الفصل 25 | من 31 فصل

رواية لن ابقي علي الهامش الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم نداء علي

المشاهدات
17
كلمة
3,385
وقت القراءة
17 د
التقدم في الرواية 81%
حجم الخط: 18

للحياة بريق أخاذ ينادينا فنهرول إليه ولا نكترث لتلك الزهور اليانعة التي ندهسها في سبيلنا إليه، وما إن نصل حتى يختفي ويحل الظلام فنتلفت ولا نجد سوى حطام صنعناه في غفلتنا. ابتسمت همس بود ممزوج بفضول ودهشة وسعادة لما تراه من حنو يهديه محمود لطفليها. للمرة الأولى يأتي إلى بيتها ضيف تربطه صلة قرابة بفيصل. ومن هو؟ شقيقه! لم تتوقع يومًا أن تلتقي به، ولكن الحياة تخالف توقعاتنا على الدوام.

تذكرت ما حدث بينها وبين فيصل منذ سنوات عقب زواجهما بأشهر معدودة وفي حضور والدته عندما تساءلت هي بتلقائية: "شفت يا فيصل، الفيلم ده مستفز جدًا، إزاي البطلة قدرت تسامح وتنسى خيانة البطل وترجع له عادي؟ قال فيصل بثقة وكأنه على يقين أن تلك البطلة صورة أخرى من والدته: "معندهاش كرامة." ابتسمت والدته بضعف قائلة: "اللي بيحب بيسامح يا ابني." قال فيصل بحدة نابعة

من عشقه لوالدته حد الجنون: "واللي بيحب مبيقدرش يخون ولا يوجع اللي حبه ووثق فيه، بس في ستات ضعيفة معندهاش كرامة." ابتلعت ريقها بحزن قائلة: "محدش له في نفسه حاجة والقلوب بين إيدين اللي خالقها." قالت همس: "والله يا ماما كلامك حقيقي، بس لما يكون الشخص معترف بغلطه أو عالأقل عنده عذر، لكن البطل ده مغرور أوي وشايف نفسه." أجابتها هي بحنين إلى من تركها منذ سنوات وما زالت تكن له من العشق

ما لا تستطيع البوح به: "كل شيء نصيب يا بنتي، واللي بيحب حد بيتمناله السعادة حتى لو بعيد عنه." هب فيصل واقفًا، يتطلع إلى والدته بغضب من أجلها ورفضًا لضعفها تجاه والده، تحدث إلى والدته بحدة لم تعهدها هي ولا همس قائلاً: "بتتكلمي عن البطلة ولا عن نفسك؟ شهقت همس بصدمة وخوف من فرط انفعاله ونهرته بحذر قائلة: "فيصل، إنت بتقول إيه؟ استمر في صياحه وتألمه من أجل والدته ومنها قائلاً

بصوت يملؤه العتب والقهر: "بقول الحقيقة، بواجه أمي بضعفها اللي قاتلني بقاله سنين، بفكرها إن الراجل اللي بتتمناله السعادة داس علينا برجليه ورمانا بمنتهى البساطة كأننا زبالة وبيتخلص منها. أقولك إيه تاني علشان تبطلي تحبيه وتتمنيله السعادة! أقولك إنه دلوقتي في حضن ست غيرك ولامم ولاده حواليه، أقولك إنه لو شافني في الشارع مش هيعرفني ولو عرفني هيتجاهل وجودي. ردي عليا." وقفت همس بمواجهته وكأنها ترجوه أن

يعود إلى رشده قائلة بحنو: "حبيبي يا فيصل، اهدي يا قلبي، مينفعش تكلم ماما بالأسلوب ده." أدمعت عينا والدته ووجهت حديثها إلى همس قائلة: "دخليني أوضتي يا بنتي، معلش عاوزة أنام شوية." قالت همس باعتذار: "اقعدي يا ماما، فيصل ميقصدش يضايقك." مسدت والدته فوق رأسها بحب وامتنان هامسة بخفوت: "عارفة يا بنتي، أنا بس محتاجة أرتاح."

