الفصل 16 | من 31 فصل

رواية لن ابقي علي الهامش الفصل السادس عشر 16 - بقلم نداء علي

المشاهدات
19
كلمة
2,578
وقت القراءة
13 د
التقدم في الرواية 52%
حجم الخط: 18

تنتهي كافة الأحزان وتترك بالنفس سكون واعتياد. تعتاد الروح الألم وتألفه فلا يبدو مذاقه كما كان من قبل. يصبح أقل مرارة وربما نحن من فقدنا لذة الإحساس. حاول مصطفى التقليل من حدة الموقف الذي حدث بينه وبين رضوى. ابتسم مشاكساً إياها بقوله: "بس أنا أول مرة أعرف إن الحمل بيخلي الست حلوة كده، انتي جميلة أوي يا رضوى." ابتسمت بوجع قائلة:

"طول عمري يا مصطفى، طول عمري جميلة لكن للأسف عندي إحساس من سنين إني عادية. كنت بستغرب أوي لما صحباتي أو حد من أهلي يمدح في شكلي أو يقول عني حلوة. أول مرة أعرف وأتأكد إني حلوة لما شفت مراتك. كان نفسي أشوفها، كان جوايا اقتناع تام إنها أحلى مني. بس حقيقي انصدمت. عارف يا مصطفى رغم قهرتي من مرام بس هي صح، بنتك قالت اللي أنا مقدرتش أقوله. تفتكر أنا استفدت إيه من شكلي وأدبي وطيبة قلبي؟

ولا حاجة. سوزي بشوية لبس ضيق وشوية مكياج قدرت تعمل معاك في سنة اللي أنا حاولت أعمله في سنين وفشلت." مصطفى بغضب: "مش هنخلص بقى، أنا بحاول أعدي الكلام اللي بنتك قالته والموقف اللي شفته وبقول خلاص كفاية إني ضربتها وبعد كده هخلي عيني عليها وانتي برده مصرة تكرري كلامها. على فكرة سوزي مراتي ومسمحش لحد يغلط فيها، زي ما أنا مبسمحش لحد يغلط فيكي." قهقهت رضوى من فرط الوجع والحزن قائلة:

"عارف يا مصطفى انت فعلاً حرام تتجوز اتنين. مستحيل تعدل ما بينهم لأنك متعرفش معنى الكلمة. انت بتدافع عني، انت! من أمتى الكلام ده؟ قولي موقف واحد أمك هانتني فيه وانت رديت. قولي عملت إيه بعد ما عرفت إن سوزي هانم بعتتلي الرسايل اللي انت شفتها. ولا حاجة ومش هتعمل." مصطفى: "طب خلاص اهدي، مش وقت كلام انتي مفروض ترتاحي وبكرة هاخدك معايا ودكتورة تشوفك. النزيف ده محتاج دكتورة نسا تتابعي معاها." رضوى:

"مش عاوزة، أنا هنزل الحمل ده." مصطفى بصدمة: "بتقولي إيه! رضوى بثبات رغم ضياعها: "بقولك اللي أنا فكرت فيه ومقدرتش أقوله قدام البنات. أنا مش عاوزة أطفال تاني، وانت تقدر تخلف من مراتك التانية يعني مش بحرمك من حقك ولا حاجة." مصطفى بجدية: "أقسم بالله يا رضوى لو عملتيها ما هعديها على خير. ابني أو بنتي اللي في بطنك مش ولاد حرام ولا جايين غلطة علشان تقتليهم ببرود." رضوى بضعف:

"مش بمزاجك، أنا مش هقدر أشيل جوة مني طفل منك تاني. مش هتحمل كلام والدتك اللي زي السم لو جبت بنت. ده أنا كرهت نفسي بسببها." مصطفى بعتاب: "انتي بتقولي إيه يا رضوى." رضوى: "زي ما سمعت. وعلي فكرة النزيف ده حصل لأني اتعمدت أعمل مجهود وأشيل حاجات تقيلة يمكن ينزل طبيعي وأخلص." هب مصطفى واقفاً، وتحدث بلهجة حادة واثقة يحذرها بتأكيد قائلاً: "صدقيني يا رضوى لو عملتي اللي في دماغك ردي عليكي هيكون غبي وقاسي أوي."

