حقيقه إيه؟ -أني قتلتها. قالها وهو ينظر إليها، فسار الرعب في جسدها من تلك النظرة وما قاله. وحست أن الدنيا اسودت من حواليها وهي تجلس بجانب ذلك الشخص. ذلك الشخص أشعر بالخوف، تشعر كأنه سينقض عليها ليقتلها، فقد قتل مرة. وكانت المرأة التي أحبها... قاطعها صوت ضحكة هيثم، التي لم يعد يستطيع كبحها من تعبيرات وجهها. -قاتل؟ أنا قتلت!!! بصتله أفنان باستغراب من ضحكته التي ذابت في صوتها الرجولي. أنها المرة الأولى التي تراه يضحك.
-عارف إني أخوّف بس مش لدرجة. -ي... يعني إيه؟ -أهدي، انتي لسه خايفة. -انت مقتلتهاش صح؟ نفى برأسه وقال: -لا، أقتل مين؟ أنا مطلق مش أرمل على فكرة. قالت بدهشة: -يعني هي عايشة!! اختفت ابتسامته وقال ببرود: -آه، أنا قتلتها في قلبي، يعني هي ماتت من زمان. ضربته أفنان جامد في كتفه. -وقعت قلبي أنا! من الأول بقول إنك طفل والوش البارد ده مش لايق عليك. هتخليني أنا اللي أقتلك بجد على كلامك التقيل ده.
كانت بتضربه بغضب. مسك إيدها وسحبها. بصتله بشدة وهو ينظر في عينها وقال: -إيدك تقيلة على فكرة. بلعت ريقها بتوتر. حاولت تفلت إيدها بس هو منعها وقربها منه. فارتبكت وقالت: -هيثم... الناس هيبصولنا، سيبني. ابتسم عليها. ساب إيدها، فعظلت نفسها بحرج وهي بتبعد عنه. -تعرفي إني فكرت فيكي النهاردة. -فكرت فيا أنا؟ ليه؟ -كنت عارف إنك انتي اللي هتقدري تغيري مودّي. من اليوم ده ومغلطتش، انتي فعلاً غيرتيه. خليتي اليوم حلو بيكي.
مكنتش مصدقة اللي بيقول، شاورت بإصبعها على نفسها بمعنى إن الكلام ده ليها. -مش شايف حد غيرك. فرحت من اللي قاله وابتسمت. كانو ينظران أمامهم إلى النيل بهيام، وذلك الهواء الذي يداعب وجههم، إلى أن قاطع جلستهم رنين هاتف. وكان لهيثم. وقف وراح ليرد بعيداً قليلاً. بصت أفنان لشكلة وهيئته، وكأنها تريد أن تطيل النظر إليه. وجدته يذهب. بصت قدامها وهي تتسائل ماذا يحدث إليها؟ ما خطب قلبها ولأين يميل؟
لكنها سعيدة حقاً، وهذا سبب ابتسامتها. إطار الهواء طرحتها من الطرف، كانت لسه هترجعها. لقت أحد بيمسكها ويعملها. ابتسمت وقالت: -هيثم. لسه بتبص، اتبدلت ملامحها لما لقته واحد غريب بيبتسم لها. وقفت وهي بتبعد على الفور وتبص لهؤلاء الثلاثة. -مالك؟ أنا كنت بعدلك الطرحة... الحق عليّ. مرديتش، بس بدأت تقلق. بصت لهيثم، استغربت جدا لما ملقتهوش. -هو الحلو كان قاعد لوحده ليه؟ بصت لهم ولا تزال في صمتها. جت تمشي، لقت
واحد بيقف في وشها ويقول: -على فين؟ ردت بغضب: -وانت مالك؟ ابتسم وقال: -دي طلعت بتخربش، يلا. -وماله، حلو. خافت أفنان، رجعت لورا. قالت: -انتوا عايزين إيه؟ -هتعرفي وقتها عايزينك في إيه. بصت لهم بخوف، لكن صوت رجولي جاهم من الخلف: -فيه حاجة منك ليها؟ استغرب ولفوا لذلك الشخص، وكان هيثم. بص لأفنان والخوف اللي باين عليها. -لا، مفيش حاجة. ويلا امشي من هنا يا بابا. قالها شاب وهو ينكز هيثم ويبعده. بص لإيده اللي لمسته.
