرح .. مالك، وشك أصفر كده ليه، إيه اللي حصل؟
لتقص عليه المحادثة التي تمت مع شقيقها، ليقول كامل:
لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، تفتكري الفحوصات كان فيها حاجة ونبيل عارف ومخبي؟
فرح:
مش عارفة، بس إحنا عشان نفهم لازم نعرف نتيجة الفحوصات الأخيرة.
كامل:
دي بسيطة، أنا ممكن أكلم دكتور المعمل وأعرف منه.
فرح:
وهو ممكن يقول لك؟
كامل:
أنا هكلم الدكتور الجراح بتاعه، وهو هيتصرف، أعتقد إننا كوننا علاقة مش بطالة وقت العملية، ولو لا قدر الله فيه حاجة أكيد مش هيخبّي.
فرح بدموع:
لو طلع فيه حاجة، المرة دي مش هتبقى سهلة أبدا يا كامل، ده كده المخ.
كامل بمواساة:
اهدّي شوية واجمَدي حبة، إحنا مش هنبني نتائج على احتمالات وغير أكيدة كمان ونقوم الدنيا من غير دليل.
فرح:
طب اتصل بالدكتور دلوقتي، على الأقل لو فيه حاجة نقدر نتصرف بسرعة.
بعد مرور ساعة من الزمن وبمنزل منصور، كان يعلو صوت جرس الباب، ليذهب نادر مستطلعًا الزائر ليتفاجأ بكامل وفرح أمامه فيقول بصدمة:
فرح .. أهلاً يا فرح اتفضلي.
فرح بلهفة:
فين نبيل؟
نادر والقلق يعلو ملامحه:
إيه اللي حصل؟
فرح وهي تتقدم لداخل المنزل:
نبيل لازم ييجي معانا المستشفى حالا.
نادر بفزع وهو يجول بعينيه بين فرح وكامل:
ليه يا فرح، انتوا عرفتوا حاجة؟
ليأتي منصور من الداخل على صوت الجلبة التي حدثت، وعندما يرى فرح وكامل سويًا يقول بسخرية:
إيه ده، الدكتورة والدكتور جايين بنفسهم لحد بيتي، يا ترى خير؟
ليتقدم كامل إلى منصور ويقول بهدوء:
إحنا جايين لنبيل يا عمي.
منصور باستغراب:
واشمعنى يعني، ماله نبيل؟
كامل:
للأسف يا عمي، إحنا عرفنا إن نبيل تعب تاني ومخبي عن الكل، وده طبعًا بيأخر في العلاج وعشان كده أنا وأخته جايين ناخده معانا عشان نقدر نلحق الموضوع.
منصور بعدم تصديق:
إيه الكلام الفارغ ده، ما خلاص .. عمل العملية وخف وبقى زي الفل، انتوا هتبشروا عليه ليه تاني؟
دولت بأسى ولهفة وهي تضع يدها على صدرها:
لا يا منصور، نبيل مش طبيعي خالص بقاله فترة، حتى اللقمة مابقاش ياكل عدل، ووشه متغير ودبلان، وكل ما أسأله يقوللي مصدع وما بنامش كويس.
ليلتفت إليها منصور قائلاً بحدة:
وما قولتيليش الكلام ده ليه قبل كده، وافرضوا حتى إن ده حصل، مش معنى كده أبدًا إنكم تيجوا وعايزين تاخدوه زي اللي قابضين عليه.
كامل بتعقل:
نبيل عارف إنه تعبان ومخبي وكمان عرفنا من أخوه إنه رافض العلاج.
منصور وهو ينظر لنادر:
وانت كمان كنت عارف، وهو أنا يعني آخر من يعلم، إزاي تخبوا عليا حاجة زي كده، بقى رايح تقول للدكتورة والدكتور اللي عاملينيني عدو ليهم وتخبّي عليا أنا أبوك وأبوه؟
نادر والدموع تملأ عيناه:
أنا ماعملتش غير إني قلقِت على أخويا وحبيت أعرف هو ماله وأتطمن عليه، وربنا قال .. واسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون .. وهم أهل الذكر مش أنت.
فرح موجهة كلامها لنادر:
لو سمحت يا نادر، إحنا كده بنضيع وقت، فين نبيل اندهولي.
منصور بغضب:
إنتي اتجننتي، ومين قال لك إني هسمحلك انتي ولا هو إنكم تاخدوه مني؟
فرح بجمود يعلوه الغضب:
نبيل ماهواش محل نزاع أصلًا بينا، أنا مش عاوزة غير إنه يقتنع إنه يتعالج، عاوزين نلحقه وعلى الأقل نعرف الورم وصل لأنهي مرحلة.
منصور وكأنه لم يستوعب الحدث:
هو عشان تعبان شوية يبقى الورم رجعله تاني، ولا إنتي بس اللي عاوزة تباني إنك فاهمة وعارفة كل حاجة وتعملي قصة عليا؟
كامل بغضب:
هو انت مافيش فايدة فيك، بنقول لك ابنك تعب تاني، ده بدل ما تساعدنا إننا نعالجه تقف ترازي فينا وتعاند وخلاص.
منصور بغضب:
مش أما أعرف الأول انتوا جايبين الكلام ده منين.
كامل:
من الفحص الأخير اللي عمله وخبّى نتيجته عني.
منصور:
ولما هو خبّى نتيجته، سيادتكم بقى جايبين الكلام ده منين؟
كامل بفراغ صبر:
لما نادر شك في التعب اللي جاله وكلم أخته بلغها، كلمنا الدكتور المعالج بتاعه، واللي عرفنا منه النتيجة.
منصور بصدمة:
وإزاي الدكتور ما يبلغنيش حاجة زي كده؟
كامل وهو يزفر أنفاسه:
لأن نبيل أقنعه إنه هيسافر بره يعيد الفحوصات دي من تاني وهيُعرض النتائج على دكاترة متخصصين هناك، يعني مبيت النية إنه ما يتعالجش من الأساس.
ليهتز منصور بوقفته ليتهاوى متكئًا على الجدار قائلاً ببهوت:
يعني إيه، المرض الخبيث رجع له من تاني؟
كامل بحزن:
للأسف المرة دي الاحتمال الأكبر إنه في المخ.
لتشهق دولت شهقة عالية وهي تضع إحدى كفوفها على فمها وتقول:
ابني .. ابني يا كامل، إزاي كده، إزاي بسرعة كده، إحنا مالحقناش نفوق.
كامل باشفاق على دولت:
إن شاء الله لو بدأنا العلاج بسرعة يمكن الحالة ماتتأخرش وتستجيب للعلاج.
فرح بفراغ صبر:
فين أوضته يا نادر، عاوزة أتكلم معاه.
نادر وهو يمسح عينيه من أثر البكاء:
تعالى يا فرح اتفضلي، أنا مش عارف إزاي ما خرجش على الدوشة دي كله.
ليأخذه متجها إلى غرفته مع أخيه ويقوما بالدلوف إلى الحجرة، وما إن أضاء الأنوار حتى تفاجئوا بنبيل ملقى أرضًا دون حراك ووجهه مليء بالدماء، لتهرع فرح إليه وهي تصرخ على كامل لنجدتها، ليقوم كامل ونادر بحمله من الأرض ووضعه على الفراش مرة أخرى وهو غائب عن الوعي، لتسرع فرح بتنظيف وجهه من الدماء لتكتشف أنها نزيف من الأنف، وبعد جس نبضاته، رفعت وجهها لكامل وقالت بصوت يخنقه العبرات:
محتاجين الإسعاف تيجي تنقله بسرعة، النبض ضعيف أوي.
وقبل أن تمر نصف ساعة، كانت سيارة الإسعاف تحمل نبيل متجهة به إلى المشفى المتخصص والذي قد قام نبيل بإجراء الجراحة السابقة بداخله، وكان في استقبالهم الطبيب المتابع لحالة نبيل، والذي أسرعوا بإدخاله إلى قسم الحالات الحرجة بالرعاية المركزة.
وكانت فرح وكامل قد أصرّا على الدلوف معه إلى الداخل للوقوف على حقيقة التطورات الخاصة بالحالة، ليقول كامل موجهاً حديثه للطبيب:
أنا مش عارف إزاي يكون الورم بالحجم اللي اكتشفتوه ده وما حدش اكتشفه قبل كده.
الطبيب:
للأسف نبيل الحالة اللي كان الكبد بتاعه بيمر بيها خلينا ربطنا كل الأعراض بيه وبس، لكن لما بعد العملية الفحوصات كانت لسه بتطلع إن الجسم فيه أورام، ابتدينا نفحص الجسم بالكامل، لحد ما حددنا مكان الورم وخصوصًا إن نبيل ما كانش متعاون معانا أبدًا في الفحوصات الأخيرة، لدرجة إنه كان رافض إنه يعملها أصلًا، لحد ما قلت له .. خلاص براحتك، بس أنا لازم أكلم منصور بيه عشان أخلي مسؤوليتي قدامه، لولا كده ما كانش عمل الفحوصات من الأساس.
فرح:
والنزيف اللي جاه من مناخيره ده بسبب الورم مش كده؟
الطبيب:
للأسف أيوه، الورم ضاغط بشدة على المخيخ وحجمه مش صغير أبدًا زي ما الأشعة موضحة، ونزيف الأنف ده مش أول مرة تحصل له، لكن يمكن تكون دي أول مرة يصاحبها فقدان وعي، وده رحمة من ربنا لأن الألم المصاحب ليه بيبقى شديد جدًا.
كامل:
طب حضرتك هو الورم من أنهي درجة؟
الطبيب بأسف:
للأسف من الدرجة الأولى.
فرح بصدمة:
يعني إيه، ما فيش علاج، ما فيش عملية؟
الطبيب:
طبعًا العملية موجودة، لكن للأسف في حالة نبيل .. نسبة نجاحها مابتتعداش ثلاثين في المية.
لتنشج فرح بالبكاء وسط مراقبة منصور ودولت ونادر من خلف الزجاج الفاصل بينهم بقلق بالغ، لتقول دولت ببكاء:
أخته بتعيط أوي ليه كده، ابني ماله، حد يطمني عليه.
وبعد مشاورات ومداولات بين كامل وفرح والطبيب، تخرج فرح ودموعها مازالت تملأ عينيها، وما إن تلاقت عينيها مع منصور حتى قالت بقهر:
طول عمري بكرهك ومش مسامحاك على اللي عملته معايا، لكن النهاردة كرهي ليك زاد أضعاف، حرمتنا من بعض ولما افتكرتني عشان مصلحتك اللي مامشيتش زي ما أنت عاوز، حاولت إنك تفرقنا من تاني بغلك وعنجهيتك، وأدينا هنفارق غصب عننا كلنا.
منصور ببهوت:
أخوكي ماله يا بنتي؟
فرح بغل وهي تحاول خفض نبرة صوتها:
بقى أخويا دلوقتي، وبقيت بنتك كمان، أنا عمري ما كنت ولا هكون بنتك، حاولت تسرق حتة من كبدي قبل كده من غير ما تفكر حتى في مستقبلي ولا رد فعلي، والنهاردة، النهاردة الحارة سد، بس لو كنت أقدر أديله حتة من مخي كنت أديتهاله عن طيب خاطر، بس أكيد مش عشانك، لأ، عشانه هو، عشان حبيته وحبني، عشان نضيف مش شيطان زيك.
كان نادر يراقب ردود أفعال والده وهو يخشى أن ينال من فرح، ولكن تفاجأ بوالده وهو يتلفت حوله بتيه ثم استقر بصره مرة أخرى على نبيل من خلف الزجاج وقال:
كان خف، كان بقى كويس، وخلاص الغمة اتزاحت، ليه كده، ليه تاني، ولادي...
ليسقط منصور أرضًا وهو يمسك صدره بألم واضح على وجهه ليسرع كامل ونادر ودولت إليه بينما تنظر له فرح باستياء وكره وتتركهم عائدة إلى الداخل مرة أخرى لتظل بجوار نبيل.
رواية لما قالوا دي صبية الفصل الثاني عشر 12 - بقلم ميمي عوالي
كانت فرح تجلس بجوار نبيل بغرفة الرعاية، تتابع مؤشرات الأجهزة بعينيها التي تموج بالعبرات.
دخل عليها كامل بهدوء قائلاً:
"ايه يا فرح، هتفضلي قاعدة كده؟"
فرح، دون أن تنظر إليه:
"وأنا في إيدي إيه أعمله غير كده يا كامل؟"
كامل:
"بس قعدتك دي لا هتفيدك ولا هتفيده."
فرح:
"عاوزة أبقى جنبه أما يفوق، مش عاوزاه يفتح عينيه يلاقي نفسه لوحده. بتوجع يا كامل، بتوجع أوي."
كامل بعدم فهم:
"هي إيه دي اللي بتوجع؟"
فرح:
"الوحدة يا كامل. إننا نبقى عايشين عمرنا كله وسط الناس لدرجة إننا ساعات ما بنبقاش قادرين نتنفس عدل من كتر الزحمة اللي حوالينا. ونيجي وقت ما نقع، نلاقي نفسنا لوحدنا وكأن الدنيا فضيت فجأة من حوالينا."
كامل بفضول:
"وإنتي إمتى كنتي لوحدك يا فرح عشان تجربى الإحساس ده؟"
نظرت إليه فرح للحظة ثم عادت بنظرها إلى نبيل.
فرح بتنهيدة تنم عن وجع عميق بداخل نفسها:
"وإمتى ماكنتش لوحدي.. أنا طول عمري وأنا لوحدي."
سحب كامل مقعدًا ووضعه بجوارها قائلاً:
"بس إنتي كنتي بتبقي لوحدك بإرادتك يا فرح. أوعي تنكري ده. على الأقل عشان ماتحمليش حد وزر وحدتك من غير ذنب."
فرح بسخرية وهي تمسح العبرات الهاربة من عينيها:
"قال إيش رماك على المر، قال الأمر منه. يمكن زي ما بتقول إن أنا اللي اخترت ده، لكن اختياري ده كان أهون ألف مرة من اللي كان بيحصل."
كامل وهو يحاول ثبر أغوارها:
"وإيه اللي كان بيحصل؟"
فرح بشرود:
"عارف إحساس إنك تبقى شايل شيلة مش شيلتك وماشي بيها غصب عنك، ولا منك قادر ترميها ولا منك حتى عارف هتفضل شايلها لأمتى. الكل كان محملني ذنب طلاق منصور لأمي، حتى أمي نفسها. عمري ما هقدر أنسى نظراتها ليا لما كانت تيجي سيرته، كنت بحسها نظرات اتهام. كنت بجري على سريري أنام وأتغطى كأني بستخبى من وحش ولا حرامي هييجي يخطفني. عمر ما حد حس بيا ولا باللي جوايا. عمر ما حد سأل نفسه ولا حتى سألني وقال لي مالك ولا فيك إيه، ولا حتى قاعدة بعيد لوحدك ليه."
"من كتر ما كرهت اللي عمله.. كرهته وكرهت الكلمة اللي ياما كنت بسمع أصحابي بيتغنوا بيها وهم بيحكوا عن آبائهم. كلمة بابا اللي عمري ما نطقتها. حتى لما عمو عادل وماما حاولوا معايا إني أناديه بيها رفضت. وماما وقتها زعلت مني وعنفتني واتهمتني إني بنغص عليها سعادتها اللي ياما اتحرمت منها. ورغم سني الصغير وقتها إلا إني ما تهزيتش، وما غيرتش رأيي. لدرجة إني لما كبرت شوية وابتديت أقدر أعبر عن اللي جوايا، لقيت عمو عادل في مرة قال لي.. أنا عارف إنك حاسة إني ما أستحقش أكون مكان أبوكي."
"يومها قلت له.. بالعكس، صدقني هو اللي ما يستحقش يبقى مكانك."
نظرت فرح لكامل قائلة:
"بكراه يا كامل. عمري ما عرفت الكره في حياتي غير ليه هو وبس."
كامل وهو يقيس رد فعلها:
"جاله ذبحة صدرية."
عادت فرح بعينيها مرة أخرى إلى الأجهزة وهي تقول:
"ناس مرضها بيبقى ابتلاء وناس بيبقى تكفير ذنوب، وناس بيبقى انتقام. وأتمنى إن مرضه ده يبقى من النوع الأخير."
كامل بذهول:
"إنتي دكتورة يا فرح، ولازم تقفي على مسافة واحدة من كل المرضى حتى لو كانوا أعدائك."
فرح:
"عندك حق، بس عمر الحنظل ما يطرح غير الحنظل."
سمعوا صوت نبيل قائلاً بخفوت:
"أنا فين."
فرح بلهفة:
"حمد الله على سلامتك يا حبيبي. كده برضه يا نبيل تخضنا عليك بالشكل ده."
نبيل وهو يدير عينيه بالغرفة:
"إنتوا ليه جيبتوني هنا؟"
كامل:
"كنت عاوز تروح فين؟"
نبيل:
"ولا حتة. أنا عاوز أروح، مش عاوز أقعد في مستشفيات أنا."
فرح بعتاب:
"ليه يا نبيل، ليه خبيت علينا نتيجة الفحوصات بتاعتك؟"
نبيل بوهن:
"لأنها محصلة بعضها يا فرح. لزمتها إيه بقى. أنا عاوز أعيش وسطكم الحبة اللي باقيين لي في هدوء. عاوز أعيش طبيعي كأني هفضل لحد ما أكبر وأعجز. هروح الكلية وأدرس وأذاكر كأني هلحق أتخرج. مش عاوز أتنقل من جهاز لجهاز ومن إشعاع لإشعاع. مش عاوز أتبهدل وأبهدلكم معايا."
فرح بنشيج خافت:
"ومين قال لك إن ده هيحصل. إنت كويس وزي الفل. إنت بس لو اتعالجت هت..."
نبيل بمقاطعة:
"هاه إيه يا فرح؟ إنتي ماتعرفيش تكدبي؟ لِـه تكدبي المرة دي. المرة دي مفيش رجوع يا فرح وأنا عارف ومتأكد من الكلام ده."
فرح ببعض الغضب:
"هو إنت كنت دخلت في علم ربنا؟ مش يمكن..."
ضحك نبيل قائلاً:
"استغفر الله العظيم. يابنتي إنتي هتقوليني كلام ماقلتوش ليه بس."
ثم نظر لفرح بابتسامة قائلاً:
"أنا راضي يا فرح، صدقيني راضي ومبسوط كمان. حاسس إن ربنا بيحبني وعشان كده رزقني بالابتلاء ده، عشان يكفر عني ذنوبي. والحمد لله إني لحقت نفسي بسرعة ورجعت عن الطريق اللي كنت ماشي فيه. الحمد لله. ادعيلي إنتي بس، أنا مش محتاج غير دعاكم ليا."
كامل بتنهيدة:
"أيوه يا نبيل، بس ربنا أمرنا بالسعي. وإحنا طول ما إحنا عايشين لازم نسعى ويبقى عندنا أمل في ربنا."
نبيل:
"ومين قال لكم إني ما عنديش أمل، أو إني مش هسعى. بالعكس، أنا عندي أمل إن ربنا يخفف عني الألم، وهسعى إني أختم أيامي اللي جاية باللي يرضي ربنا عني."
فرح:
"والعلاج يا نبيل، لازم تتعالج."
نبيل:
"إنتي عارفة وأنا عارف إن مافيش منه أي لازمة. يبقى نسيبه لغيري يمكن يفيده."
فرح وقد غلبها البكاء:
"ليه بتقول كده؟ إحنا المفروض نكمل الفحوصات والأشعات ونشوف الحالة واصلة لفين وإن شاء الله نقدر نعالجك."
نبيل:
"طب توعديني إنك لما تتأكدي من كلامي تسيبوني براحتي. أنا تعبت من الحقن والعلاج. فلو كده كده ميت سيبوني أعيش الفترة اللي باقيالي طالت أو قصرت من غير مرمطة وبهدلة.. أوعديني وأنا أعمل لكم كل اللي إنتوا عاوزينه."
تبادلت فرح النظرات مع كامل الذي قال:
"خلونا نكمل الفحوصات الأول وبعد كده نتكلم."
نبيل برفض:
"لأ يا كامل، أنا مصمم على كلامي."
كامل:
"وهو إحنا يا ابني نملك من أمرك إيه عشان نوافق على كلامك ده أو نرفضه. المفروض عمي ومرات عمي هما اللي يوافقوك أو يخالفوك مش إحنا."
نبيل:
"أنا مش محتاج موافقة حد ولا رفضه. أنا بس مش عاوز يبقى فيه نقاش تاني في الموضوع ده. آآه، وعندي طلب تاني."
