الفصل 29 | من 31 فصل

رواية لن ابقي علي الهامش الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم نداء علي

المشاهدات
17
كلمة
2,748
وقت القراءة
14 د
التقدم في الرواية 94%
حجم الخط: 18

ليتنا خطونا نحوك على مهل، ليتنا ما هرولنا إليك نسابق الريح بكامل طاقتنا، ربما كان التمهل مجدياً، لربما كانت سقطتنا أقل خطورة وقسوة لكننا حمقى كنا غافلين عن الأذى الذي ينتظرنا. انتاب همس هاجس لا تعلم مصدره لكنه ظل يتردد صداه بداخلها، لقد اختفى فيصل منذ تلك الليلة التي أبى فيها كلاهما أن يستسلم للواقع، هو يخشى الاعتراف أن رجوعهما بات محالاً، وهي تخشى الابتعاد رغم توقها إليه.

تنهدت بضيق فغيابه يصيبها بالخوف، حاولت مراراً مهاتفاته لكن هاتفه مغلق منذ يومين، لم يتوجه إلى المشفى، مصطفى هو الآخر لم يره ولم يلتق به، ترى أين هو؟ تطلعت إلى الساعة المعلقة أمامها بتذكر قائلة: يدوب الحق أجيب الولاد من المدرسة وأروح عالمكتب، ياترى انت فين يا فيصل وناوي على إيه تاني! تحركت بخفة ناحية الباب ولكنها تراجعت قليلاً بعدما اختطف أنفاسها انقباض بصدرها وشعور بالألم جعلها تترنح في وقفتها قليلاً. استغفرت

مرات عدة ودعت ربها قائلة: خير يا رب، استغفر الله العظيم إيه اللي حصل قلبي مقبوض أوي. أسرعت تبحث عن هاتفها ربما يمنحها فيصل إجابة يبرر بها غيابه طيلة الفترة السابقة لكنها أصيبت بإحباط جديد بعدما استمعت إلى رسالة مسجلة أغلقت بوجهها أمل الوصول إليه. زفرت بغيظ وقليل من الحدة قائلة: موبايلك مقفول، يعني بتعاقبني ولا إيه يا فيصل، حيرتني معاك حرام عليك والله، هروح أجيب ولادك وبعدها أشوف حل في غيابك ده.

لم تكد تصل إلى سيارتها عندما اقترب منها بخطوات متلهفة رجل على ما يبدو أنها قد رأته من قبل. ابتسم إليها محمود بتردد فدقت النظر إلى وجهه قليلاً ليتحدث هو قائلاً: أنا محمود أخو فيصل يا مدام همس، فكراني. ابتسمت إليه بسعادة قائلة بتذكر: أهلاً يا دكتور محمود، آسفة أنا ذاكرتي ضعيفة شوية. محمود: ولا يهمك، أنا آسف إني جيت بدري كده بس فيصل بقاله يومين مبيردش عليا وأنا محتاج أتكلم معاه ضروري وأطمن عليه.

همس بترقب: تطمن عليه ليه؟ نكس محمود رأسه بأسف قائلاً: هو مقلكيش اللي حصل؟ همس بقلق: لأ، أنا بقالي يومين معرفش عنه حاجة وموبايله مقفول. تبدلت ملامح وجهه وغشى كيانه الخوف والتوتر وتساءل في جدية: هيكون راح فين؟ همس بجدية وإصرار: لو سمحت فهمني إيه اللي حصل بينك وبينه أنا كده قلقت أكتر. وكم تمنيت أننا لم نلتق لكن قلبي يصرخ قائلاً: بل ليتنا لم نفترق...