بص لأفنان قال: -انتي كويسة؟ أومأت له. فقال شاب: -وانت مالك؟ ما تخليك في حالك. آه، دي شكلها تخصني. سكت هيثم بهدوء وتقدم منهم وهو يومأ برأسه ويقول: -تخصني. آه. بصوا له من هدوء، سرعان ما لكمه بقوة وجعله يترنح على أصدقائه من قوتها. اتخضت أفنان. مسك إيدها وسحبها ليه وهو يوقفها خلفه. -اعتزل الشاب بغضب وقربوا منه، لكن هيثم ركله في صدره وأوقعه أرضاً. مسكت أفنان إيده وقالت: -هيثم خلاص يلا نمشي.
لم يرد عليها وفلت يدها. اقترب الاثنين منه ليضربوه، لكن هيثم أكل عليهم باللكمات القوية. وكانت أفنان شايفة ده وخايفة من عينيه المتلأتان بالغضب الذي يبدو ليس عادياً. البتا والفتيان أصيبوا بجروح بسببه وهو لا يتركهم. -خلاص يا هيثم، ارجوكِ. سمع رجائها ليه وفاق من نوبة غضبه. بعد عنهم فارتاحت. لكن وجدته يمسك يدها ويأخذها ويذهب. دخلها العربية. استغربت من غضبه عليها. دخل هو الآخر ومشي دون أن ينطق بكلمة.
دخلو القصر وتوجهوا لغرفتهم. بينما ريم كانت واقفة ونظرت إليهم وهما راجعين سوا في تلك. استشاطت غضباً ومشيت لأوضتها. عند أفنان، بصت لهيثم وقالت: -سيبيني ياهيثم، انت بتوجعني. ترك إيدها بضيق وقال: -كنتي واقفة معاهم بتهببي إيه؟ بصتله بشدة وقالت بصدمة: -فهمني بتقول إيه؟ واقفة معاهم؟ -زبالة بيضايقوكي، ما تمشي. -لا، وأنا مستنياك تقولها الصراحة على أساس إني عرفت امشي. كنت هجري بس وقفولي.
-لا، مهو واضح لما جيت وانتي مبتتحركيش. عجبتك لمتهم حواليكي ولا إيه؟ دمعت عينها بحزن شديد. قالت بصوت يجهش بالبكاء: -إن... انت إزاي كده؟ مش مصدقة اللي بتقوله بجد ولا توقعته منك. بصتله هيثم من صوتها ودموعها. مشيت. مسك إيدها بيوقفها. لم تنظر له وهي تخفي حزنها. -أنا آسف، متزعليش مني. أنا مضايق بس من اللي حصل. بصتله. لم ترد عليه. قال: -المهم إنك كويسة. حد عملك حاجة؟ زال حزنها لما حسيت بقلقه عليها. قالت:
-لا، كنت خايفة قبل أما تيجي. -معلش، المكالمة كانت بتقطع. مشيت شوية لحد أما الصوت اتعدل. أومأت بتفهم. شافت أفنان بقه، وكانت شفتاه مجروحة. قربت إيدها منه. بصتله وجدها تلمس شفتاه بأناملها الرقيقة. -اتعورت. فاق من لمساتها التي خدرته. بصت له. قالت: -أنا آسفة... بتوجعك مش كده؟ أنا السبب. -محصلش حاجة. أنا كويس.
بعدت عنه ومشيت. بصت له وكأنه أراد أن تبقى قريبة منه أكثر. راح عشان يغير لبسه، بس رجعت وكانت معاها مرهم. قربت منه. مسكت أيده وقعدته على الكنبة وهي جنبه. بصت له باستغراب. فتحت المرهم وقربت منه عشان تحطله. بعد وهو بيقول: -مش مستاهلة ده كله يا أفنان. -مش هتضر لو معاندتش وسبتني أحطلك.