فرح بفضول:
"طلب إيه التاني ده كمان؟"
نبيل بابتسامة:
"عاوز أبقى وكيلك في كتب كتابك إنتي وكامل."
فرح بذهول:
"وكيلى؟"
نبيل بدعابة:
"آه وكيلك. أهو أبقى مريت على المأذون ونلت شرف مجالسته وإن إيدي اتحطت مع إيده تحت المنديل الأبيض حتى لو وكيل مش عريس."
فرح:
"بس أنا بفكر أجل..."
نبيل مقاطعاً إياها:
"لأ.. بالله عليكي، سيبيني أعيش اللحظة."
فرح بتنهيدة:
"إن شاء الله ربنا يقدم اللي فيه الخير."
نبيل:
"هو بابا ونادر وماما فين؟"
كامل بحمحمة:
"عمي بس تعب شوية و..."
نبيل برهبة:
"ماله بابا، في إيه؟"
فرح:
"ماتقلقش يا حبيبي، هو بس عشان اتخض عليك."
نبيل وهو يعتدل بالفراش:
"طب ودوّنوني ليه أطمن عليه، هو فين؟"
كامل:
"خليك مكانك، وهو أما يفوق أكيد هيجيلك، لأنه حالياً نايم. وإنت كمان، محتاج تنام كمان شوية وترتاح. وأنا هروح أطمن عليه مع أختك."
فرح باعتراض:
"روح إنت يا كامل، أنا هف..."
كامل بإصرار وهو يسحبها معه:
"يالا يا فرح عشان كمان نطمن نادر وبابا..."
---
أمام غرفة منصور، كان يجلس نادر بصحبة أمه وعمه الذي حضر إليهم فور ما أن أبلغه كامل بما حدث. وكان الصمت يخيم عليهم جميعاً، ماعدا بعض شهقات البكاء الصادرة من دولت التي كانت تدفن وجهها بين كفوفها وتستند بذراعيها على قدميها.
ما أن لمحوا كامل بصحبة فرح في اتجاههم، إلا ونهض نادر مسرعاً لملاقاتهم قائلاً بلهفة:
"نبيل فاق؟"
أومأت فرح برأسها علامة الموافقة قائلة:
"أيوه فاق، بس أكيد هينام تاني بسبب المسكنات."
دولت ببكاء:
"طمنوني عليه، قولولي إنه كويس وما فيهوش حاجة. قولولي إنه هيحضر جنازتي وهيترحم عليا لما أموت. قولولي إني مش هشرب ناره أبداً طول ما أنا عايشة."
إبراهيم:
"لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. إيه بس لازمة الكلام ده يا دولت. استهدي بالله واستغفري وادعي له."
كان نادر طوال الوقت يتفحص وجه فرح وردود أفعالها التي لم تستطع كتمانها، بل وجد عينيها غارقة في الدموع. فقال لها بهلع ممزوج بعدم التركيز:
"هو لما فاق.. كان لسه موجوع؟ هتعيدوا له الفحوصات بتاعته تاني ولا هتعملوا إيه؟ أنا عاوز أشوفه."
كامل:
"لازم نسيبه يستريح يا نادر. أنا ما صدقت خرجت أختك. قلة النوم بتتعبه بزيادة وهتخليه يحس بالألم أسرع."
نادر برجاء:
"طب طمنني يا كامل، هي حالته واصلة لحد فين؟"
كامل باستياء:
"للأسف يا نادر، الحالة فعلاً ما تطمنش. بس إحنا محتاجين نعمل فحوصات أدق من كده عشان نعرف الحالة واصلة لأنهي مرحلة بالظبط وطرق التعامل معاه."
دولت بهم كبير:
"يعني خلاص يا كامل، استعوض ربنا في ابن عمك. نبيل هيموت خلاص."
كامل بتعاطف:
"مين فينا مخلد يا مدام. كلنا رايحين وماحدش أبداً يعرف مين هيروح الأول."
دولت ببكاء:
"بس الشواهد بتقول إنه خلاص هيمشي ويسيبنا. اللهم لا اعتراض يارب. يارب خفف عنه وجعه. أنا راضية بوجع قلبي، بس مش هتحمل وجعه قدام عيني أبداً يارب."
احتضنها نادر وهو يبادلها البكاء قائلاً:
"بس يا ماما عشان خاطري، ادعي له إن ربنا يشفيه."
دولت:
"كل دقة في قلبي بتدعيله يابني."
كانت فرح قد جلست بجوار إبراهيم وهو يجلس متكئاً على عصاه بصمت حزين، وهي تراقب ما يدور حولها وهي لا تستطيع حبس دموعها المنهمرة دون توقف.
لينظر إليها إبراهيم قائلاً:
"عمري ما شفت دموعك بالشكل ده قبل كده. معنى كده إن مفيش أمل.. خلاص كده؟"
فرح بنشيج:
"مش عارفة يا عمي. أحياناً بنقف متكتفين قدام المرض، لكن أوقات بنتفاجئ بمعجزات ربنا اللي بتمناها لنبيل من كل قلبي."
إبراهيم بقلة حيلة:
"لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. اللهم تلطف بنا وبأقدارنا، وألطف بمن لا حيلة له إلا الرجاء إليك."
ثم التفت إلى فرح قائلاً برجاء:
"ادخلي يا بنتي لأبوكي طمنيني عليه."
فرح بجمود وهي تجفف دموعها:
"ما الدكتور اللي هنا شافه يا عمي."
إبراهيم:
"أيوه يا بنتي عارف، بس أنا عاوز حد يفهمني. إنما الدكتور هنا اتعامل بمهنية وقال كلمتين وجري، وأنا مش فاهم حاجة."
فرح وهي تزدرد لعابها بحرج:
"معلش يا عمي اعذرني. وبعدين أنا ماليش صفة هنا عشان أدخل أكشف عليه."
إبراهيم:
"يابنتي إنتي بنته ولا نسيتي؟"
فرح:
"أرجوك يا عمي بلاش نتكلم كلام لا هيقدم ولا هيأخر."
إبراهيم:
"طب بلاش بصفتك بنته خلينا بصفتك دكتورة."
لتنهض فرح قائلة بجمود:
"الدكتور المختص قام بالواجب، وأنا عاوزة أرجع لنبيل."
ليقول كامل:
"استني يا فرح."
ثم يلتفت لابيه وزوجة عمه قائلاً:
"في حاجة يا جماعة لازم تعرفوها."
إبراهيم ببعض القلق:
"خير يا ابني، في إيه تاني؟"
كامل:
"فرح كانت عاوزة تأجل الجواز عشان خاطر نبيل، لكن نبيل رفض وصمم إن كل حاجة تبقى في معادها. وطلب من فرح إنه هو اللي يبقى وكيلها في كتب الكتاب."
إبراهيم بتنهيدة:
"الله يشفيه ويرفع ما عليه يارب العالمين. شوفوا يا ابني إنتوا عاوزين تعملوا إيه وأنا معاكم، بس نتطمن على عمك الأول..."
---
بعد مرور بضعة أيام، بمستشفى كامل.
كانت ليلة بجوار ابنتها بالغرفة ليمر عليها أحد الأطباء لمتابعة حالة مي. وبعد أن قام بإعطاء بعض التعليمات للممرضة وقام بالانصراف، قالت ليلة للممرضة:
"هي الدكتورة فرح بقالها كتير مختفية ليه؟"
الممرضة:
"أخوها تعبان أوي ومحجوز في مستشفى تانية وهي معاه."
ليلة بفضول:
"ألف سلامة، ربنا يشفيه ويشفي بنتي وكل مرضانا يارب. طب ودكتور كامل؟"
الممرضة:
"بييجي، بيخلص شغله وبيروح لهم على طول."
ليلة:
"طب والعملية بتاعة مي، دي بعد تلات أيام. مين هيعملها؟"
الممرضة:
"ماتقلقيش، في جراح متخصص في حالتها هو اللي هيعمل لها العملية والدكتور كامل هيبقى موجود معاه وكله هيبقى تمام."
ليلة:
"يارب."
بالفعل، تم إجراء العملية لمي وسط قلق بالغ من ليلة وسيد الذي حضر وقت إجراء العملية الجراحية وهو يدعي أنه عم مي ليكون بجوار ابنته وزوجته في هذا اليوم العصيب.
وبعد خروج مي من غرفة العمليات، وانقضاء ساعات القلق بداخل غرفة الرعاية الفائقة حتى استعادت وعيها واطمأن الأطباء عليها، خرج كامل من غرفة الرعاية ليقول لليلة وهو ينزع عنه كمامته الواقية:
"اطمني يا مدام ليلة، دلوقتي بس أقدر أقول لك إن بنتك الحمد لله بقت زي الفل. أي نعم هتاخد شوية وقت على ما تقدر تتعافى تماماً وهيبقى فيه شوية تعليمات واحتياطات لازم نتبعها، لكن الحمد لله الخطر زال."
انكبت ليلة على يد كامل وهي تحاول تقبيلها قائلة:
"أنا مش عارفة أشكرك إزاي ولا عارفة أودي جميلك ده فين. هفضل طول عمري مديونة لك بعمر بنتي الجديد اللي انكتب من تاني على إيديك."
كامل وهو يسحب يده:
"استغفر الله العظيم. إحنا مش أكتر من أداة بننفذ بيها إرادة ربنا ومشيئته."
ليلة:
"وسبب في شفاء عباده. ربنا يكرمك ويسعدك."
كامل:
"ومش عاوزك تحملي هم حاجة. ولو في أي وقت احتاجتي أي حاجة، تعاليلي أو تعالي للدكتورة فرح، وزي ما وعدتك أنا ممكن أوفر لك فرصة شغل هنا في المستشفى."
ليلة وهي تمسح دموعها المنسالة على وجنتيها:
"أنا بعد جميلك اللي في رقبتي ده، مش هقدر أكدب عليك أكتر من كده. أنا عاوزة أعترفلك بحاجة مهمة."
كامل بفضول:
"حاجة إيه؟"
قصت عليه ليلة كل ما قد كان، وبعد أن فرغت من حديثها قال كامل:
"من وقت ما سمعتك بتحكي لفرح على ظروف معرفتك بيها وأنا عارف إن عمي ماعملش الحكاية دي كده لله، بس أنا من البداية كنت حاسس إن عمي يقصد حاجة مش سليمة من ورا تصرفه ده. لكن إنتي يا ليلة، ليه تطاوعيه؟"
ليلة بخجل:
"سامحني. إنت لسه ماتعرفش غلاوة الضنى. أنا كنت مستعدة أبيع عمري كله عشان خاطر سلامة بنتي. ورغم إن لحد دلوقتي ما أعرفش هو كان يقصد إيه، ورغم إني متأكدة إن نيته مش سليمة، لكن ما قدرتش أشوف باب بينفتح لبنتي وأقفله في وشها.. ارجوك سامحني وما تخلينيش أندم إني صارحتك بالحقيقة."
ليقول كامل أثناء انصرافه:
"ماتقلقيش. بنتك مش هتتحرك من هنا قبل ما علاجها يتم للآخر إن شاء الله..."
---
أصرت فرح على انتقال نبيل إلى المشفى الخاص بكامل، مع استدعاء طبيب متخصص في الأورام ليشرف على العلاج الخاص به خاصة بعد رفض نبيل الصارم للخضوع لأي جلسات إشعاعية.
وبعد أن علمت فرح من الطبيب المختص بأن خطورة العملية الجراحية لاستئصال الورم قد تكاد تكون أعظم من تركه، إذا.. فلا إشعاع ولا جراحة. فقررت عدم الضغط على نبيل بعد أن قال لها الطبيب:
"إنتي دكتورة وفاهمة الكلام اللي أنا هقوله دلوقتي. أحياناً الطب بيقف عاجز قدام بعض الحالات اللي بتبقى وصلت لمرحلة متقدمة من المرض. وحالة نبيل للأسف لو عملنا العملية.. فالعملية ممكن تؤدي لفقدانه الذاكرة أو إنها تؤدي لحالة أخطر من المرض نفسه، لأنها ممكن تسبب له ضمور في الأعصاب واللي هتحوله لإنسان لا حول له ولا قوة ومش هيبقى عنده تحكم في أي عملية حيوية في جسمه واللي هتخليه محتاج لمرافق أربعة وعشرين ساعة للعناية به لما يتحول لطفل فاقد الأهلية."
كامل:
"طب هو إحنا لو سفرناه برة مش ممكن يبقى فيه أي وسيلة تانية للعلاج؟"
الطبيب:
"رغم إني لسه راجع من المؤتمر اللي كان معمول مخصوص في إنجلترا عن حالات الورم اللي زي اللي بيعاني منها نبيل، وعارف إن مافيش أي جديد، لكن لو عندكم المقدرة إنكم تعملوا ده عشان ماتحسوش إنكم قصرتوا معاه، خدوه وسافروا. وأنا هرشح لكم المصحة اللي تقدروا تتعاملوا معاها بثقة، رغم إني شايف إنكم تحاولوا تبقوا معاه وحواليه وتسعدوه على قد ما تقدروا في الفترة دي."
فرح وهي تكتم بكاءها:
"فاضل له قد إيه؟"
الطبيب:
"علمياً مجرد شهور، لكن الأعمار بيد الله يابنتي. يا عالم أحياناً ربنا سبحانه وتعالى بيبقى له تصريف تاني خالص غير اللي إحنا بنبقى متوقعينه."
كامل:
"طب والعلاج؟"
الطبيب:
"إحنا طبعاً مانقدرش نوقف العلاج، لكن هنكثف جرعات المسكن على فترات، لأن مع الوقت مش هيتحمل الألم. ربنا يكون في عونه، وشدوا حيلكم."
وبعد انصراف الطبيب تقول فرح بإصرار:
"أنا هاخده معايا المستشفى عندك يا كامل، مش هسيبه هنا، عاوزاه دايما قدام عيني."
ليوافقها كامل ويقوم بنقل نبيل ومنصور أيضاً. وسط امتعاض فرح، ولكنها فضلت عدم التعليق لجل خاطر عمها ونادر ونبيل.
وبعد مضي بضعة أيام يتعافى منصور ويغادر المشفى كمريض، ولكنه يظل مرافقاً لنبيل معظم الوقت وسط شرود دائم منه بعد علمه بكل تطورات حالة ولده. وكانت فرح تلازم نبيل معظم فترات راحته وهي تحاول الترفيه عنه بمساعدة نادر وجميع أخوتها وسط مراقبة منصور الصامتة دائماً.
حتى جاء يوم كان الجميع ملتف حول نبيل بغرفته. فقال لها نبيل:
"أنا عاوز أخرج بقى، أكيد مش هفضل هنا كده على طول، ده أنا لو كنت عملت العملية كنتوا هتخرجوني مش هتحبسوني كده."
فرح:
"حبيبي ده أنا مخلياك هنا عشان تفضل جنبي وأبقى دايما متطمنة عليك."
نبيل:
"بس أنا عاوز أخرج، وعاوز أشتري بدلة عشان أحضر بيها فرحك. إنتي اشتريتي فستان الفرح ولا لسه؟"
فرح:
"لسه."
نظر نبيل لكامل قائلاً:
"ده كلام يا كامل. ده الفرح فاضل عليه عشر أيام، إزاي يعني ماتجيبوش الفستان لحد دلوقتي؟"
كامل بمرح:
"يا عم هو إحنا هنعرف نجيب حاجة من غيرك."
فرح بدهشة:
"إنت تقصد إيه يا كامل؟"
كامل:
"أقصد إنه ياخد إجازة من المستشفى شوية، وينزل معانا يوم الجمعة إن شاء الله نشتري اللي إحنا عاوزينه."
فرح بقلق:
"أيوه بس هيبقى إرهاق عليه."
كامل بابتسامة:
"وقت مانحس إنه تعب هنرجع على طول."
رحمة:
"مش هيتعب ولا حاجة إن شاء الله. أنا هوديكم أتيليه حلو أوي عندهم كل لوازم العرايس والعرسان، يعني مش هتلفوا ولا هتتعبوا."
نبيل:
"أهو رحمة حلتها."
فرح:
"طب هترجع على هنا تاني؟"
نبيل برجاء:
"لأ يا فرح عشان خاطري، اديني إجازة بس لحد الفرح بتاعك، وأوعدك إني بعد الفرح إن شاء الله هنفذلك كل اللي هتقوليلي عليه."
فرح بتردد:
"طب لو تعبت؟"
نبيل:
"هقول لك على طول أو هقول لكامل… وعد."
فرح باستسلام:
"حاضر يا نبيل… ماشي.. اللي يريحكوا."
بالفعل تم لنبيل ما أراد، فبرغم ذبوله الملاحظ للعيان إلا أنه رافقهم حتى أتموا شراء كل ما تبقى وسط سعادة بالغة منه ومرح دائم وكأنه كان يحاول مداراة آلامه التي كانت لا تنقطع عنه في الفترة الأخيرة.
---
في منزل منصور، كان نادر ونبيل يجلسان بغرفتهما، حين دخل عليهما منصور قائلاً لهم:
"عاملين إيه يا أولاد؟"
ليرددا:
"الحمد لله يا بابا."
ليجلس بجوار نبيل وهو يربت على قدمه قائلاً:
"وإنت يا نبيل، أخبارك إيه؟"
نبيل بوهن:
"في نعمة يا بابا، الحمد لله، وكويس إنك جيت.. كنت عاوزك في كلمتين."
منصور:
"خير يا ابني."
نبيل:
"أنا لما طلبت من فرح إني أبقى وكيلها في كتب الكتاب، عملت كده عشانك إنت."
منصور بجمود:
"وعشاني أنا ليه؟"
نبيل:
"لإني عندي أمل إن علاقتكم تتصلح ببعض في يوم من الأيام. ما هانش عليا إن قسيمة جوازها تفضل طول العمر واسم جوز مامتها يبقى في خانة الوكيل. حبيبتي وكيلها يبقى على اسمها وتبقى شايلة اسمه. إنت ظلمت أخواتنا البنات أوي يا بابا، وآآن الأوان إنك تصلح اللي عملته."
منصور وهو يحاول السيطرة على رد فعله:
"إنت شايف إني ظلمت أخواتك لما حاكمتك إنت وأخوك، وكنت عاوزكم تبقوا أحسن ناس في الدنيا كلها؟"
نبيل:
"كل الآباء بيتمنوا ده لولادهم، بس بيتمنوه لكل ولادهم مش حد آه وحد لاء. إنت ظلمت أخواتنا البنات أوي يا بابا، وآآن الأوان إنك تصلح اللي عملته."
منصور:
"إنتو صلبي وعزي واللي..."
نبيل بمرارة:
"واللي إيه بس يا بابا، ربنا ما بيتعاندش. طلقت طنط فاطمة عشان خلفتها بنات واتجوزت ماما عشان تجيبنا، وفعلاً ربنا رزقك بيا أنا ونادر. لكن إنت عملت إيه؟ شكرته؟ قلت الحمد لله إن ربنا أطعمك بالبنين والبنات وخدتنا كلنا تحت جناحك؟ قلت بناتي ما يتربوش بعيد عني ولا يتربوش مع جوز أم زي ما بنسمع مع ناس كتير. حاولت حتى تشوفهم وتتطمن عليهم وتحسسهم إنك موجود جنبهم وإنك ضهرهم وسندهم في الدنيا دي. بالعكس.. إنت اخترت ونقيت وعزلتنا عن بعض. حتى لما اكتشفت إني مريض أول حاجة فكرت فيها إنك تحييني حتى لو كان على حساب موت واحدة من أخواتي. لكن سبحان الله، ربنا دايماً بيبقى له تدابير إحنا مانعرفش عنها حاجة."
منصور:
"أنا ما فكرتش في كده، أنا كنت عارف إن مافيش خطورة من العملية على المتبرع."
نبيل:
"بأمارة إنك كنت رافض إن نادر يعمل الفحوصات من الأساس، وبأمارة اللي عملته في فرح لما عرفت إن مش هي اللي عملت العملية. طب اديني عملت العملية وبعد ما فكرنا إن خلاص، لقينا إن لسه عقاب ربنا ماخلص."
وعندما صمت منصور أكمل نبيل قائلاً:
"أنا آسف يا بابا سامحني إني بكلمك بالأسلوب ده، بس أنا حاسس إن ربنا بيعاقبك بيا. بيقول لك أنا ما بتعاندش، بيقول لك إنت عملت كذا وكذا عشان الصبيان، لكن أنا بعد ما أدتهملك هاخدهم تاني. أنا نفسي أسيبكم وأنتم مش كده.. يا بابا حضرتك عملت حيطة بينك وبين أخواتي وخلت فرح شبه معقدة. نفسي بعد عمر طويل لحضرتك أخواتي يدعولك ما يدعوش عليك."