ساعدتها همس على الهروب إلى غرفتها واختبأت تلك المرأة التي نجحت في كل شيء وعجزت عن تخطي رجل لم يفلح سواه في احتلال فؤادها، فباتت على هامش الحياة عاجزة عن النسيان ورافضة للاستمرار، لكنها ما زالت تهواه رغم كل ما مضى. عادت همس إلى زوجها الواجم بمكانه وامسكت بيده قائلة: "ليه كده يا فيصل؟ من امتى بتتعصب على والدتك كده؟ ضمها إليه بشدة أوجعتها، لكنها تمالكت نفسها وهمست إليه: "أنا معاك، اطمن."

أخبرها بصوت كسير قائلاً: "شفته النهارده يا همس، كنت في حفل تخرج لدفعة جديدة ولمحته بالصدفة، كان هيطير من السعادة بابنه، أخويا اللي معرفش اسمه كان بيتخرج وأبويا اللي عمري ما شفته كان بيحضنه بسعادة، سعادة مفيش حد فيهم يستحقها لأنها بتوجعني وبتحرق قلبي." ضمت وجهه بين كفيها العاشقة لكل ما فيه قائلة بخجل وثقة في مستقبل قادم إليهما بحلو الأيام: "متفكرش فيهم، فكر في والدتك، فيا وفي حياتنا وأولادنا."

بقي صامتًا، ينظر إليها باحتياج إلى أن أوضحت مقصدها قائلة: "أنا حامل يا فيصل." انتظرت منه حماسًا، سعادة، فعلاً يعبر عن رأيه، لكنه لم يبادر بأي شيء، بل تحرك مبتعدًا ينظر إليها بحزن قائلاً: "تفتكري أنا ممكن أبقى أب؟ وليه أخلف أطفال وتبقى حياتهم زي حياتي؟

اقتربت هي وألقت بنفسها إليه تستمد منه وتمده بعض الأمان، تدرك مخاوفه رغم رفضها لما يقول، إلا أنها لن تسمح لماضيه أن يحرمهما تلك اللحظات الفارقة، ضمته بضعف واستكان هو متنهدًا بتيه، تحدثت إليه بتفهم قائلة: "انت هتكون أجمل وأحن أب في الدنيا، مفيش غيرك يستحق يبقى أبو ولادي يا فيصل، أنا متأكدة وواثقة من ده." قال فيصل: "خايف يا همس." قالت همس بصدق: "وأنا خايفة أكتر منك، بس وجودك بيقويني، وبعدين ينفع كده تضيع فرحتي؟

أنا كنت عاملة خطة علشان أفاجئك انت وماما." حملها دون جهد فشهقت بفزع قائلة: "بتعمل إيه يا مجنون؟ هتوقعني." قال فيصل: "بحبك." ضمت جسدها إليه تختبيء بين أضلعه وغابا سويا يغتنمان لحظات من السعادة أضاعها فيصل من بين يديه ويديها.

نفارق ونلتقي من جديد، ونبتعد ونقترب من آخرون وتبدو بعض الوجوه مألوفة وبعضها لا تألفه الروح ويأبى وجوده القلب إلا أنه يبقى ونصبح محاصرين به، ورغم رفضنا له يساورنا شعور بالتملك تجاهه وعندما يقترب أحدهم ينتوي انتزاعه نستشعر الخوف ونتربص بلحظة الهجوم. تحدث تامر بسعادة بما وصل إليه بجهده دون مساندة من أحد قائلاً: "المصنع ده بقالي سنين بجمع في تمنه، اشتغلت ليل نهار لحد ما قدرت أوصله للشكل اللي قدامك."

كانت سوزي شاردة وبصرها مسلط فوق تلك الشقراء المائعة التي تخص تامر بنظرات لم تستصغها سوزي. اقتربت منها تتساءل بغرور وفضول: "انت شغالة إيه هنا؟ سكرتيرة؟ أجابها تامر بامتنان وإعجاب وتقدير لما فعلته هالة لمؤازرته: "أستاذة هالة دي ست الكل، من غيرها منعرفش نعمل حاجة، مسؤولة العلاقات العامة وما شاء الله بتتكلم ٥ لغات." قالت سوزي باستعلاء: "آه، تشرفنا." اقتربت من تامر قائلة بدلال: "ممكن ندخل المكتب أنا تعبت من اللف."

