غادر ياسين تلك الغرفة وقلبه يكاد يخرج من مكانه. خانته الخطوات وتثاقلت رجلاه ترفض المغادرة، لكنه تحامل على نفسه وخرج من المنزل كالمخدر من حضنها وسحر لمستها. في فيلا الدكتورة ابتسام، والدة مروة، كانت مروة في المطبخ تحضر شيئًا تأكله. وفجأة شعرت بيدين تحتضنها من خصرها وأنفاس ساخنة تلقح رقبتها. التفتت وهي تشهق بشدة. "أخصه عليك! قلت لك مية مرة ما تخضنيش كده! "أعمل إيه! وحشتيني أوي."
ابتعدت عنه وهي تنظر خلفه في كل الاتجاهات بتوجس. "مش اتفقنا بلاش الحركات دي هنا؟ افرض الشغالة شافتنا؟! أحاطها بيديه بتملك وهو يشم شعرها برغبة. "ما تخافيش يا قمري.. أنا شفتها وهي طالعة من الفيلا.. يالا بقى عشان عايز أقولك كلمة سر." مروة بدلال: "طب روح أنت دلوقتي وأنا هظبط نفسي وجايلالك." أجابها بغمزة: "ما تتأخريش عليا. محضر لك سهرة قمر وجايب لنا صنف جديد هيعجبك أوي." مروة بمياعة: "ما أقدرش أتأخر عنك أصلًا يا دودي."
بعد أسبوعين تقريبًا. في أحد أقسام المباحث بالقاهرة: "يعني إيه مختفي كل ده! هو كان حباية لب مثلا؟ "يا أفندم، إحنا مراقبين كل الخطوط اللي ممكن يكون لهم اتصال معاه، مفيش أي اتصال ورد أو صدر من عنده، وشريحته مش في الخدمة. ده غير إنه مش بيسحب فلوس من حسابه." "طب مفيش أخبار من قسم أسوان؟
"مفيش يا حضرة الضابط.. محدش شافه هناك كمان.. البيت اتفتش بالكامل ومُراقب من ساعة ما صدر الأمر بالقبض عليه.. أهله عايشين لوحدهم، محدش بيطلع أو بينزل من عندهم غير ابن عمه اللي بيشوف طلبات البيت. وهو ده كمان مُراقب من أسبوع، بس كله نظيف مفيش أي دليل تواصل بينه وبين ابن عمه." "طلعت حويط يا ابن الجنية.. بس مسيرك هتقع في إيدينا يا أستاذ ياسين." عند مروان: "معقولة بقالكم أكتر من أسبوع مش عارفين لها أثر؟!
"يا مروان بيه، ما أنا بقولك على كل حركة.. صدقني قلبنا إسكندرية شبر شبر، ما سيبناش حجر ما دورتش وراه.. بس محدش شافها أو يعرفها." "وأنا كمان رجالتى مخلوش حتة في إسكندرية ما سألوش فيها، وبرضه مفيش أي تقدم.. وده ملوش غير تفسير واحد يا معتز." "إيه هو يا مروان بيه؟ "أكيد ده فخ من مصطفى عشان يلهينا." "لأ يا بيه أنا متأ... "انت تخرس خاااالص! مش عايز أسمع صوتك، وأوعى تتصل بيا تاني قبل ما أطلبك، فاااهم! قفل السكة في وشه.
"جاتك القرف، واحد غبي.. الحق عليا اللي مشغل واحد بهيم زيك! تذكر مصطفى فغلى الدم في عروقه. "بقى بتلعب معايا يا حضرة الضابط؟! أما أوريك اللعب الحقيقي مابقاش أنا مروان." عند روز:
طيلة الفترة السابقة تحاول أن تندمج وسط الجو الأسري الذي وجدته عند أم ياسين وأخته. كانت سعدية تعتبرها ابنتها حقًا وتغمرها بحب وحنان الأم الحقيقي الذي طالما حرمت منه. تعلمت أعمال المنزل والطبخ والخبز من أم ياسين، لكنها لا تسمح لها بالعمل بسبب ظروفها الصحية، بل تجلس وتشاهدها بتركيز شديد. تحاول شيماء التملص من أسئلتها قدر الإمكان، ففي إجاباتهم الكثير من التناقضات، لذا كانت تتحاشاها دوماً.