انتهى عملها اليومي بالمشفى الجديد الذي انتقلت إليه بعد تركها لعملها السابق، استوقفتها إحدى الزميلات قائلة: انتي مروحة يا كاميليا؟ كاميليا: أيوه، في حاجة! ابتسمت إليها بمكر قائلة: شفتي دكتور ياسر كان بيبصلك النهاردة إزاي؟ رفعت كاميليا يدها اليسرى وأشارت إلى بنصرها المزين بخاتم الزواج قائلة: إيه مش شايفة ده؟ تحدثت بجدية قائلة: انتي متجوزة! كاميليا: اه، مستغربة ليه؟ ابتلعت ريقها بدهشة قائلة:

أصل إحنا يعني سمعنا إنك كنتي مخطوبة لدكتور فيصل العوضي ومحصلش نصيب. تبدلت ملامح كاميليا وهتفت بشراسة قائلة: حصل، وانتهى الموضوع وارتبطت بابن عمتي واتجوزنا إيه ممنوع ولا حرام! نظرت الفتاة من حولها بتوتر بعدما علا صوت كاميليا وهتفت بهدوء: لأ طبعاً ألف مبروك، انتي زعلتي ليه بس. كاميليا بغرور: متشكرة حبيبتي، ياريت بس كل واحد يركز في شغله، مش عارفة دكاترة إزاي وقاعدين تتكلموا عن بعض وعن الناس.

لم تنتظر رداً من زميلتها، اندفعت إلى خارج المشفى لكنها تسمرت محلها بصدمة عندما وجدت فارس يتطلع إليها بخيبة أمل ويبدو أن حديثها مع تلك الطبيبة قد وصل إلى مسامعه كاملاً. تحركا سوياً في صمت إلى أن وصلا إلى سيارته، صعدت كاميليا وجلس إلى جوارها فارس ووجهه لا يوحي بشيء سوى الغضب، حاولت كاميليا استمالته فتحدثت بمشاكسة قائلة: الورد اللي معاك ده لمين؟ أوعى تكون جايبه لواحدة غيري.

امسك فارس باقة الورد وألقى بها خارج السيارة، انكمشت كاميليا في مقعدها وتطلعت إلى فارس برهبة وتحدث هو من بين أسنانه قائلاً بتحذير: مسمعش صوتك لحد ما نوصل البيت، مفهوم! اومأت إليه دون صوت واكتفت بالصمت الذي كان قاسياً إلى حد بعيد. أطاح فارس بكل ما يراه، كان يتلفظ بكلمات قاسية جعلت كاميليا تتحدث إليه بغضب وحدة قائلة: إيه، إيه اللي حصل للجنان بتاعك ده؟

لحظات كانت كفيلة بزيادة جنونه، اقترب منها إلى حد مهلك وتحدث بشراسة وتحذير قائلاً: مين الراجل اللي كانت زميلتك بتتكلم عنه وإيه علاقتك بيه؟ كاميليا بكبرياء: أنا مسمحلكش تتكلم معايا بالأسلوب ده، تلميحك ده أنا مقبلوش، هيكون إيه علاقتي بيه، دكتور ورئيس قسم عندنا في المستشفى. فارس دون تردد: زي فيصل يعني. نهرته قائلة بضعف: فارس! انت بتقول إيه؟

فارس وقد أطاحت بعقله غيرته وزادت من ظنونه تصرفات كاميليا طيلة الأيام الماضية، تجاهلها له وابتعاده عنه جعله بلا تعقل. صرخ بوجهها بصوت جهوري قائلاً: مالك مستغربة ليه كده؟ كاميليا: انت أعصابك تعبانة، ياريت تسيبني في حالي وتروح تراجع نفسك وتشوف انت بتقول إيه الأول. جذبها إليه يحركها بغيظ بينما جاهدت هي لتتملص من قبضته دون فائدة، تردد بذهنه كلمات تلك الفتاة وتلميحها الفظ حول إعجاب ذاك الطبيب بها.

