الفصل 14 | من 31 فصل

رواية لن ابقي علي الهامش الفصل الرابع عشر 14 - بقلم نداء علي

المشاهدات
17
كلمة
1,752
وقت القراءة
9 د
التقدم في الرواية 45%
حجم الخط: 18

نهرول بلا هوادة وتهرول أمامنا الأيام وما من أحد يسبقها أو يلحق بها وكيف له أن يفعل! ويشتد العدو ونلهث من خلفها علنا نلتقط من بين يديها حلم بسيط ولا نجد سوى سراب ووهم قضينا العمر بأكمله نطلبه. اقترب ياسين من مجلسها يبتسم إليها باحتواء قائلا: أخبار الشغل إيه يا همس؟ بدأتي ولا لسه بتجهزي؟ همس: خلاص بدأنا. صحيح مجلناش غير زبون واحد بس إن شاء الله مسألة وقت وهيبدأ يجيلنا غيره. ياسين: إيه ياعم الغرور ده! همس:

لا والله دي ثقة مش غرور. وبعدين أنا مركزة جدا في الشغل بحاول أطلع فيه كل طاقتي. ياسين: بس ولادك محتاجينك يا همس. تنهدت بحزن قائلة: ولاد محتاجيني قوية وسعيدة. وأنا لا كده ولا كده. بحاول أبان قدامهم مش فارق معايا حاجة بس الحقيقة صعب عقلهم يستوعبها. جوايا صمت يا ياسين. عارف لما تلاقي روحك ساكتة. رافضة تتحرك. لا قادرة تحزن ولا تفرح. شعور غريب أوي. نظر إليها مبتسما فبادلته الابتسامة قائلة:

انت محير نفسك. انت غيري. دايما الراجل في إيده الاختيار. ياسين متأملا المكان بترو: احنا بنتكلم عنك. مالك ومالي؟ همس: لأن نظرتك دي معناها إن انت كمان بتعاني وبتمر بنفس حالتي. ياسين:

صدقيني يا همس. إن شاء الله عمري ما هعمل حاجة أخجل منها. كل الحكاية إني تايه. مش لاقي الأمان لكن مشاعرنا تخصنا وحدنا مينفعش أدمر غيري بحجة إني مش قادر أكمل. أنا اخترت أماني. كان ممكن أتجوز أي واحدة والسلام. لو تفتكري خالتك كانت معترضة عليها لأنها أدي في السن بس أنا حسيت إنها شبهي. فيها مني. رغم إن أوقات بيحصل مشاكل كتير بسبب سننا ده. تحسي إن اتنين عيال بيتخانقوا سوا. همس: أكيد طبعًا إنك تتجوز واحدة في سنك ميزة وعيب.

ياسين: بالظبط. مشكلتي أكبر من علاقة واحد بزوجته. أنا بحاول أقدم اللي أقدر عليه بس أنا تعبان. مش عارف أعمل إيه. بدعي ربنا ليل نهار يدلني عالخير ومتأكد إن هيجي وقت واوصل لبر. همس بتردد: أنا هتجوز. ياسين: بلاش يا همس. بلاش تعاندي مع نفسك وفيصل وتدفعي انتي وولادك التمن. همس: صدقني مش عند ولا فيصل فارق معاه جوازي. أنا قولته من أسبوع وقتها تخيلت إنه هيجي يكسر الدنيا لكن للأسف حتى الاتصال بولاده مبقاش يتصل. ياسين:

ومين العريس؟ همس: حد متعرفوش. ياسين بترقب: يا شيخة. طب ليه حاسس إنك مخبية حاجة؟ همس بتعب: ولا حاجة. بس الموضوع مش بسيط. خطوة لازم أحسبها صح. ياسين: أكيد يا همس. أكيد. *** نظرت رضوى إلى حالها بالمرآة برضا وإعجاب. منذ سنوات لم تطلع إلى صورتها بتلك الطريقة. تغييرات طفيفة أعادت إليها شبابها الذي كاد أن يختفي. قصت شعرها شديد الطول. قامت باختيار لون يقارب لون عينيها. خرجت إلى الردهة المؤدية إلى غرفة بناتها.