قال تامر بحب: "آه طبعًا، بعد إذنك يا أستاذة هالة المدام تعبت من الوقفة." نظرت هالة بنظرات غامضة يغلفها بعض الغيرة والانكسار: "آه طبعًا، اتفضلوا." تحركت سوزي بمشاعر متقدة، بين غيرة وغضب وشعور بالتهديد من منافسة تعلوها جمالاً. ما إن أغلق تامر باب المكتب، اندفعت سوزي صوبه تهتف بشراسة: "مين البت الملزقة دي؟ وبت બص لك كده ليه؟ قال تامر بهدوء: "مسمهاش بت، وملزقة فين دي لبسها محترم أوي."

قالت سوزي: "وانت بقى بتقعد تتأمل لبسها وجماله؟ قال تامر: "لأ مقصدش، وبعدين اللي يشوفك يقول غيرانة." قالت سوزي: "أنا أغار من دي! قال تامر: "أنا أقصد تغيري عليا." قالت سوزي بمكر: "أكيد بغار عليك، مش جوزي." قال تامر: "طيب كويس الحمد لله." قالت سوزي: "انت بتتريق؟ طب إيه رأيك بقى البت دي مش سهلة وعينها منك." قال تامر بثقة: "عارف! قالت سوزي بصدمة: "عارف إيه؟ وعادي بالنسبة ليك يعني إنها تبقى عينها منك؟

قال تامر بهدوء: "ما قولتلك قبل كده، اللي مش عاجبك ممكن يعجب غيرك كتير." قالت سوزي: "آه، ده انت قاصد تحرق دمي بقى، المفروض تحط في بالك إنها لو هتبصلك هتبقى طمعانة فيك يا حبيبي." قال تامر بنظرات ساخرة: "اطمني، أنا واخد بالي كويس ومفيش واحدة تقدر تلعب بيا، وعارف إن كل حاجة وليها سعرها." سألت سوزي: "تقصد إيه يا تامر؟ قال تامر: "ولا حاجة، تحبي تشربي حاجة ولا نخرج نتعشى بره؟

أجابته على مضض: "خلينا نخرج أنا اتخنقت من المكان ده." انصرفا تتبعهما نظرات هاله التي لن تمرر الأمر هكذا. تامر زوجها هي الأخرى، ولها فيه ما لتلك الفتاة الحمقاء، حتى وإن كان زواجهما طي الكتمان، فقد آن الأوان لكي تعلن زواجهما.

ثقلت همومها فبات الحمل قاتلاً. خُيّل إليها أن كل ما يدور من حولها راجع إلى فشلها في اتخاذ القرار. باتت زوجة فاشلة، وحبيبة عاجزة عن احتواء من أحبت، وأم بائسة تكاد إحدى فتياتها أن تنتهِ حياتها قبل أن تبدأ. أصابها ألم حاد وغثيان قاسٍ جعلها تبدو كما الموتى. اقتربت تقوى من غرفتها قائلة بصوت عالٍ: "ماما، انتِ لسه نايمة ولا إيه؟ أجابتها بصوت وصل إليها بالكاد: "أنا تعبانة النهاردة يا تقوى، سيبوني ارتاح شوية."

تقوى: "طيب احضرلك حاجة تاكليها؟ دون تردد أخبرتها: "لأ مش عاوزة أكل، عاوزة أنام وبس." ابتعدت بخطوات هادئة، وألقت رضوى برأسها فوق وسادتها تبكي برعب يتزايد كما الطوفان الجامح. هل هناك من مخرج لما يحدث؟ هل من أحد يمد إليها يده فينتشلها قبل أن تفقد ما تبقى لديها من مقاومة؟ أغمضت عيناها بتعب وغاصت في نوم أشبه بموت ترجوه.

مضت ساعات ولم تخرج إلى فتياتها، فبدأ القلق يتسرب إليهن، لكن لا واحدة تجرأت على إيقاظها. انتاب مصطفى هو الآخر القلق، خاصة بعدما هاتفها عدة مرات ولم تجبه. فلجأ إلى تقوى، الابنة الوسطى والأقرب إليه، قائلاً: "ماما فين يا تقوى؟ بكلمها من الصبح مبتردش عليا! تقوى: "ماما نايمة في اوضتها وشكلها تعبانة أوي." مصطفى: "تعبانة ازاي؟ حصل ايه؟! تقوى: "مفيش حاجة، هي رجعت من برة شكلها مش طبيعي ودخلت اوضتها ومن وقتها مخرجتش."

