دخلت إلى غرفتها برفقة شيماء التي ساعدتها في خلع طرحتها وثيابها. أسندتها على السرير، وكانت شيماء تهم بالمغادرة. فأمسكتها روز من ثيابها وهي تمسك بلوحتها الموضوعة جانباً. "طاهر كان يقصد إيه؟ "ما تاخديش على كلامه، ده واحد غبي وهزاره ماسخ." "إزاي وهو بيقول متشرف بيا؟ "هو بيقول أكده لأنه مش متعود عليكي هنا، مش أكتر. إنتي طول عمرك عايشة في مصر وهو كان مسافر ورجع من مدة مش طويلة، عشان أكده ما يعرفكيش زين."
"تمام.. أنا عايزة أنام." "طيب يا قلبي، ارتاحي." خرجت شيماء إلى المطبخ حيث كانت والدتها تحضر الطعام. "تعالي ساعديني يا شيماء، نحضر لأختك شوربة فراخ ترم عضمها بيها." "لحد ميتي هنقعد نكذب على البنية يا أمي؟! " قالت شيماء بضيق. "أنا اتحطيت في موقف غبي عشان اللي ما يتسمى طاهر ده. معرفتش أقول إيه ولا أعيد إيه!
"والله ما عارفة أقولك إيه يا بنيتي.. معاكي حق طبعاً. أنا كمان مش عارفة أخلص من أسئلتها. بس ياسين قال مستني الوقت المناسب." "واديه اترمي في السجن ومش عارفين هيطلع من المصيبة دي ولا لأ." "ربك كريم يا بنيتي.. أخوكي مظلوم يا شيماء، ودعوة المظلوم مستجابة. مسير الحق يبان." "أنا بدعيله في كل صلاة، وإنتي كمان يا أمي ادعيله ربنا يظهر براءته." "يا رب يا بتي." مرت عشرة أيام منذ إلقاء القبض على ياسين.
كانت روز قد تعافت من الجرح وبإمكانها التجول بدون مساعدة شيماء، لكنها دخلت في حالة من الحزن تتفقد هاتفها كل حين، تنتظر رسالة منه. "وبعدهالك يا ندى! بقيت ده كلام؟! بصي للطبق زي ما يتحط بيتشال، مش هتخفي أبداً أكده! " قالت شيماء مشيرة بالنفي بمعنى أنها شبعت. "يا بتي بصي على نفسك كيف خسيتي وبهت لونك! حرام عليكي نفسك! أمسكت روز اللوحة بزعل. "هو ياسين مش بيفتح أبداً ليه؟ هو وعدني هنبقى على تواصل على طول وإنه مش هيسيبني."
"هو بس مش فاضي اليومين دول، الشغل كتير عليه." "بس قبل كده مكانش بيسيبني، ومهما انشغل برضو بيكلمني." "الغايب عذره معاه يا ندى." لم تقتنع روز بهذا الكلام، لكنها فضلت الصمت. في السجن. "الجلسة اتحددت بعد 10 أيام يا أستاذ ياسين." "كل اللي يجيبه ربنا خير.. وصلت لحاجة يا أستاذ؟
"والله زي ما اتوقعت. الدكتورة سلمى رشاد اللي عملت لها تقرير حادثة الاغتصاب دكتورة نساء صحيح، بس سمعتها مش مضبوطة، يعني مشتبه تورطها في أعمال غير قانونية بس محدش قدر يمسك عليها حاجة لحد دلوقتي. الغريب إن الجدع اللي اقترح ياخدها عندها بعربيته محدش يعرفه ومش من المنطقة خالص، كان بيعمل إيه في الوقت ده محدش يعرف. ده غير إن الشهود ناس مشكوك في نزاهتهم." "طب ما تقدرش تطعن في شهادتهم مثلاً يا متر؟
"لو كان عندنا دليل يقول العكس نقدر.. غير كده ما نقدرش نفتح قلوب الناس نشوف فيها إيه يا أستاذ ياسين. عموماً لسه فاضل ثلاث أيام.. ادعي ربنا نقدر نوصل فيهم لحاجة." "ونعم بالله يا أستاذ." في منزل عائلة مروة. كانت تجلس العائلة حول مائدة العشاء، والخادمة فوزية ترص الأطباق فوق السفرة.
"على فكرة يا حبيبي.. الجلسة اتحددت بعد عشر أيام.. أخيراً الواطي هيعفن في السجن. أنا كلمت الأستاذة نجوى وقالت إنها هتلتمس له أقصى عقوبة وأنا واثقة فيها." قالت ابتسام. توترت مروة لسماع هذا الخبر. كانت فوزية تضع الشوربة في طبق مروة، وسرعان ما صدمت حين سمعت الخبر فأوقعت المغرفة من يدها وانسكبت على مروة. في منزل ياسين. كانت أم ياسين تحاول أن تشغل روز للتخفيف من حزنها.