تحدثت بصوت عالي قائلة: يا بنات. ياتقي يا ليان. تعالوا بسرعة. خرجت تقى أولا قائلة: إيه يا ماما؟ فيه حاجة؟ رضوى: إيه رأيكم في النيو لوك ده؟ تقى: تحفة جدًا. جامد يا رضوى ياقمر بس إيه التغيير الفظيع ده. رضوى بسعادة: بجد حلو؟ تقى: جدًا والله. اللي يشوفك يقول اختنا مش ماما أبدًا. رضوى بترقب: إيه رأيك يا لي؟ حلو؟ ليان بهدوء: آه يا ماما جميل أوي. رضوى: مالك يا حبيبتي؟ انتي كويسة؟ وفين اختك؟ ليان بتوتر: عندها درس وهتتأخر.

نظرت رضوى إلى الساعة المعلقة فوق الحائط قائلة: درس إيه الساعة داخلة على تسعة! هاتيلي تلفيوني يا تقى من عالكومود. خليني أكلمها. هاتفت رضوى ابنتها عدة مرات إلى أن أجابتها مرام بتأفف: نعم يا ماما. أنا كنسلت عليكي لأني في الدرس. رضوى بغضب: درس إيه؟ أنا عارفة مواعيد دروسك كلها. من إمتى الدرس بيتأخر لتسعة وأنا متفقة مع كل المدرسين إنكم تخلصوا قبل المغرب. انتي فين يابت؟ مرام وقد تراجعت عن ثباتها وقوتها: في إيه يا ماما؟

المستر كنسل حصة يوم الأحد وكان بيعوضها النهاردة. لكن مواعيدنا ثابتة. رضوى بحدة: استأذني منه ومسافة السكة والاقيكي قدامي فاهمة! مرام بخوف: حاضر يا ماما. حاضر. *** بداخل غرفة الجراحة نظر مصطفى بتقييم إلى فيصل الذي بدا وللمرة الأولى غير قادر على متابعة العملية التي بدأها منذ قليل. تبادل كلاهما الحديث بصوت خافت فتحدث فيصل باجهاد قائلا: أنا هخرج يا مصطفى. كمل انت العملية. أومأ إليه مصطفى في صمت وغادر فيصل إلى مكتبه.

ألقى بجسده فوق مقعده واغمض عينيه يتنفس بعمق وارهاق. لم يجرؤ على مواجهة همس بداخله يقين أنها كاذبة. محال أن تتزوج بآخر. مهما حدث بينهما لن تقتله بتلك الصورة. يعلم أنها قد تقسو حينما تغضب لكن زواجها موت له. أنانية مفرطة قد تبدو مشاعره لكنه لا يقو على تخيلها بين أحضان آخر. ما الحل؟ وما الذي عليه فعله؟ هل يذهب إليها الآن ويطلب إليها العدول عن قرارها؟ ولكن هل سيفعل هو المثل ويبتعد عن كاميليا؟

ضرب بيده فوق جبهته وقد أصابها صداع حاد. حاول أن يهدأ قليلا. بحث بدرج مكتبه عن مسكن للألم. تناول سريعا واسند رأسه إلى الحائط مغمضا عينيه عله يصل إلى حل. غفا فيصل ولم يدر بشيء إلى أن أيقظه مصطفى بهدوء قائلا: قوم يا فيصل. انت مروحتش ليه يابني؟ فيصل بنعاس: هو أنا نمت ولا إيه؟ مصطفى: والله انت حالتك صعبة. انت تعبان؟ فيصل بثبات: لا أنا كويس. بس منمتش كويس. مصطفى: طيب قوم روح. فيصل: انت خلصت العملية؟ مصطفى:

لأ. سبت الراجل بطنه مفتوحة وجيت أطمن عليك. فيصل: إيه خفة الدم دي. بتتريق عليا؟ مصطفي ضاحكا: عادي. أنا طول عمري دمي خفيف. فيصل بغيظ: أنا شايف إن مفيش دم خالص. مصطفى: مش هرد عليك. أنا رايح لمراتي وبناتي. فيصل: مين فيهم؟ مصطفى: تصدق إنك غلس. فيصل: بعض من عندكم. وبعدين إيه الغريب في سؤالي انت رايح لأي واحدة فيهم. مصطفى: رضوى. أصلها تقلانه عليا بقالها كام يوم هروح أصالحها والبنات وحشوني. فيصل بهدوء: ماشي. مع السلامة.