تراجعت رضوى إلى طرف الفراش وقد ارتسم بمعالم وجهها الخوف من حدة صوته. تنهد مصطفى بضيق وتحرك بإتجاه زوجته. جلس إلى جوارها وجذبها إلى صدره رغماً عنه. حاولت رضوى التملص من بين يديه لكنه أبى أن يتركها. تحدث بشيء من التردد قائلاً: "عارف إن كلامي مش هيغير حاجة يا رضوى، وفاهم كويس إن كل اللي بيحصل بسببي. بس صدقيني مش لاقي حل. لو مكنش في بيني وبينها أطفال كنت طلقتها بدون تردد." لم تجبه بل كانت تستمع إليه في صمت.

استكمل قائلاً: "كلام مرام وجعني أوي يا رضوى. عمري ما تخيلت إن بنتي تعريني قدام نفسي كده. كلامها عن سوزي صغرني وخلاني عاجز إني أرد عليها. هقول إيه؟ للأسف فعلاً سوزي تصرفاتها كلها غلط وأنا سكت يمكن كنت مغيب ويمكن مع الوقت اكتشفت إنها مش فارقة معايا. بس هرجع وأقولك إنها أم بناتي مقدرش أرميهم هما كمان مش عارف أعمل إيه. ضمها بقوة وتحدث بصدق قائلاً:"

"ارجوكي يا رضوى خليكي زي ما انتي. أوى تتغيري لأن انتي صح وأنا اللي غلط. لازم تفضلي بر الأمان ليا ولولادنا وأنا هحاول أصلح اللي عملته بس اديني وقت وساعديني." عقارب الساعات ما هي إلا أخطاء متلاحقة تدور وتدور وترجع إلى موطنها الذي نشأت من خلاله. من امتدت يده بطعنة غادرة لمن سلمه الروح يهديه القدر ما يماثلها وربما كانت أشد وأقوى. ومن تاهت نفسه وخيل إليه أن ما يعانيه من آلام هي النهاية تتفتح أمام ناظريه بدايات رائعة.

كانت كاميليا شرسة في صراخها وثورتها. شراستها نابعة من عشق فطري لأب تراه ملكية خاصة. محال أن يمسي بين ليلة وضحاها ملكاً لأخرى. لقد تقبلت فكرة زواجه معتقدة أن والدها الرجل الرزين ذو العقل الراجح سيأتي بعروس تليق به. امرأة تقاربه في العمر. لكن لم يخيل إليها لحظة واحدة أن يبحث والدها عن أنثى فاتنة. ومن! همس. كانت تسب همس دون وعي لما تتفوه به إلى أن وقف طاهر بوجهها قائلاً:

"احترمي نفسك وإياك تغلطي فيها. همس هتبقى مراتي فاهمة ولا لأ؟ نظرت إلى فيصل الذي لم يحرك ساكناً. بدا مكبلاً. عاجزاً عن الحراك. تحرك بخطوات ثقيلة ووقف بمواجهة همس قائلاً: "انتي متفقة مع الراجل ده، صح؟ مقلب عاملاه علشان تنتقمي؟! همس بثقة:

"كنت متوقعة منك الكلام ده. حقيقي غرورك مش طبيعي. بس يمكن تصدق لما أقولك إن كتب كتابنا أنا وطاهر الأسبوع الجاي. يعني قبل فرحك انت وهي. وصدقني أنا متخيلتش إن أي راجل ممكن يخليني أثق فيه من تاني وبسهولة كده أحبه وأقرر أتجوزه. بس نقول إيه الست منا مبتعرفش قيمة الراجل الحقيقي غير لما تقابله." فيصل بجنون وانكسار وغضب وضعف ورفض لتصديقها: "اقتلك يا همس. سامعة اقتلك ومفيش راجل غيري يلمسك." همس بتحدي:

"على فكرة انت مش متحضر خالص. لما قولتلي إنك بتحبني أنا بعدت عنك بهدوء وقولت حقك. وأنا بقولك أهو. قلبي مش ملكي أنا بحب طاهر وهتجوزه." رفع يده عالياً وهم أن يصفعها لكن طاهر حال بينهما بقوة وتحدث بتحذير: "ابعد عنها. انت إيه علاقتك أصلاً تتجوز ولا تحب؟ مش مفروض إنك بتحب بنتي؟! فيصل وكأنه في سباق للعدو وقد أوشكت روحه على الهلاك: "انت بتدخل ليه يا راجل انت؟

ابعد عن طريقي بدل ما أضربك. عمري ما تخيلت إنك راجل ناقص بالشكل ده. بتلف من ورا ضهري وترسم على مراتي. طب راعي سنك." طاهر بجدية: "ماله سني؟ الفرق بيني وبينها نفس الفرق بينك وبين كاميليا. بعدين دي طليقتك مش مراتك. فاهم! فيصل بثقة نابعة من غروره وتملكه لهمس: "المهم إنها أم ولادي." فارس ببرود: "أنا شايف إنها ميزة. ولادك هيبقوا مع والد مراتك يعني أمان. اطمن انت متقلقش." طاهر بجدية بعدما تبدلت ملامح فيصل عقب كلمات فارس:

"خدي الدكتور يا كاميليا واطلعوا اتفاهموا برة." كاميليا بكره: "مش هخرج. انت اللي هتتفضل تمشي وتفهم الست دي إنها متقربش منك تاني." طاهر: "وايه تاني؟ اتفضل اطلبي واحنا ننفذ؟ كاميليا بغضب: "حضرتك بتهزر. آه ما انت ليك حق واحدة رخيصة زي دي استغلت إنك راجل عايش من سنين من غير ست في حياتك ورمت شباكها عليك وانت. انت إزاي تبقى ساذج كده وتوقعك! طاهر:

"يمكن همس فوقتني. تخيلي كنت هضيع باقي عمري على بنت جاحدة وقليلة الأدب زيك. بتتهم أبوها إنه ساذج ومش فاهم مصلحته." كاميليا باكية: "متدافعش عنهااا. انت أبويا أنا. دي واحدة مجنونة." همس بهدوء: "أنا آسفة يا طاهر. بعتذر يا فارس واضح إن وجودي عمل مشكلة وبدل ما أطمن عليك تعبتك." فارس بغيظ: "حضرتك نورتي المكان. أعتقد يا دكتور فيصل انت والدكتورة كاميليا تتفضلوا تمشوا أحسن."

كان فيصل قد بلغ ذروة جنونه وانكساره. قلبه ينزف بلا رحمة وذاك الأحمق المدعو فارس ينظر إليه بشماتة. انقض عليه يكيل إليه اللكمات وكأنه يلقي عن كاهله تلك الصدمة التي يعجز عن استيعابها. اقترب طاهر يزيحه عن فارس دون فائدة فقد كان غاضباً حد الثمالة. صاحت كاميليا بخوف: "سيبه يا فيصل. ابعد عنه يا مجنون." فيصل: "ابعد عن مين ده أنا هخلص عليه هو وأبوكي." كاميليا:

"اتشطر عالحيوانة دي بدل ما تضرب فارس وبابا. ثم انت مالك هتتجنن عليها كده ليه؟ طب أنا علشان بابا انت بقى عامل كده ليه؟ فيصل: "بقولك إيه أنا مش ناقصك انتي كمان. جذب همس إليه وهم بالخروج يجرها من خلفه لكن طاهر دفعه بقوة أوقعته أرضاً، قائلاً له:" "امشي بكرامتك بدل ما أجيب أمن المستشفى يرموك برة. وبحذرك للمرة الأخيرة ابعد عن همس وركز في حياتك. أنا مقدر صدمتك علشان كده هسيبك لكن لو اتكررت وحاولت تلمسها هتندم."

بعض الأوقات نقاوم الحقيقة بضراوة رغم وضوحها، فشمسها لا تغيب بل تحجبها غيوم الميل والهوى. نتغافل ونتجنب المواجهة إلى أن تصدمنا. عاد مصطفى إلى بيته الثاني، يود ألا يكرر ذات الخطأ. إن كانت سوزي خطأ ارتكبه لحظة ضعف، فعليه التكفير عنه لطفلتيه. لن يهمل وجودهما بعد الآن، فتكبر إحداهما وتعاقبه كما فعلت مرام.