انتابته حالة من الجنون فأخذ في سؤالها بسخرية لاذعة قائلاً: أنا مبقتش قادر أفهمك، معقول بنت خالي اللي كنت هموت عليها طول عمري، ولا أنا كنت مخدوع فيكي، معقول انتي زي ما الناس بتقول يا كاميليا، هوائية وطايشة معندكيش مشاعر، معقول خالي فشل في تربيتك؟! كاميليا بحدة: احترم نفسك يا فارس، انت مش من حقك تقولي الكلام ده. فارس: أنا جوزك. كاميليا: حتى لو جوزي مسمحلكش تهيني ولا تتهمني بالشكل ده فاهم؟!

فارس بجدية: مش فاهم يا دكتورة، انتي لازم تفهمي وتسمعي كويس، أنا مبقتش قادر أتحمل أكتر من كده، مش هقدر أتحمل مغامراتك كل يوم والتاني، مش هقبل على كرامتي إن كل خطوة أخطيها تبقى متعلقة بالماضي وتصرفاتك الطايشة، النهاردة زميلتك وبكرة جيرانا وبعده وبعده. كاميليا بتوتر: تقصد إيه؟ فارس بلهجة حادة غير قابلة للنقاش: هنسافر، هنسافر أنا وانتي وماما معانا. ونعيش برة. نظرت إليه بضعف، ربما لو كان في وعيه لأدركه.

تحدثت بهدوء متعب قائلة: "ولو رفضت، هتعمل إيه؟ ابتلع ريقه بثبات زائف واستدار كي لا يواجهها، قائلاً: "تبقي طالق." *** أحاطته بيديها، تشم رائحته بسعادة وكأنها من الأبد لم يتسرب إلى رئتيها هواء نقي. أدمعت عيناها وأخذت تبتسم بزهو وسرور، تهمس بخفوت قائلة بكلمة تكررها: "ما شاء الله، ولد، الله أكبر عليك، مصطفى بقى عنده سند يشيله ومبقاش وحيد." كادت رضوى أن تنهرها، لكن سعادتها الكاسحة جعلتها تؤثر الصمت. التفتت

سوسن إليها قائلة بعتاب: "وياترى بقى كنتوا مخبيين عليا ليه؟ هحسد ابني مثلاً؟ أجابتها رضوى بتفهم قائلة: "لأ يا حماتي، بس خفت أعشمكم عالفاضي، مش يمكن أقول ولد وتطلع بنت." سوسن: "لأ، الحمد لله، ربنا كرمني وطلع ولد زي القمر أهو، حتة منك يا مصطفى، شايف جميل إزاي؟ كفاية الموكوسة سوزي عشمتني تسع شهور، حامل في ولدين حامل في ولدين وفي الآخر جابت بنتين مش بنت واحدة، تلاقيها كانت بتضحك عليا لحد ما تولد."

رضوى بغيظ: "أنا هقوم أعملك حاجة تشربيها يا حماتي." سوسن بسعادة: "لأ، متعمليش أي حاجة، اهتمي بابنك، إنتوا هتسموه إيه يا بني؟ مصطفى: "مصعب، البنات اختاروا الاسم." سوسن: "حلو أوي، مصعب مصطفى عبدالرحمن، الله اسم يشرح القلب." مصطفى: "الحمد لله، ربنا يبارك فيه وفي إخواته."

سوسن: "إن شاء الله، بص بقى أنا خلاص هاجل العمرة للسنة الجاية، مش مسافرة وهقعد علشان خاطره، رضوى مش هتقدر تاخد بالها منه ومن إخواته وإنت مفروض تساعدها برضه." لم تفلح رضوى في كبح ضحكاتها التي انفلتت رغماً عنها، فأسرع مصطفى إليها قائلاً: "بتضحكي على إيه؟ هتودينا في داهية." قهقهت رضوى بشدة وشاركها مصطفى ضحكاتها، فهو الآخر لا يصدق ما يراه وما تفعله والدته. نظرت إليهما سوسن بغيظ وهتفت: "إيه اللي بيضحك دلوقتي؟

مش عاجبكم كلامي؟ رضوى: "لأ يا حماتي، ده أنا افتكرت موقف حصل يوم ولادتي." سوسن: "طيب، المهم دلوقتي تاخدي بالك من نفسك ومن ابنك، أوعي ترضعيه لبن صناعي، بينفخ العيل، إنتي تاكلي حلو، رزقه هينزل إن شاء الله." مصطفى: "عادي يا ماما، اللبن الصناعي بيساعد لأن رضوى لبنها ضعيف." نهرته سوسن قائلة: "اسكت إنت، سيبك منه يا رضوى واسمعي كلامي." رضوى: "حاضر يا حماتي، اطمني."