مصطفى: "تمام، أنا نص ساعة وأكون عندكم. في عندك أكل ولا اجيبلكم حاجة من المطعم؟ تقوى: "ماما عاملة اكل من إمبارح، بس لو تحب هات بيتزا مش هنقول لأ." ابتسم قائلاً: "ماشي يا لمضة، أجبلك بيتزا."

لم يمر الكثير، أقل من ساعة وعاد إلى سكنه يحمل بين يديه علب الطعام وبعد المشروبات لبناته، وعلبة من الشوكولاتة الفاخرة لرضوى. لا يعلم لماذا أحضرها، لكنه يسعى لاستعادة ما فقدته. لم تعد كما كانت، اختفت بسمتها الصافية وغدت بسمة واهنة، تبدو كما الشمس التي تحجبها غيوم الألم. اختطفت من تقوى الطعام بمرح، وكادت أن تجتذب تلك العلبة الملفتة للنظر. فرفعها قائلاً: "دي لماما يابت، روحيي يلا اتعشى مع اخواتك وأنا هشوف رضوى."

ابتسمت إليه بشقاوة قائلة: "هتعشي وأروح لماما اخد منها الشوكلاته، رضوى مش بتاكل حاجة من غيرنا." أومأ موافقًا على ما تقول، وتوجه بلهفة نحو غرفته. "رضوى، أنا جيت." رفعت رأسها بصعوبة، فهرول إليها رغم الألم المصاحب له عند حركته، هامساً: "في إيه؟ شكلك تعبان أوي، متصلتيش عليا ليه؟ ألقت بجسدها إليه تبكي بيأس، هامسة: "أنا تعبانة أوي يا مصطفى، هو أنا ليه فاشلة في كل حاجة ليه؟ أنا والله حاولت كتير اصلح حياتنا بس مفيش فايدة."

نظر إليها بترقب: "انتِ زعلانة مني؟ على فكرة أنا قضيت اليوم مع البنات لأنهم واخدين تطعيم وتعبانين وانتِ عارفة أمي مش هتهتم." حركت رأسها بتعب قائلة: "أنا محتاجة اتكلم معاك في موضوع بس اوعدني تتصرف بهدوء، علشان خاطري يا مصطفى، لو ليا خاطر عندك تسمعني للآخر وتحاول تشوف حل." انتبه إليها بكامل تركيزه قائلاً: "سامعك يا رضوى، إيه المشكلة؟ حد من البنات عمل حاجة؟! أجابته بتردد:

"أيوة، مرام يا مصطفى، مرام هتضيع من ايدينا ولازم نتصرف. أنا مقدرتش احميها، مقدرتش." تبادل أسام أطراف الحديث مع محمود الذي استطاع ببراعة كسب ثقته وإجبار فيصل على المشاركة في الحوار. إلى أن لاحظ محمود نظرات فيصل المعلقة بهم، الشاردة كما لو كانت مغيبة في عالم آخر. فتساءل بمرح: "حضرتك معانا يا مرات أخويا؟ شكلك مشغولة في موضوع مهم."

نظرت إليه همس بحرج، ومازالت صامتة، فقد انجرفت مع تلك الذكريات وتغافلت عن وجودهم. تحدثت باختناق سعت إلى اخفائه، لكن فيصل استنبطه من نبرة صوتها الخافت، قائلة: "لا والله معاكم، أنا هعمل قهوة، حضرتك بتشربها إيه؟ محمود: "اسألي استاذ أسام الأول." همس: "لأ أسام أنا عارفه انه بيشربها ساده." فيصل: "اخلص وقولها بتشرب قهوتك إيه." محمود: "يابني بالراحة عليا، انت ناقص تقولي قوم روح." فيصل: "يعني لو قولتلك هتروح؟ محمود: "لأ."