توقف عن السير عندما استمع إلى أصوات الموسيقى والضحكات الصاخبة. دلف إلى شقته فوجد سوزي تتوسط صديقاتها تتمايل بينهن على نغمات موسيقى فجة. توقفت عن الرقص وأسرعت إليه تطوق عنقه بدلال قائلة: حبيبي، كنت عارفة إنك مش هتنسى عيد ميلادي. لم يشأ أن يقلل منها على مرأى من الناظرين إليه بإعجاب وتمني، لذا تحدث إليها بود قائلاً: كل سنة وأنتي طيبة، فين حلا وحور؟ سوزي: جوة مع البيبي سيتر.

أومأ إليها على مضض واستأذن منهن وغادر إلى ابنتيه. ابتسمت إليها إحداهن قائلة: جوزك شيك جداً يا سوزي، عندك حق تحبيه. سوزي بدلال: إيه ده؟ أنتي بتعاكسيه قدامي؟ أجابتها صديقتها بوقاحة: أكذب يعني؟ ده جان وقمر في نفسه كده. سوزي: هش، خلاص يا ماما هتخليني أخاف عليه منك. تبادلن الضحك دون اكتراث لشيء. وداخل غرفة أطفاله ينظر إليهما مصطفى باشفاق مما هو آتٍ. لقد جنى عليهما باختياره لأمهما.

احذر مما تتمنى، فقد يحدث وبعدما تناله يصبح جحيماً لا تقدر على النجاة منه، وربما تبقى عالقاً بداخله إلى الأبد. تشاجرت فرح وزوجها، حياتهما على المحك. ربما كان اختباراً لهما، وربما اختبار حقيقي لياسين لكي يهدأ بركان أفكاره الثائر. استمع إلى كلمات أحمد بعقل شارد، يفكر ما العمل. هل يطلب إليها الطلاق ويتزوجها؟

هي نصيبه، حقه، لكنه لن يفعل. زوجته هي الأحق به، أطفاله وبيته. وكذلك فرح، عليها الرجوع عن الطلاق، زوجها يستحق المحاولة من جديد. تحدث أحمد بتعب قائلاً: حاولنا معاها كتير والله يا ياسين، جوزها طيب وابن حلال. المشكلة كلها في خالتي، صعبة أوي لا تحتمل بصراحة وبحق ربنا. بس نقول إيه؟ إحنا وافقنا تتجوزه كان عندنا أمل خالتي تعاملها كويس، للأسف طلعت هي أس المصايب. ياسين بحزن:

معلش، البيوت ياما بيحصل فيها. بس مفروض برضه جوز أختك يبقى راجل عن كده، مينفعش يسيب مراته تتبهدل وهو ساكت. أحمد: هو غلب مع أمه ومفيش فايدة. وفرح طهقت من عمايلها. مهما كان فرح مش واخدة عالبهدلة والمرمطة دي. بس هنعمل إيه؟ لازم تتحمل عشان ولادها. ياسين: كل إنسان وله طاقة. لازم تلاقوا حل مع خالتك قبل ما فرح ترجع. أحمد: والله يابني قلتله واتفقنا إنه هيتصرف، المهم يقدر. ياسين: معلش أنا لازم أمشي يا أحمد، عندي شغل.

أحمد بود أخوي: ماشي يا معلم، ربنا يعينك. ياسين بصدق: لو احتجت أي حاجة كلمني وأنا هجيلك. أحمد: أكيد طبعاً، قد القول يا أبو إسلام. غادر بخطوات مسرعة، يبتعد ويبتعد ولكن بداخله براكين من "نعم ولا"، "أريد ولا يجوز"، "حق وواجب". صراع نهايته باتت وشيكة، ولكن يا ترى ما هي النهاية؟

انتهى به الحال بين جدران غرفته، يخشى الخروج. بات أكثر وحدة عن ذي قبل. مواجهته مع وحيد لم تمنحه سوى مزيداً من الألم. كم تمنى أن يكذبه صديقه الخائن، أن يدفع عن نفسه تلك الدناءة. كان يتمنى أن يمنحه سبباً واحداً لما فعل، لكن ما قاله زاده بؤساً. ليس ضعفاً منه، ولكن بعض البشر تأبى تصديق الخيانة، قلوبها النقية لا تحتمل حدوثها. أمسك هاتفه وأخذ يتصفح بعض الأخبار والفيديوهات، لعله يتوه بينها ويتناسى ما يشعر به.