بصت له. قرب منه وحطتله برفق، ويشعر بلمستها الناعمة التي تثيره. قربها منه التي تضعفه. طفولتها التي تجعله خاضع لها. كل هذا ليس في صالحها. أنه لم يضعف هكذا منذ زمن. إن لم تبتعد لا يعلم ماذا سيحل بها. كان بيتحكم في نفسه على قد ما يقدر، لكن ذلك الشعور يحتله. بصت له أفنان وهو بيبصلها، والتقطت عيناهما. خجلت من نظراته، رغم أنها هي الأخرى تنجذب إليه. وجدته يقترب منها وهو ينظر لشفتاها. توترت. بعدت بخجل وقالت:
-الوقت اتأخر أوي، بتهيالي لازم ننام. ذهبت سريعاً، وكان هيثم يستوعب ابتعادها. بعد ابتسم لأن تلك الفتاة مختلفة بالفعل، لا تخضع له مثلهم، وهذا ما يسعده. في اليوم التالي، في الصباح، كان هيثم يدخل القصر ويرتدي سويت شيرت وبنطال رياضي أسود. فهو كان يركض بالجوار. بس لما دخل سمع صوت يناديه بحده: -هيثم. بص، فهو يعلم صاحبه وهو منير، بس استغرب لما لقى سامر قاعد معاه. قرب منه وقال: -سامر، جيت امتى؟ واي القعدة دي؟ مردش سامر.
اكن تحدث منير وهو يقول: -هو جاي وقاصدني أنا. تعجب هيثم. أما منير وقف وقال: -التعاقد اللي عملته امبارح مع حسام تلغيه انهارده وفوراً. تبدلت ملامح هيثم وبص لسامر ببرود. عشان قاله، لكن سامر لم ينظر إليه وعارف أنه مضايق منه. بص هيثم لمنير وقال ببرود: -مش هلغي حاجة. -هتلغيه يا هيثم، سمعتني. متحطش إيدك في إيدك، ده وصل له الشغل يجمعك بيه. ابتسم وقال ساخراً: -ده... هو مين؟! هو مش ابنك يا منير زهران ولا أنا غلطان؟
-لا، هو ابني ولا أنا أعرفه من بعد عملته. -عمل إيه؟ هو مأذنيش، أنت آذيتني أنا. ثم هو عمل اللي انت كنت عايزه تبعدني عنها. واهو حصل بفضله، المفروض تشكره. -لي بتحملني مسؤولية اللي عمله وإني السبب في اللي انت فيه واختيارك الغلط دي. واحدة متستاهلش إنك تفكر فيها حتى ولا هو. -هما ميفرقوش معايا حاجة. ولا أي حاجة. -يبقى تعمل اللي قلتلك عليه، وألغي العقد ده. -لما أفكر ألغيه، هيكون قراري. شكراً، أنا عارف بعمل إيه.
-هتعصي كلامي تاني يا هيثم؟ قالها منير بعتاب وحزن. صمت هيثم بضيق. لف ومشي وهو بيسيبهم. وقف سامر وتبعه. -هيثم، اسمع كلام عمك. هو خايف عليك. وقف هيثم ببرود وبصله وقال بغضب: -عيل صغير أنا ها؟! عشان تيجي وتقوله على شغلي اللي مفروض ميطلعش بره. هو ده شغلك.
-أنا عملت كده بحكم إني صحبك وعشرة عمر. انت بتفتح الباب من تاني يا هيثم وانت مش واخد بالك. متخليش قلبك يوقف عقلك وتبص للموضوع إنه رد حق وهو بيستفزك عشان تقبل، مش عشان توريه إنك تخطيت الموضوع ولا لأ. ا... انت بتحسسه إنه لوى دراعك وبيتحكم فيك زي ما هو عاوز.
-خلاص بقيت أنا الغلطان وانتو الصح وخايفين عليا منه. عشان أعرفكم حاجة، حسام ده آخر حد أنا ممكن أخاف منه. كان بإيدي أدمره، بس أنا معملتش. فكروا في نفسكم ومحدش ليه دعوة بيا. واعتبر نفسك يا أستاذ سامر مطرود، لأنك محترمتش شروط شغلك. بصت له سامر بشدة، ثم قال بهدوء: -اللي انت شايفه. مشي هيثم ببرود وهو يتركه. فذهب سامر وهو متضايق، لكن وهو يسير للخارج، وقف لما شاف جنى. اللي بصت له هي الأخرى.