ابتسمت همس، وعلق أسام قائلاً: "ربنا يخليكم لبعض، علاقة الأخوات من أجمل العلاقات في الحياة." وصلت تلك الجملة إلى مسامع فيصل لينفجر ضاحكاً إلى أن أدمعت عيناه. ونظر إليه محمود بحزن وتعاطف، بينما تألمت همس لضحكاته الكاذبة التي تعلم يقيناً أنها بكاء مستتر يخفي خلفها صفعات والده الجاحدة. لم يستطع فيصل التوقف عن الضحك إلا عندما اعتدل محمود واقفاً، معتذراً بلباقة قائلاً:

"أنا لازم أمشي حالا، متشكر جدا عالعشا، وان شاء الله نتقابل قريب." أسام وقد استشعر توتر الأجواء من حوله: "أنا كمان مضطر أمشي، فرصة سعيدة جدا يا دكتور فيصل، تسلم ايدك يا همس الأكل اكتر من رائع." همس: "بألف هنا، هسيبك ترتاح وبكره ان شاء الله نتكلم." فيصل بجدية وكأنه لم يكن يقهقه منذ قليل: "شرفتونا يا جماعة." مد أسام يده مودعاً إياه، وفعل محمود نفس الشيء، لكنه همس إليه بصوت خافت:

"أنا أسف يا فيصل، رغم اني مليش ذنب في أي حاجة حصلت بس صدقني أنا اسف جدا." وقد تهدأ الأصوات ويحنو علينا الليل ويأت بسكونه، لكن ذاك الأنين المتلاحق بداخلنا لا يمل ولا يهدأ، فثورته لا تخمد مهما مضى ليل ولحق به نهار جديد. بقى بمجلسه وعيناه تنظر إلى الفراغ، وجهه متجهم وملامحه هادئة، لكنه يتألم. يتساءل وتساؤله لا يرحم بل يجلده دون ذنب يعلمه. لم هو حائر هكذا ومتى تنتهي حيرته؟ اقتربت منه همس قائلة:

"قوم ارتاح يا فيصل، انت ايه مقعدك لحد دلوقت، الفجر أذن." نظر إليها باشتياق، فأشاحت بناظريها عنه. لا طاقة لها بصدام جديد، وربما هي مشفقة عليه من ثقل آخر يرهقه. ابتسم بتيه قائلاً: "نفسي أصلي أنا وانتِ يا همس." همس بصوت متوتر: "قوم اتوضى وصلي." فيصل: "وانتِ! همس: "أنا صليت الحمد لله، وكنت قايمة اطمن عالولاد وفكرت انك مشيت، اتفاجئت انك لسه قاعد." فيصل بهدوء: "وأنا قولتلك اني راجع بيتي من تاني، بيتنا يا همس." همس بتعب:

"اللي يريحك، تقدر تدخل الأوضة تنام، الأوضة نضيفة، أنا مش بنام فيها أصلاً." فيصل: "ليه! همس بهدوء نيرانه تحرقها دون أن يلحظها أحد سوى قلبها المشتعل بداخلها. "ملوش لازمه الكلام دلوقتي يا فيصل، اليوم كله كان مرهق وأنا وانت محتاجين نرتاح." اعتدل فيصل واقفاً وبصره لا يحيد عنها. تراجعت هي قليلاً تسعى إلى الابتعاد قدر استطاعتها، لكنه لم يمهلها مزيداً من الوقت. اقترب إلى أن محا المسافة بينهما وضمها إليه هامساً:

"زمان كنتي بتقولي ان أوضة نومنا عالم جوة العالم، كنتي بتقولي انك أوقات بتخافي تخرجي منها ولما بتخافي بتستخبي جواها." أجابته هي بعد صمت استمر قليلاً، صمت بات دخيلاً بينهما لم يكن فيما مضى يجرؤ على اقتحام مجلسهما: "كنت، ودلوقتي بتخنق لما بدخلها، بحس انها بتحبس أنفاسي، بسمع صوتك وكلامك ووعودك وبكره نفسي وضعفي معاك يا فيصل، صدقني بقيت بهرب منها بكل قوتي، حتى النوم هجرها ورافض يصالحني وأنا جواها."