أتاه رسالة واحدة في صندوق رسائله، فتحها بفضول وليته لم يفعل. فقد كانت منها هي، وهو الآن في أوج انهياره وضياعه. يحتاج إلى من يفهمه، يستمع إليه، وهي كذلك. وربما كانت هواجس وأسباب واهية. أجابها كتابة: أزيك يا فرح؟ أخبارك إيه؟ فرح بحزن: الحمد لله على كل حال. أنت أخبارك إيه؟ بقي صامتاً. ماذا يخبرها؟ أيخبرها أن معاناته مستمرة منذ سنوات، منذ لحظة فراقهما؟ هل يصارحها بما فعله وحيد؟ وما الفائدة إن أخبرها؟ تحدثت

هي بعدما طال صمته متسائلة: أنت سعيد في حياتك يا ياسين؟ قدرت تعيش وتكمل عادي؟ ياسين: الحمد لله. ربنا اداني كل حاجة يا فرح. فرح بانكسار: ربنا يسعدك دايماً. ياسين: ويسعدك يا فرح، ويهديلك الحال. معلش اصبري، جوزك طيب وابن حلال. بكرة كل حاجة تبقى تمام. أحمد قالي إنكم زعلانين مع بعض. فرح: أنا هطلق منه. ياسين: لأ، أوعي يا فرح. ابتسمت بحزن وأجابته: أنت خايف من طلاقي ولا خايف عليا؟ ياسين: خايف عليكي صدقيني، الطلاق مش لعبة.

فرح: أنا اتجوزته لأنك وافقت عليه. كنت فاكراه زيك، بس أنت مفيش حد زيك. بعض الكلمات التي ننطقها تصبح نهايات لعلاقات استمرت سنوات. كلمة فرح صفعته بقوة جعلته يتراجع ويبتعد. لن يسمح لها ولنفسه أن يقعا في بئر الخيانة ولو بالفكر. لقد رفضا سوياً فيما مضى أن يهربا ويتزوجا بعيداً عن أهلها. والآن عليه أن يبتعد هو. كتب إليها قائلاً: اللي فات مات يا فرح، والميت بنفضل فاكرينه بالخير، بس مستحيل يرجع للحياة من تاني. سامحيني!

لم ينتظر إجابتها، بل قام بحظر حسابها. ربما قد أساء إليها وقسى عليها، ولكن لم يعد من سبيل للتراجع. تحاملت على نفسها وتحركت بثقل، توجهت إلى بناتها. عليها الحديث إليهن قبل أن تزداد الأمور سوءاً. طرقت الباب بخفة ودلفت إلى غرفة مرام. وجدتها نائمة بفراشها تنتحب بخفوت وشقيقتيها إلى جوارها ينظران إليها بحزن. تحدثت رضوى إلى مرام قائلة: قومي اقعدي يا مرام، واسمعيني كويس. وانتوا الاتنين كمان أنا مش هكرر كلامي تاني، مفهوم؟

انتبهن إليها باحترام، فبدأت حديثها قائلة: اللي حصل يا مرام غلطة، ومش هتتكرر منك. وحتى لو حاولت تكرريها مش هسمحلك. أنتي واخواتك أمانة في رقبتي لحد ما تكبروا وأطمن عليكم. ومش هسمح لواحدة فيكم تخرج عن طوعي ولا تكسر ثقتي فيها، وإلا هكسر رقبتها تحت رجلي.

أنا اتحملت وهتحمل عشانكم مهما حصل، وعمري ما هتخلى عن دوري كأم. وفي المقابل مش عاوزة منكم أي حاجة غير إني لما أشوفك أنتي وهي قدامي أحس إن تعبي مضاعف على الأرض. مفتكرش إني بطلب المستحيل. الاستاذة مرام اللي وقفت تحاسبني نسيت تحاسب نفسها. نسيت إن ربنا كان شايفها وهي بتخون ثقتنا فيها. نسيت إنها متربية وليها أهل وميصحش تكسر عينهم. صح يا مرام؟ صح؟ يا عوض ربنا ليا.