باقي الأوقات كانت تمسك هاتفها وتتحدث مع ياسين على الواتس بدون توقف. أما عن ياسين، فقد كان يقضي كل يومه في تلك الغرفة المظلمة، ما بين التواصل مع من أسرت قلبه وشغلت تفكيره، وبين إعادة قراءة الشات بينهما أو تأمل صورها التي أخذها لها خلسة حين كانا في المشفى. عند سيف ومصطفى: "اهدى يا سيف، مش كده! "أهدى إزاي وأنا مش عارف هي فين ومع مين طول المدة دي يا مصطفى؟! أنا حاسس إننا اتأخرنا أوي يا خوي!
"إحنا عاملين اللي علينا ومش ساكتين يا سيف، وأديك شايف.. بقالنا أسبوعين ناشرين رجالتنا على طول الطريق الصحراوي من هنا لحد أسوان.. هنلاقيها إن شاء الله." "يا رب! "سيف، أنا عايز أسألك سؤال بس، ارجوك ما تفهمنيش غلط." "وأفهمك غلط ليه؟ ما تتكلم على طول، مش بحب جو الألغاز بتاعك يا مصطفى! "هو أنت متأكد من مشاعر روز ناحيتك يا سيف؟ "قصدك إيه؟ "صبرك، ما تبقاش عصبي كده؟ قصدي هي بتحبك زي ما أنت بتحبها؟
"أيوه متأكد إنها بتحبني.. ولولا كده ما كانتش توافق تتجوزني! ولولا الغبي أبوها كان زمانها في بيتي وبين إيديا دلوقتي." "طب صارحتك بكده؟ قصدي اعترفتلك إنها بتحبك؟ "انت عايز توصل لإيه يا مصطفى؟ "ولا حاجة يا أخوي، ما تشغلش بالك كتير.. ربنا يقدم اللي فيه الخير."
قام مصطفى وتركه يفكر بجدية لاول مرة في الموضوع. لم يتذكر أبداً أنها اعترفت بحبه، ولا حتى حين اختارته وتركت طارق.. كانا سيتزوجان، لكنه لم يكلف نفسه بأن يسألها عن شعورها نحوه؟ هل يعقل أنه مجرد خجل فقط؟ أم أنها وافقت من باب المجاملة فحسب!! فجأة تذكر طفولتهما ومعاً ومراهقتهما.. شبابهما.. في كل مرة كانت تردد نفس العبارة: "أنا بعتبرك أخويا اللي اتحرمت منه." أيعقل أن ينتبه مصطفى لمثل هذه التفصيلة وهو لا؟ ابتسام والدة مروة:
"الوو يا فؤاد.. معلش يا حبيبي، النهاردة عندي عملية مستعجلة ومضطرة أطلع من العيادة على المستشفى على طول، احتمال أتأخر." "هتتأخري قد إيه يعني؟ "على حسب الحالة، بس يمكن أرجع الساعة 3 الصبح." "لأ يا حبيبتي، أنا مش بطمن وإنتي ماشية بالعربية لوحدك في الوقت ده." ابتسمت بحب: "بعد العمر ده كله، لسة بتخاف عليا يا فؤاد؟ "إن مكنتش أخاف عليكي هخاف على مين؟ "طب أعمل إيه شغلي كده؟
"طب بقولك إيه.. إنتي أول ما تخلصي رني عليا، أصحى وأجيلك على طول." "معقولة الكلام ده يا فؤاد؟! الحكاية مش مستاهلة." "حيث كده يبقى تباتي في المستشفى، والصباح رباح." "حاضر يا روحي، يبقى تصحى بدري شوية الصبح تحضر الفطار ليك ولمروة." "فوزية أخذت إجازة لأن بنتها ولدت وسافرت لها البلد." "من عينيا يا قلبي، خلي بالك من نفسك." في منزل عائلة ياسين: "شيماء.. انتي يا بت يا شيمااااء!! "أيوه يمة!
"هي البت ندى مالها ما باينلهاش حس واصل! "هي طلبت مني فوطة وقالت هتنام بعد الظهر شوية عشان عندها وجع كل شهر." "طب كل دي نوم! ده إحنا بقينا المغرب يابتِ!! قومي شوفي أختك ليكون جرالها حاجة.. دي حتى ما اتغدتش! "حاضر يمة." بعد شوية سمعت سعدية صرخة شيماء من الداخل: "ندى!!!!!! في شقة ياسين: كان ممددًا كعادته وطيفها لا يبارح خياله، بينما يطالع الشات ويتذكر كلامهما وهو يبتسم بحب.