"ندى حبيبتي، شيماء مشغولة بغسيل المواعين، قومي يا بتي اعمليلنا كوبايتين شاي." أومأت روز بإبتسامة وقامت إلى المطبخ. حضرت كوبين وعادت إلى الصالة حيث كانت أم ياسين تتابع إحدى قنوات الأخبار بدون تركيز. فجأة وقفت روز مصدومة وأوقعت من يديها الكوبين وهي تنظر لأحد الأخبار. أسرعت إليها شيماء وسعدية ونظرتا إلى حيث كانت تركز بصرها. كانت صورة
ياسين وتحتها عنوان عريض: "تحديد جلسة محاكمة ياسين محمود علي المتهم في قضية إغتصاب القاصر 'مروة سليم الكيلاني' بتاريخ 19 مايو". لم تنتبه روز حتى للشاي الذي أحرق قدمها. وقعت على الأرض في صدمة شديدة، تود لو تصرخ صرخة عظيمة لكن صوتها خانها ولا يريد أن يصدر. في منزل عائلة مروة. كانت فوزية تضع الشوربة في طبق مروة، وسرعان ما صدمت حين سمعت الخبر فأوقعت المغرفة من يدها وانسكبت على مروة. وقفت مروة وهي تدفعها بغضب.
"إنتي يا حيو*انة مش تبصي قدامك!!! "آسفة يا ست هانم، مش قصدي والله غصب عني." قالت فوزية برعب. "أعمل إيه بأسفك يا عمياااا!!! " قالت مروة بغضب هستيري، ثم غادرت الطاولة نحو غرفتها. نظرت ابتسام إلى فوزية بأسف. "معلش يا فوزية، حقك عليا، البنت دي شكلي دلعتها زيادة."
"مروة معذورة يا ابتسام.. الظروف النفسية اللي بتمر بيها مش قليلة، أكيد أعصابها تعبانة. سيرتها على كل لسان وقضية اغتص*ابها بقت قضية رأي عام وبتتكلم عنها الجرايد والتلفزيون وكل المواقع." قال فؤاد بتبرير. "ما عاش ولا كان اللي يجيب سيرة بنتي بالباطل.. ما تنسيش إن مروة هي الضحية، وإن كان فيه حد اتفضح فهو الزبا*لة اللي اغت*صبها، وبكرة هنجيب لها حقها قدام كل العالم والخلق." قالت ابتسام.
استأذنت فوزية وذهبت إلى المطبخ وهي تبتلع غصة ألم. في منزل ياسين. أخذتها كل من سعدية وشيماء إلى غرفتها وهي منهارة، ترفض التصديق ودموعها تنهمر بدون توقف. حاولن تهدئتها بكل الطرق دون جدوى. "يا بتي معقولة اللي بتعمليه في نفسك ده!! ما تخفي على نفسك شوية، عتموتي نفسك من البكا.. بس يا قل*ب أمك قطعتي قلبي.. إنتي عيانة وإني خايفة على جرحك." قالت سعدية.
"أخونا بريء ومسجون ظلم، وكلنا بندعيله ربنا يظهر الحق من فوق سابع سما.. خلي أملك بالله كبير وادعيله معانا يا ندى، ربك كريم يا خيتي." قالت شيماء. هدأت روز قليلاً وهي لا تزال تضع رأسها على رجل سعدية ودموعها تنهمر، وسعدية تمسح على شعرها بحنان. فجأة قامت روز وذهبت لتتوضأ. لبست إسدال الصلاة وراحت تصلي. في السجن. "يا عسكري! "فيه إيه يا متهم عايز إيه بعد نص الليل!!! "عايز مية عشان أتوضأ وأصلي قيام." "لا والله!!
" قال العسكري بسخرية. "أول مرة أشوف مغت*صب يصلي قيام!! يعني فاكر ربنا هيغفرلك عملتك السودة لما تصلي القيام؟ "مش يمكن بأصلي لإني مظلوم.. ودعوة المظلوم مفيش بينها وبين ربنا حجاب؟ " قال ياسين ببرود. تردد العسكري ثم أحضر له إناءً به ماء. "مش عارف أقولك إيه... شكلك ابن ناس ومتربي. الدنيا بقت غريبة أوي." أخذ ياسين الإناء وتوضأ وتوجه إلى أحد أركان الزنزانة حيث افترش جريدة وراح يقرأ سورة يوسف التي كان يحفظها.