سوسن: "ربنا يطمن قلبك يا بنتي، يا سلام يا ولاد، أنا مبسوطة أوي." *** قالها فارس كسلاح للتهديد، علها تتراجع وتسافر معه فيتمكنا من خلق حياة جديدة. طعنتها تلك الكلمة، فأدركت أن حياتها معه محال أن تستقيم، وقد بات الشك ضلعاً في بنيان علاقتهما. انتابها ضعف نفضته عنها بصياحها ورفضها التام قائلة: "تمام، إنت عندك حق، طلقني وروح لحالك، أنا وإنت مش هينفع نكمل." فارس بذهول: "بسهولة كده، نتطلق وكأن مفيش حاجة؟

كاميليا: "إحنا كتب كتابنا، زينا زي أي اتنين مخطوبين ومقدرشوا يكملوا، ما أنا انفصلت قبل كده عن فيصل وقدرت أتخطاه وارتبط بيك، عادي." احتقن وجهه إلى حد مخيف، لكنها باتت في أقصى مراحل الضعف والتخبط، فأخذت في التلفظ بالكثير من الأمور الماضية والتي سلبته ما تبقى من عقل. كانت تجابهه وتناطحه بالكلمات الغاضبة، غافلة عن نظراته الشرسة التي تحذرها من التمادي فيما تفعل، لكنها لم تدرك جنون حاله إلا بعدما استمعت

إلى صوته المتعب يقول: "عندك حق، أنا وإنت مينفعش نفضل كده." كاميليا بترقب حذر: "تقصد إيه؟ فارس: "أقصد إني صبرت كتير، من حقي أتمم جوازي منك، مش هنقضيها إخوات عايشين تحت سقف واحد، وعلى رأيك إيه الفرق بينا وبين المخطوبين؟ أنا عرضت عليكي نعمل فرح رفضتي علشان وفاة خالي الله يرحمه وأنا أيدت رأيك، لكن خلاص مفيش داعي نوقف حياتنا على مافيش."

نظراتها الفزعة زادت من إصراره، وكأنه يسعى لقتل ما تبقى بينهما من مشاعر. عليه طمس تلك الملامح الباهتة بينهما. ربما إن تملكها انتهى بداخله ذاك الصراع. ربما عليه أن يثبت لها ولنفسه أنه الرجل الأول بحياتها، وإن أبت الاعتراف. عليه أن يخمد نيران اشتياقه إليها ورغبته بها. همت هي بالخروج، قبل أن يجذبها إليه قائلاً: "صدقيني ده الحل الوحيد ليا وليكي."

دفعته برفض قائلة: "أفضل ليك إنت، بس أنا مش موافقة، مش هسمحلك تقرب مني، فاهم." نظر إليها مشدوهاً وتحدث بغلظة قائلاً: "ليه؟ خايفة من إيه يا بنت خالي؟ عقدت ما بين حاجبيها لعجزها عن إدراك مقصده باديء الأمر، لكنها تحولت إلى طير جارح مخالبه حادة في لحظات بعدما وصل إلى ذهنها ما يشير إليه، فصاحت بهياج: "يا حيوان، إنت بتقول إيه؟ أنا غلطانة إني وافقت أتجوز واحد زيك، بتتهمني في شرفي! هخاف من إيه؟