مصطفى: ما تيجي معايا نتعشى سوا. فيصل بارهاق: لا بألف هنا. أنا هروح البيت آخد شاور أفوق لأن كاميليا متفقة مع محل موبيليا هنروحله بالليل. مصطفى: امم. طب ما تأجله بعدين شكلك مرهق. فيصل: مش هينفع دي بقالها كام يوم بتقولي وأنا بأجل خلينا نخلص. مصطفى: تمام. أسيبك أنا مع السلامة. *** ارتدى طاهر ملابسه على عجالة وهم بالرحيل لتستوقفه كاميليا قائلة: رايح فين دلوقتي يا بابا؟ وشكلك قلقان كده ليه؟ أجابها طاهر

بعدما اقترب من باب الشقة: ابن عمتك عامل حادثة ولازم أروحله المستشفى. شهقت بفزع وانتابها ألم حاد بداخلها لم تفلح في اخفائه فنظر إليها والدها بحزن إلى أن قالت: مين يا بابا؟ فارس؟ طاهر: أيوه فارس. كام مرة اتخانقت معاه بسبب سواقته المهببة. بيطير بعربيته وكأن الحرب هتقوم. عموما متخافيش ولا تقلقي لو أنا اتأخرت. حاولي تنامي واقفلي على نفسك كويس. كاميليا: لأ أنا جاية معاك. طاهر: ملوش لزوم. كاميليا:

يا بابا متنساش إني دكتورة واكيد وجودي هيفيده. عالأقل ممكن أقابل حد من زمايلي وأشوف إيه الحالة بالظبط. طاهر: مش قولتي إنك خارجة مع خطيبك! كاميليا: ها؟ نسيت خالص. بس مش مشكلة هبعت لفيصل رسالة أعتذر منه. حضرتك استني بس خمس دقايق هلبس وأجيلك. هرولت إلى غرفتها. اغلقت الباب من خلفها واستندت عليه بضعف تتمتم برجاء خافت: يارب. يارب إن شاء الله هيبقى كويس.

بينما طاهر يدور برأسه الكثير من الأفكار وأهمها أن ما أقدم على فعله هو عين الصواب. بعد ما يقرب من الساعة وصل كلاهما إلى المستشفى. أسرع طاهر إلى غرفة ابن شقيقته. وانتظرت كاميليا خارجا تود التحدث إلى الطبيب المعالج كي تطمئن. ابتسم فارس إلى طاهر قائلا: أهدى يا طاهر باشا. انت هتاكلني ولا إيه؟ طاهر: تصدق إنك عيل ابن... شهقة شقيقته قائلا: بتشتمني يا طاهر. صحيح يعملوها العيال ويشيلوها الكبار. طاهر:

ماهو لو كنتي ربيت البقف ده كان طلع راجل محترم. كام مرة قولتلك ياض انت تسوق على مهلك. فارس بصدق: والله كنت سايق بسرعة معقولة. بس النصيب بقى. ربنا ستر. تدخلت كاميليا في الحوار بعدما دلفت إليهم قائلة: ما هو باين. وشك متخرشم. ده غير كسر في دراعك. شوف هتعرف تسوق إزاي بقى. فارس بحدة طفيفة: إيه اللي انتي لبساه ده؟ نظرت والدته إليه عله يهدأ قليلا ولم تجبه كاميليا بل تحدث إليه طاهر قائلا:

معلش أصلها كانت مستعجلة أوي. لما عرفت إنك عامل حادثة صممت تجي معايا. والدة فارس بلوم: تسلمي يابنتي. ماهو ابن عمتك وزي أخوكي. فارس بإصرار: ميمنعش إن الهدوم ضيقة ومجسمة. كاميليا ببرود: ألف سلامة عليك يا فارس. تعيش وتاخد غيرها. فارس: انتي شايفة كده؟ كاميليا: أنا شايفة إنك متهور ولازم تركز أكتر من كده. أجابها بغرور وثقة: متقلقيش، مركز أوي. بس كل شيء بأوان. لم تدرك مقصده، ولكن ثقته أربكته وانتزعت غروره الظاهر. أخفضت بصرها