انتهى من ترتيلها بصوت عذب يبكي الحجر، ثم قام يصلي ركعتي القيام. أطال السجود وهو يدعو الله ودموعه تنهمر.
"يا رب هذا عبدك المسجون ظلماً يحبك ويعبدك حق عبادتك، ويحل حلالك ويجتنب حرامك، وهو مغلوب على أمره، قد قلّ صبره وضاقت حيلته، وانغلقت عليه كافة الأبواب إلا باب اللجوء إليك، وانسدّت عليه الجهات إلا جهة رحمتك، وتمازجت عليه أموره في دفع الظلم عنه، واشتبهت عليه السبل، فاللهم انتقم من هذا الظالم وردّ كيده في نحره، وخذ حق عبدك المظلوم الضعيف أضعافاً مضاعفة يا رب. اللهم أسألك يا ناصر المظلومين أن تستجيب دعوتي وأن لا تردّها،
فاللهم خُذ من ظلمني من مأمن أفعاله أخْذ عزيزٍ مقتدر، وأفجعه في غفلته، فجعة مليك منتصر، واسلب منه نعمته وصحته وسلطانه، وأبعده من نعمتك التي لم يقابلها بالشكر، وانزع عنه كامل عزّك الذي لم يلتفت إليه ويرده بالإحسان، وأهلكه في عذابك وردّ كيده عليه، واخذله ومن معه يا رب، يا من لا تحتاج إلى الشهادة، يا عالم الخفايا والأسرار، اللهم أنت ناصر المظلومين، وأنت القوي الجبار. اللَّهُمَّ اجْعَلْ لِي مِنْ أَمْرِي فَرَجاً وَ بعد
الضيق مَخْرَجاً وَ ارْزُقْنِي مِنْ حَيْثُ أَحْتَسِبُ وَ مِنْ حَيْثُ لَا أَحْتَسِبُ. اللهم كما أخرجت يوسف من غياهب السجن ونصرته وأظهرت برائته وجعلته عزيزاً على الناس جميعاً، اللهم أظهر براءتي واحفظ كرامتي وأعزني بعزك الذي لا يضام وردني إلى أهلي وأحبتي وأنا من السالمين الغانمين، برحمتك يا أرحم الراحمين، آمين. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين."
كان العسكري يقف أمام باب الزنزانة ودموعه تنهمر تلقائياً وهو يهمس: "واحد زي ده مستحيل يكون مغت*صب." في صباح اليوم الموالي. كانت ابتسام في عيادتها تستقبل المرضى حين دخلت عليها عاملة الاستقبال. "خلصنا كل العيانين ولا لسة كمان يا عفاف؟ "لسة يا دكتورة، في واحدة بس بتقول إنك محتاجالك في موضوع شخصي." استغربت ابتسام. "خليها تدخل." سرعان ما زادت دهشتها أكثر حين رأتها. "فوزية!!!! إيه اللي جابك هنا؟
"بصراحة يا هانم، كنت عايز*اك في موضوع ضروري." قالت فوزية بتردد. "يعني مكنتيش تقدري تستني لحد ما أروح البيت ونتكلم؟! " قالت ابتسام مازحة. "كان لازم تقطعي المشوار ده كله عشان تقوليه؟ "أيوه يا دكتورة... مكنتش قادرة أقولك في البيت لأني كنت خايفة لحد يسمعنا من أهل البيت." قالت فوزية بضيق. "يااااه... هو الموضوع خطير للدرجة دي؟! "بصراحة....
أيوه. فيه حاجة بتحصل من وراكي مينفعش أسكت عليها أكتر من كده. أنا لحم كتافي من خيرك وخير البشمهندس سليم الله يرحمه، ومقدرش أشوف الغلط وأسكت عنه، واللي تضرك تضرني." "يا ساتر! فيه إيه يا فوزية خوفتيني." قالت ابتسام بخوف. "أنا هقولك يا دكتورة على كل حاجة... بس توعديني إنك تكوني قوية وتتحملي اللي أنا هقوله." في منزل ياسين. كانت سعدية جالسة مع ابنتها شيماء وروز التي تنظر في اللاشيء، بينما يتحدثان مع بعضهما.