يمكن خايفة منك مثلاً، مش طايقة قربك مني. دفعها بعنف لتقع فوق الفراش من خلفها ولم يعقب سوى بكلمات قليلة كان آخرها: "عندك حق، أنا فعلاً حيوان لأني لسه بحبك بس صدقيني بعد ما آخد منك حقي هتخرجي من حياتي للأبد." وربما كان ما يلزمنا لنتعقل هو أن نتمسك ببعض الجنون، جنون لا يؤذي بل هو حق مكتسب لمن يستحق أن يبقى معنا إلى الأبد. ***

التم الجميع وتساءلت الأعين في فضول صامت حول ما يحدث، ما الذي دفع سوزي إلى الشجار مع هالة، وكيف انتهى الحال بهما هكذا. هالة فاقدة للوعي وسوزي ترتعد خوفاً. ازداد الحضور فضولاً وترقباً بعدما جثى تامر بهلع إلى جوار هالة يضمها إليه بخوف وحذر، يتحدث إليها برجاء وضعف: "قومي يا هالة، حبيبتي ردي أمامي." بدأت العقول في نسج حكايا وكل يتمادى في تخيل للعلاقة بين الثلاثي أمامهم.

صاح تامر بجنون وحدة بعدما قرأ بأعينهم تلك النظرات المتطفلة قائلاً: "بتتفرجوا على إيه؟ مراتي، هالة مراتي، يلا كل واحد يروح على شغله." التفت إلى سوزي بأعين مخيفة من فرط غضبه قائلاً بوعيد: "لو مراتي وابني حصلهم حاجة وربنا ما هرحمك." سوزي باكية: "هي اللي مدت إيدها عليا، هي اللي بدأت أنا ما عملتش حاجة." تامر بشراسة: "اطمن عليها الأول وبعدين نشوف." حملها بين يديه بقلب يرتجف بداخله وتنحت سوزي بعيداً عن دربه... ***

داخل المشفي وبعدما أعلن الطبيب عن خسارة هالة لجنينها، نظرت إليه بأعين دامعة ولوم وعتاب شق عليه تحملهما. اقترب منها قائلاً باعتذار: "ولا يهمك، ربنا هيعوضنا غيره إن شاء الله، المهم سلامتك." هالة بهدوء: "يمكن ده أفضل ليا ولك، تقدر دلوقتي تطلقني وكل واحد يروح لحاله مبقاش في بينا حاجة تربطنا." تامر بصدق: "أنا عاوزك إنت يا هالة، محتاجلك ومش فارق معايا عيال دلوقتي، وبأمر الله هنخلف غيره."

هالة بحزن: "خلف من حبيبتك، متربطش نفسك بيا." انتحبت هالة بوجع حقيقي قائلة: "أنا السبب، رخصت نفسي وحطيت اسمي وسمعتي على كل لسان لأني جبانة، خفت نتجوز وأتطلق من تاني وأبقى مطلقة مرتين، أهو دلوقتي بقيت قدام الناس ست مش محترمة ماشية مع صاحب الشغل وحامل منه وياريت حتى ابني فضل، أهو راح مني هو كمان، طلقني وابعد عني." ضمها تامر بقوة وحسم أمره دون تردد قائلاً:

"أنا وإنت غلطنا، مكنش ينفع نتجوز في السر، مقامك أعلى من كده، أنا عمري ما هنسى وقفتك جنبي وصبرك عليا، اتجوزتيني وأنا لسه ببدأ، عمرك ما طلبتي مني حاجة فوق طاقتي صدقيني يا هالة اللي بيني وبينك أهم من الحب." الحب بيضيع لو محفظناش عليه لكن الاهتمام بيخلق حب صعب يتنسي. "أنا مقدرش أطلقك ومش عاوز أسمع منك الكلمة دي تاني وحق ابني مش هسيبه." هالة بترقب: "تقصد إيه؟ تامر: "أنا طلقت سوزي ولولا القرابة اللي بينا كنت سجنتها." ***

أباتت أمي وهنت إلى ذاك الحد أم أن روحي هي التي وهنت واستحلها الضعف. ترى قلبي يتمزق كلما اشتد الألم بجسدها ولكن مكبل بقيود العجز فلا أمتلك حق الزود عنها. وضع ياسين رأسه بين كفيه ودعاءه الصامت لا يسمعه إلا الله، دعاء نردده جميعنا فنغدو أطفالاً ولو بلغنا من العمر آخره، رجاء أن تبقى أمهاتنا معنا إلى الأبد. جلس أحمد إلى جوارها قائلاً: "هون على نفسك يا عم ياسين، إن شاء الله ربنا يشفيها وتقوم بالسلامة."