لكن أبعدت عيناها وهي تذهب. نظر إليها ثم تنهد وذهب. دخل هيثم الغرفة، وكان مضايق. تعجب حين لم يجد أفنان. سمع صوت من خلفه. لف، كانت خارجة من الحمام وهي بتنشف شعرها. بصلها ولخصلاتها المبتلة. انتبهت أفنان إليه. قالت بحرج: -مأخدتش بالي. جيت امتى؟ -لسه جاي. بصت له من نبرة صوته. قالت: -مالك؟ قعد وتنهد وهو يقول: -ماليش. وراكي جامعة انهارده؟ -لا.
أومأ لها بتفهم. قربت أفنان منه. بصت في عينه. بصت له هو الآخر من عينيها المباشرتان في عينه. -متأكد إن مفيش؟ -ده هيفرق معاكي في حاجة؟ استغربت من نبرته. فاردف: -ما هم يعرفوا؟ قالها بتساؤل. فصمتت قليلاً. وقف وقال ببرود: -يبقى متسأليش. مشي وسابها وهي تتعجب منه. -هو رجع تاني ولا إيه؟ قالتها بضيق وهي تتأخر في سؤاله، لأنها حقاً لا تعلم إن كانت تهتم لأمره أم لا.
خرجت من غرفتها. سمعت صوت. بصت وجدت ريم ولؤي جالسين ويتحدثان، وهي تبتسم وهي تريه شيئاً في الهاتف. لقتها بتبص لها وابتسامتها بتختفي بضيق. استغربت من نظرتها. بص لؤي لأفنان. وقفت ريم بضيق ومشيت وهي تنظر لها نظرات قرف. تجاهلته أفنان، رغم أنها تتضايق من معاملتها هذه. -متهتميش بيه. بصت لصوت، كان لؤي الذي ينظر لأخته. هي الأخرى. قالت أفنان: -لا عادي. هي بتتعامل كده مع الكل، ولا أنا بس؟ ابتسم وقال:
-لا، انتي بس. ما تاخديش في بالك، ممكن لأنها متعرفكيش. -ممكن. -لؤي. سمعوا ذلك الصوت، وكان حمزة. بص لأفنان. قال: -ازيك يا أفنان. ابتسمت بهدوء وقالت: -الحمد لله. -داميان. نظر إلى لؤي وقال: -الحجز الساعة أربعة، متنساش. -ماشي، جايم. مشي حمزة وتركهم وهو مستغرب من وقوف لؤي وأفنان هذا، لكن لم يبالي. لؤي كان ماشي. قالت أفنان: -لي لما سألتك عن هيثم مقولتليش إنه كان متجوز؟ -هو قالك؟ -آه.
-خلاص، اديك عرفتي. وياترى حكالك على الحكاية القديمة؟ استغربت من نبرته. قالت بخيبة: -لا. -كنت متأكد. -متأكد إزاي؟ -لا، متشغليش بالك. -جه يمشي. وقفته وقالت: -انت تعرف حاجة؟ كلكوا عارفين إنه كان متجوز ومقولتليش. أكيد تعرف هايدي اللي كانت مراته دي، وكلكوا بتخافوا تجيبوا سيرتها قدامه. بامارة ريم لما ذكرتها وهي بتقارني بيها، عمي زعقلها. إيه السبب وإيه اللي سببته هي لهيثم؟
كل دي أسئلة عندي ومش لاقيلها ولا إجابة. الماضي بتاعه ممكن ميكنش مهم، بس يفرق معايا. -لو سمعتي من هيثم هيكون أحسن، عشان أنا مجرد شاهد زي الكل، أما هو صاحب القصة. -أكيد، لو كان قالي مكنتش سألتك. مش عارفة إذا كان هيقولي أصلاً ولا لأ. قال آخر جملة بضيق، وهي تتذكر هيثم حين قال: "ممكن يجي يوم وأحكيلك، بس هيكون بعيد". فاقت على صوت لؤي وهو بيقول: -عايزة تخليه هو اللي يقولك. بصت له بدهشة. يصلها واردف: -خليه يشرب.
اتصدمت من اللي قاله وقالت: -خ... خمرة! انت أكيد بتهزر. عايزني أنا بالذات أشربه وأشيل ذنبه؟ دنا عايزاه يبطل وبضايق لما أشوفه سكران. -اركني قلبك ده على جنب. توترت وقالت: -مش فاهمة. ابتسم وقال: -مش انتي حبتيه؟ اتصدمت، ارتبكت ومردتش. قال لؤي: -الوقت الوحيد اللي ممكن يقولك فيه لما يكون سكران. تقدر تعرفي كل حاجة، وهو كده كده بيشرب، مش هتشيلي ذنب. -بس برضه... قالتها بضيق وهي في حيرة. فقال: -أنا كده ساعدتك. اشكريني بعدين.