ليقول منصور بجمود:
"سيبك من كل الكلام ده يا نبيل وخليك في صحتك وبس."
نبيل:
"أرجوك يا بابا حاول تصلح اللي انكسر. أنا عارف إن اللي انكسر لا يمكن يتصلح أبداً بسهولة، بس حاول عشان خاطري، دي وصيتي ليك يا بابا، وخصوصاً فرح.. فرح أكتر واحدة فيهم شربت مرار اللي حضرتك عملته وأكتر واحدة اتظلمت وشالت الهم على أكتافها."
رواية لما قالوا دي صبية الفصل الثالث عشر 13 - بقلم ميمي عوالي
كان منصور يستمع إلى نبيل وهو لا يدري إن كان سيستطيع تنفيذ وصية ابنه أم لا. فهو يعلم تمام العلم أن فرح ترفض تمامًا التعامل معه، ولكن في ذات الوقت لا يريد أن يدخل في جدال يشق على ولده. فنظر إليه وقال:
"سيبها على الله يابني، وعاوزك تهتم بعلاجك وبتعليمات الحكما بتوعك."
نبيل بإرهاق: "ماشي يا بابا، بس كمان عاوزك تحضر الفرح."
منصور باعتراض: "يابني أحضر إيه؟ هو أنا كان حد عزمني؟"
نبيل: "المفروض إن أنت اللي تعزم الناس يا بابا، مش تتعزم أبداً. خلي الناس تعرف إنك عايش وإنك عاوزها وبتحبها، حتى لو هي رافضة ده دلوقتي، لكن شوية بشوية هتقبل ده وهتحبه ويمكن كمان تطلبه. اهتم بيهم يا بابا، صدقني أنت اللي هييجي وقت وهتندم إن ماعملتش ده من زمان."
لينْهض منصور وهو يتنهد قائلاً: "ربك ييسرها يابني، أنت بس زي ما قلت لك ما تنساش عن الأدوية بتاعتك."
وعندما هم للانصراف قال نبيل بفضول: "هتحضر الفرح؟"
نبيل بقلة حيلة: "حاضر يا نبيل، هعمل لك كل اللي انت عاوزه."
نبيل: "وياريت أنت كمان تبقى عاوزه يا بابا."
ليتركهم منصور ويخرج من الغرفة وهو يومئ برأسه، وبعد أن أغلق الباب قال نادر: "تفتكر هينفذ الكلام ده بجد؟"
نبيل وهو يدس نفسه بالفراش استعداداً للنوم: "أعتقد إن المرة دي هينفذ يا نادر.. فاضل فرح."
نادر بنبرة يأس: "أهي فرح دي اللي الكلام معاها في الموضوع ده بالذات وإقناعها بيه درب من الخيال."
نبيل: "بس لازم أحاول، وأنت لازم تساعدني. أنا لو نجحت في المحاولة دي، هيبقى بالنسبة لي أكبر نجاح نجحته في حياتي."
نادر بمرح: "وهو أنت كنت بتنجح في حاجة غير بالزق أصلاً؟"
نبيل بمرارة: "كانت خيبة وقلة فهم، ضيعنا عمرنا على الفاضي. يا خوفى من اللحظة اللي هقف فيها بين إيدين ربنا ويسألني قضيت عمري وضيعته في إيه."
نادر: "رحمة ربنا واسعة قوي يا نبيل، وإن شاء الله تكون العمرة اللي عملناها مبرورة ومقبولة ونكون رجعنا منها زي يوم ما اتولدنا."
نبيل: "يارب يا نادر.. يارب."
قبل موعد الزفاف بيوم واحد، كان الجميع مجتمعين بمنزل فاطمة وهم يستعدون للزفاف في جو مبهج وسعادة بالغة. ويتردد صدى الضحكات من الجميع على الرقص المتبادل بين أحمد ومحمود ونادر وزوجي شقيقتيهما حسن وحسين. وكان نبيل يحاول الاندماج معهم في مرحهم، ولكنه كان يجلس بمكانه بجانب فرح وكامل والكبار الذين انضمت إليهم دولت، التي طلب منها نبيل الذهاب معهم. وغاب عنهم منصور كالعادة، فقد رفض بشدة طلب نبيل في الذهاب بصحبته بحجة أنه لا يستطيع دخول منزل طليقته وزوجها.
وكان نبيل كل حين وآخر يميل على شقيقته يقبلها بحب وهو يهنئها ويتمنى لها السعادة والهناء.
حتى حان موعد انصراف الجميع لكي يستعدوا لليوم التالي، فطلب نبيل أن يتحدث مع فرح أمام المقربين، فقال لها:
"كنت عاوز أكلمك في موضوع كده يا فرح ممكن؟"
لتقول له فرح بحنان: "آه طبعاً يا حبيبي، تحب ندخل جوة؟"
نبيل برفض: "لا يا حبيبتي، اللي هقوله مش سر."
فرح: "طب قول، أنا سامعة."
نبيل: "عاوزك تسامحي بابا يا فرح."
فرح بهدوء: "حبيبي ياريت ماتشغلش بالك بالكلام ده، الموضوع ده شبه منتهى."
نبيل: "أنا عارف إنك موجوعة منه، بس عشان خاطري، خلينا نقفل الصفحة دي بقى."
فرح: "عشان خاطري أنت يا نبيل، بلاش أنت بالذات تكلمني في الحكاية دي."
نادر: "ولو قولنالك إن دي أمنيتنا الوحيدة؟"
فاطمة بتعاطف مع نبيل: "ما خلاص بقى يا فرح، إحنا مش هنفضل العمر كله نتكلم في الحكاية دي. ومهما كان ده أبوكي، يعني مش هنقدر نغير ده مهما حصل."
فرح بصدمة: "أنتي اللي بتقولي كده؟ أنتي اللي عاوزاني أرجع علاقتي بيه وأسامحه؟ طب إزاي؟ إزاي وأنتي اتهامك ليا إني سبب خراب حياتك هو اللي وصلني للمرحلة اللي أنا فيها دي؟"
فاطمة بإنكار: "أنا اتهمتك؟ إمتى ده؟ الكلام ده عمره ما حصل."
فرح بغضب: "ولما رميتيني وأنا لسه مولودة لخالي ومراته بالشهور من غير حتى ما تعرفي شكلي.. يبقى ما حصلش؟ لما كنتي دايماً تبصيلي بغضب كل ما كنت أغلط أي غلطة كل الأطفال بيغلطوها عادي وكنتي دايماً تقوليلي: كفاياكي بقى.. كفاية اللي حصل لي من تحت راسك.. ما كانش اتهام؟ ولما رفضتي إني أقول لعمو عادل يا بابا زي إخواتي ورغم إني كنت لسه عيلة صغيرة ومش فاهمة حاجة.. ما قلتيليش إني عاوزة أخرب حياتك من تاني زي ما خربتها أولاني؟"
فرح وهي تحاول التقاط أنفاسها: "أوعي تكوني فاكرة إني عشان كنت صغيرة وقتها إني نسيت أو ما فهمتش، لا.. ده أنا خزنت جوايا كل كلمة اتقالت لي منك ومن الكل. اتعاملت طول عمري على إني قدم الشؤوم من الكل وأنتي كنتي أولهم. فكريني كده خدتيني في حضنك إمتى زي أي أم.. أنا أقول لك، عمرها ما حصلت. آه كنتي بتحاولي تردي عني شوية من اللي كانت مرات خالي بتقوله عني أو لو سمعتي حد بيقول كلمة كده ولا كده، بس عينك كانت دايماً بتقول لي عكس اللي كنتي بتقوليه لهم."
"أنا كرهت منصور من رفضك ليا قبل رفضه هو ليا. يمكن رجعتي تاني خدتيني وما رميتنيش زيه، لكن أنتي عملتي كده عشان الناس والمجتمع، وعمرك ما اعترفتي حتى بينك وبين نفسك إني ماليش ذنب وإني مش أنا اللي طلقتك يا أمي.. وأن منصور هو اللي طلقك."
كان الجميع يستمع لفرح وسط ذهول تام من حديثها، فهي للمرة الأولى تصرح بتلك المشاعر المدفونة بداخلها، أو بتعبير أدق.. تلك الاتهامات الموجهة إلى أمها وتلك النيران التي تحاول إخمادها بداخلها على طول سنوات عمرها.
ولكن كانت فاطمة أكثرهم ذهولاً، فهي لم تشعر يوماً بما اقترفت يداها مع ابنتها، ولكن كانت صدمتها الأشد أن فرح لم تكذب أبداً. فكانت تنظر لابنتها بصدمة والدموع تملأ مقلتيها، ليس حزناً مما قالته فرح، ولكن تصديقاً على حديثها. وما كان منها إلا أن نهضت من مكانها متجهة إلى فرح وأخذتها بين أحضانها وهي تبكي قائلة:
"أنا آسفة يا بنتي، عمري ما حسيت أبداً إني كنت بوجعك بالشكل ده. حقك عليا، أنتي عندك حق في كل كلمة قلتيها."
وبعد بضع دقائق قال نبيل في محاولة لتهدئة الموقف:
"ممكن تقعدي يا فرح عشان أنا لسه ما خلصتش كلامي."
فرح وهي تحاول مداراة الغضب الكامن بداخلها: "أرجوك يا نبيل، بلاش تبقى طرف في الصراع ده. أنا عمري ما هسامح منصور، وعمري ما هصفاله أبداً."
ليتنهد نبيل بالم ثم يقول بتمني: "نفسي أرجع لربنا وأنا شايف لمتكم حوالين بعض، هي الأمنية دي كتيرة عليا للدرجة دي؟"
فرح بنشيج: "ماتمسكنيش من إيدي اللي بتوجعني يا نبيل، بلاش عشان خاطري."
نبيل بأسى: "صدقيني يا فرح أنا بعمل كده عشان خاطركم، يمكن ما تفهميش دلوقتي، لكن أكيد هييجي يوم وتفهمي. أنا طلبت من بابا يحضر الفرح، ووافق، و بطلب منك إنك تتقبلي ده وتعتبريها بداية.. أرجوكي."
لينظر كامل إلى فرح قائلاً بهدوء وهو يشير بطرف عينيه إلى نبيل الذي يسكن الوهن على محياه:
"وافقي يا فرح.. عشان خاطر نبيل، ومش لازم يعني نسيح السمن على العسل، كل واحد هيبقى في حاله برضه، بس مايبقاش في القطيعة اللي مضايقة أخوكي دي."
فرح: "أنت اللي بتقول كده بعد كل اللي عمله معاك ومعانا؟"
كامل: "كله يهون عشان خاطر نبيل."
نبيل وهو يحاول إضفاء المرح: "تسلم يا ابن عمي، هو ده العشم برضه."
ليحضر منصور حفل الزفاف بالفعل وسط فرحة نبيل ونادر، واللذان لم يخفى عليهما فرحة رحمة وندا اللتان كانتا طوال الحفل تنظران بسعادة اتجاه أبيهم الذي كان يرسم ابتسامة دبلوماسية على وجهه وهو يحيي المدعوين.
كان حفلاً بسيطاً ولكنه كان مليئاً بالحب والسعادة لكامل وفرح، حتى سليم لم يستطع أن يعكر صفو فرح كعادته برغم تجهمه طوال الحفل والذي أرجعه البعض إلى عدم وجود خطيبته بصحبته. إلا أنه قدم التهانى بصحبة أمه وأبيه وجلس بجوارهم وهو يتابع فقرات الحفل بشرود واضح حتى قالت له سامية بخفوت:
"ما تفرد وشك ده شوية، أنت هتفضل طول القاعدة مكشر كده؟"
سليم: "عاوزاني أعمل إيه يعني؟"
سامية: "لا أنت أول ولا آخر واحد تتفسخ خطوبته يعني، إيه المشكلة؟ عروسة راحت وبكرة ييجي ستة."
تأتي عليهم فاطمة مرحبة بهم وتقول بتساؤل:
"أومال لمياء فين؟ أنت ما عزمتهاش يا سليم ولا إيه؟"
وقبل أن يجيب سليم قال سعد:
"ما خلاص بقى يا أختي، النصيب اتقطع لحد كده."
فاطمة بعبوس: "لا حول ولا قوة إلا بالله، ليه كده بس؟ دول روحهم في بعض."
سامية وهي تنظر لسعد باستياء: "عين وصابتهم يا فاطمة، زي ما يكون حد عمل لهم عمل."
فاطمة برفض: "إيه الكلام الفارغ ده.. عمل إيه وهبل إيه؟ يقعدوا مع بعض ويتصافوا كده وإن شاء الله الأمور ترجع لمجاريها من تاني."
سامية بإيعاز: "فضلوا زي الفل لحد ما كانوا عندكوا في البيت في حفلة نجاح اسم النبي حارسة محمود، ومن ساعتها وهم أكنهم هيولعوا في بعض."
لتنظر لها فاطمة بضيق بعد أن فهمت تلميحاتها المريضة وتقول لسليم:
"خلاص يا سليم، أما تبقى صالحها يا ابني إن شاء الله ما تبقاش تجيبها عندنا تاني عشان ماتتخانقوش مع بعض تاني."
سعد بإحراج من تلميحات زوجته: "أنتي فهمتي إيه بس يا فاطمة؟ سامية ماتقصدش، مانتي عارفاها مدب وما بتعرفش تختار كلامها."
فاطمة وهي تتركهم للذهاب لباقي المدعوين: "عادي يا سعد، مانا عارفة يا أخويا."
وبعد أن تركتهم فاطمة نظر سعد بغيظ لسامية قائلاً:
"هو أنت مافيش فايدة في لسانك اللي عاوز ينقص حتة ده."
سامية باعتراض: "وهو أنا قلت إيه؟ مش هو ده اللي حصل؟ رقعوا الواد وخطيبته عين جابوهم الأرض."
سعد برفض: "هم برضه اللي رقعوه عين، ولا المحروس ابنك اللي اتغاظ وغار لما عرف إن فرح هتتجوز."
سامية: "وهيغير ليه إن شاء الله؟"
سعد: "عشان بيحبها طول عمره يا ست سامية، بس منها لله بقى اللي كانت كل ما تتكلم تزم فيها وتطلع عليها كلام ما يتقالش، وهو فضل ماشي ورا الكلام وهو متغمي لحد ما فاق وهي رايحة منه."
سامية بغضب وهي تحاول السيطرة على نبرات صوتها: "أنت شكلك كبرت وخرفت."
سعد بكيد: "ولمياء كمان خرفت، أهي هي اللي فهمت لوحدها وعشان كده بعدت واشترت كرامتها، وأهو بعد ما كنتي بتعايريها وتسمي بدنها في الرايحة والجاية، ابنك اللي خاب وقعد جنبك بحسرته. منك لله يا شيخة."
كان سليم يتابع كل كلمة تدور بين أبويه وهو ينظر بوجوم لفرح والتي وإن كانت تبدو عليها بعض مظاهر الرهبة إلا أنها كانت رائعة الجمال في ثوب زفافها، وكامل الذي تبدو السعادة على وجهه وضحكاته التي لم تنقطع لحظة واحدة.
حتى جاءت لحظة عقد القران ليذهب نبيل وهو يسحب فرح بحب اتجاه المائدة المعدة لعقد القران، ومعهم كامل ليضع كامل يده في يد نبيل وأخذا يرددان وراء القاضي الشرعي ما يمليه عليهما من كلمات باركت زواجهما. وما إن استدعى القاضي الشاهدان للتوقيع إلا وفوجئت فرح أن الشاهدان لم يكونا سوى منصور وإبراهيم. فنظرت بعتاب غاضب إلى نبيل الذي دسها بين أحضانه ومال على أذنها قائلاً:
"افرحي يا فرح، عيشي اللي جاي وانسى اللي راح بقى، وأقسم لك إني عملت كده عشانك أنتِ مش عشان حد تاني.. أوعي تزعلي مني.. أنتِ عارفة أنا بحبك قد إيه."
لتتنهد فرح وتبادله الاحتضان وتقول: "ماشي يا نبيل مش هزعل منك بس عشان خاطري بطل تفاجئني تاني."
نبيل بشرود: "المفاجأة المرة الجاية مش هتبقى بمزاجي صدقيني."
فرح بريبة: "تقصد إيه؟"
ليبتسم نبيل ويقول بمرح: "أقصد إني لو ماسيبتكيش دلوقتي حالا كامل ممكن يغتالني."
ليقبل رأسها ويقدم التهنئة لكامل قائلاً: "ألف مبروك يا ابن عمي، ربنا يسعدك."
ليستمر الاحتفال لبعض الوقت، حتى انتهى الزفاف وودع المدعوون الزوجان اللذان انطلقا إلى عشهما الجديد، بعد أن أوصت فرح شقيقها نادر بأن يصطحب نبيل إلى المشفى مرة أخرى للاطمئنان عليه. ولكن نبيل طلب الذهاب للمنزل هذه الليلة ثم العودة إلى المشفى في اليوم التالي.
وصلت فرح بصحبة كامل إلى منزلهما بصحبة أشقائها جميعاً وهم يزفونها في جو من البهجة. ووضعت شقيقاتها لهما الكثير من المأكولات والمشروبات والحلوى في البراد وغادر الجميع وسط الدعوات الصادقة لهما بالسعادة والهناء.
وبعد أن خلا المنزل عليهما، كانت فرح تكاد تفقد الوعي من رهبتها، وكأنها عند موافقتها على الزواج كانت تعتقد أنه لن يصل أبداً إلى تلك الخطوة الجدية التي طالما رفضتها سابقاً. وعندما لاحظ كامل عليها ذلك قال:
"إيه يا فرح مالك.. حاسك متاخدة وخايفة كده ليه؟"
فرح: "بصراحة ما كنتش فاكرة أبداً إننا هنوصل للحظة دي."
كامل بمرح: "ليه يعني؟ عمرك ما دخلتي لعبة ووصلتي فيها لليفل الوحش؟"
لتنظر له فرح بريبة قائلة: "تقصد إيه؟"
كامل بضحكة صغيرة: "أقصد إني مش هاكلك يا فرح." ثم مد يده إليها بهدوء قائلاً: "تعالى اقعدي.. في كلمتين أحب أقولهم لك."
لتجلس فرح معه وهي تنظر إليه بانتباه فيقول: "في شوية حاجات أحب إنك تعرفيها من البداية عشان إن شاء الله نفضل في سعادة طول عمرنا.. أولاً.. كل شيفتاتنا في المستشفى هتبقى مع بعض، لأني طبعاً ما أحبش إني أرجع البيت ومراتي في الشغل، ونشوف بعض بالصدفة. أكيد مش هتبقى حلوة أبداً."
"ثانياً.. زي ما أنتِ أكيد عرفتي عني.. أنا راجل متعاون جداً، يعني تأكدي إن الحاجة اللي أكون بعرف أعملها هتلاقيني بعملها معاكي من غير ما تطلبي مني، لكن في المقابل.. أنا راجل بحب النظام والترتيب والنضافة في كل حاجة وفي كل وقت.. يعني مش معنى إني بساعدك إني ألاقيكي تهملي في واجباتك."
"ثالثاً.. إن شاء الله لما ربنا يرزقنا بولاد.. يوم ما أحس إنك مش قادرة توفقي بين شغلك وبينهم رغم مساعدتي ليكي اللي عمرها ما هتنفطع إلا إني وقتها ممكن أفضل مصلحة ولادنا على مصلحة شغلك."
كانت فرح تستمع إليه وترتسم على وجهها علامات البلاهة، وكأن كامل يتحدث بلغة لا تفهمها. ولكن عندما قال جملته الأخيرة وجدها تقول بجدية:
"بس أنا مش عاوزة ولاد، ومش ناوية أخلف يا كامل."
كامل بتعجب: "وليه مش عاوزة ولاد؟ عشان شغلك؟"
فرح برفض: "لا مش عشان شغلي، لكن عشان ده قرار أنا واخداه من سنين."
كامل بفضول: "وقرار إيه ده بقى اللي انتي واخداه من سنين يا ترى؟"
فرح: "إني مش هجيب للمجتمع حد معقد من تاني، المجتمع مش ناقص."
كامل وكأنه يثبر أغوارها: "تقصدي إيه بحد معقد من تاني؟ هو مين الأولاني؟"
فرح وهي تنظر أمامها بجمود: "أنا."
كامل: "وأنتی شايفة إنك معقدة؟"
فرح وقد بدت عليها علامات الخجل: "أيوه."
