"عارفة... عارفة! أومأت رأسها إيجابًا بهدوء وثقة. "طب إزاي؟ ومن امتى؟ مقولتيش ليه؟ عند مروان: "ها يا معتز، قدرت توصل لحاجة زي ما وصيتك؟ "أيوه ياباشا... الهانم حصلها حادثة خلتها تفقد الذاكرة والنطق، ومن ساعتها وهي عايشة عند الجماعة من غير ما يعرفوا عنها حاجة." تهلل وجه مروان بفرحة: "بتقول فقدت الذاكرة! "ده اللي عرفته ياباشا... أوامرك إيه بعد كده؟ "اقفل انت دلوقتي، أنا الصبح هتحرك شخصيًا."
أغلق الخط وهو يكاد يطير فرحًا: "كده أحلوت خالص! الظاهر إن باب سعدك اتفتح يا مروان! هنبتدي حياة جديدة يا روز بعيد عن الناس كلها... محدش هيأذيكي تاني يا روحي. هعوضك عن طارق وقسوته، هخليكي تحبيني وتثقي فيا... هتبقي أسعد واحدة في الدنيا، وهعيشك ملكة متوجة على عرش قلبي! أمسك هاتفه واتصل بأحدهم: "الوو... والله زمان يا باشا وحشتنا." "أنا ولا فلوسي؟ عمومًا أنا عايزك في خدمة زي خدمة المرة اللي فاتت...
بس عايزها حاجة نضيفة زيها." "إحنا في الخدمة دايما يا مروان باشا." "بس خلي بالك يا رشاد... عايز الطلب جاهز بكرة الصبح." "صبح إيه ياباشا مش هنلحق طبعًا... انت عاااا... "مش عايز أعرف... قلتلك بكرة الصبح يا رشااااد، وتمنها هيكون ثلاث أضعاف. قلت إيه؟ "حاضر ياباشا أوامرك." أغلق الخط وهو يقول: "معلش يا قلبي، أبوكي الغبي في السجن، مضطر أخلص كل الشغل بنفسي، مفيش وقت." في المطعم:
وضع النادل الطلبات ثم انصرف. كان لا يزال ينظر إليها بصدمة، ينتظرها تجيبه. بينما كانت تكتب له بثبات عبر الواتس وتبتسم. "أيوه عارفة... أما امتى؟ فمن أول يوم صحيت فيه في المستشفى... كنت شاكة، بعدين اتأكدت... مش نفس الملامح ولا نفس العادات ولا نفس الكلام... وكمان فيه تصرفات وحاجات كتير خلتني أتأكد إني مش من عيلتكم." شعر بالتوتر من هدوئها. أتراه الهدوء الذي يسبق العاصفة أم ماذا؟ هل تراها ستعاتبه على تلك الكذبة الرهيبة؟
قال بقلق: "أومال ما قولتيش ليه طيب؟ كملتي في الدور عادي يعني مع إنك بتقولي إنك كنتي متأكدة! ابتسمت مجددًا ثم كتبت: "يمكن لأني كنت مستمتعة بالدور ده أكتر ما تتخيلي... يمكن لأني كنت شايفة في عينيكم وسطكم الحب الحقيقي والاهتمام الحقيقي مش مجرد تمثيل... يمكن لأني كنت حاسة بأمان عجيب مكنتش عايزة أتحرم منه... يمكن لأني فكرت كتير أوي، وخفت كتير أوي."
كان يطالعها باهتمام، وهي تفكر قليلًا ثم تتابع الكتابة، كأنما ترتب الأفكار المتزاحمة بداخلها تدريجيًا. "خفت لو قلتلكم من الأول إني عارفة، ساعتها هتدوروا على أهلي... مكنتش قادرة أتخيل إيه المجهول اللي هيكون مستنيني لو بعدت عنكم؟ مكنتش مستعدة أواجهه لسه." بلهفة وتلقائية، أمسك بكلتا يديها دون أن يشعر، وتحدث كأن قلبه هو من كان يتحدث لا لسانه: "مين قالك إني هسيبك تبعدي أصلًا!
انتبه على نفسه وشد يديه بخجل وهو يتجنب النظر. تلك العينين اللتان كانتا تشعان ببريق مبهم، كان لهما سحر عجيب يجعله ضعيفًا خائر القوى، لا يستطيع التحكم بأي حركة أو كلمة تصدر منه في حضرتهما. كانت تبتسم على حركته، بينما أكمل بإحراج: "إحنا عمرنا ما هنتخلى عنك... محدش هيقدر يوصلك. وطول ما أنا عايش هتفضلي واحدة منا وعايشة وسطنا لو انتي عايزة طبعًا." "بس أنا عايزة أعرف أنا مين... متأكدة إنك عارف."