ياسين بحزن: "أمي تعبانة أوي يا أحمد، أنا مش قادر أعملها حاجة." أحمد: "ادعيلها بس إنت وسيبها على الله." ياسين: "ربنا كريم، المشكلة إني أجلت السفر مرتين والتأشيرة خلاص طلعت لازم أسافر ومش هقدر أسيبها وهي تعبانة بالشكل ده." أحمد: "يابني سيبك بقى من السفر والبهدلة، اقعد وربنا هيحلها."

ياسين: "ما إنت عارف الظروف يا أحمد، الولاد كبروا واحتياجتهم بتزيد، مش حكاية أكل وشرب الحمد لله خير ربنا كتير بس كل يوم طلباتهم بتكبر معاهم، مدارس ودروس ولبس وأنا مقدرش أحرمهم من حاجة." أحمد: "يابني خد الفلوس اللي إنت محتاجها ومتشغلش بالك." ياسين بجدية: "معايا الحمد لله يا أبو حميد." أحمد: "إنت دماغك ناشفة، ياعم خدهم سلف أنا عارف إنك مبتاخدش حاجة من حد."

ياسين بصدق: "وإنت عارف إني لو محتاجة حاجة مش هطلب غير منك إنت." تنهد بحزن يخيم على فكره وقال بتمني: "أهم حاجة أمي تقوم بالسلامة مش مهم أي شيء في الدنيا." أحمد: "اطمن وبعدين حتى لو سافرت مراتك واخواتك موجودين وما شاء الله مراتك مش هتقصر معاها." ياسين: "الحمد لله يمكن ده اللي مهون عليا." أحمد: "ربنا يهديكم لبعض إنت تستاهل كل خير يا ياسين."

"وحاول تلم إيدك شوية وتعملك قرش وتنزل تقعد في وسط ولادك، أنا مقدر حيرتك وحاسس بيك، الراجل منا لو يطول يقدم روحه لولاده مش هيتأخر وأنا عارف إن ولادك هما اخواتك واعمامك وعزوتك بس صدقني العيال كبروا وبيكبروا والمسؤولية هتزيد ومراتك هتوصل لوقت ومش هتقدر لوحدها، كل واحد فيهم محتاج رعاية ومتابعة لأن الدنيا بقت وحشة أوي، اعملك قرش يسندك وانزل إن شاء الله."

ياسين: "ناوي والله، لو مش عشانهم هنزل لأني تعبت من الغربة هنزل عشان أمي ومراتي قبل ولادي." *** البعض منا يبقى سجيناً لطفولته، يكبر جسده وتزداد همومه وتبقى روحه أسيرة لما مضى، نبلغ من الكبر عتياً، ولا ننسى ما جعلنا عاجزين عن المضي قدماً، فتشيخ أرواحنا ولا تقوى على الخروج من مهدها. احتضن بقلبه قبل جسده تلك الملابس التي تفوح منها رائحة والدته، واااااه قالها واهتزت لها أركان البيت آه نابعة من تيه وضياع واحتياج.

كم من يوم قضاه معاتباً، لائماً، لوالدته، كانت نظراته وحدها كفيلة بقتلها. بكى فيصل بما تبقى لديه من قوة إلى أن كادت أنفاسه على الانقطاع، تحدث بصوت متحشرج قائلاً، بعدما التقط بكفه المهتز إحدى الصور التي احتفظت بها والدته بين طيات ملابسها. صورة لها يوم زفافها على والده، صورة تشع بالسعادة والعشق. تلمس بأصابعه ملامح والده التي لم يمنحه القدر فرصة لمصاحبتها وانسابت أدمعه في ضعف.