كامل: "رغم إني مش شايف أبداً إنك كده، لكن أنتي كدكتورة، ليه ما لجأتيش لحد متخصص وطلبتي المساعدة؟"
فرح: "تقصد أروح لدكتور نفسي؟"
كامل: "وليه لأ، طالما أنك حاسة إن عندك خلل من جواكي."
فرح وهي تزدرد لعابها: "أيوه، بس المرضى بتوعي إزاي هيثقوا فيا لو حد فيهم عرف إني بتعالج عند دكتور نفسي؟"
كامل: "وهما هيعرفوا منين وإزاي، ثم إن الدكتور النفسي دلوقتي زيه زي أي دكتور، أعتقد إن الناس مفهومها للحكاية دي اتطور. مابقاش زي زمان."
فرح برفض: "مش حقيقي، في حاجات بتفضل راسخة جوانا مهما العلم والتطور حاربها بتفضل متأصلة جوانا بجذورها مابتتخلعش أبداً."
كامل: "ورغم ذلك برضه مش عذر، وأنا ممكن أساعدك وأشوف لك حد ثقة."
فرح بذهول: "أنت؟"
كامل ببساطة: "أيوه أنا، المفروض إني دلوقتي بقيت جوزك، وإني أكتر واحد يهمني مصلحتك."
فرح بحمحمة: "نبقى نتكلم في الموضوع ده بعدين."
كامل برفض: "لا يا فرح مش بعدين، ودي رابع حاجة لازم تعرفيها عني.. إني مابحبش الهروب، بحب المواجهة، زي ما بيقولوا بحب أقطع عرق وأسيح دمه. دايماً المواجهة بتبقى أقصر الطرق لحل المشاكل، وأنتي لازم تتصالحي مع نفسك لأني مش هتنازل أبداً إن يبقى عندي ولاد. ورغم إن بكلامك ده ظلمتيني لأنك حطيتيني في كفة واحدة مع منصور واتهمتيني بإني ممكن أغدر بيكي وبولادنا زي ما هو عمل."
فرح باحراج: "أنا ماقلتش كده."
كامل بتنهيدة: "كلامك معناه كده يا فرح، بس أنا عشان مقدر اللي حصل معاكي مش هعاتبك ولا هلومك، بس هقوم بواجبي ناحيتك."
فرح: "واجبك ناحيتي اللي هو إيه بالظبط؟"
كامل بابتسامة حنونة: "إني أثبت لك إني نسخة تانية خالص من الرجالة ما اتعاملتيش معاها قبل كده.. وزي ما هثبت لك برضه إني مش منصور."
كان نبيل قد قضى ليلته بمنزل منصور ثم عاد إلى غرفته بالمشفى مرة أخرى في اليوم التالي، وكانت فرح تتحدث إليه هاتفياً كل صباح وهي توصيه بنفسه وتوصي نادر بأن يتابع مع طبيبه المختص ويبلغها كل المستجدات أولاً بأول.
في اليوم الرابع، قامت فرح بمهاتفة نبيل كالعادة لتسمع صوته يأتيها واهناً بشدة وهو يقول:
"فرح.. الحمد لله إني سمعت صوتك."
فرح بجزع: "مالك يا نبيل، أنت تعبان؟ نادر فين وما كلمنيش ليه؟"
نبيل وهو يلتقط أنفاسه بصعوبة والألم يبدو بشدة على نبرات صوته: "أنا منعته يكلمك."
فرح: "أنا جايلك حالا."
لتغلق الهاتف وهي تنادي كامل بصوت كالصراخ قائلة:
"الحقني يا كامل!"
ليأتيها كامل منزعجاً وهو يقول بلهفة: "في إيه؟"
فرح وهي تتناول ملابسها وترتديها بسرعة وصوتها يرتعش من الانفعال والقلق: "نبيل يا كامل، نبيل تعبان قوي لازم نروح له حالا."
وما هي إلا نصف الساعة حتى كانت فرح بصحبة كامل بحجرة نبيل بالمشفى، والتي وجدوا بها منصور ونادر ودولت وهم في حالة يرثى لها من البكاء والحزن. فاتجهت فرح من فورها إلى فراش نبيل الذي كان يرقد عليه بضعف وهن شديدين فقالت برهبة:
"إيه اللي حصل؟ أنت كنت كويس امبارح.. إيه اللي حصل؟"
نبيل وهو يهز رأسه برفض: "عمري ما كنت كويس يا فرح، كل الحكاية إن قدرتي على التمثيل راحت، ما بقيتش قادر أمثل أكتر من كده." ثم نظر لكامل قائلاً: "عاوز مسكن قوي يا كامل، الدكتور اتأخر قوي، والألم بقى فوق احتمالي."
ليخرج كامل هاتفه من جيب بنطاله ويقوم بمهاتفة الطبيب المعالج الذي تعثر في الوصول بسبب الطريق. وبعد قليل كان يحقن نبيل بنوع من أنواع المسكنات ذات القدرة العالية على تسكين الألم. وبعد مرور ما يقرب من العشر دقائق ابتسم نبيل بوهن قائلاً:
"سامحوني، أنا عارف إني حملت على أعصابكم بزيادة بس خلاص هانت."
فرح بنشيج: "ماتقولش كده، أنا محتاجالك جنبي."
لتجد دولت تردد من بين دموعها: "يارب ابني ونور عيني، ضنايا وحتة من قلبي، مش قادرة أشوفه بيتوجع يارب، اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أحييه ما كانت الحياة خير له وتوفه إن كانت الوفاة خير له، وأسألك الإخلاص في القول والشهادة وأسألك الرضاء بالقدر وأعوذ بك من ضراء مضرة ومن فتنة مضلة، اللهم زينا بزينة الإيمان واجعلنا هداة مهتدين يارب العالمين، راضية بقدرك يارب.. اللهم لا اعتراض.. اللهم لا اعتراض." ثم تنخرط في بكاء حار وهي تضم رأس نبيل المستسلم بين أحضانها بهدوء وبابتسامة عذبة تزين ثغره الباهت.
أما نادر فكان يبكي في صمت وهو ينظر إلى توأمه في أحضان أمه تارة وإلى أبيه تارة أخرى بقلق بالغ. فكان منصور هو الآخر يبكي في صمت وعيناه مرتكزتان على ولده لم تطرف أبداً. وظلوا هكذا حتى سمعوا شهقة مكتومة من دولت ثم أخذت تردد في خفوت متقطع: "لله ما أعطى ولله ما أخذ.. أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله."
بعد مرور شهرين على وفاة نبيل كان هناك الكثير من الأحداث التي جرت بسرعة شديدة على غير العادة.
قرر نادر السفر إلى الخارج لاستكمال دراسته، وصرح للجميع عن رغبته في الهجرة وعدم العودة نهائياً إلى أرض الوطن. وقام بالفعل بمراسلة إحدى الجامعات بالخارج وقام بإنهاء كافة الإجراءات ومغادرة البلاد بعد أن عانى من رفض الجميع لتلك الخطوة.
أما دولت فبعد موت نبيل وسفر نادر فقد دخلت في حالة من الزهد في الحياة، وكانت تقضي يومها في العبادة وقراءة القرآن.
أما منصور فقد انقطع تماماً عن الكلام، فهو لم ينطق كلمة واحدة منذ شيع نبيل إلى مثواه الأخير. دخل في حالة من الاكتئاب الحاد الذي حاول إبراهيم إثناء نادر عن السفر بسببها، ولكنه أصر على الابتعاد. لكن إبراهيم بعد أن وجد أن حالة منصور تسوء يوماً بعد يوم قرر أن يصطحبه معه إلى منزله بالقوة وأصر أن يصطحب دولت أيضاً، واستعان بجليسة مقيمة لتقوم على خدمتهم ورعايتهم جميعاً.
أما فرح، فقد دفنت مع نبيل كل ما قد يُنعش روحها، فأهلكت نفسها في العمل، ولولا إصرار كامل على عودتها للمنزل بصحبته لكانت واصلت الليل بالنهار وهي تتابع المرضى وتمرضهم بنفسها مع هيئة التمريض.
حتى جاء يوم، كانت فرح قد عادت إلى المنزل بصحبة كامل الذي ذهب لإعداد بعض الطعام وتركها تصلي فرضها. وبعد أن عاد إليها وجدها تبكي أثناء سجودها وهي تدعو لنبيل وتشكو إلى الله حنينها إليه، فجلس بجوارها حتى فرغت من صلاتها وقال لها:
"مش آن الأوان يا فرح إننا نفوق لحياتنا شوية؟"
فرح: "أنا آسفة يا كامل، أنا عارفة إني مقصرة في حاجات كتير، بس صدقني غصب عني. حاسة إني عاملة زي العيلة الصغيرة اللي فرحت بلعبة جديدة وبلبس جديد، وقبل حتى ما تتلفت، أخده منها من تاني. ما لحقتش أشبع منهم يا كامل، راحوا الاتنين سوا، وحشوني أوي."
كامل: "ومين قال لك بس إن نادر راح هو كمان؟"
فرح: "كلمني النهاردة وقال لي إنه مش راجع تاني أبداً."
كامل: "ده بس عشان لسه صدمة نبيل مؤثرة عليه، لكن مع الوقت هيبتدي يستسلم للأمر الواقع، وهيلاقي نفسه محتاجكم زي ما أنتم محتاجينه بالظبط."
فرح وهي تمسح دموعها: "اللي أنا مستغرباله موقف منصور، كنت معتقده إنه هيثور وهيرفض، لكن..."
كامل: "منصور الله يكون في عونه، اللي حصل مش شوية أبداً. ربنا يصبره هو وطنط دولت."
فرح بتنهيدة: "طنط دولت، الست دي كل يوم بيعدي بستغربها أوي. لما كان نبيل لسه موجود كان إعجابي بيها بيزيد يوم ورا التاني وأنا شايفة إيمانها وثباتها، كنت شايفاها ست مؤمنة أوي يا كامل، والصراحة كنت دايماً بسأل نفسي وأقول إزاي وقعت مع واحد زي منصور، لكن حالة الزهد اللي دخلتها بعد كده خلتني متلخبطة ومش فاهمة."
كامل وهو يجذبها لتنهض من الأرض: "ربنا يعينها ويقويها، مهما كان إيماننا، لكن من حقنا نحزن، وأعتقد إن سفر نادر أثر عليها بزيادة، لكن إن شاء الله برضه حاسس إن كله هيبقى كويس بإذن الله."
رواية لما قالوا دي صبية الفصل الرابع عشر 14 - بقلم ميمي عوالي
في إحدى الليالي بمنزل رحمة، كانت تحاول إرسال صغيرها إلى النوم وهي تجلس بجواره على الفراش تمسد على رأسه بشرود، حتى دخل عليها حسن بهدوء وقال لها بهمس: "إيه يارحمة، انتي هتفضلي قاعدة كده كتير؟"
التفتت إليه رحمة قائلة: "أول بس ما آدم ينام هاجي على طول."
حسن وهو يشير إلى صغيره الغارق في النوم: "آدم نام من بدري وقرب يصحى، إيه اللي واخد عقلك؟"
التفتت رحمة إلى صغيرها للتأكد من حديث زوجها لتجده بالفعل مستغرقاً في نومه، لتهندم غطاءه وتطمئن على شقيقته وتطفئ الأنوار وتتجه إلى خارج الغرفة بصحبة زوجها. وما إن دلفت إلى غرفتها حتى قال لها حسن بحنان: "مش ناوية تفوقي بقى يا رحمة؟"
رحمة: "أفوق إزاي مش فاهمة؟"
حسن بلين: "يعني يا حبيبتي تنفضي بقى الحزن ده من على كتفك، أنا كل ما أقول إنك فوقتي، ألاقيكي رجعتي من تاني لنفس الحالة، إحنا بقالنا على الموال ده خمس سنين دلوقتي."
رحمة باستغراب: "ياااه، خمس سنين بحالهم؟"
حسن: "أيوه يا حبيبتي خمس سنين، فوقي بقى يارحمة ولادك محتاجينك."
رحمة: "بس أنا مش مقصرة مع الولاد يا حسن."
حسن: "حبيبتي أنا عارف ومتأكد كمان من الكلام ده، أنا أقصد إن آدم دلوقتي خلاص دخل المدرسة وبلان هي كمان كلها سنة وهنقدم لها في البيبي كلاس، وإنتي مجهودك هيتضاعف بزيادة، يعني محتاجة تكون نفسيتك تمام عشان تقدري تواصلي."
رحمة بحزن: "وإيه اللي بيحصل حوالينا بس يساعد إن نفسية الواحد تبقى متظبطة؟"
حسن: "يا حبيبتي قولي الحمد لله، إحنا أحسن من غيرنا بكتير."
رحمة: "الحمد لله، أنا بس صعبان عليا إخواتي وبرغم كل شيء إلا إني برضه صعبان عليا بابا وخصوصاً بعد موت طنط دولت الله يرحمها، حاساه بقى عايش في دنيا تانية وإحنا متكتفين ومش عارفين نعمل حاجة."
حسن بتنهيدة: "ونادر لآخر اللي ساب البلد وهج ومصمم إنه ما يرجعش تاني."
رحمة بحزن: "محمل بابا كل اللي حصل لنبيل، وآخر مرة كلمنا بعض فيها لما حاولت أقنعه يرجع حتى عشان خاطر بابا، قالي كلام يوجع أوي يا حسن."
حسن بفضول: "قال إيه؟"
رحمة بدموع: "قالي أنا اتكويت بموت نبيل ومن بعده ماما اللي ماتت من حزنها، ويمكن يكون كل اللي حصل ده عشان ربنا بيعاقب بابا على كل اللي عمله، وكل اللي بيقرب منه بياخد نصيبه وجع وفراق."
حسن باستياء: "لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، مين بس اللي قال الكلام ده، هو إحنا هنقعد بقى نفند ونفسر كل حاجة على كيفنا، وبعدين مين فينا يقدر يعترض على إرادة ربنا؟"
رحمة: "حاشا لله، استغفر الله العظيم، ربنا يعفو عنا ويعافينا يارب، بس أنا كلامه وجعني وخلاني افتكرت كل اللي حصل معانا السنين اللي فاتت دي كلها، افتكرت يتمنا أنا وإخواتي وأبونا عايش على وش الأرض، افتكرت أول مرة شفته لما عمي صمم يعزمنا كلنا قبل ما نتجوز، افتكرت إن عمي كان شاري خاطره رغم إن عمره ما اشترى خاطر حد فينا، افتكرت عنجهيته وقسوته، افتكرت كسرة خاطري وخاطر ندا في كل كلمة كان بيقولهالنا على مصاريف جوازنا وكأنه بيمن علينا بيها، افتكرت فرح وإصرارها إنها تبعد عنه وتعاقبه بنفس أسلوبه، افتكرت نبيل الله يرحمه وهو بيشحتهولنا أنا وإخواتي وهو كان بيبصلنا بكل صلف وغرور وعنجهية ومحسسنا إن مجرد كلامه معانا إنه بيمن علينا.. وإن كوننا شايلين اسمه فده في حد ذاته جميل كبير له في رقبتنا، ورغم كل ده.. إلا إني برضه موجوعة عشانه."
حسن: "هنفضل نقلب في المواجع كده كتير؟"
رحمة: "أنا آسفة يا حسن، أنا عارفة إنك مستحملني بقالك فترة كبيرة ومش عايز تزعلني."
حسن وهو يجذبها لأحضانه: "حبيبتي أنا مش متحملك ولا حاجة، أنا بس مضايق عشانك، وحاسس إني متكتف ومشلول وأنا مش قادر أعمل لك حاجة."
رحمة بامتنان: "حبيبي كفاية إني أحس إنك حاسس باللي فيا، دي لوحدها عندي حاجة كبيرة أوي."
حسن: "أنا شايف بابا متمسك بعمي إنه يفضل عنده، لكن لو تحبي أنا ممكن أقنع بابا يسيبه ييجي يقعد عندنا ولو حتى كام يوم أكأنه بيغير جو."
رحمة وهي تبحث في وجه حسن عن أي معالم للمراوغة: "إنت بتتكلم جد يا حسن، ممكن فعلاً نستقبل بابا عندنا وهو في الحالة دي؟"
حسن: "لو إنتي عايزة ده، فأنا ما عنديش أي مانع، ومن الصبح هكلم بابا وأقنعه كمان."
رحمة بتفكير: "طب اسمع، ندا مجمعانا عندها يوم الخميس بالليل، إيه رأيك نقول لعمو يجيب معاه بابا، وييجي معانا على هنا؟"
حسن وهو يدير التفاصيل بذهنه: "ماشي، هكلم بابا وأرتب معاه."
***
في مستشفى كامل، كان كامل قد أنهى عمله ويجلس بمكتبه في انتظار فرح وهو يراجع بعض الأوراق الخاصة بالعمل، حتى دلفت إليه فرح وهي تقول: "أنا جاهزة يا كامل، تحب نمشي دلوقتي ولا قدامك شوية؟"
كامل بانتباه: "أنا كمان جاهز، هوصلك وارجع على هنا أكمل شوية إداريات كده وهرجعلك تاني في ميعادك."
فرح بتعاطف: "إنت عملت كذا عملية النهاردة وواقف على رجلك طول اليوم، خليك انت مرتاح وأنا هروح، ولما أخلص هكلمك ونقابل في البيت أو حتى عند ماما وأنا بجيب الولاد."
كامل وهو يلملم أوراقه ويضعها بمغلفها: "لا يا ستي ماتشغليش بالك بيا، أنا هبقى متطمن أكتر أما أوصلك وارجع آخدك ونروح نجيب الولاد سوا."
فرح بقلة حيلة: "على راحتك، أنا كنت عاملة على تعبك."
كامل بابتسامة: "لا يا ستي ماتقلقيش أنا مابتعبش وأنا معاكي."
ليتجه معاً إلى السيارة وينطلقا بطريقهما، حتى هبطت فرح من السيارة وهي تقول: "بعد ساعة ونص بالظبط إن شاء الله هتلاقيني واقفة مستنياك."
يومئ لها كامل بابتسامة ويدير السيارة ويبتعد بها وهو يراقب فرح بمرآة السيارة وهي تدلف إلى مدخل العقار الراقي وهو يتذكر ما دار بينه وبين فرح منذ ثلاث سنوات مضت.
***
**فلاش باك**
كانت فرح بالمطبخ تعد طعام الغداء بمساعدة كامل كعادتهما سوياً، وأثناء حديثها مع كامل لاحظت صمته على غير العادة فقالت: "مالك يا كامل، حاساك مش على طبيعتك، إنت في حاجة شاغلاك أو مضايقاك؟"
كامل: "أبدا، بس عندي ضرس بيوجعني وحاسس إنه مقرفني."
فرح: "اكيد طبعاً، سلامتك.. طب ما خليتش دكتور صلاح يبصلك عليه ليه قبل ما نروح؟"
كامل: "بصلي عليه وعملي أشعة، وأداني مضاد حيوي عشان اللثة ملتهبة، وقاللي خد مسكن ومستني أتغدا عشان أقدر آخد."
فرح: "طب يللا خلاص الأكل جهز، كل وخد المسكن، بس هتاخد إيه؟"
كامل: "هبقى آخد قرص من عندك."
فرح: "ماشي، وطبعاً ما جبتش عشان عارف إن شنطتي دايما لا تخلو من المسكن."
بعد الغداء، اتجهت فرح إلى تنظيف المائدة والأواني وهي تقول: "روح انت اغسل إيدك على ما أنضف الدنيا وأعملك حاجة تشربها مع المسكن."
ليتجه كامل إلى حجرتهم بعد أن غسل يديه وهو يقول بألم: "أنا هاخد قرص مسكن من شنطتك يا فرح." ولكن فرح لم تستمع إليه نتيجة صوت المياه، ليتجه كامل إلى حقيبة يدها ويقوم بفتحها، وعند النظر بداخلها وجد أكثر من شريط يحتوي على أقراص دوائية، وعندما جذبهم لينتقي الأقوى وجد من بين الشرائط نوعاً لا ينتمي للمسكنات، بل هو مانع للحمل، ليسقط في يده، فهو يتذكر مصارحة فرح له ليلة زفافهم أنها لا تريد الإنجاب ولكن بعد حديثهما معاً وإقناعه لها بأن ترتاد إحدى عيادات الطب النفسي للتخلص من مخاوفها، اعتقد أنها قد تخلصت من بعض تلك الوساوس.. خاصة بعد تقبلها الجزئي للتعامل مع منصور، وبرغم أنه لم يكن تعاملاً كابنة وأبيها إلا أن الجميع قد اعتبر ذلك تطوراً عظيماً.