توتر ياسين بشدة ولم يعرف ماذا يجيب. نظرت له بإمعان ثم كتبت: "مالك؟ "مفيش حاجة... بقولك إيه، الأكل هيبرد، يلا بسم الله... وكمان كنتي هتنسيني حاجة مهمة جايبها لك." "مش قبل ما تجاوبني... أنا مين يا ياسين! تنهد بعمق، استجمع شجاعته وقال: "اسمك روز شريف محمد... أمك الله يرحمها اتوفت من أربع سنين. وأبوكي عايش بس... "إيه؟ بس إيه؟ "بس هو في السجن." "ليه؟ "مش عارف." "بس كده؟ "أيوه." "ياسين بص لي من فضلك...
عينيك بتقول فيه حاجة تاني... لسه مخبي عني حاجة مهمة... إيه هي؟ نظر إليها مجددًا: "تبًا لتلك العينين... لن أستطيع الكذب عليهما بعد الآن." "كنتي متجوزة واحد اسمه طارق محمد بس طلقك من ست شهور." كانت تتلقى تلك المعلومات بآلية وجمود، وكأنها كانت حياة شخص آخر لا تعنيها في شيء. نظرت إليه مطولًا ثم كتبت بهدوء: "تمام كدة." ياسين بغرابة: "تمام إيه؟ يعني ناوية على إيه؟ كتبت بابتسامة ساحرة: "ولا حاجة... أنا جعانة والأكل برد...
وبعدين مش قلت إن عندك حاجة مهمة أوي؟ تعجب ياسين من تصرفها الغريب وهدوئها. "يعني إيه؟ مش هتزعلي لأني خبيت عنك الحقيقة؟ مش عايزة تعرفي سبب الحادثة بتاعتك؟ مش هتحاسبيني لأني واحد كذاب؟ ابتسمت له بحب وكتبت: "لا." ياسين باندهاش: "ليه؟ "هقولك بعد ما ناكل بقى! يالاااا ريحة المشاوي ذوبتني." في فيلا والد طارق: كان يجلس كل من طارق ووالده وزوج أخته حين اتصل سيف. وقف طارق بحماس: "بجد يا سيف! طب أنا جاي حالا." هم طارق مسرعًا
بلهفة: "لقوا روز يا عاصم... لقوا روز." عاصم: "بجد! لقيتوها فين يا طارق؟ طارق بأمل: "أيوه... سيف بيقول إنهم شافوها على التلفزيون." محمد بتريقة: "أومال انتو ما شفتوهاش ليه؟ طارق: "ليه هو إحنا مين فينا فاضي يشوف التلفزيون؟ عاصم: "على رأيك... المهم عرفتوا العنوان؟ "مش عارف لسه بس سيف بيقول إنه هيبعتلي الموقع." عاصم: "طب أنا جاي معاكم." محمد بسخرية: "سبحان مغير الأحوال...
مش ده سيف اللي انت كنت عايز تولع فيه عشان سابتك واختارتك؟ طارق بضيق: "مش وقت الكلام يا بابا... المهم إننا نوصلها قبل ابن أخوك الواطي." "دلوقتي بقى واطي!! أومال لما اترجتك تصدقها قلتلها ليه إنك بتثق فيه أكتر منها لأنه متربي معاك ومستحيل يعملها!! "باباااا أرجوك!! كل ده مش مهم دلوقتي... أهم حاجة نلاقيها." محمد: "آهااا وبعد ما تلاقوها؟ هتتخانقوا انت وسيف تاني مين فيكم هيفوز بيها؟ على فكرة روز مش لعبة بينكم...
هي كمان ليها مشاعر ومن حقها تختار. الحق ده اتسلب منها مرة لما اتجوزتك غصب... ما أعتقدش إنها هتسمح بكدة تاني." نظر طارق إليه بضيق ثم أشار إلى عاصم: "يالاااا يا عاصم!! خرجا معًا، وبقي يطالعهما إلى أن اختفيا عن الأنظار. فأخرج هاتفه وفتحه على إحدى الصور التي كان قد حفظها. كانت صورة لها مع ياسين فور الحكم عليه بالبراءة. راح يطالع نظراتهما لبعضهما البعض قائلًا: "والله يا ابني شكلكم انتوا الاتنين خسرتوها...