"ليه، ليه مقلتليش الحقيقة، ليه استحملتي لوحدك وجع الحقيقة دي كل السنين اللي فاتت ليه مسبتنيش أشيل معاكي يا أمي؟ "وإزاي قدرتي تتحملي الظلم ده لوحدك، إزاي صبرتي طول عمرك وأنا من وقت ما عرفت وروحي بتتحرق جوة جسمي، إزاي استحملتي اتهامي ليكي بالضعف وإنت قوة مخلوقة تحميني؟ "ليه يا أمي مشيتي وأنا محتاج لوجودك أكتر من احتياجي لنفسي!

"أنا خايف، طول عمري خايف أطلع زي أبويا حاولت أسقي ولادي الحب والحنان اللي اتحرمت منهم واثبت لنفسي إني أحسن منه، بس صدقيني طلعت أسوأ منه بمراحل على الأقل هو كان مريض."

"نفسي أشوفه وأقوله الحقيقة، كان لازم يعرف الحقيقة وحقك يرجعلك يا أمي، كان لازم يفهم إن عشقك ليه ميقبلش الخيانة ولا يعرفها، كان لازم أواجهه ولو مرة واحدة ووقتها كان هيتأكد من نفسه إني ابنه ومن صلبه كان هيشوف ملامحه محفورة في ملامحي، أكيد قلبه كان هيحن ويعرف إني ابنه." تخدرت حواسه من فرط إحساسه بالقهر وباتت الكلمات عالقة بجوفه وعبراته خانقة له، بكى بحرقة عندما لاح بمخيلته ما مر به والداه وذاك الشك اللعين الذي أودى بحياتهما إلى قاع البين والفراق، وفقد تعقله عندما تردد بذهنه كلمات شقيقه الأخيرة.

"لقد لفظه والده خارج حياته ظناً منه أنه ليس ولده، كان يعتقد أن فيصل نتاج لخطيئة والدته." مدد قدميه واتكأ بظهره إلى الحائط واغمض عينيه يتنفس بعمق وارهاق ليكمل حديثه: "أنا بقالي سنين بدعي عليه، عمري ما دعيتله، أنا عمري كله ضاع بسبب غلط ناس معرفهمش، ضيعوكي وضيعوا أبويا وكرهوني فيه وفي نفسي وفي ضعفك وفي النهاية طلعت أنا ظالم مش مظلوم." "تفتكري ربنا هيسامحني لو ندمت ولا ندمي ميشفعليش! "إنت سبتيني ليه يا أمي؟!

أصاب فيصل حالة من الهذيان ناتجة عن ألم حاد أصاب رأسه باديء الأمر، تسابقت نبضاته واستشعر دنو أجله وكأنه على أعتاب الخروج من الحياة وانتهى به الحال فاقداً للوعي رغم إحساسه بما يدور من حوله لكنه لم يعد قادراً على البقاء.

لم يكن له أن يترك ثأره هكذا، لقد وقع في هواها وانتابه عشق لا شفاء منه لكنها انتزعت بيديه فؤاده ودهسته لذا عليه ألا يرأف بها، بحث عن الفيديو الذي احتفظ به سابقاً، ضغط زر الإرسال بعدما تأكد من الرقم المراد وابتسم بألم قائلاً: "عارف إنك هتحاولي ترجعيله من تاني بس صدقيني يا سوزي على قد حبي وعشقي ليك، هيكون انتقامي منك." بعث برسالة مختصرة إلى مصطفى محتواها كالتالي:

"سوزي وأمها كانوا السبب في الحادثة بتاعتك والفيديو ده بيأكد كلامي، متحاولش توصلني أنا فاعل خير مش أكتر."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...