ظل كامل ينظر إلى الشريط الدوائي بيده وهو غارق في تفكيره والتساؤلات تكاد تفتك برأسه، إلا أنه عندما سمع صوت خطواتها تقترب منه، أعاد شرائط العقارات سريعاً إلى حقيبتها، وأعاد الحقيبة مكانها، وعندما دخلت عليه فرح وبيدها كوب من الماء، وجدته واقفاً جامداً مكانه فقالت: "إيه يا كامل.. أجيبلك بقى المسكن؟"
ليتجه إلى الفراش ويجلس عليه بهدوء قائلاً: "آه ياريت."
تناولته فرح المسكن والماء، ليتناوله ثم قال: "شكراً يا فرح، أنا كنت عايز أسألك، إنتي عاملة إيه مع دكتورة إيمان؟"
فرح بتركيز: "دكتورة إيمان مين؟"
كامل: "الدكتورة النفسية بتاعتك."
فرح: "آآه، عادي."
كامل: "يعني إيه عادي، حاسة إنك بتتقدمي معاها ولا لسه خايفة؟"
لتنظر فرح لكامل وكأنها تستشف ما يدور برأسه ثم تقول: "أنا طبعاً حاسة إن في فرق.. بس لسه."
كامل: "لسه إيه بالظبط؟"
فرح بلجلجة: "لسه يا كامل، لسه مش حاسة إني رجعت لروحي."
كامل بتنهيدة تحمل الألم: "كنت عايز أسألك سؤال مهم."
فرح: "اسأل."
كامل: "يا ترى مشاعرك ناحيتي ما اتحركتش؟"
فرح بخجل: "تقصد إيه؟"
كامل وهو يجذبها لتجلس بجواره: "أقصد إننا متجوزين دلوقتي بقالنا سنتين وبقى في بينا عشرة وود ورحمة، هل العشرة دي ما حركتش مشاعرك من ناحيتي، هل إحساسك بكامل النهاردة هو نفس إحساسك بكامل يوم ما اتجوزنا؟"
فرح وهي تنظر أرضاً: "لا طبعاً، أكيد في فرق."
كامل: "ويا ترى بقى إيه الفرق؟"
فرح: "يعني يا كامل، العشرة أكيد غيرت حاجات كتير بس أنا مش هعرف أشرح لك بالظبط."
ليمد كامل أنامله إلى ذقنها وهو يرفع وجهها لتتلاقى أعينهما ليقول بفضول يتملكه الأمل: "حبيتيني يا فرح؟"
فرح وهي تحاول أن تهرب بعينيها لتستطيع السيطرة على خجلها: "إنت إيه اللي حصل لك النهاردة، هو كل اللي أسنانة بتوجعه بيبقى كده؟"
كامل بإصرار: "حبيتيني يا فرح ولا لسه ما عندكيش ثقة فيا؟"
فرح باستغراب: "أنا بثق فيك يا كامل، إنت ليه بتقول كده؟"
كامل وهو يتجول بين عينيها: "لو كنتي بتثقي فيا.. ما كنتيش صممتي تنفذي اللي في دماغك من غير ما تصارحيني."
فرح بدهشة: "أصارحك بإيه، أنا مش فاهمة حاجة."
كامل وهو يشير بعينيه إلى حقيبتها: "طلعي شرايط الأدوية من شنطتك."
لتسقط بيد فرح، فقد تيقنت على الفور ماهية ما يتحدث عنه كامل، لتنظر إلى حقيبتها ببهوت ثم تنظر لكامل بتردد وتقول: "ما قدرتش.. سامحني."
كامل وقد بدأت تتغير نبرة صوته لتنم عن الألم: "ببساطة كده، أسامحك بالبساطة دي وإنتي بتضحكي عليا وبتغشيني يا فرح؟"
فرح بصدمة: "أنا بغشك يا كامل؟"
كامل بغضب لم تراه منه فرح من قبل: "أومال إنتي مفكرة اللي عملتيه ده إيه، لما تعملي حاجة زي كده من ورايا يبقى اسمه إيه، من يوم ما اتجوزنا وأنا مفهمك إني أكتر حاجة بحبها الصراحة والصدق، ليه تكدبي عليا؟"
فرح والدموع تهدد عينيها بالانحدار: "أنا ما كذبتش عليك."
كامل بحزم: "خبيتي عليا حاجة عملتيها، كنا اتفقنا عليها إنها ماتتعملش يا فرح."
فرح بنشيج: "ما قدرتش."
كامل باستنكار: "ما قدرتيش على إيه بالظبط، ما قدرتيش تثقي فيا؟"
فرح برفض: "أنا بثق فيك، وبحبك."
كامل بغضب: "مش حقيقي، رفضك الخلفة من البداية كان عدم ثقة في الرجالة اللي أنا منهم من وجهة نظرك، ولو كنتي حبيبتيني زي ما بتقولي كنتي على الأقل وثقتي فيا، وما كنتيش تخدعيني."
فرح برفض وسط بكاء شديد: "مش حقيقي.. خوف مش عدم ثقة، خوف مني مش منك، خوف يطلعوا مشوهين من جوه زيي، خوف إنك تزهق من الهوة اللي جوايا وتبعد عني ويبقى مصيرهم نفس مصيري، خوف من إني ما أقدرش أخليهم يحبوا الدنيا والناس زي البشر الطبيعيين، خوف من إني أبقى أم فاشلة ما تقدرش تحسس ولادها بالحنان والحب اللي اتحرمت منهم طول عمري لأن فاقد الشيء لا يعطيه يا كامل، تقدر تقوليلي إمتى حسيت بحبي ليك رغم إنك بقيت النفس اللي بتنفسه، طبعاً ما حصلتش.. تعرف ليه، لأني اتصبت في قالب جامد من سنين وفضلت فيه طول عمري لحد ما ضاق عليا وخنقني ومش عارفة حتى أخرج منه، أوقات كتير واحنا قاعدين نتفرج على فيلم ولا مسلسل وييجي مشهد رومانسي، ببقى نفسي أبصلك وأصارحلك بحبي اللي عمري ما فكرت إنه يحصل في يوم من الأيام، لكن ما كنتش بقدر، لساني كان بيتربط، في عز الأوقات اللي كنت بتصارحني فيهم بحبك كنت ببقى نفسي حتى أقدر أقول لك وأنا كمان، بس ما كنتش بعرف، كنت بحس بقمة الفشل وأنا في حضنك، مش عاوزة أجيب ولاد يورثوا الفشل مني يا كامل."
كانت فرح تتحدث من وسط نشيجها المتواصل والحار في نفس الوقت، وكان كامل يراقب انفعالها وهو جامد مكانه للمرة الأولى دون محاولة تهدئتها. وعندما انتهت من حديثها نظر لها نظرة ملؤها العتاب والألم واتجه إلى خارج الغرفة. لتنهض فرح بفزع وتتشبث به قائلة: "لا يا كامل أرجوك، اوعى تسيبني وانت زعلان مني.. مش هقدر."
كامل بمرارة: "رغم إنك قدرتي تخدعيني."
لتتشبث به بقوة أكبر وهي تقول: "أنا عارفة إني غلطت وغلطة كبيرة أوي كمان، لكن أرجوك سميها أي حاجة تانية إلا الخداع يا كامل أرجوك."
كامل: "أي تسمية تانية هتؤدي لنفس المعنى ونفس النتيجة يا فرح."
فرح برعب: "نتيجة إيه يا كامل، هتسيبني.. هتسيبني يا كامل، مع أول مشكلة هتتخلي عني يا كامل؟"
كامل: "إنتي شايفة إن دي مشكلة؟"
فرح بإنهاك من أثر البكاء: "غلطة يا كامل، غلطت، ما عنديش ثقة في نفسي، اقف جنبي زي عادتك وساعدني إني أرجع ثقتي في نفسي، لا.. غلط.. أنا عمري ما كان عندي ثقة في نفسي.. يبقى تساعدني إن يبقى عندي الثقة دي."
كامل: "سيبيني شوية يا فرح.. محتاج أقعد مع نفسي شوية."
فرح وهي تمسد جبهتها باضطراب وعدم تركيز وهي تنظر تارة لكامل وتارة إلى اللاشيء: "طيب أنااا… أنااا هحاول أنااام، أنااا حاسة إني تعبانة أوي ومش قادرة أفتح عيني." واستدارت لتذهب إلى الفراش ولكنها سقطت أرضاً قبل أن تكمل أولى خطواتها. ليسرع كامل إليها ليجدها عبارة عن كتلة من اللحم البارد والشحوب، ليحملها إلى الفراش ثم بدأت محاولاته لإعادتها إلى الوعي والتي بالكاد استجابت لها بعد أن كاد كامل أن يحملها إلى المشفى.
وما إن بدأت تستعيد الوعي وتتذكر ما حدث وهي تراقب اللهفة والقلق في عينا كامل حتى قالت بخفوت: "والله بحبك وبثق فيك، بس مابثقش في روحي يا كامل."
ليلتقت كامل أنفاسه وكأنه قد نسي التنفس من فرط قلقه عليها، ومد يده ليحتضن رأسها بين جنبات صدره قائلاً: "ماشي يا فرح هصدقك، لأني بحبك ولأني عايز أصدق إن إنتي كمان بتحبيني."
فرح بأمل: "آه والله يا كامل بحبك، بس اصبر عليا شوية عشان خاطري، أوعدك إني هبذل مجهود أكبر عشان أعمل لك كل اللي إنت بتتمناه."
ليشير كامل إلى حقيبة يدها قائلاً: "أول حاجة تتوقفي تماماً عن الأقراص دي، وهنركز أكتر مع جلسات الدكتورة إيمان، مش عاوزين نضيع ولا معاد، ولو عايزاني أحضر معاكي الجلسات أنا ما عنديش مانع."
فرح وهي تنظر لعينيه وكأنها تبحث عن صدق حديثه: "بجد يا كامل، لو أنا احتاجتك جنبي هتيجي معايا؟"
كامل بتنهيدة: "ومن إمتى وعدت وأخلفت يا فرح، ومن إمتى احتاجتيني جنبك واتخليت عنك؟"
لتندس فرح بين أحضانه قائلة بخفوت: "عمرك…، سامحتني؟"
كامل: "لـ"
لتتجمد للحظة قبل أن ترفع رأسها إليه وبعينيها حيرة وتساؤل ليقول لها كامل: "أنا صدقتك يا فرح، لكن لسه ماسامحتكيش على تصرفك اللي اتصرفتيه من ورايا، وهحتاج وقت عشان أنسى اللي حصل."
فرح بدموع: "والوقت ده هيبقى قد إيه؟"
كامل وهو يقبل رأسها: "إنتي وشطارتك، كل ما هشوف إصرارك على إنك تلتزمي وتتقدمي، هتلاقيني أنا كمان بنسى وبسامح."
فرح: "أوعدك إني هبذل أقصى مجهودي."
ولم تمضِ سوى شهور قليلة، لتزف إليه خبر حملها ليرزقهم الله بتوأم.. إبراهيم ونور، ومن وقتها وهي تواظب على جلسات العلاج النفسي مع طبيبتها المختصة وسط تقدم ملحوظ في تعاملاتها مع الآخرين وخصوصاً منصور، ولكن كامل لم يسمح لها بالتوقف عن تلك الجلسات حتى تعلن الطبيبة بأن فرح قد تخلصت تماماً من عقدتها.
***
**عودة من الفلاش باك**
ليلة الخميس بمنزل ندا.
كان الجميع يتبادلون الأحاديث التي يغلفها الود المتبادل، وكانت فرح بصحبة شقيقتيها وهم يعدون بعض المشروبات للجميع، ليأتيهم كامل وهو يحمل إبراهيم الصغير بين أحضانه وهو يحاول إلهائه عن البكاء وقال لفرح: "خدي إبراهيم يا فرح وشوفي ماله مش مبطل عياط."
تتمدد يدا فرح لصغيرها الذي تشبث بها على الفور لتقول بحب: "مالك يا هيما، إيه يا حبيبي؟" ليهدأ بكاء الصغير بعض الشيء وهو بين أحضان أمه لتقول ندا: "هو تلاقيه بس مخضوض من الدوشة، دخلوه يقعد مع ولاد خالاتهم وهو هينشغل بيهم وهينسى أي حاجة تانية."
كامل: "الولاد قاعدين برة مع جدودهم، مش في أوضة ريتاج، ومحمود وأحمد نزلوا."
رحمة: "يبقى عشان كده، خلاص قعدوه هو كمان وسطهم، الولاد الصغيرين في السن ده بيحبوا يبقوا بين الأطفال."
ندا: "خلاص روحي انتي يا فرح بابنك واقعدي معاهم برة عشان يتطمن."
لتأخذ فرح صغيرها وتذهب للجلوس بالقرب من أمها التي كانت تحمل نور على قدمها، وعمها اللذان يتبادلان الأحاديث مع عادل ويراقبهم منصور بحالة من الشرود. وما إن جلست فرح حتى مد إبراهيم الصغير يده باتجاه ريتاج وآدم، وبلان الجالسة على قدم إبراهيم الكبير، ليقول كامل: "الظاهر رحمة كان عندها حق، هو عايز يقعد بين الولاد، هاتيه لما أقعده وسطهم."
ليأخذه كامل إلى أبيه ليضعه على قدمه الأخرى وهو يقول بمرح: "معلش بقى يا بابا، إبراهيم الصغير طمعان في رجلك الفاضية."
ليضم الجد حفيده بحب قائلاً: "يا سيدي يشرفوا."
ما إن احتضن الجد الصغير حتى تفاجأ الجميع بنور الصغيرة وهي تشير بيدها على تجمع الصغار وكأنها تريد الانضمام إليهم لتقول فاطمة بضحك: "هتروحي فين بقى يا نور، الأماكن كلها اتاخدت."
ليتفاجئوا مرة أخرى بمنصور وهو يمد يده اتجاه نور، وكأنه يدعوها للذهاب إليه، فينظر الجميع تجاه فرح وكامل الذي نظر بدوره لفرح ليعلم رد فعلها، ليجدها قد ذهبت باتجاه فاطمة وانحنت حاملة الصغيرة، ثم استدارت عائدة إلى شقيقتيها مرة أخرى وهي تقول: "أنا هاخدها معايا جوة عشان ما تعيطش زي أخوها."
وعندما عاد كامل ببصره إلى منصور وجده منكسأ رأسه ينظر للأرض دون أي حركة أو حديث تحت نظرات إبراهيم المتألمة لأجله.
وعند خروج رحمة وندا وفرح إليهم مرة أخرى تظل فرح متشبثة بنور ولا تسمح لها بالابتعاد عنها حتى انتهت سهرتهم وقد أقنعت رحمة عمها لأن تصطحب معها منصور لبضعة أيام كنوع من التغيير، وعندما سأل إبراهيم أخيه عن رأيه وجده يومئ رأسه بالموافقة بقلة حيلة وعدم حماس، فكاد أن يثني رحمة عن طلبها ولكن وجدها اقتربت من أبيها وقبلت رأسه وهي تقول بحماس: "والله هتنبط أوي يا بابا، ويمكن ما ترجعش تقعد مع عمي تاني."
إبراهيم بمرح: "بقى دي آخرتها يا ست رحمة، عايزة تاخدي أخويا مني؟"
حسن: "طب وأنا ناخدوه منك ليه يا بابا، ما تيجي حضرتك تقعد معانا ومعاه."
رحمة بحماس: "آه والله يا عمي، تعالى وأهو انت كمان تغير جو."
إبراهيم برفض: "لا يا ستي، أنا مابعرفش أنام غير على سريري."
حسين: "طب ما تجرب السرير عندي يابابا."
حسن بامتعاض: "إحنا هنقطع على بعض يا سي حسين ولا إيه؟"
ندا: "مش قسمة العدل، رحمة تاخد بابا، وإحنا ناخد عمي."
لينتهض كامل قائلاً: "وأنا هاخد مراتي وعيالي وأروح."
فاطمة بضحك: "إيه مش عاوز ينوبك من الحب جانب إنت كمان؟"
كامل ببساطة: "أنا عايزهم يتفقوا وينفذوا، ولو نجحوا في اللي بيقولوه ده.. يبقى كل واحد ياخد دوره بالعدل."
لتنتهي سهرتهم ويذهب منصور بصحبة رحمة وحسن، ويصر إبراهيم على العودة لمنزله بعد أن يوصل منصور إلى منزل حسن ورحمة ويطمئن عليه بنفسه، ويعود كامل إلى منزله بصحبة فرح وأبنائه، وبعد أن أرسلت فرح الصغار إلى النوم وذهبت إلى فراشها وجدت كامل يقول بهدوء: "ممكن أسألك على حاجة؟"
فرح وهي تهرب بعينيها: "حاجة مهمة يعني ماينفعش تتأجل للصبح؟"
كامل: "لا يا فرح ماينفعش تتأجل."
فرح بامتعاض حاولت مداراته: "اسأل يا كامل رغم إني تقريباً عارفة إنت عايز تسألني على إيه."
كامل: "خلاص.. يبقى جاوبي على طول، ولازم تفهمي إني ولا معاكي ولا ضدك، بس عايز أفهم."
فرح وهي تزدرد لعابها ودون النظر لكامل: "مش عارفة."
كامل بفضول: "هو إيه ده اللي مش عارفاه؟"
فرح: "مش عارفة أنا ليه عملت كده، أنا لما لقيته مد إيده لنور وهو بيبصلها وكأنه بيبتسم لها حسيت إنه مش من حقه."
كامل باستنكار: "مش من حقه إيه، دي حفيدته."
فرح بشبه ثورة مدفونة: "وأنا أمها واللي المفروض بنته، بنته اللي عمره ما خدها في حضنه واتسبب في حرمانها من حضن أمها، وبعدين ده حتى عمره ما سلم عليا بالإيد."
كامل: "بس دايماً إحنا اللي بندخل عليه وإنتي اللي مابتسلميش عليه يا فرح."
فرح باستنكار: "إنت عايزني أنا اللي أسلم عليه؟"
كامل: "يعني لو هو اللي سلم عليكي هتسلمي؟"
فرح بجفاء: "لا."
كامل بتنهيدة: "إحنا مش كنا اتخطينا شوية من الجزئية دي وبدئتي تتعاملي عادي، رغم إنك لحد النهاردة مابتقوليلهوش غير يا حاج وعمرك ماقلتيله يا بابا، بس اعتقدت إنك اتخطيتي جزء من المشكلة، يافرح إنتي عارفة موقفي من الموضوع ده، بس كمان، إنسانياً حتى، عمي شبه منتهي، الذبحة اتكررت أكتر من مرة، وشبه مابيتكلمش إلا كل فين وفين وحتى حركته بقت قليلة أوي، يعني لو عايش النهاردة يا عالم بكرة هيبقى فين، أنا بس خايف عليكي لا تأنبك روحك بعد كده."
لتنحدر دموع فرح على وجنتيها، ليقول كامل بامتعاض: "أنا مش بقوللك كده عشان تعيطي، أنا بقوللك كده لأني عايزك تتخطي بقى كل ده."
فرح: "دكتورة إيمان قالتلي ما أعملش أي حاجة غصب عني."
كامل: "وأنا كمان بقول لك نفس الكلام، بس عايزك تصفّي يا فرح، أنا حاسس إنك حتى مش قادرة تفرحي بحاجة، كل حاجة بتاخديها بمنظور الماضي ولو كان منصور عمل أو ما عملش، شيليه بقى من خطوات حياتك اللي فاتت وحاولي تصفّي من جواكي أكتر من كده، بلاش تتعاملي معاه على إنه منصور اللي رفضك، اتعاملي معاه على إنه منصور الإنسان المريض اللي محتاج المساعدة."
فرح وهي تومئ برأسها: "حاضر يا كامل، أوعدك إني هحاول."
كامل وهو يضمها إليه مقبلاً مفرق رأسها: "هي دي حبيبتي اللي دايماً بفتخر بيها واللي عايزها تبقى أحسن وأحن ست في الدنيا كلها."
رواية لما قالوا دي صبية الفصل الخامس عشر 15 - بقلم ميمي عوالي
فى منزل رحمة، كان ابراهيم قد ذهب بصحبتهم حتى يطمئن على راحة منصور. استأذن حسن ورحمة أن ينفرد به لبضع دقائق بغرفته قبل ذهابه.