واضح أوي من نظرات عينيها إنها اختارت فعلًا." عند روز وياسين: "ها يا ستي.. اديكي أكلتي وحليتي كمان... مش هتقوليلي عرفتي إزاي؟ "عشان انت قلتلي كل ده لما كنت في المستشفى." ياسين بصدمة: "أنا!!! "أيوه انت... بصراحة أنا كمان كذبت عليك. أنا عارفة كل ده من قبل ما أصحى من الغيبوبة حتى... كنت عايشة في حلم في الأول، كانت زي لقطات مش مفهومة. بعدين بقت الصور والأصوات تتوضح أكتر." "على فكرة أنا معرفش اسمك...
بس أنا سميتك ندى عشان انت رقيقة زي الندى بالظبط... وأديتك اسمي لأني اعتبرتك مني ووعدت نفسي من لحظة ما خبطتك إني أكون ملزوم بيكي ومسؤول عنك... وأحميكي ولو اتكلف الثمن حياتي. بس يا ترى إيه حكايتك بالظبط؟ كنتي خايفة من إيه وهربانة من مين بشكلك ده؟ وإيه الصدفة اللي خلتك تترمى تحت عجلة عربيتي أنا بالذات؟ "يوم آخر." "على فكرة يا ندى أنا عايز أقولك حاجة بس توعديني ما تضحكيش عليا! مش انتي بس اللي كنتي تايهة يوميها...
أنا كمان كنت تايه... ههه أيوه والله زي ما بقولك كده... مكنتش عارف أصلًا رايح فين ولا حاسب الخطوة اللي أنا كنت باخطيها لحد ما حصل اللي حصل... ساعتها حسيت إني مبقتش تايه خلاص... بقيت عارف أنا عايز إيه... بقى عندي هدف واحد: إني أحميكي... ولو كلف الأمر أخبيكي جوه قلبي عشان ما تحسيش بالرعب اللي أنا شفته في عينيك قبل الحادثة بثواني." "يوم آخر." "عارفة يا ندى!! ساعات أحس بالأسف وإني لازم أعتذر منك لأني خبطتك...
وساعات أحس إني مش محتاج أعتذر لأن ربنا هو اللي حطني في طريقك لسبب، وإلا كان حد تاني غيري خبطك... بس اللي أنا عايزك تعرفيه إن أنا مش زي أي حد... وما دمتي وقعتي بين إيديا أنا، فأنتي من اللحظة دي أمانة في رقبتي ليوم الدين... وأوعدك إنك مش هتتأذي تاني." "يوم آخر." "على فكرة البت مقصوفة الرقبة اللي كلمتك عنها كلمتني النهارده... قال إيه! هيبلغوا البوليس تاني... هههه بس بيني وبينك أنا خايف! خايف على نفسي إيه؟ انتي كمان؟
لا طبعًا يا هبلة... أنا خايف عليكي انتي! أيوه خايف أسيبك لوحدك مرمية في المستشفى. لا عارف أستخبى وأسيبك ولا قادر أفضل جنبك لحد ما تفوقي... متنسيش إن وعدتك... ووعد الصعيدي سيف على رقبته... هأفضل معاكي وأحميكي حتى لو اتقبض عليا... بس ساعتها انتي هتبقي لوحدك... وأنا معنديش ثقة في حد عشان أأمنه عليكي... فوقي بقى ربنا يسترها معاكي... فوقي عشان نختفي أحسن. قلبي مرعوب عليكي مش بس خايف...
كل ما أجي أغمض عيني أتخيل إن اللي انتي كنتي هربانة منه جه ولقاكي... مبقتش عارف أتهنى بطعم النوم من ساعة ما جبتك المستشفى... حاسس إني في كابوس مش عاوز يخلص... فوقي عشان خاطري يا ندى فووووقي... أهو على الأقل أشوف لك مكان مضمون أخبيكي فيه... بعدها حتى لو اتقبض عليا هيكون قلبي مرتاح من ناحيتك." "في نفس اليوم." "مش هتفيقي بقى!! تنهد بحزن: "مش قادر أسامح نفسي لأني السبب في رقدتك دي...
ارجوكي يا ندى تفوقي ما توجعيش قلبي أكتر من كده." "باك." كان ياسين يجلس مصدومًا، تعقدت الدهشة لسانه، بينما كانت هي تكتب بثقة وابتسامة. "أيوه كنت معاك لحظة بلحظة زي ما انت كنت معايا... كنت سامعاك... سامعة كل كلمة من أول يوم. كل يوم كان بيعدي عليا كأنه حلم جميل... اتعودت فيه على وجودك... اتعودت على إحساس الأمان معاك... اتعودت على صوتك. عايز تعرف حاجة كمان؟! أومأ ياسين وهو لا يزال على دهشته.