أبوكم مهما عمل هيفضل أبوكم، غصب عن عينك أنتي وهي ملزمين تحترموه وتسمعوا كلامه. أبوكم اتجوز على سنة الله ورسوله، معملش معصية. حتى لو قصر معانا شوية، رجع وبيحاول يراضيكم، مع إن غيره بيرمي ولاده وينساهم. مرام: يا ماما والله أنا آسفة. رضوى: وأنا كمان آسفة إني اتعاملت معاكم على إنكم كبار وعاقلين. للأسف كل حاجة هتتغير. الدروس من هنا ورايح هتبقى هنا في البيت، قدام عيني ومفيش خروج تاني لوحدكم لأي سبب. تقى:

يا ماما بس إحنا ملناش ذنب. رضوى: الحسنة بتخص والسيئة بتعم يا ست تقى. وخلاص أنا بطلت أثق في حد تاني، ولما تثبتوا العكس يبقى ربنا يحلها. تصبحوا على خير، أنا تعبانة ومحتاجة أنام. جنونه قاده إلى مدرسة طفليه. ترجل من سيارته، وغيرته تعميه عن أي شيء. اقترب من بوابة المدرسة، دلف مسرعاً إلى أن وصل إلى مكتب المدير. جلس أمامه وتحدث بثقة قائلاً: لو سمحت، أنا كنت محتاج آخد الولاد بدري النهاردة. المدير مبتسماً:

حاضر يا دكتور فيصل، أخبارك إيه؟ بقالك فترة مبتحضرش اجتماعات أولياء الأمور. فيصل: شغل والله، حضرتك عارف العيادة والمرضى. بس إن شاء الله هحاول أعوض الولاد فترة غيابي. عشان كده هاخدهم ونتغدى برة البيت وأفسحهم. لحظات واقتربت المشرفة تمسك بيديها مؤيد وإياد. هرول كلاهما إلى والدهما، فاحتضنهما بقوة وهب واقفاً. مد يده إلى المدير قائلاً: متشكر يا أستاذ جميل، السلام عليكم.

ساعد طفليه على الجلوس بالمقعد الخلفي ونظر إليهما بسعادة لرؤيتهما، وسعادة نابعة من رغبته في تأديب همس أثناءها عن فعلتها. جلس في مقعده وأمسك هاتفه وأرسل إليها برسالة مختصرة قائلاً: الولاد معايا ياحبيبتي، أنا أخدتهم من المدرسة وهستناكي يا همس. اقتربت تقي من شقيقتها قائلة: هتعملي إيه يا مرام؟ ماما وبابا لو عرفوا اللي عملتيه هيخلصوا عليكي. ربنا يسامحك يامرمر، كلنا هنتأذى بسببك. التفتت إليها مرام بأعين

باكية وقلب يرتجف هامسة: معرفش، أنا كنت تايهة. كرهي لتصرفات بابا عماني. تقي بترقب: طيب الزفت اللي بتحبيه ده هيقدر يتقدملك ولا كان بيتسلي؟ ارتعدت مرام هامسة برعب وحذر: مستحيل يكون بيتسلي، أنا متأكدة إنه بيحبني. أنا محتاجة موبايل عشان أكلمه وييجي يتقدملي وأخلص بقى من البيت ده. بمت مرام بحرقة واختناق قائلة: أنا بكره البيت ده، بكرهكم كلكم ومش عاوزة أعيش هنا.

اكتفت شقيقتاها بالصمت. صمت يغلفه خوف وأمل. خوف من الأيام وأمل في شخص يمد إليهن يد تنتشل أرواحهن من الغرق وسط مشاحنات لا تنتهي. تحدثت مرام إلى نفسها تطمئنها قائلة: أكيد يوسف مش هيبعد عني، هو وعدني يفضل معايا ويتجوزني. يارب ساعدني أخلص من العذاب ده.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...