بعد أن تركهم حسن ورحمة، قال ابراهيم:
"اسمع يا منصور، عاوزك تعرف إن لو عليا أنا مش عاوزك تبعد عني لحظة واحدة، وخصوصاً بعد ما الدنيا فضيت علينا إحنا الاتنين. بس أنا شايف إن دي فرصة ليك إنك تقرب من بناتك. بناتك بيحبوك ونفسهم يشوفوك مرتاح ومبسوط. جرب وصدقني مش هتخسر حاجة. لكن لو في أي وقت حسيت إنك مش عاوز تقعد هنا، كلمني… وهتلاقيني عندك في أقل من نص ساعة. وكمان حسن ورحمة اتفقوا معايا إني هتغدى معاكم كل يوم.. ها.. اتفقنا؟"
يومئ منصور برأسه علامة الموافقة دون أن ينبس بكلمة، وبشئ من اللامبالاة وكأنه ما عاد يفرق معه شيئاً. لينظر إليه أخاه بشئ من الحسرة. فعلى الرغم من اعتراضه طيلة حياته على تصرفات أخيه، إلا أنه يشعر بالأسى تجاه التغيير الذي حدث له. فكان يتمنى أن يكون تغيره بناءً على تفهم واقتناع، وليس تغيراً ناتجاً عن القهر والفقدان.
ومن صباح اليوم التالي، كانت رحمة تولى أباها الكثير من الاهتمام والرعاية، وتتفنن في إرضائه ومحاولة فتح أحاديث قد تجذبه للاشتراك بها. ولكن كان دائماً يستمع لها دون أي تعليق، ولا يجيبها إلا إذا سألته عن شيء، كانت إجابته بلا أو بنعم. فكان تفاعله الأوحد بإيماءة من رأسه علامة القبول أو الرفض. ولكن رحمة لم تيأس، وكان حسن دائماً يساندها، وكذلك ابراهيم وقت مشاركته لهم.
حتى مر أسبوع، وكانت رحمة قد قررت دعوة ندا وفرح وزوجيهما للعشاء معاً وتمضية سهرة الخميس معاً. وبعد أن أنجزت ما يلزم، اتجهت إلى أبيها الجالس في الشرفة وهو يراقب الغروب في هدوء. فانحنت عليه وقبلت رأسه وقالت:
"إيه يا بابا، مش حابب تريح شوية قبل ما أخواتي يوصلوا؟"
ليرفض منصور بحركة رأسه المعتادة. لتسحب رحمة مقعداً وتضعه أمام منصور وتجلس عليه وهي تنظر بعيني أبيها الذي لفت نظره ما فعلته. لتقول بتنهيدة عميقة:
"وبعدهالك يا بابا، هتفضل كده لحد إمتى؟ أنا تقريباً ماسمعتش صوتك من يوم ما جيت غير مرة واحدة كل يوم الصبح وحضرتك بتصبح عليا. ليه يا بابا، ليه حطيت نفسك جوة القمقم ده؟ مش كفاية كده. يا بابا اللي راح ما بيرجعش. صدقني كلنا اتوجعنا بموت نبيل. نبيل الله يرحمه كان اسم على مسمى، كان اسمه نبيل وهو كان فعلاً إنسان نبيل، وكان مؤمن وراضي بقضاء الله. ورغم إن يمكن حضرتك ماتصدقنيش، لكن أقسم لك إن كلنا زعلنا برضه على طنط دولت الله يرحمها. الست دي على الرغم من إن الكل ممكن يشوفها على إنها الست اللي أخدت مكان أمنا، لكن والله كلنا كنا بنحبها وبنحترمها لأنها كانت جميلة من جواها. لكن خلاص دي إرادة ربنا يا بابا، ولازم نكمل حياتنا. أي نعم عمرنا ما هننساهم، لكن ما ينفعش الدنيا تنتهي معاهم. وإحنا محتاجين لك، محتاجين نحس بوجودك في حياتنا. يمكن تكون شايف إن أنا وأخواتي ما نستحقش اهتمامك، لكن صدقني… رغم كل ده… إحنا شايفينك تستحق اهتمامنا وحبنا."
كان منصور قد نظر باتجاه أخرى ما إن بدأت رحمة حديثها. كان ينظر بعيداً ولكنه كان يستمع إلى كل كلمة بتركيز. أدركته رحمة من معالم وجهه التي كانت تموج بالحنين لولده وزوجته. ولكن ما إن استمع إلى الجملتين الأخيرتين حتى عاد بنظراته إلى عيني رحمة. والتي أحست بانتصار ما إن جذبت اهتمامه إليها. فابتسمت وقالت:
"طول عمرك كنت حارمنا من حبك، ادينا فرصة نحسسك إحنا بحبنا، يمكن تقدر تحبنا زي ما بنحبك. نفسي ولادي ذاكرتهم تسجل وجودنا مع بعض ويشوفوا حبك اللي في قلبنا، وتبقى ذكرى حلوة ليهم لما يكبروا يحكوا عليها لأصحابهم. أنا وأخواتي اتحرمنا من الذكريات دي، ادينا فرصة نبني غيرها معاك ومع ولادنا."
تختتم رحمة حديثها بقبلة حنونة على جبين منصور، وتعود إلى الداخل تاركة إياه يموج بين الحاضر والماضي وهو يواصل كشف حساب قد بدأه مع نفسه منذ سنوات دون علم أحد.
ليمُر الوقت ويبدأ الجميع في الحضور، وبصحبتهم ابراهيم كالعادة، والذي يعشقه الصغار ودائماً يلتفون حوله في بهجة وسعادة وهم يتمتعون بدفء أحضانه. ولاحظ الجميع أن ابراهيم يلف كف يده برباط طبي. وعندما سألته عنه رحمة بقلق فور رؤيته، فقالت:
"سلامتك يا عمي، مال إيدك، أوعى تكون وقعت ولا حاجة بعد الشرف."
قال لها ابراهيم باطمئنان:
"أبدا بسيطة، بس الظاهر إنها اتجزعت مني وأنا بقفل بوابة العمارة ورايا امبارح."
تقترب منه ريتاج وتقول بتأثر وهي على وشك البكاء:
"هي بتوجعك أوي يا جدو؟"
إبراهيم بحنان:
"أبدا يا روح جدو، ما بتوجعنيش."
ريتاج:
"طب خلي عمو كامل يكشف عليها هو وخالتو فرح عشان تخف بسرعة."
إبراهيم وهو يضمها إلى صدره بحب:
"حاضر يا حبيبة جدو، وإن شاء الله لما تكبري تبقي دكتورة وأنتي اللي تكشفي علي."
ريتاج بحب:
"لأ يا جدو، أنا عاوزاك تبقى كويس، مش عاوزاك تبقى تعبان."
حسن وهو يحمل ريتاج بمرح:
"إيه يا بت الرقة دي، أنتي عارفة لو بولان ما طلعتش حنينة وعسولة زيك كده، هخلي خالتك ترجعها تاني."
ليقول ابراهيم وهو ينظر لبولان تارة ونور ابنة كامل تارة أخرى:
"بناتنا كلهم حنينين يا حسن، واخدين حنيتهم من أمهاتهم."
حسين بمرح:
"آه طبعاً ومين يشهد للعروسة، خليك أنت مدلعهم كده وناصرهم دايماً علينا."
كامل:
"هو عشان بيقول الحقيقة يبقى بينصرهم عليكم."
حسين بامتعاض مرح:
"يا عم خليك أنت في النحنحة بتاعتك مش ناقصاك، مش كفاية أنت السبب إني أغسل المواعين."
ندا بتوعد:
"وبعدهالك يا حسين، مش قلنا شئوننا الداخلية دي بيننا وبين بعضينا."
حسين باستياء:
"حاضر يا جناب الكوماندا المهمل."
يستمرون لبعض الوقت في جو من المرح والبهجة وسط مراقبة منصور الصامتة، حتى قالت لهم رحمة:
"طب يالا نتعشا الأول عشان الأكل ما يبردش، ولا إيه؟"
ليلتف الجميع حول مائدة الطعام، لتتولى رحمة أباها اهتمامها الأوحد، وتتولى ندا مساعدة عمها في تحضير صحنه وتناوله. أما فرح فقد أولت اهتمامها بكل الصغار بمساعدة كامل وسط مشاكسات حسن وحسين.
وكان منصور طوال الوقت يراقب بناته الثلاث واهتمامهن وحنوهن على الجميع، وكم هن سنداً لبعضهن البعض دون اتفاق مسبق أو تذمر أو شكوى. فكان يتنقل بعينيه بين رحمة وهي تضع له الطعام بصحنه بعد تهيئته الكاملة ليتناوله دون أي مشقة، والبسمة على محياها لم تفارقها أبداً. وكان كلما توقف عن الطعام تدس له شيئاً بفمه وهي تحايله كالصغار.
وعندما كان يتابع ندا، كان يجدها تفعل مع شقيقه ما تفعله رحمة معه، وبذات المحبة والابتسامة الصافية التي وإن نمت عن شيء فإنما تنم عن حب صادق لا رياء فيه.
أما فرح، فكان يتابعها بشيء من الحذر. فكان يلاحظ أنها تبادله بعض النظرات وهي تختلس النظر إليه وإلى رحمة وهي تساعده وتعتني به. كان يشعر بحنوها على الصغار، ولكن عند تلاقي أعينهم كان يجد نظرة لم يرها بعينها من قبل. فكان في السابق وحتى موت نبيل كان كلما تلاقت أعينهم لا يجد إلا كل رفض وحدة، لتتحول النظرة رويداً رويداً إلى لوم وعتاب يطفح بالمرارة، حتى بدأت تلقي إليه كلمة من هنا تارة ومن هناك تارة أخرى. ولكنها قلما ما كانت تتعدى جملتها الأشهر والتي تكاد تكون الأوحد… "ازيك يا حاج"، وكانت تصاحبها نظرة زجاجية لا تفصح عن أي معنى.
أما اليوم، فعينيها تمتلئ بنظرة غامضة. لا.. ليست نظرة غضب كالسابق، وليست عتاباً أيضاً، ولكنه فشل في تفسيرها فشلاً ذريعاً جعله ينشغل بمتابعتها لعله يستطيع فهم تلك المعضلة الغامضة.
بعد انتهاء الطعام، انشغلت الشقيقات بتنظيف المكان كالعادة. ليجتمع الرجال والأطفال معاً وهم يتبادلون الأحاديث وسط انشغال منصور بمتابعة حركة بناته وأحفاده. وفي أثناء تجمع الصغار ولهوهم حول ابراهيم، كانت نور تمسك بيدها ثمرة فاكهة تأكلها ببطء شديد. ثم تتعثر لتقع تحت أقدام منصور وتتدحرج ثمرة الفاكهة بعيداً. ليسرع منصور بانتشالها ومساعدتها على الاعتدال، وهو يمد يده لها بثمرة فاكهة جديدة، لتأخذها من يده وهي تحاول الصعود فوق أقدامه، ليساعدها كي تستقر بين أحضانه. وبدأت في قطم الفاكهة وهي تتابع ما يدور من حولها دون ضجة وهي تستند لصدر جدها بين ذراعه الذي التف حول جذعها بإحكام.
وكان كامل يتابع صغيرته، وما إن شاهد ما حدث توجه بعينيه فوراً اتجاه فرح ليعلم أن كانت رأت ما حدث. وما إن التفت للوراء حتى رآها وهي تلملم بقايا الطعام من فوق المائدة. ولكنها ما إن رأت ما حدث حتى توقفت عن ما كانت تفعل، وظلت تنظر لمنصور الذي وجدته يربت براحة يده بهدوء على قدم نور وهو يبادلها النظرات وهو ينتظر أن تنزعها من بين أحضانه في أقرب لحظة. ولكن فرح ظلت تنظر إليه فينة وإلى ابنتها المستمتعة بجلستها فينة أخرى. ثم استدارت وعادت إلى شقيقاتها. ليبتسم كامل براحة وهو يدعو الله أن يغسل صدرها من كل ألم مر عليها.
وبعد مضي بعض الوقت، كانت الفتيات قد عدن لمجالسة أزواجهن والجميع. لتلاحظ فرح أن نور قد ذهبت في سبات عميق بأحضان جدها الذي ضمها إلى صدره بحماية، ويده لم تنقطع عن الربت عليها بهدوء. ليقول لها كامل:
"تاخدي نور تنيميها جوة يا فرح ولا أخدها أنا؟"
تقول فرح بانتباه:
"أنا هاخدها."
لتنهض متجهة إلى أبيها. وما إن كادت أن تميل عليه لتتلقى صغيرتها إلا وتتفاجأ بمنصور ينهض بهدوء وهو يحتضن نور وقال:
"أنا هدخلها."
فرح بتردد:
"عنك أنت يا حاج، أنا هدخلها، عشان أغطيها."
منصور:
"تعالي غطيها، بس أنا هدخلها."
لترضخ فرح لما قاله منصور الذي لم ينبس بذلك العدد من الكلمات منذ شهور عدة… بل لسنوات إن صح التعليق. وتركته فرح يذهب أمامها، فوجدته يذهب إلى الغرفة التي خصصتها له رحمة. فلم تحاول الاعتراض، وذهبت ورائه وهي لا تعلم كم العيون التي تشيعهم في ذهول ممزوج بالفضول الشديد. إذ قال حسين بخفوت وهو ينظر لكامل:
"هو إيه الحكاية؟ من إمتى عمي بيهتم كده ببنت من البنات؟"
إبراهيم بتمني:
"يمكن يا ابني ربنا يكون رايد له إن الغمامة اللي كانت على عينيه إنها تتشال."
حسن:
"الحقيقة اللي أنا مستغربله أكتر هو رد فعل فرح مش تصرف عمي. أنا ملاحظ إن عمي انكسر بموت نبيل وطنط دولت الله يرحمهم، وكمان بعد نادر وإحساسه إن نادر رافضه ورافض يتعامل معاه. لكن فرح الصراحة اللي فاجأتني برد فعلها ده. أنا تخيلت إنها هتعمل زي أما كنا عند ندا."
ندا:
"يا جماعة إحنا لازم نشوف حل مع نادر، ولازم نحط حد للحالة اللي هو فيها دي. أنا خايفة بابا يحصل له حاجة في أي وقت ونادر مش هنا."
إبراهيم:
"والله يا بنتي أنا غلبت فيه، وكل مرة بيبقى رده أسوأ من اللي قبلها. محمل أبوه مسئولية موت نبيل وموت أمه، وما بيبطلش يقول إن اللي حصل ده مش أكتر من انتقام ربنا في اللي أبوه عمله زمان مع أخواته البنات. وغلبت كلام معاه باللين مرة والشدة مرة، ومرة بالعقل ومرة بالدين، وفي كل مرة مش بلاقي منه غير العند والمكابرة وبس."
رحمة بتردد وهي توجه الكلام لكامل:
"بقولك يا كامل، ما تروح ورا فرح وبابا، وتأكد كده إن كله تمام، أنا قلقانة على بابا لا فرح تقول له كلمة كده ولا كده."
كامل:
"ما تقلقيش يا رحمة، فرح لو كانت عاوزة تقول له حاجة مش هتستنى لما تبقى معاه لوحده. وبعدين من إمتى أصلاً وهي بتوجه له أي كلام."
إبراهيم:
"معلش يا كامل، قوم برضه وراهم كأنك حتى رايح الحمام، بص عليهم كده من بعيد."
كامل بانصياع:
"حاضر يا بابا، رغم إني مش شايف أبداً أي سبب للقلق ده."
رحمة بمحايلة:
"للاطمئنان بس يا كامل.. معلش."
كان منصور قد وصل إلى فراشه، وكانت فرح من خلفه تنتظر أن يضع نور على الفراش لتقوم بوضع الغطاء عليها. ولكن بدلاً من ذلك، وجدت منصور يرقد على الفراش وهو مازال محتفظاً بنور بين أحضانه. وبعد أن اعتدل بنومه قال بخفوت وهو يراقب ردود أفعالها بالمرآة:
"أنا هنام أنا كمان شوية… غطينا سوا وسيبيهالي معايا.. ماتقلقيش."
لتقف فرح كالتائهة وهي لا تدري كيفية التصرف. وكانت تنتقل بعينيها إلى ظهر أبيها ووجه ابنتها المندس بين أحضان جدها في هدوء وسكينة. ولكنها قالت بتردد:
"بس إحنا احتمال نمشي كمان شوية وهحتاج آخدها وأنت هتبقى نايم وكده هقلق."
لينظر إليها منصور من خلال المرآة وقال:
"سيبيهالي معايا.. ماتقلقيش عليها مش هاذيها."
كانت نبرته تحمل الرجاء بين طياتها. لتتجه فرح بنظرها إلى المرآة لتقابل عيني أبيها التي يمرح فيها شبح اليأس بفخر واعتزاز. لتقابله فرح باضطراب احتل كيانها بالكامل، لترتجف حدقتاها وهي تزدرد لعابها وتتقدم من الفراش لتمد يدها وهي تسحب الغطاء عليهما معاً. ثم تلتف من الجهة الأخرى لتؤمن غطاء ابنتها. ولكنها قبل الوصول لهدفها، وجدت يد أبيها قد سبقتها ودثرت ابنتها جيداً ثم احتضنها مرة أخرى وأغمض عينيه سريعاً حتى خيل إليها أنه ذهب في النوم في التو واللحظة. لتظل مكانها وهي تراقبه في نومه لتلاحظ أن ملامحه هادئة.. ساكنة.. وكأنه رجل عاش حياته بالكامل في سلام داخلي وخارجي. لتسأل حالها.. من هذا الرجل المتوسد بأحضان ابنتي بكل هذه السكينة؟ وأين ذهب هذا المنصور المتعجرف القاسي الذي قتل براءة مهدها قبل أن تعي العالم من حولها.
لتفيق على يد كامل وهي تهزها برفق وهو يقول بهمس أثناء مراقبته للمشهد:
"مالك يا حبيبتي، ليه واقفة كده؟"
فرح:
"هااا، لالا أبداً."
كامل:
"هو عمي كمان نام؟"
فرح:
"أيوه، قال إنه عاوز ينام شوية."
كامل:
"طب مش مشكلة، سيبيهم وتعالى برة يلا."
فرح وهي تذهب معه:
"يلا."
وعند عودتهم إلى الخارج قالت رحمة بدهشة:
"الله.. أومال بابا فين؟"
كامل:
"نام هو كمان جنب نور."
ندا:
"معقول هينام من دلوقتى للصبح؟"
فرح ببعض التوتر:
"قال هينام شوية."
رحمة:
"أصله صاحي من بدري وما نامش تاني من ساعتها."
إبراهيم:
"يبقى هينام للصبح."
فرح بتردد:
"إيه… طب كامل يجيب نور بقى عشان نمشي إحنا."
رحمة باعتراض:
"تمشوا تروحوا فين، لسه بدري، إحنا يا دوب اتعشينا، اقعدي يا فرح واستهدى بالله."
وبالفعل تستمر جلستهم حتى وجدوا ابراهيم ينهض قائلاً:
"الوقت سرقنا وأنا كمان عاوز أنام، هتوكل أنا بقى على الله يا أولاد."
لينهض الجميع تباعاً استعداداً للرحيل، لتلتفت فرح إلى كامل قائلة:
"ادخل أنت هات نور."
رحمة:
"طب ما تسيبيها بايتة معانا النهاردة يا فرح، وهي تلعب وتنتبسط مع بولان."
كامل وهو يتجه إلى الداخل:
"معلش يا رحمة عشان لما تصحى ما تتخضش إننا مش معاها."
وعند دخول كامل إلى غرفة عمه، وجد نور مستيقظة وتجلس بأحضان جدها وهي تعبث بشعره وشاربه وتصدر صوتاً مرحاً كالزقزقة. وعندما رأت أباها نهضت واقفة على الفراش بفرحة لملاقاته. وعند التقاط كامل لها، تقع عيناه على وجه منصور ليجده شاحباً على غير العادة، غارقاً بقطرات العرق التي تنضح من جبينه. لينزل نور من بين يديه مرة أخرى ويذهب إلى عمه ليمسك يده وهو يتحسس نبضه، ليخرج هاتفه بتوتر ويهاتف مشفاه طالباً منهم إرسال عربة إسعاف على وجه السرعة. ثم رجع إلى الخارج مسرعاً وهو يقول:
"أنا طلبت الإسعاف."
ندا بلهفة:
"إسعاف.. لمين.. بابا حصل له حاجة؟"
كامل وهو ينظر لفرح:
"نبضه ضعيف ومحتاج يدخل العناية فوراً."
ليحدث كل شيء بسرعة، وفي خلال نصف الساعة كان منصور على فراش غرفة الرعاية المركزة، وكامل بصحبة فريق أطباء الرعاية بالكامل حوله وهم يوصلونه بالأجهزة وبالمحاليل. ليبدأ منصور في الاستجابة لهم بعد نصف الساعة. ليلتقط الجميع أنفاسه بعد فترة طويلة من التوتر. وكان ابراهيم وحسن وحسين وفرح يراقبون كل ما يحدث من الخارج، ليستمعوا إلى رنين هاتف حسن الذي التقط هاتفه ورد قائلاً:
"أيوه يا رحمة. اطمنوا.. ابتدى يفوق الحمد لله."