-أنت ماكنتش بتتكلم صعيدي ليه لما كنا في المستشفى؟ -لأني عايش في مصر طول عمري: إعدادي وثانوي وجامعة وحتى شغلي هناك." -طب أنا ليه مش عارفة أتكلمها زيكم؟ -لأنك إنتي كمان عايشة ومتربية في مصر مش في الصعيد." -عايشة عند مين؟ -وبعدين معاكي؟ كفاية أسئلة، مش هتنامي بقى يا لمظة! -بس أقولك سر؟ -قولي يا آخرة صبري." -لما بتتكلم صعيدي بتبقى أحلى بكتير." -إنتي بتعاكسيني يا بت؟ -أعاكسك براحتي بقى.. مش أخويا؟ تنهد ياسين
بعمق وهو يقرأ آخر كلمة: "وبعدين بس؟ يا ترى هتكرهيني لما تعرفي الحقيقة؟ ولا هتقدري تسامحيني؟ "بس غريبة.. قافلة الواتس من خمس ساعات!! بتعمل إيه كل ده؟ مش عوايدها تغيب عني كل ده." فجأة رن هاتفه برقمها. "أخيرًا فتحتي." "الوو يا ياسين الحقنااا." انتفض برعب في مكانه: "خير يا شيماء، فيه حاجة؟ "ندى.. ندى يا ياسين.. ما خابرينش مالها؟ "ما خابرينش مالها كيف؟! في إيه يا شيماء انطقي!!
"بتتلوى من الوجع وما عارفينش نعملها حاجة، وأمي جابت الداية كشفت عليها، بتقول هي مالهاش في الحالات دي، ولازم تروح المستشفى." ياسين بهلع: "طيب اقفلي إني هتصرف." لم يكن يفكر حينها في شيء سوى سلامتها، حتى لو كان الثمن قضاء كل حياته في السجن. أمسك بهاتفه واتصل بشخص وهو منهار تقريبًا. "الووو فينك يا حامد تجيب لي عربية وتيجي تاخذني على بيتنا حالا." "خير يا ياسين؟ لو فيه حاجة أقدر أعملها أروح أعملها إني وأخليك أنت!!
"لأ يا حامد، لازم أروح بنفسي." "بس أنت أكده بتعرض نفسك للخطر يا خوي." ياسين بعصبية: "إن شاء الله أغور في داهية حتى!! المهم احجني بسرعة.. يالا انجززز!! "حاضر يا خوي، حاضر دقيقتين وأكون عندك." وصل حامد سريعًا وانطلقا نحو المنزل، وهو يتصل مسرعًا بهاتفها الذي كان مع شيماء. "الووو يا شيماء!! إني في الطريق، دقيقة وتكوني لابسة وجاهزة، وما تنسيش تلبسيها طرحتها وجلابيتها كمان." "حاضر يا خوي."
التفتت باستغراب لوالدتها الجالسة بالقرب من تلك المسكينة التي تتلوى بآهات مكتومة. "هيقول جاي ياما!! وطلب نلبس البنية! خذي ساعديني نسترها عشان أقوم ألبس إني كمان! كانت والدته مندهشة من تصرفه!! كيف تجاوز حذره وترك كل شيء خلفه من أجلها؟ ثم حتى في هذا الموقف يغار عليها ولا يريد أن يراها أحد؟
بعد مدة قصيرة وصل المنزل، ركض كالمجنون نحو غرفتها، ثم انتشلها وهي في وضع الجنين من كثرة الألم، وأسرعا إلى السيارة هو وشيماء بعد أن طلب من حامد الانصراف. في فيلا والدة مروة: كانت الساعة تقارب العاشرة ليلاً. دلفت الخادمة فوزية من باب المطبخ الخلفي كي لا تصدر صوتا، وهي تتمتم بتذمر لأنها كانت قد نسيت مرتبها الشهري وبطاقة هويتها من أجل السفر في الصباح الباكر واضطرت للعودة لأخذهما.
سمعت صوتًا غريبًا يصدر من غرفة مروة في الأعلى. شعرت بالفضول وراحت تتسحب شيئًا فشيئًا دون أن تحدث صوتًا حتى وصلت إلى الأعلى واقتربت من الغرفة. صعقت مما سمعت وكتمت فمها بيدها حتى لا تُسمع شهقتها. نزلت بخفة حتى لا تثير انتباه أحد، وأخذت أشياءها وغادرت الفيلا وهي في حالة من الصدمة والذهول!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!