وتحدثت إلى عمتها قائلة: اطمني ياعمتو، الدكتور محمد كان زميلي ودكتور شاطر جداً وطمني على الحالة. فارس بسخرية: حالة إيه يا دكتورة؟ تقصديني يعني؟ ولا اسمي بيعمل حساسية؟ طاهر بغيظ: ما تتلم يابني، إنت بعت راديو؟ فارس بتعب: مش عارف والله، بس حاسس بألم رهيب وبدأ يزيد. فقولت أغلس على كاميليا يمكن أفوق. بخطوات قلقة أسرعت إليه كاميليا تتفحصه بعناية لتسأله بجدية: إيه اللي بيوجعك؟ فين مكان الألم بالظبط؟

فارس بتعب: جنبي الشمال يا كاميليا، بيوجعني جداً. ضغطت بيدها زر استدعاء الطبيب ونظرت إلى فارس قائلة: متخافش، مفيش حاجة، اطمن أنا معاك. *** تبقى أفعالنا مدللة كما الأطفال، نراها بريئة جذابة ونحتمل هفواتها، نتغاضى عن صغائرها إلى أن تكبر ويتضخم قبحها فنصدم بها ونعجز عن مجابتها، فقد صار الطفل الصغير شاباً أحمقاً يحطم تحت قدميه ما يعيقه دون تردد.

اقترب مصطفى من الحي المقيم به، كاد أن يمر بسيارته ولكن ظلاً لفتاة تشبه صغيرته جعله يتوقف أمامها، لا يدر هل هو فضول أم خوف. دقق النظر ملياً، مرة وأخرى إلى أن تأكدت له الرؤية، طفلته التي كبرت دون أن يدري واقفة إلى جوار شاب، ما تبتسم إليه ويده تحتضن كفها باطمئنان وكأنها ملك له. ينكسر الإنسان من صدمات الحياة المتلاحقة، ولكن يبقى انكسار الأب مرهوناً بأبنائه.

لم يعلم كيف ومتى وصل إليها، نظر إليها بجنون أرعبها، تحدث إلى الفتى الواقف بجوارها قائلاً بصوت مفزع: امشي من قدامي حالا يابن... ابتلع الفتى ريقه بخوف، ولكنه ازداد خوفاً بعدما جذب مصطفى مرام من شعرها بقسوة، وسارت هي معه ولم تتفوه بحرف، فتأكد الشاب أن الرجل الغاضب أحد أقاربها. ألقاها داخل السيارة وجلس إلى جوارها، قاد سيارته بسرعة مجنونة، فصاحت هي بخوف: بابا، بالراحة، إنت سايق بسرعة كده ليه!!!

صفعها مصطفى وكأنه يصفع قلبه، فصرخت بألم أوجعه. أخذت تبكي ويعلو نحيبها، فتحدث بذهول قائلاً: ليه؟ ليه يا مرام؟ إزاي جالك الجرأة تخوني ثقتي وثقة أمك؟ مقضياها مع الشباب يا حيوانة؟ أنا مش لاقي وصف ليكي غير كلمة واحدة، إنتي.... أجابته بجرأة وقهر: لأ، أنا مغلطتش، أنا بحبه وهو بيحبني. كاد أن يقتلع خصلات شعرها بين يديه، وحاولت هي بضعف أن تخلص نفسها من بين براثنه.

تحدث بصوت هامس: أنا هربيكي من أول وجديد، هخليكي بعد كده تتكلمي بأدب وتعرفي تحبي كويس. مرام: على أساس إنك ربيتني أولاني؟ إنت قضيت عمرك مسافر ورمينا لأمي، ولما رجعت وقولت هيبقى ليا أب أتحامى فيه ويربيني وأجرب معاه حنان واحتواء الأب، إنشغلت في شغلك ومستقبلك، وأول ما كل حاجة بقت تمام رحت دورت علي بنت صغيرة صايعة.... مصطفى بغضب: اخرسي يا زبالة.... مرام: أنا مش زبالة، ومراتك صايعة، إيه؟ مبتشوفش لبسها ومكياجها؟

عادي، فيها إيه لما أعمل زيها وأعيش سني وأخرج وأصاحب، وفي الآخر أتجوز راجل زيك كده، دكتور وغني وهيرمي كل حاجة ورا ضهره علشاني، إيه المانع؟ ولا عاوزني طيبة وهادية زي أمي؟ بنوتة مسكينة ترضى بقليلها؟ لأ، أنا مش زيها ومش هكون أبداًااااا. مصطفى بانكسار: ياريتك زيها، ياريت، بس للأسف إنتي شبهي أنا.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...