التفتت شيماء إلى روز. "قولتي إيه يا ندى؟ .. ندى!!! التفتت روز إليهما بشرود، كأنما فاقت من حلم يقظة غريب. "بقولك إحنا عايزين نروح كلنا على مصر عشان جلسة ياسين قريبة، وعايزين نكون جنبه في الظروف دي. هتـقدري تسافري ولا لأ؟ " قالت شيماء. أومأت روز بالإيجاب، وهي تحاول إخفاء دمعة انسابت رغماً عنها. تنهدت سعدية بعمق. "عارفة إنك اتوحشتيه يا قل*ب أمك، كلنا اتوحشناه... ربنا يقرب البعيد ويظهر الحق." نظرت إلى شيماء وأكملت.
"بكرة تروح شيماء تشتريلك خلفات وطرحة جديدة، إحنا هنروح قبل المحاكمة وننزل في الشقة اللي كان قاعد فيها ياسين، جلال معاه مفتاحها هيوصلنا لحد هناك. عاوزة أزور حبيب قل*بي الغالي." تهللت أسارير روز ولمعت عيناها وهي توميء بمعنى: "أنا كمان عايزة أروح معاكي." "حاضر يا حبة عيني، هنروح كلنا نزوره." قالت سعدية. ثم أردفت: "ما تنسيش يا شيماء تتصلي على حامد عشان يعمل حسابه، مش عايزة أروح مع طاهر ولا عايزة من خلف*ته حاجة."
"حاضر يا أمي." دخلت ابتسام إلى الفيلا وهي تحمل عشاءً جاهزاً. "إنتي جايبة أكل من برة؟! " قال فؤاد بدهشة. "أومال فين فوزية؟ "فوزية اتصلت بيا وأنا في العيادة وقالت إنها مضطرة تطلع بدري عشان تروح تعمل تحاليل، وأنا اديتلها نص يوم إجازة." قالت ابتسام. "غريبة يعني! ما سألتنيش أنا ليه، ما أنا كنت هنا." "مفيش فرق يا حبيبي، أنا وإنتي واحد. يمكن محبتش تشغلك بحاجات تافهة." "يمكن...
طب أنا هروح أنادي مروة وأرجع أحط السفرة على ما تغيري وتاخدي دش." "تمام." بعد قليل، بينما يجتمع الجميع، بادرت ابتسام. "على فكرة يا مروة، أنا سمعت إن فيه دكتورة نساء مشهورة جداً كانت في أمريكا وحولت شغلها لمصر مؤخراً... إيه رأيك نروح عندها، وأنا شهادتها تنفعنا في المحكمة!؟ توترت مروة واختفت الدماء من وجهها. "دكتورة تانية؟! "دكتورة تانية ليه، مش إحنا عندنا تقرير الدكتورة سلمى رشاد؟
كفاية أوي مع شهادة الشهود." تدخل فؤاد سريعاً. "دكتورة سلمى رشاد إيه يا حبيبي، أنا أصلاً سمعت إن الدكتورة دي بتعمل عمليات مشبوهة، يعني أشـك أصلاً إن كانت شهادتها وتقريرها هيتقبلوا في المحكمة. أنا عايزة نعزز موقفنا أكتر، لما تكون معانا شهادة واحدة اسمها لامع ومعروفة زي دي أكيد هتفرق أوي... ها، قلتي إيه يا حبيبتي؟ " قالت ابتسام. نظرت مروة إلى فؤاد تنتظر منه التدخل. "اسمها إيه الدكتورة دي؟ " سأل فؤاد.
"اسمها نهلة عبد السلام... أنا أخذت معاد عندها بعد بكرة، لأني مرتبطة بكرة بمواعيد مهمة." "طب والله تفكيرك منطقي. ممكن آخدها أنا، بلاش نعطل الموضوع. شوفي إنتي وراكي إيه وسيبيلي أنا الموضوع ده. هاخدها بكرة عندها." "اللي تشوفه يا حبيبي. يبقى هأتصل أغير المعاد لبكرة. عن إذنكم، أنا تعبانة عايزة أخش أنام. ما تتأخرش يا فؤاد." "ها ألم السفرة أنا ومروة وجايلك على طول يا روحي."
صعدت ابتسام ودخل فؤاد إلى المطبخ يحمل أطباق الطعام. تبعته مروة الغاضبة التي انفجرت في وجهه وهي تحاول أن تتحدث بهمس حتى لا تسمعها والدتها من الأعلى. "دكتورة إيه دي اللي عايز توديني عندها؟ يعني إنت موافقها على الكلام ده؟ "و مالك خايفة أوي كدة يا قمري؟ " قال فؤاد ببرود. "ده إيه كمية البرود اللي عندك دي؟! دي مش الدكتورة سلمى! دكتورة زي دي أكيد مش هتقبل تزور التقرير وساعتها هنتفضح!!!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!