رحمة:
"أنا عاوزة أشوفه يا حسن، أنا مش فاهمة إزاي تسيبونا هنا وتروحوا أنتم لوحدكم معاه بالشكل ده."
حسن:
"طب إزاي بس يا حبيبتي، وكنا هنسيب الولاد بس مع مين، وبعدين أكيد هيتمنع عنه الزيارة لحد ما حالته تستقر."
رحمة:
"طب هو أنت ما عرفتش اللي حصل ده كان سببه إيه؟"
حسن:
"مستنيين كامل بس يخرج من عنده عشان يفهمني."
رحمة:
"هو كامل لسه ما خرجش من عنده، أومال أنت بتقول إنه فاق إزاي؟"
حسن:
"والله فاق يا حبيبتي وفتح عينيه، إحنا شايفينه من الإزاز قدامنا أهو، وكامل بيتكلم معاه."
رحمة:
"طب وفرح معاه ولا كامل بس؟"
حسن:
"كامل معاه تلت دكاترة جوة، وقال لفرح تفضل معانا برة."
رحمة:
"طب اديهالي لو سمحت."
ليمد حسن يده بالهاتف لفرح التي تقف وعيناها مثبتة على عيني منصور الذي يبادلها النظرات من وراء الزجاج بوهن واضح على معالمه. لتنتبه فرح إلى صوت حسن وهو يقول:
"خدي يا فرح طمني أختك أحسن مش مصدقاني."
لتلتقط فرح الهاتف من يد حسن وتضعه على أذنيها وهي تعيد عينيها إلى عيني منصور مرة أخرى وتقول:
"أيوه يا رحمة."
رحمة بقلق:
"طمنيني على بابا يا فرح، هو فاق بصحيح ولا حسن اللي بيطمني وخلاص."
فرح بخفوت:
"لا اطمني.. فاق وباصصلي."
رحمة:
"طب ما عرفتيش إيه سبب اللي حصل له ده؟"
فرح:
"غالباً جلطة تانية، الأجهزة مبينة ضربات قلبه مش منتظمة."
رحمة باستغراب:
"وإيه اللي سبّب له الجلطة بس المرة دي، ده كان قاعد وسطنا وكويس لحد ما دخل ينام، يعني لو ما كانش كامل أخد باله وهو بيجيب نور كان لاقدر الله حصل له حاجة وإحنا مش واخدين بالنا."
فرح بشرود وهي تتنقل بمقلتيها بين تقاسيم وجه أبيها التي تغضنت بالحزن:
"أيوه، كأنه كان عارف إن ده هيحصل وعشان كده صمم ياخد نور معاه.. زي ما يكون كان بيتحامى فيها وعارف إنها هتبقى السبب في إنقاذه."
رحمة:
"طب هنعرف ندخل له إمتى يا فرح، أنا عاوزة أجيه، أنا كلمت ماما وبابا عادل وهييجوا ياخدوا الولاد كمان شوية."
فرح:
"زي ما تحبي، تعالوا، هتشوفوه.. بس من ورا الإزاز."
لتمر ثلاثة أيام على منصور وهو بغرفة الرعاية، وكامل يمنع عنه الزيارة تماماً. رغم انتباه منصور لهم ومتابعته لوجودهم الدائم أمام غرفته، إلا أن طبيب الرعاية طلب منع الدخول أو التحدث إليه منعاً لإجهاده.
وكانت رحمة وندا قلما تتحركان من أمام الزجاج، وكانتا ترتسم على ملامحهما القلق المستمر. وكانت رحمة قلما تجف عينيها من الدموع المسترسلة وهي تخشى أن لا ينجو أباها من تلك المحنة. فكانت السعادة قد بدأت في مداعبة قلبها وهي تشعر أن العلاقة بينها وبين أباها قد بدأت تأخذ منحنى يقرب للطبيعة، ولكن القدر لم يمهلها لإكمال الطريق.
أما فرح، فكانت ترفض الدخول إليه تماماً، وكانت تفضل الوقوف بجانب شقيقتيها دون أي حديث وهي تواصل النظر إليه. حتى كان مساء الليلة الثالثة حين قال لهم كامل:
"عمي إن شاء الله من بكرة الصبح هيروح أوضة عادية، فياريت كله يروح يستريح الليلة دي، عشان على الأقل تبقوا قادرين تواصلوا معاه لما يخرج بالسلامة."
رحمة برفض:
"مش هقدر أمشي وأسيبه لوحده."
كامل:
"مش لوحده يا رحمة، أنا وأختك اللي سايبة شغلها من ساعة ما عمي وصل هنا.. نبطشية الليلة دي، يعني اطمني مش هنسيبه، اختك طول ما أنا في المستشفى ما بتباتش في البيت لوحدها."
رحمة برجاء لفرح:
"هتفضلي جنبه يا فرح ومش هتسيبيه."
لتومئ فرح برأسها موافقة دون أي تعليق.
لتقول رحمة بشفقة:
"أنا عارفة إنك لسه موجوعة منه، بس مهما كان بابا ما بقالوش حد غيرنا دلوقتي يا فرح، وصدقيني.. أنا حاساه اتغير كتير… بس يمكن ما عندوش لسه الشجاعة الكافية اللي تخليه يعترف بغلطته."
فرح بهدوء دون أن تفصل عينيها عن أبيها:
"روحي يا رحمة، روحوا كلكم وما تقلقيش.. أنا هفضل موجودة قدامه."
إبراهيم:
"طب أفضل أنا يا ابني قدامه على الأقل يبقى متطمن شوية."
كامل:
"أنت بالذات يا بابا لازم تمشي، عاوزك تروح تستريح وتنام كويس، أنت من ساعتها وأنت تقريباً ما نمتش وده غلط عليك وعلى علاجك، روحوا كلكم وتعالوا بكرة وقت ما تحبوا هتلاقوه مستني."
لينصرف الجميع وهم يتقاذفهم القلق ويتركون فرح تقف بمفردها بعد أن تركها كامل هو الآخر ليتابع مرضاه. وأثناء وقفتها المراقبة لأبيها تلمح يده وهو يشير إليها طالباً منها الدخول والاقتراب منه. وبعد أن ظلت مكانها رافضة الدخول بينها وبين نفسها، إلا أن إصراره جعلها ترضخ لطلبه، فتذهب لتعقم نفسها وتخطو إلى الداخل وتقترب من فراشه بهدوء وتقول بخفوت وهي تزدرد لعابها بصعوبة شديدة حتى تجلى صوتها:
"خير يا حاج، محتاج حاجة؟"
ليقول منصور وهو ينظر بعينيها:
"نادر عنده حق."
فرح بعدم فهم:
"عنده حق في إيه؟"
منصور:
"إن ربنا انتقملك مني أنتي وأخواتك، وعاقبني ببعد ولادي الصبيان الاتنين عني، واحد بالموت اللي ما منه رجوع، والتاني غاب عني زي غياب يوسف عن يعقوب، بس أنا ما كنتش يعقوب وعشان كده ربنا مش هيردلي يوسف من تاني. حتى دولت اللي عمرها ما شافت مني سند.. راحت مني هي كمان. الدنيا فضيت عليا من الكل، ما بقاش فاضل حواليا غيرك أنتي وأخواتك البنات، كأني ربنا بيقولي اديني وقتك من اللي كان نفسك فيه، لكن عشان ما صنتش النعمة.. إرادتي برضه هي اللي هتمشي."
"ربنا انتقم منك شر انتقام، واستجاب لكل دعوة دعيتيها عليا… ياترى لسه قلبك لسه ناقم عليا بعد كل اللي حصل لي، ولا ربنا كتب له السلام اللي انكتب عليا إني اتحرم منه طول عمري اللي باقي."
رواية لما قالوا دي صبية الفصل السادس عشر 16 - بقلم ميمي عوالي
كان منصور يكمل حديثه بإنهاك:
ربنا انتقملك مني شر انتقام، واستجاب لكل دعوة دعيتيها عليا… ياترى لسه قلبك لسه ناقم عليا بعد كل اللي حصل لي، ولا ربنا كتبله السلام اللي انكتب عليا إني أتحرم منه طول عمري اللي باقي.
كانت فرح تستمع إليه وهي لا تستطيع السيطرة على رجفة قلبها، كانت تتنقل بين عينيه كالأيام السابقة، وهي تبحث عن أي لمحة حقد تعيد إليها اتزانها وصمودها أمام هذا الرجل. كانت تبحث عن أي دليل على أن هذا الرجل الراقد أمامها في فراش المرض، هو نفسه ذاك الذي أذاقها كؤوس المرار من اليتم والحرمان. لكنها لم تجد. لم تجد غير الضعف والحزن والألام، لم تجد غير تل من الهموم يطل عليها من مقلتيه التي ألهمتها الدموع، فجعلتها ككؤوس من الدماء المنسكبة على الأرض المقفرة… لتشربها سريعا تاركة آثارها على الرمال ليكون الدليل الأوحد على وجودها.
لتتذكر جلستها الأخيرة مع طبيبتها المعالجة النفسية بالأمس.
***
إيمان: طيب إنتي حاسة بإيه جواكي دلوقتي منه بعد الأزمة اللي حصلت له؟
فرح بتيه: مش عارفة.. مش قادرة أحدد.
إيمان: لازم تحددي يا فرح.. لازم تعرفي مشاعرك منه اتغيرت ولا لسه زي ماهي عند نقطة الصفر.
فرح بنوع من اليأس: مش عارفة.. مش قادرة.
إيمان: طيب ماحاولتيش تدخلي له مع كامل أو مع أي حد من الدكاترة؟
فرح: ماقدرتش.
إيمان: وإيه اللي خلاكي ماتقدريش؟
فرح بتردد: حسيت إني هقف قدامه عاجزة، حسيت إني فجأة نسيت كل اللي اتعلمته ودرسته، بقيت واقفة براقبهم وهم بيسعفوه وأنا حاسة إني ماكنتش هقدر أعمل اللي هما عملوه. آه… كنت فاهمة اللي عملوه، بس بعد ما اتعمل، دماغي كانت شبه مشلولة ومش قادرة أفكر صح.
إيمان: إنتي عارفة إمتى الدكتور بيجيله الإحساس ده؟
لتنظر إليها فرح بفضول، لتكمل إيمان حديثها قائلة: لما يكون المريض بيحتل منزلة عالية جدا عند الدكتور. معنى كلامك ده إن إحساسك بمنصور فعلاً اتغير، بقيتي تقلقي وتخافي عليه.
فرح باعتراض: مش دليل أبداً.
إيمان: فاكرة أول مرة وقع فيها منصور.. كان وقت ماعرفتوا إن المرض الخبيث رجع لنبيل من تاني… فاكرة؟
فرح بشرود: أيوه فاكرة.
إيمان: يومها سبتيهم ورجعتي لنبيل ومافكرتيش حتى تسألي عنه. كنتي بتعرفي تطورات الحالة بالصدفة. وإنتي تقريباً الإحساس الوحيد اللي تملكك وقتها كان الشماتة.
لكن المرة دي إنتي مرابطة قدام أوضته ورافضة حتى إنك تقومي بشغلك، رغم إنه في نفس المكان. وعرفت من كامل إنك كنتي رافضة تحضري الجلسة النهارده، لكن هو اللي صمم إنه يجيبك في ميعادك.
فرح بمحاولة للمراوغة: ماقدرش أسيب أخواتي لوحدهم.
إيمان: طيب ما إنتي سبتيهم في كل المرات اللي فاتت.
فرح بإصرار: بس أنا ماسامحتوش.
إيمان: ليه؟
فرح بشرود: لأني جعانة… جعانة أوي، وحاسة بالجوع بينهش في صدري وضلوعي.
إيمان: وياترى جوعك من أنهي نوع؟
فرح وعينيها تمتلئ بالدموع: جعانة لحضنه.. لحنيته، لما حاول ياخد نور أول مرة، حسيت بثورة من جوايا وعند.. عند خلاني أخدتها واختفيت من قدامه. ولما رجعت فضلت محوطاها وأنا مانعاها تروح ناحيته. وقتها قلت إنه مش من حقه. ولما كامل حاول يخليني آخد الأمور ببساطة أكتر من كده، حاولت فعلاً إني أتصرف بحيادية، لكن لما خدها في حضنه من يومين ونام بيها وهو ضاممها بين ضلوعه حسيت بالغيرة.
إيمان: غيرتي منه ولا من نور؟
لتنظر لها فرح بنوع من الأسى ثم قالت: غيرت عليه.. من نور. هي دي الحقيقة اللي بحاول أنكرها وأهرب منها من وقتها. كان جوايا رغبة شديدة إني آخدها من حضنه وأصرخ وأقول له أنا أولى بالحضن ده منها. كنت عايزة أقول له إنت حرمتني من الحضن ده سنين عمري كله.. مش من حقك تديه لغيري من غير إذني حتى لو غيري ده يبقى بنتي أنا وحتة مني أنا.
طول عمري كنت ببص للبنات مع آبائهم وأنا جوايا غيرة بحاول أدعنها بعيد وما أبينهاش أبداً قدام أي حد. بس عمري ما اتصورت إني أغار من بنتي. لقيتني بقول لروحي.. نور الطفلة اللي عمرها ما جابت سنتين عندها حضن أبوها اللي يكفي كل أطفال الدنيا، وحضن عمي اللي بيحبها أكتر من عينيه. لكن كمان تاخد حضن منصور اللي أنا اتحرمت منه، الحضن اللي المفروض كان يبقى ملكي أنا وليا أنا طول السنين دي.
لتنظر فرح إلى إيمان وتقول بسخرية مختلطة بالمرارة: مش قلتلك إني إنسانة مشوهة ومافيش مني رجا.
بغير من بنتي لما بتدخل حضن منصور أو حتى في حضن أمي اللي برضه اتحرمت منه سنين طويلة بسببه لحد ما فقدت الأمل إني ممكن أبقى إنسانة طبيعية.
إيمان بابتسامة: بالعكس يا فرح، أنا شايفة إنك في الفترة الأخيرة بتتقدمي وتقدم ملحوظ كمان.
فرح باستغراب: إزاي وأنا جوايا كل الحرب دي؟
إيمان: يكفي إنك فاهمة سبب الحرب دي، حتى لو بتحاولي تنكريها، لكن في الآخر بتعترفي بيها، وده في حد ذاته شيء مرضي جداً بالنسبة لي.
فرح: بس أنا مش عارفة أعمل إيه، حاسة إني مش لاقية نفسي وسط كل الخراب ده. ساعات بحس إنه لازم يتعاقب عقاب مخلد على اللي عمله، وساعات تانية بلوم أمي أكتر إنها هي اللي زرعت جوايا كل الكره ده منه، ويمكن لو ما كانتش عملت كده من البداية ما كنتش وصلت للي أنا فيه ده. بس برجع تاني ألوم عليه إنه ماسألش فينا ولا افتكرني غير أما احتاج ياخد حتة من جسمي لنبيل، نبيل اللي لو كنت أملك أديله جزء من عمري ما كنتش هتأخر.
مابقيتش عارفة مين فيهم اللي غلطان أكتر، مابقيتش عارفة دمي محني كفوف مين فيهم أكتر.. أمي ولا منصور. نفسي أحس إني بني آدمة طبيعية من غير غل ولا سواد من جوايا لأي حد بس مش قادرة. نفسي أبرهم زي ما ربنا أمرنا، بس ربنا عالم بالحرب اللي جوايا. مش هنكر إني بقيت أحس إني متعاطفة معاهم بس بعاند ده و بدفنه جوايا.
دليني أعمل إيه… ساعديني… لو تقدري تقيديلي شمعة تنور العتمة اللي جوايا دي قيديها.. يمكن.. يمكن أحس إني قادرة أعيش وأحس إني طبيعية ومش مريضة.
إيمان: امشي ورا قلبك يا فرح، شوفي قلبك بيقول لك إيه ونفذيه فوراً، عشان ماترجعيش تندمي إنك ما استغليتيش الفرصة. ولازم تقتنعي من جواكي إن الناس مش ملايكة، وكل إنسان وله أخطاءه. لو حسيتي إنه ندم وبيحاول يكفر عن أخطاءه ساعديه إنه يعمل ده. وحتى لو هو ما حاولش يعمل ده، لو حسيتي إنك محتاجة تقربي عشان خاطر فرح، قربي عشان خاطر فرح. فرح تستاهل منك إنك تحاولي عشانها، وإنك تتنازلي عشانها، عشان اللوم والندم ما يوجعهاش لو فات الأوان.
***
**عودة من الفلاش باك**
انتفضت فرح من مكانها عندما لامس منصور كف يدها ليعيدها إلى وعيها فتقول بصوت مرتعش وهي تنظر بعينيه بأسى:
عمري ما اتخيلت إني ممكن أتوجع في يوم من الأيام عشانك، ولا عمري فكرت أبداً إني ممكن أدعيلك من جوايا إن ربنا يسلمك أو ياخد بيدك.
كل يوم بعد كل فرض بصلي.. كنت بدعي ربنا إنه يهدي نادر ويرجع لنا من تاني ويعيش وسطنا، لأننا بنحبه وعايزينه. لكن ما توقعتش أبداً إني لما أدعي بده، أدعي إن ده يحصل عشان يرد لك روحك من تاني.
وما تسألنيش إزاي ولا إمتى عشان ما أعرفش، وبرضه ماتسألنيش إن كنت سامحتك ولا لأ، لأني برضه ما أعرفش.. كل اللي أنا عارفاه إني مش عايزك تموت وأنت بالوجع ده.
منصور وهو يومئ برأسه إيماءة خفيفة:
النسيان طريقه طويل يا بنتي.
فرح بذهول:
بنتك!!!!! من إمتى بتعترف إن ليك بنات؟
منصور:
يوم ما نبيل وصاني عليكم قبل ما يقابل رب كريم.
فرح بحنين:
وصاك علينا… ووصاني عليكم.
منصور بدهشة:
وصاكي عليا؟
فرح:
أيوه.. وصاني أنسى وأسامح.
منصور:
وياترى قدرتي؟
فرح:
لو تعرف تعبت قد إيه.
منصور:
يعني إنتي بتحاولي تسامحي؟
فرح بوجع:
لأ…. بقاوم بكل قوتي. في حرب جوايا بسببك، جزء عاوزني أنسى وأسامح عشان أقدر أعيش وأكمل، والجزء الأكبر رافض وبيشدني بكل قوته وهو بيحاصرني في الوجع اللي عيشته طول عمري بسببكم.
منصور بندم:
أنا عارف إني غلطت.
فرح بسخرية:
غلطت!!! إنت عارف أنت عملت فيا إيه، عارف كانوا بيتهموني بسببك بإيه، عارف وصمتني بإيه طول عمرك.
أحب أعرفك بنفسي… أنا فرح منصور… وش البومة.. قدم الفقر، النحس اللي أبوها طلق أمها يوم ولادتها.. كأن أنا السبب في تحديد نوعي. أنا اللي اتحرمت من حضن أمي من يوم ما وعيت على الدنيا وهي دايماً بتبص لي بلوم إني كنت السبب في طلاقك ليها. أنا اللي أول حب في حياتي رفضني وكان بيعايرني بطلاقك لأمي. أنا اللي أبويا رفض يستلمني من الدكتور يوم ما اتولدت وساوتني بأولاد الخطيئة لأني اتولدت بنت.
منصور بذهول:
وليه ده كله؟ ما ياما رجالة بتطلق ستاتها.
فرح بجمود:
بس هات لي حد فيهم رفض بنته زيك. هات لي حد بعت ورقة طلاق مراته مع شهادة ميلاد بنته زيك. هات لي حد فضل فوق العشرين سنة من غير ما يفكر يشوف بناته زيك.
منصور بحزن:
عندك حق في كل كلمة قلتيها، بس حاولي تلاق لي عندك أي مبرر يخليكي تعدي كل ده.
فرح:
مبرر!!!! ألاقي لك مبرر إزاي وأنت خليتني أغار من بنتي؟
منصور:
اكيد لما قارنتيني بكامل.
فرح بسخرية:
تصدق لا. غيرت منها لما حاولت تاخدها في حضنك لما كنا عند ندا. وغيرت منها تاني واحنا عند رحمة.. لما خدتها في حضنك وأنت قاعد وكمان لما روحت تنام. أنا ما أفتكرش أبداً وأنا في سنها إن حد خدني في حضنه بالشكل ده، حتى أمي. عمري ما أفتكر لها إنها عملت كده معايا زي ما كانت بتعمل مع أخواتي.