فيصل: "أنا وانتِ مستحيل حكاياتنا تنتهي بالشكل ده، انتي ليه مصممة تعذبيني وتعذبي روحك؟ همس أنا بحبك." فيصل: "يمكن، بس للأسف مش هقدر أصدقك تاني، يكفي ان ست غيري اتمتعت بالكلمة دي، قولتها لواحدة تانية يا فيصل." "فاكر انت قولت زمان لوالدتك قدامي إيه؟ يمكن تكون نسيت، لكن أنا مقدرتش أنسى، وصدقتك، زي ما كنت بصدق أي كلمة بتقولها بدون تردد." فيصل: "كلمة إيه يا همس؟! همس بوجع:

"قولتلها ان البطلة لما تسامح البطل الخاين بتبقى ست معندهاش كرامة." فيصل بمكابرة: "أنا مخنتش، اعتبريها غلطة، زلة وقعت فيها وفقت منها، إيه المشكلة؟ أنا جوزك حبيبك وأبو ولادك، عمري ما اتأخرت عنك في أي موقف وعمري ما خذلتك وده كلامك مش كلامي! همس بعشق قتيل:

"فعلًا، مقدرش أنكر، وأنا كمان كنت ليك زوجة وحبيبة وأم وسند وده كلامك، عمري ما صغرتك ولا قللت من شأنك، كان كل يوم بيعدي علينا بيزيد حبك جوايا وبيزيد احتوائي ليك، لكن للأسف انت كنت كافي ليا، مالي قلبي وعيني، لكن أنا مكنتش كفاية بالنسبة ليك."

كان يستمع إلى ما تحمله كلمات الأغنية من معاني تتطابق إلى حد ما مع حاله فيما مضى، لكنه الأن يستشعر هدوءاً لم يعهده من قبل. ربما كان تسليماً منه بما قدر له، وربما يأس أن يختلف الأمر عما هو عليه. لو كل عاشق في الهوى يرضى بنصيبه مكنش عاشق يا هوى فارق حبيبه مكتوب لقلبي بعد قلبه يعيش حزين واقول لروحي بعد روحي هعيش لمين؟ قاطعته هي قائلة بشيء من الغيرة الساخرة:

"آه، ويا ترى بقى يا سي ياسين لو كل عاشق في الهوى يرضى بنصيبه مكنتش هتفارق مين؟ ابتسم ياسين قائلاً: "دي أغنية يا أماني، هتغيري من أغنية؟ أماني: "واغير ليه؟ بس بيقولوا كل يغني على ليلاه." ياسين بمرح هادئ: "ايوه يبقى أنا ببكي على ليلاي، بحب ليلى." أماني بغيظ: "خليها تنفعك." ياسين بتأمل: "تعرفي ان اسمك معناه حلو، أماني! أماني: "ياجدع، وأول مرة تعرف ان اسمي أماني؟ ياسين: "لأ، عارف من فترة بسيطة."

دفعته أماني برفق يشوبه بعض الغيظ. تحدث هو بجدية قائلاً: "انتي أماني أنا، مش معناه أمنية لأ، معناه أمان ليا." ابتسمت بنعومة كطفلة مدللة قائلة: "أيوة عندك حق، طب ما انت بتقول كلام حلو أهو، مبتقوليش ليه علطول؟ ياسين: "المهم أكون حاسس بيه، ولا إيه رأيك." أماني: "رأيي انك محيرني، بس كله يهون علشان خاطرك." "قولي صحيح، همس أخبارها إيه؟ ياسين: "مكلمها من ساعة كده، كويسة الحمد لله." أماني: "ربنا يعينها ويعوضها خير."

ياسين: "يعوضها إزاي؟ ماهي رجعت لجوزها." أعربت عن اعتراضها على مغزى حديثه وعلقت بحزن: "وانت فاكرها هترجع معاه زي زمان؟! ياسين: "الوقت بيداوي أي جراح، المهم انهم يحاولوا." أماني: "ربنا يهديها، عالأقل علشان ولادها، لكن هو ميستاهلش." ياسين بجدية ورفض لتلك الجملة: نفسي أفهم بتدخلوا الولاد في النص ليه؟

لو هترجعله ترجع لأنها بتحبه، لأنه بيعشقها، لأن بينهم ذكريات مستحيل تنساها حتى لو اتجوزت راجل غيره. تفتكري هتنسى فيصل وحياتها معاه؟ أماني: واشمعنى هو نسى وظلمها وكان هيتجوز عليها؟ ولا هو بيحس وهي لأ؟ ياسين: غلط يا أماني. غلط ورجع ومتجوزش. يمكن صعب تسامحه بس مش مستحيل. أنا بقول الكلام ده علشانها هي قبل منه. أماني: لا وانت الصادق. انت راجل زيه وبتدافع عنه. ياسين: وانتي تعرفي عني كده؟