"أنا في الأول كنت بسمع صوتك من بعيد بيترجاني أصحى، وكل مرة الصوت بيبقى أوضح لحد ما حسيت إنك متهدد... كأن فيه صوت داخلي جوايا بيقولي لو ما صحيتيش هيبقى في خطر قومي بقى!! صحيت عشانك انت بس... عشان كده ما تستغربش إني اتعودت عليك بالسرعة دي... الأسبوع اللي قضيته في الغيبوبة كان بمثابة حياة تانية ليا يا ياسين."
كان ياسين يقرأ كلماتها لكنه يهيم في عالم مواز تمامًا. ينظر إلى عينيها بشغف كبير، بينما تكتب تلك الكلمات التي تذيب روحه وتزيد شوق قلبه إليها أكثر. كان يشعر بأن ذلك البركان الذي بداخله سينفجر في أي لحظة، مفسحًا المجال لذلك العشق الكبير بأن يندفع خارجًا. رغم أنه يعلم أن عيناه قد فضحت هذا العشق منذ زمن. يحاول أن يستجمع شجاعته ليتكلم، لكن ماذا سيقول؟ يريد أن يصارحها بحبه لكنه لا يجرؤ. شيئًا
بداخله يمنعه: هي لا تزال مجهولة الهوية. من المؤكد أن ما علمه عنها ليس كل شيء... يخشى وجود مفاجآت لا يعلمها. تبا لذلك المجهول الذي ينغص اكتمال فرحته. تنهد بعمق أخيرًا، ثم قال: "عارفة نفسي في إيه في اللحظة دي بالذات؟ أومأت له بتعجب. فأجابها بحب: "نفسي أسمع اسمي بصوتك." أطرقت برأسها بحزن، فهي الأمنية الوحيدة التي لن تستطيع تحقيقها من أجله. لاحظ سحابة الحزن تلك التي سرعان أخفت بريقهما ذاك،
فأخذ كلتا يديها بين يديه: "بصي أنا آسف... بس الوضع ده مؤقت صدقيني... الدكتور قال معندكيش مشكلة عضوية وكلّه تمام، انتي فقدتي النطق نتيجة صدمة عصبية، يعني في أي لحظة هيرجع صوتك تاني... عشان خاطري ما تزعليش مني." أومأت رأسها باستسلام. "كنت هنسى جبتلك إيه! أخرج من جيبه علبة من القطيفة. نظرت إليه بحماس، بينما فتحها وأخرج منها سوارًا ذهبيًا رقيقًا في تصميمه، يحمل الحرف R ويضم قلبين متحدين ببعضهما.
"دي هدية بسيطة ليكي، أتمنى تقبليها." البسها إياها وهي تكاد تطير فرحًا. نظرت إليه بإعجاب شديد ثم كتبت: "جميلة أوي بس إيه المناسبة؟ نظر إلى عينيها وتاه فيهما: "بمناسبة إنك سامحتيني على كذبتي الفظيعة... بمناسبة إنك طلعتي بالسلامة من العملية... بمناسبة إني طلعت براءة... بمناسبة إنك تستاهلي كل حاجة حلوة في الدنيا دي... كفاية كده ولا أقول كمان؟ ضحكت على كلامه غير المنطقي وكتبت: "لا خلاص كفاية." "بس أنا ليا عندك رجاء."
أومأت بتعجب. فأكمل: "أوعي تشيليها!! خليها على طول في إيدك." أمسك يدها ولمس الحرف: "ده أول حرف من اسمك: روز." ثم لمس القلب الأول: "وده قلبك." ولمس القلب المتشابك معه: "وده قلبي... هيكون معاكي في أي وقت وأي مكان... حتى لو كنتي بعيدة عني، المسيه بس وهتعرفي إني معاكي." سحبت يدها وأطرقت برأسها وقد احمرت وجنتاها خجلًا. أرادت أن تهرب من هذا الموقف فكتبت مسرعة: "مش هنروح بقى! أنا بردانة يا ياسين."
ضحك ياسين قائلًا: "حاضر يا ڨلب ياسين... ڨومي يالا." ابتسمت بحب ونهضت مسرعة. كتبت بخجل في هاتفها: "أخيرًا سمعتها! ثم ترددت وحذفتها فورًا. لكن ياسين قد رآها ولم يعقب، فقط اكتفى بابتسامة أظهرت جاذبيته. حاسب المطعم وانطلقا إلى أقرب سيارة أجرة. تعمد ألا يتكلم، كان فقط يطالعها بشغف، بينما تتأمل سوارها الجديد بحب طيلة الطريق.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!