بصت له. مشي وسابها في بحور أفكارها اللي ليس لها نهاية بسبب ما قاله. أنها بالفعل تدرك أنه يتحدث بما في داخله وهو ليس في وعيه. هل تجعله يسكر لتعلم ذلك الماضي المجهول؟ تجعله يشرب ذلك الشيء المحرم لترضي فضولها؟ على المائدة كان هيثم بيقرب منهم. بصت له ريم وقالت بدهشة: -هيثم، إيه ده؟ وقفته. بص لها ونظر الكل إليهم. -إيه اللي عورت كده؟
كانت تقصد شفتاه. بصت لها أفنان وإلى هيثم وعقدت حواجبها بضيق. بصت لها وهي تبتسم وتجز على أسنانها. كانت تقترب منه بقلق. قال: -مفيش حاجة يا ريم. -إزاي؟ انت حطيت عليها حاجة. غضبت أفنان كثيراً وأضايقت من ميوعها عليه. قربت من هيثم. بصت له. قال حمزة بمزاح: -أوعى حريقة. قربت أفنان من هيثم وشالت إيد ريم من عليه. قالت: -هو كويس يا حبيبتي. بصت لها ريم بضيق لما شالت إيدها من عليه وطريقتها. مسكت أفنان إيد هيثم وقالت:
-بعدين مراته حطتله، مش محتاجك يعني. وفرّي سؤالك، أنا موجودة. ممشيتش. ابتسم منير وهو يريد الضحك والجميع كذلك، وريم تستشيط. مسك أفنان وش هيثم وخلاه يبص لها وقال: -آه يا حبيبي. كان متفاجئ كثيراً من كلامها، إلى متوقعش إنها تقوله. بصت له بحدة لما طال صمته وسيحرجها. فقال: -آه. ابتسمت له بسماجة وهي غاضبة منه، بس بصت لريم وقالت: -عن إذنك عشان ورانا شغل لازم ناكل.
فتحت فم ريم من ردها التي تطور. وجدتها تأخذه وتذهبون ويتقدمون من المائدة. حسيت بالغضب وتوعدت لأفنان. وسط ما هما بياكلوا، قال منير: -اتأخرت امبارح؟ بص له هيثم لأنه يوجه كلامه إليه. فقال ببرود: -اتعشينا برا. اندهش منير والجميع لأنه خرج معاها. وريم افتكرت رجوعهم بليل في تلك الساعة، كانو يتجولان ويحظون بغشاء رومانسي. في السيارة، كان هيثم ينظر لأفنان وهي تعقد ذراعيها بضيق. قال: -كان ليه لازمة اللي عملتيه؟
-وانت إيه اللي مضايقك؟ -عشان مكنش ليه لزوم. هي معملتش حاجة. -والله معملتش حاجة. وتلزيقها فيك ده إيه؟ أما كنت حاسة إنها مبطيقنيش لسبب، والسبب ده طلع انت. -انتي فاهمة غلط. -لا، أنا فاهمة صح. مفيش حاجة تقدر تكذب إحساس البنت، لأنه دايماً صح. -بس الإحساس ده بيكون من حب يا أفنان. ارتبكت، لكن بصت له وقالت: -ولو...