أنا مبحبش الظلم بس الحياة كلها مشاكل ومواقف حلوة ومرة. الانسان مفروض يسامح ويعدي. أماني: على قد المحبة بيكون الوجع والقهر يا أبو إسلام بس نقول إيه. المهم اللي يفهم. نظر إليها مليًا لكنه قد حسم أمره، عليه أن يتأكد من قراره الذي وصل إليه ليتحدث بجدية وترقب قائلاً: الخميس الجاي هاخدك انتي والبنات معايا مشوار مهم. أماني بسعادة: فين؟ هتفسحنا يعني؟

ياسين: نروح مشوارنا وبعدها افسحكم مكان ما تحبوا. ويلا بقى اعمليلي كوباية شاي بدل اللي بردت دي. إيه هتاخدي عليا ونتصاحب. نظرت إليه بغيظ هامسة من بين أسنانها: مش هعملك حاجة. اعمل لنفسك. ياسين: أهون عليكي؟ ده أنا كلها كام يوم واسافر واتبهدل واعمل لنفسي كل حاجة. أماني بحب يغمره اشتياق وخوف من فراق جديد: حاضر. هعملك اللي تطلبه. تحدثت سوزي إلى والدتها بغضب قائلة:

أنا زهقت. مش معقول هقضي حياتي بالشكل الممل ده. سي تامر عاوزني أخلف ومستعجل أوي. ابتسمت والدتها قائلة: وايه اللي يمنع؟ ما انتي مخلفة قبل كده. وبعدين حقه بسم الله ماشاء الله عاوز حد يورث الخير اللي عنده. خليكي شاطرة وهاتيله عيل يشيل اسمه ويبقى الكل في الكل. ابتلعت سوزي ريقها بتوتر قائلة: أنا باخد حبوب. مش مستعدة أخلف دلوقتي. والدتها برفض: ليه كده يا غبية؟

بقى رحتي خلفتي من الزفت مصطفى رغم إنه مكنش عاوز أولاد. ورافضة تخلفي من تامر وهو نفسه يخلف منك. سوزي: يوووه. كل حاجة مصطفى مصطفى. أيوه كنت حابة أخلف منه علشان ميبعدش عني. كنت فاكرة إنه مش هيسأل عن رضوى وبناتها بس تفكيري طلع غلط. لكن تامر أنا خايفة منه. لو خلفت معناها إني هربط نفسي بيه للأبد. والدتها بضيق ويأس من حال ابنتها:

وبعدين معاكي يا سوزي. اعقلي بقى وبطلي دلع. يابنتي تامر راجل كسيب وبيحبك بلاش تضيعيه من ايدك مش كل يوم والتاني هتتجوزي وتتطلقي. سوزي: ومين قالك إني هطلق؟ أنا بس عاوزه أعيش حرة مش لازم ألبخ نفسي دلوقتي بأطفال. مش كفاية بناتي اللي نفسي أشوفهم وخايفة أقوله يفتحلي محضر سين وجيم. والدتها ساخرة: البنات برده ولا أبوهم؟ سوزي: بناتي طبعًا. أبوهم ده مش في بالي أصلاً. نظرت إليها والدتها مليًا دون رد إلى أن تهربت سوزي قائلة:

تشربي قهوة معايا يا ماما؟ أصل أنا مصدعة جدا. ابتسمت والدتها وتحدثت بنعاس قائلة: لأ. قهوة إيه هتسهرني. اشربي انتي يا حبيبتي وروقي أعصابك علشان تامر لما يرجع يلاقيكي مفرفشة كده وبالك رايق. سوزي: اه. لما نشوف آخرتها معاه. مبيرجعش كل يوم غير بعد نص الليل وكل ما أكلمه يقولي شغل. ولولا انتي جيتي النهارده كان زماني سهرانه لوحدي زي كل يوم. والدتها بطمع: وماله. سيبيه يشتغل كله مصلحة ولا عاوزاه يقعد جنبك.