طول عمري كنت عايشة وأنا جوايا فراغ واحتياج. طول عمري كنت محتاجة حضن يضمني ويطبطب عليا، حتى بعد ما كبرت وصاحبت واتصاحبت، كنت بحس إني دايماً لوحدي، لأني عمري ما حسيت إن ليا سند.
حتى لما اتجوزت… كنت خايفة أخلف بنت ولا ولد وما أقدرش أحبهم ولا أخليهم يحبوني، وكأنك كنت لعنة متسلطة عليا طول عمري.
لحد ما كامل خد بيدي، ووداني لدكتورة نفسية بتعالج معاها بقالي خمس سنين، ويا دوب قدرت أحاول إني أتعامل معاكم.
منصور بصدمة:
دكتورة نفسية!!!
فرح بتنهيدة:
أيوه، وأديها بقالها سنين بتحاول تروي الأرض البور اللي جوايا، وتقنعني إني أنسى اللي فات وأعيش اللي باقي من عمري من غير وجع ولا قهر.
منصور بحزن:
أنا عارف إن الاعتذار بعد كل ده مالهوش فايدة، بس أنا عملت كشف حساب لروحي من سنين، من قبل موت نبيل، من يوم ما وقع وقعته الأخيرة وأنتي وقفتي قدامي وصارحتيني باللي جواكي. يومها لما وقعت ما وقعتش من قلقي على نبيل وبس.. لأ.. وقعت لأنك فجأة حطيتي مراية قدامي ورجعتيني فيها شكلي اللي عايش جواكم السنين دي كلها. الندم ابتدى ينخر فيا يوم ورا التاني. عارف إن ندمي مش هيفيدك ولا هيفيد أخواتك، ولا أسفي كمان هيفيد. بس هقدم لك اعتذاري عن طيب خاطر.. أنا آسف يا بنتي… سامحيني.
فرح بعيون يملأها الألم:
بحاول صدقني.
منصور بأمل:
يعني فيه أمل إنك ممكن تسامحيني؟
فرح بتنهيدة:
صدقني بحاول، ومش هكدب عليك وأقول إني بعمل كده عشانك.. لأ، أنا بعمل كده عشان ولادي وكامل وأخواتي.
وعشاني أنا كمان.
منصور:
ويمكن ييجي يوم يبقى عشاني أنا كمان.
لتتنقل بين مقلتيه قائلة:
أعتقد إن الأيام هي بس اللي ممكن تجاوب على الكلام ده.
وعندما تخرج فرح من غرفة الرعاية تجد كامل يراقبها بحنان بالغ وتلقاها بين أحضانه مقبلاً رأسها قائلاً بتساؤل:
أحسن!!!
لتومئ فرح برأسها وتقول بارهاق:
حاسة إني محتاجة أنام.
كامل:
تحبي أروحك تريحي شوية، أو لو تحبي أوديكِ لطنط فاطمة وأهو تبقى مع الولاد.
فرح برفض:
وعدت البنات ما أسيبهوش لوحده يا كامل.
كامل بحب:
حبيبتي أنا معاه وكل الدكاترة حواليه، ماتقلقيش، وهو الحمد لله حالته استقرت.
فرح:
معلش، سيبني برضه عشان خاطري.
كامل:
خلاص تعالي ريحيلك ساعتين في أوضتي وابقي ارجعيله تاني.
لتلتفت فرح بعينيها لتنظر إلى أبيها مرة أخرى لتجده يبتسم لها بوهن فتقوم بالإيماء برأسها وتذهب بصحبة زوجها لتنال قسطاً ولو ضئيلاً من الراحة، ولكنها تتفاجأ بأنها تنام نوماً عميقاً لليوم التالي لا تتذكر أنها نامت مثله من قبل.
وفي صباح اليوم التالي.. يتوافد الجميع على غرفة منصور ليلتفوا حوله باهتمام بالغ، واستمر الحال لثلاثة أيام أخرى، والشقيقات الثلاث يتبادلن الأدوار في المبيت مع والدهن والقيام بكل شؤونه بحب خالص وسط تدليلهن له وكأنه طفل لم يتجاوز الخامسة من عمره. وكان الملاحظ للجميع أن فرح كانت تتسابق معهن لتلبية جميع متطلباته.
وقبل مغادرة منصور للمشفى وفي الليلة التي كانت فرح بصحبة أبيها، كانت زيارة فاطمة وزوجها عادل مع ولديها أحمد ومحمود، وبعد أداء التحية والسلام تقول فاطمة بمودة:
الف سلامة عليك يا أبو نادر، ما تأخذناش إننا ما جينا لكش قبل كده، بس إنت عارف البنات سايبين الولاد عندي، وما صدقت إن ندا ورحمة جم يشوفوا الولاد ويقعدوا معاهم النهاردة فجينا لك على طول.
منصور بخجل:
تعبتوا نفسكم بزيادة يا أم أحمد… كتر خيركم.
عادل:
الف سلامة يا أستاذ منصور، وإن شاء الله خير وما تتكررش تاني وتبقى أزمة وعدت.
منصور بامتنان:
كتر خيرك يا أستاذ عادل.
أحمد:
الف لا بأس عليك يا عمي.
منصور وهو ينظر بإمعان لأحمد:
كتر خيرك يا ابني… ثم قال بتردد.. هو نادر ما بيتصلش بيك؟
أحمد بلجلجة:
بيتصل، بس مش دايماً.. يعني ساعات وساعات.
منصور وهو يومئ برأسه:
ربنا يصلح له حاله.
الجميع:
يارب.
منصور وهو ينظر لعادل بتردد:
ما تأخذنيش يا أستاذ عادل، بس بستأذنك أقول كلمتين لأم البنات.
عادل بإحراج:
اتفضل يا أستاذ منصور.
منصور وهو يتبادل النظرات بينه وبين فاطمة وفرح:
عايزك تسامحيني يا أم البنات، أنا عارف إني ظلمتك ووجعتك كتير، وعارف إني قهرتك وقهرت بناتي، بس صدقيني كنت حاسبها غلط، وأهو ربنا انتقم لكم كلكم مني شر انتقام.
فاطمة بطيبة:
انتقام إيه بس يا أبو نادر اللي بتتكلم عنه؟
منصور بتصحيح:
أبو رحمة يا أم البنات، أبو رحمة وندا و… فرح، بناتي اللي غلطت في حقهم ياما، بس هم ماسابونيش، فضلوا جنبي وراعوني وشالوني في عينهم، بدونى على بيتهم وجوازهم وعيالهم، ولو إني عرفت أنا خسرت قد إيه في عمري اللي فات وأنا بعيد عنهم وهم بعيد عني.
فاطمة:
مهما حصل بناتك وأنت أبوهم ولا عمرهم يقدروا يستغنوا عنكم.
منصور:
لا يا أم البنات… يقدروا. ثم أكمل وهو يركز بنظراته على فرح بمرارة: لو حبوا يستغنوا هيقدروا، أنا بس اللي ما كنتش واخد بالي.
فاطمة:
اللي فات مات وإحنا ولاد النهاردة، انتبه أنت بس لصحتك وإن كان على بناتك، بناتك بيحبوك وبيتمنولك دايماً كل خير.
بعد انصراف الجميع، لم يتبق سوى فرح وكامل.. الذي ساعد فرح في تغيير ملابس أبيها استعداداً للنوم، وبعد أن أسنده على وسادته، أمسك منصور بيد كامل وقال:
انت اللي فاضل يا كامل.
كامل باستغراب:
فاضل في إيه يا عمي؟
منصور:
إني أعتذر لك يا ابني.
كامل وهو يشيح بنظراته بعيداً عنه ويتشاغل بتنظيم الأدوية الموضوع بجواره:
مافيش بينا اعتذار يا عمي.
منصور:
لا يا ابني، إنت ليك عندي بدل الاعتذار تلاتة.
كامل:
خلاص يا عمي، صدقني مش مستاهلة.
منصور بإصرار:
مستاهلة يا ابني، ومستاهلة أوي كمان، على الأقل أكون خلصت ذمتي قدام ربنا، وكمان لو عرفت بعد كده ما يرجعش قلبك يتغير من ناحيتي من تاني.
ثم التفت لفرح وأكمل:
وعشان كمان مراتك تسامحني على ده كمان.
فرح بفضول:
حصل إيه… أنا مش فاهمة حاجة.
منصور:
زي ما حرمتك زمان من اللي عايرك بيا، حرمته هو كمان من اللي قلبه راح لها. بس صدقوني.. كنت فاكر ساعتها إني بعمل لك خدمة هتشكريني عليها.
كامل بابتسامة:
طيب ما أنا فعلاً بشكرك عليها، لأنك لولا عملت كده، ما كنتش بقيت حمايا دلوقتي.
لتتبسم فرح، ويعاود منصور حديثه قائلاً:
لكن حاولت أفرق بينك وبين فرح مرتين مش مرة واحدة، مرة وأنا بحاول أبعدها عن شغلها معاك بأني أجوزها واحد من عندي وأعيد اللي عملته مع ليلة من تاني.
والتانية لما بعتت لك ليلة وخليتها فهمتك إنها أرملة وكنت فاكرك هتحني لها من تاني وتبعد عن فرح.
كامل بابتسامة:
ماتقلقش.. أنا عارف كل حاجة، وليلة صارحتني بالحقيقة كلها، وصدقني مش زعلان، لأن سبحان الله.. كأنك كل مرة كنت بتقرب مابيننا أكتر وتجمعنا مع بعض أكتر.
منصور بارتياح:
يعني مسامحني يا ابني؟
كامل بابتسامة:
مسامحك جداً، وعايزك تطمن جداً كمان، وإنت خلاص بقيت زي الفل وإن شاء الله هنكتب لك على خروج بكرة الصبح، والكل اتفق إن حضرتك هتخرج على بيت ندا وتعمل حسابك إنك كل أسبوع هتقضيه مع حد فينا وكمان بابا هيكون معاك.
في منزل كامل، كانت فرح تعد الطعام بمساعدة كامل، وكان كامل يلاحظ أنها تركز بصرها عليه بنوع من الفضول الشديد وكأنها تبحث عن شيء ما، ليتوقف كامل عما يفعله وهو يقول بمداعبة:
إنتي فيه حاجة ضايعة منك وبتدوري عليها في وشي؟
فرح بتردد:
هو إنت عرفت موضوع ليلة اللي بابا حكالك عليه ده إمتى وإزاي، وليه ماقلتليش؟
كامل بذهول:
إنتي قلتي إيه؟
فرح:
بقول لك لما إنت عرفت موضوع ليلة.. ليه ماقلتليش من ساعتها؟
كامل:
لا.. ما أقصدش دي.
فرح باستغراب:
مش فاهمة.
كامل:
فرح.. إنتي قلتي بابا!!
فرح:
أنا.. إمتى ده؟
كامل:
حبيبتي إنتي لسه قايلاها حالا دلوقتي وإنتي بتسأليني.. إنتي عارفة ده معناه إيه؟
فرح بعدم فهم:
معناه إيه؟
كامل وهو يقبل رأسها ويضمها إلى صدره:
معناها إنك قربتي تستغني عن جلسات العلاج النفسي بتاعك.
فرح:
اشمعنى؟
كامل:
لأنك من غير ما تحسي وصفتي عمي بصلته بيكي اللي كنتي دايماً بتنكريها.
فرح بأمل:
تفتكر يا كامل؟
كامل:
دكتورة إيمان قالت لي إنك يوم ما هتقدري تناديه بالكلمة دي، هتبقي اتخلصتي من تسعين في المية من مشكلتك.
لتشرد فرح قليلاً ثم تعود لسؤالها مرة أخرى وتقول:
برضه ماقلتليش ليه على حكاية ليلة؟
كامل ببعض الخجل:
خفت ترجعي في كلامك.
فرح:
أنهي كلام؟
كامل:
اتفاقنا على الجواز، وقتها… كان نبيل الله يرحمه في أيامه الأخيرة، وكنت خايف إنك لو عرفتي تفضي الليلة كلها وأنا كنت ما صدقت إنك وافقتي.
فرح بابتسامة:
تقصد إنك كنت مصمم على جوازنا.
كامل:
طبعاً يا حبيبتي، وهو أنا كنت أقدر أكمل من غيرك بعد ما وقعت فيكي لشوشتي.
فرح بحب:
ربنا ما يحرمنيش منك أبداً.
كامل:
طيب وإنتي؟
فرح:
أنا إيه؟
كامل بفضول:
يعني.. هل موضوع سليم لسه مؤثر فيكي؟
فرح وهي تحاول انتقاء كلماتها:
تصدقني لو قلت لك إني بعد ما حبيتك اكتشفت إني عمري ما حبيته، أنا بس.. تحس كده إنه كان بينطبق عليا المثل اللي بيقول.. القط ما يحبش إلا خناقه. لكن أقسم لك إني من يوم ما اتجوزنا وإنت بالنسبة لي رجالة الدنيا كلها.
كامل بضحكة جذابة:
لأااا، ده إحنا تفوقنا على نفسنا بمراحل، يالا بقى نخلص عشان أنا جعان أوي، وكمان عشان تلحقي معاد المكالمة بتاعة نادر.
في الموعد المحدد كان صوت الهاتف ينذرهم بمهاتفة نادر لتسرع فرح بالتقاط هاتفها وضبطه على مكالمة الفيديو لتقول وهي تمعن النظر إلى وجه أخيها باشتياق جارف:
نادر يا حبيبي، وحشتني أوي.
نادر باشتياق وحب متبادل:
إنتي وحشتيني أكتر يا حبيبتي، عاملة إيه، طمنيني عليكم كلكم.
فرح:
إحنا كلنا كويسين الحمد لله مش ناقصنا غيرك يا حبيبي، مش هترجع بقى يا نادر؟
نادر:
مش كل مرة هنضيع المكالمة على الموضوع ده يا حبيبتي، أنا عايز أتطمن عليكم وأشبع منك.
فرح:
حبيبي إحنا كلنا كويسين الحمد لله بس بابا كان تعبان أوي الأسبوع اللي فات.
نادر باستغراب:
بابا مين؟
فرح:
بابا يا نادر، بابا منصور.
نادر بذهول:
بابا.. ده من إمتى؟
ليتلقى كامل الهاتف من يد زوجته ويقول بمرح:
نادر باشا اللي وحشنا ووحش مصر كله.
نادر بمرح مماثل:
عمنا وعم دكاترة مصر، إزيك يا كامل وحشتني والله.
كامل:
يا أخويا لو وحشناك تعالى شوفنا.
نادر بملل:
يييه، يا جدعان بقى الله يبارك لكم، شوفولنا سيرة تانية.
كامل:
قبلوك في شغل الجامعة؟
نادر:
لسه، بس إن شاء الله فيه بشاير خير.
كامل:
رغم إنك ممكن تتخطف عندنا.
نادر:
كل شيء نصيب.
كامل بجدية:
حالة والدك الصحية مش مستقرة، والأزمة الأخيرة لولا ستر ربنا وإننا لحقناه في الوقت المناسب، الله أعلم إيه اللي كان ممكن يحصل.
نادر بجمود:
ربنا يشفيه.
لتجلس فرح تحت قدمي كامل وتلتقط منه الهاتف لتطل على أخيها قائلة:
اسمع يا نادر، اللي راح راح، مفيش داعي نضيع اللي باقي من عمرنا في الغضب والبعد. الله أعلم اليوم اللي بيروح هييجي غيره ولا لأ.
نادر:
إنتي اللي بتقولي كده يا فرح؟
فرح:
أيوه أنا يا نادر، أي نعم خدت وقت طويل ومشيت طريق أطول، بس المهم إني في الآخر وصلت، واتصالحت مع نفسي الحمد لله، ومش ناوية أرجع خطوة واحدة من الطريق اللي وصلت له.
كامل:
اسمع يا نادر، عمي غلطاته كانت كتير أوي، لكن صدقني، عمي ندم على كل حاجة، لدرجة إنه حتى اعتذر لطنط فاطمة، واعتذر لي والأهم إنه اعتذر لكل بناته وأولهم فرح.
نادر:
وإنتي يا فرح، قبلتي اعتذاره؟
فرح:
الحقيقة يا نادر أنا اكتشفت إني سامحته من قبل حتى ما يعتذر لي، لما شفته بيروح مني وهو قدام عيني، كان كل همي إنه يخف ومش مهم أي حاجة تانية.
نادر بحزن:
ربنا انتقم منه تمام.
كامل:
وليه ماتقولش إن ربنا كان بيديله فرصة باللي حصل ده، كم من ناس ربنا بيديها إنذار واتنين وألف وما بتتعظش. لكن على الأقل عمي قدر إنه يلحق نفسه. أنا معاك إنه اتأخر وأوي كمان، بس المهم إنه وصل، وإحنا مش أنبياء يعني يا نادر، وصدقني أبوك موجود النهاردة، والله أعلم بكرة هيبقى فين. لو عندك فرصة إنك تخليه يشوفك وتسعده ماتترددش، لأنك ممكن تندم في يوم من الأيام لو ما عملتش ده. وبعدين نبيل وطنط دولت الله يرحمهم قابلوا ربنا في معادهم وربنا بيسبب الأسباب.
نادر:
سيبها على الله يا كامل. واللي فيه الخير يقدمه ربنا.
تمر الأيام وتنفذ الشقيقات اتفاقهن، ليأتي دور فرح في استقبال أبيها في منزلها، وكان عمها بصحبته حسب الاتفاق، ولكن وقت النوم قال إبراهيم:
ما تأخذونيش بقى يا أولاد، بعد إذنك يا كامل أنا هقرأ الورد بتاعي الأول في أوضة المكتب وبعدين هنام.
كامل:
البيت بيتك يا بابا.
فرح:
حضرتك مش محتاج استئذان يا عمي، وأنا هقعد مع بابا شوية على ماحضرتك تخلص.
في غرفة منصور.. تقول فرح بعد أن استكان منصور في فراشه:
ها يا بابا، تحب أقرأ لك حاجة قبل ما تنام؟
منصور وهو يربت على الفراش بجواره:
عايزك تيجي في حضن أبوكي يا دكتورة.
فرح بتوتر:
مش عايزة أضايق حضرتكم.
منصور وهو يفرد جناحيه لها:
تعالي في حضن أبوكي يا بنتي، ده أنا مستني اليوم ده من ساعة ماكنا في المستشفى.
لتستلقي فرح بجوار أبيها وهي تضع رأسها على كتفه ليضمها إليه بحنان لم تجربه من قبل، دفء من نوع خاص يحيط به خطوط بارزة من الحماية والأمان لتغوص به باستمتاع دون أن تنبس بكلمة واحدة حتى قال منصور بهدوء:
تعرفي؟
فرح دون أن تتحرك أنش واحد:
هممم.
منصور:
مش إنتي بس اللي اتحرمتي من الحضن ده، أنا كمان اتحرمت منه. لو كنت أعرف إن حضنكم حلو كده ما كنتش فضلت السنين دي كلها وأنا حارم روحي وحارمكم منه.
تربت فرح على صدر أبيها قائلة:
انسى يا بابا، أنا نسيت، إنت كمان لازم تنسى.
منصور:
تعرفي إيه أكتر حاجة مفرحاني؟
فرح:
إيه؟
منصور:
إنك أخيراً قدرتي تقول لي يا بابا.
فرح:
وممكن أقول لك على خبر تاني هيفرحك أكتر وأكتر.
منصور:
والله يا بنتي أنا الحمد لله كده راضي ع الآخر.
فرح:
حتى لو قلت لك إن نادر راجع بعد أسبوعين، وخلاص مش هيسافر تاني، وإنه راسل الجامعة هنا عشان يشتغل فيها ومستنيهم يردوا عليه.
منصور:
و لو الجامعة ما قبلت؟
فرح:
إن شاء الله يقبلوه، بس حتى لو ما حصلش نصيب، مش هنسيبه يبعد عنك ولا عننا من تاني أبداً.
منصور وهو يشدد على احتضانها:
كل واحد بياخد نصيبه يا بنتي، أنا كل اللي طالبه من ربنا، إني أقضي اللي باقي من عمري وسطكم وأنتم بتحبوني ولمومين حواليا.
فرح استكانت في حضن منصور اللي كان ضاممها أوي تحت جناحه وهي بتكلم نفسها وبتقول:
ما أعرفش هتكوني سامحتك ولا لأ، بس أنا محتاجة حضنك ده، ومحتاجة كمان حضن ماما اللي بقت على طول مدخلاني فيه. قررت أرمي كل حاجة ورا ضهري عشان أنا…. عشان فرح، عشان أقدر أحس إني بقيت طبيعية زي بقية الناس.