أكيد لو كنت سكت كانت هتتمادى. وبعدين لو مكنتش عايزني أدخل، كنت بعدتها انت لوحدك يا أستاذ، ولا كنت فرحان وهي بتتمحنن عليك؟ -بتت... إيه؟ -ب... بتت... م... حننة. قالتها وهي بتتك على الكلمة. فابتسم وقال: -بتتمحنن. آه. اضايقت من بروده هذا. يصلها وقال: -وانت إيه اللي مضايقك؟ اختفى غضبها من ما قاله. بصت له وكان بيبصلها، فاتوترت، لكن قالت: -يعني إيه اللي مضايقاني؟ مش انت جوزي؟
آه، عارفة إنه على الورق بس، بس إحنا في الواقع ده دلوقتي. -اممم. بس. -آه، بس. كان بيبصلها بشك، وهي تجاهلت نظراته وحاولت الهرب منها وهي مكسوفة من نفسها وغضبها اللي سبب لها الحرج. ليتها صمتت، ما دخلها هي في الشغل. كانت أفنان تعمل وتحاول أن تتجاهل تذمرات شهد وتعاليها عليها بسبب البارحة. دخل رجل وهو يحمل أكياس بداخلها علب مغلفة. تبدلت ملامح مي لما شافته وقربت منه سريعاً وقالت: -مش حضرتك صاحب المزرعة الشمالية؟
-آه. اتفضلوا. أخذت الأكياس وقالت بابتسامة: -لي وصلت الطلبيات لهنا بنفسك؟ قربت شذى وهي مذهولة من ذلك الشخص الذي تحييه المديرية باحترام. بصت لها مي وقالت: -شذى، انتي أنقذتي المطعم. بصت لها بتفاجؤ، فهي لم تفعل شيئاً، لكن ابتسمت وهي تومئ بخجل. كملت مي: -عكسها، كل اللي بتعمله سبب في مشاكل. وكانت تقصد أفنان. عادت ونظرت إلى الرجل وقالت: -شكراً. اتفضل اعقد حضرتك. واقف ليها.
أخذه مقعد ليجلس، لكنه كان يحول بنظراته في المكان وكأنه يبحث عن أحد. قال: -فين مدام أفنان هيثم زهران؟ بصوا له باستغراب. وانتبهت أفنان للاسم، فقالت: -أنا. في حاجة؟ أول ما الراجل شافها قرب منها سريعاً وقال بابتسامة وهو يحييها: -مدام أفنان، جبتلك الكريمة اللي طلبتيها. أتمنى أكون متأخرتش عليكي. شرف ليا إني أساعدك لو احتجتي لأي حاجة، متتردديش في إنك تطلبيها منه. كانت رسالة بدهشة، وهو يعاملها ومش فاهمة حاجة. أومأت له وقالت:
-شكراً. ابتسم وقال: -على هسيبكم عشان شغلكم. قال هذا باحترام إليها وهو يلتف ويغادر، تحت أنظار دهشة مي المديرة وشذى. حطت مي الشنطة وبصت لأفنان بحرج: -أستاذة مي، أنا آسفة بسبب امبارح. قاطعتها مي وهي تقول بابتسامة: -لا، متتأسفيش. انتي معملتيش حاجة، أكيد مكنتيش تقصدي. وبعدين انتي حليتي الموضوع. لو عايزة توقعي أي حاجة تاني، معنديش مانع. قالت شذى بابتسامة:
-أيوه، ده صحيح. بصراحة الغلط كله مكنش على أفنان. أنا اللي كنت حاطة العلبة على الحرف. أنا آسفة. بصت لها مي بضيق. أما أفنان نظرت إلى الباب مكان ما دخل ذلك الرجل وذكر اسمها بلقب آخر "أفنان هيثم زهران". أنه من أحضره، فهو وعدها أنه هيحل الموضوع البارحة. ابتسمت وهي تتذكره. كان هيثم يقف عند الباب ويرى ابتسامتها. جعله يسعد. التفت وهو يذهب. في المساء، في القصر، كانت أفنان تنظر لهيثم وهو يعمل على الأب توب. قال:
-أفنان، ده مكتب يعني بشتغل فيه. عايزة تقولي حاجة؟ مددت على الكنبة وقالت: -معطلتكش. أنا قاعدة ساكتة. -ما انتي عمالة تبصيلي ومش مرتاحلها. -يعني عارف إني ببصلك وانت اللي بتتجاهل. -آه. وقفت. قربت منه. بصت له. مالت عليه. رجع بظهره للخلف. وجدها تضع يده على كرسيه وهي قريبة منه وتحاوطه وتقول: -مش مرتاحلها ليه؟ بصله من نبرتها الأنثوية التي لم يسمعها من قبل ونظرتها. قال: -بالوضع ده هرتاحلك إزاي؟ انتي شاربة حاجة.