سوزي: ولا يقعد ولا يمشي. أنا رايحة أعمل القهوة. تنهد تامر بضيق لم يخلو من بعض السعادة التي تمنى أن ينالها من سوزي لكن هاله قد سبقتها إليها. تحدث بهدوء قائلاً: بس إحنا متفقناش على كده يا هاله. الحمل معناه إني لازم أشهر جوازنا. هاله بدلال حزين: لو مش عاوز أطفال خلاص أنزله. أنا عارفة إني بالنسبة ليك تسلية مش أكتر. تامر: انتي بتقولي إيه؟

لأ طبعًا انتي مراتي وابني مستحيل أتخلى عنه. كل الحكاية إني مش عاوز مشاكل من أولها كده مع سوزي. هاله بغيرة: على فكرة أنا مراتك قبلها يا تامر. تامر: عارف. بس انتي كمان عارفه إني كنت بحبها وما صدقت إنها اطلقت. هاله: خلاص طلقني وكل واحد يروح لحاله. تامر: لأ يا هاله. أنا بعد ما اتجوزت سوزي حاجات كتير اتغيرت وأولها مشاعري ناحيتها. برودها ومعاملتها ليا خلوني أشوفها على حقيقتها. هاله بسعادة: يعني مبقتش تحبها؟

تامر بثقة: بحبها. بس أنا راجل دمه حامي مقبلش ست تهيني ولا تحسسني إني قليل. وبعدين براحتها حابة تعيش على عيني وراسي مش حابة براحتها برده يبقى هي اللي اختارت. هاله: وأنا؟ تامر: انتي وش السعد يا هاله. وان شاء الله هتبقي أم ابني. كفاية وقفتك معايا من أول ما بدأت لحد النهاردة. اصبري بس عليا وأنا هعملك اللي تطلبيه.

ونخطو فنتعثر ونسقط بقوة تألمنا وتكبلنا فنبقى عاجزين عن الاستمرار. لكن غريزتنا تعلو وتدفعنا للقيام من جديد ونحاول مرارًا. إلى أن نصل. شهقت بفزع بعدما جذبها إليه بحدة ونظراته القاتمة مصوبة نحوها بغضب. تحدث بقسوة قائلاً: كنتي فين ومبترديش على الموبايل ليييه؟ نفضت عنها يده قائلة: سيب ايدي. كنت في الشغل والموبايل فصل شحن. فارس: وانت إزاي تخرجي من غير ما أعرف؟ كاميليا: وأنا مفروض آخد الإذن منك قبل ما أروح شغلي!

فارس: المفروض طبعًا. لو بتفهمي في الأصول والواجب. لكن إزاي الدكتورة كاميليا ملهاش كبير. كاميليا بقهر: فعلاً ماليش. اللي كان ليا مات يا فارس. دفعها فارس بحدة طفيفة وصاح بقوة: متجننيش. انتي مراتي وكل خطوة بتعمليها من حقي أعرفها ومش معنى إني مقدر اللي بتمري بيه إنك تسوقي فيها. تراجعت إلى الخلف قليلاً. ولم تحرك ساكناً. بل بدت بلا روح. همت بخلع معطفها واجابته بخفوت: أنا كده وإن كان عاجبك.

فارس: لأ مش عاجبني يا كاميليا فاهمه. مش عاجبني ومش هسكت بعد كده. كاميليا: هتعمل إيه يعني؟ هتطلقني! قالتها بصوت مختنق جعله يتنفس بعمق وجهد قائلاً: لو عليا هطلقك. لكن خالي وصاني عليكي. واضح فعلاً إنك بطلتي تحبيني وإني كنت بقاوم ع الفاضي. كاميليا: كويس إنك فهمت. فارس: تمام. من هنا ورايح ممنوع تروحي أي مكان من غير ما أعرفه. وصدقيني أنا بحاول على قد ما أقدر أتحمل عمايلك معايا لكن لحد كده وخلاص.

تردد قليلاً. وود التراجع لكنه لم يفعل. تحرك بخطوات جادة وللمرة الأولى يسعى هو للمواجهة. لن يختبئ من جديد خلف قضبان الماضي سيحطمها قبل أن تزهق ما تبقى من عمره. ضم يدها بين يديه وابتسم إليها قائلاً: يلا يا أم إسلام. وصلنا البيت. أماني: بيت مين ده؟ أول مرة نيجي هنا. ياسين: ده بيت أحمد صاحبي.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...