رجع لورا لما قربت منه. قال: -أفنان. وجدها تبتسم ونظرتها تعود لاعتيادها وتبتعد وتقول بمرح: -انهارده جه عمو ده بتاع المزرعة، صلح المشكلة اللي حصلت والمديرة اعتذرت مني. أنا. بصت له ابتسم بهدوء على كلمة عمو التي قالتها. بصت له. قالت: -شكراً. -على إيه؟ -عارفة إن انت اللي جبته. -معملتش حاجة. قربت منه وقالت ببرائة: -أشكرك إزاي؟ يصلها من أقتربها. سحبها إليه مرة واحدة. جلست على قدميه. اتصدمت وهو مايل عليها وأيده عند وسطها.
قال: -أقولك تشكريني إزاي؟ بلعت ريقها من التوتر. أومأت برأسها بصعوبة. قرب منها. خافت وهو شاف خوفها من تعبيراتها. لكن اقترب أكثر إلى عنقها وشعرت بملامسته لها. -أنا جعان. اعمليلي أكل. فتحت عينها. بصت له بشدة. -خلي بالك من حركاتك بعد كده. أنا بمنع نفسي عنك. أنا في الأول والآخر راجل. بعدت عنه سريعاً وهي تقف ووشها أحمر. -عايز تاكل إيه؟ -نفسها. فهمت قصده ومشيت وهي بتسيبه. راحت المطبخ وقابلت الخدم. -عايزة حاجة يا ست هانم؟
-لا، هعمل أكل. -وده ينفع؟ قوللنا على اللي انتي عايزاه تاكليه ويجهز. -لا، شكراً. أنا اللي هعمل. -بس... ليقاطعهم صوت هيثم من خلفها وهو يقول: -سمعتوا، وتقدروا تمشوا دلوقتي من هنا عشان تكون براحتها. أومأوا له بالطاعة ومشوا، ومبقاش فيه غير هيثم وأفنان. اللي حطت إيدها على وسطها وهي بتلف وبتبص حواليها. -نسيت أسألهم على مكان الحاجات اللي أحتاجها. -تقدري تسأليني. بصت له وقالت: -وانت كنت بتدخل المطبخ قبل كده؟
-مش بالظبط، كنت بدخل مع أمي. افتكرت أفنان والدته. فقالت: -أكيد وانت صغير. -أساساً هي مكنتش موجودة وأنا كبير عشان يكون فيه فرصة أدخل معاها. استغربت جدا. بس عشان هيثم ميفتحش كلام. قال: -متقلقيش، كنت بدخله عشان مبحبش حد يعمل حاجة ليا، فعارف الحاجات اللي هنا. ثم إن ده كان البيت اللي عشت فيه أكيد، بس مش عارف إذا كانوا غيروا الأماكن ولا لأ. بقالي كتير مدخلتوش. -مش مشكلة، ندور. قالتها بابتسامة. بصت له لأنها جمعت.
فقربت منه وقالت: -آه، منا مش هعمل الأكل لوحدي. -يعني إيه؟ مسكت إيده ورفعتها قليلاً وهي بتفك زر القميص. -مش كنت عايزني أعلمك الأكلة اللي قولتلي عليها؟ اهو هعلمهالك عشان تعملها لما مبقاش موجودة. بصت له وهو نظر إليها. ثم خفضت عينيها وهي بتطوي أكمامه وتكمل بمزاح: -بس طول ما أنا معاك، أنا اللي هعملهالك. تقدر تستريح. مسكت يده الأخرى وهي تفعل مثل الأخرى، وكان هيثم يتابعها وهو يترك يده لها، إلى ما أن انتهت من طوي أكمامه.
-بس كده، نقدر نبدأ. قالتها بمرح. ثم ذهبت، بس توقفت. بصت له وقالت: -ينفع أقلع الطرحة دلوقتي عشان بتفضل تنزل لما بعمل الأكل؟ -مينفعش، المطبخ مفتوح، يعني بيطلع على اللي بره. -عشان كده سألتك. قالتها بضيق. ومشي. بصت له أفنان شوية. فتح أحد الأدراج. خد جهاز وضغط على زر. فأقفلت النافذة حيث لا يرى من في الخارج. وقفل الباب. بصت له أفنان وإلى ما فعله. -اقلعيها لو حابة تقعدي براحتك.
ابتسمت. فكت الطرحة وعلقتها، وهي تنظر إلى شعرها الطويل الذي يميل إليه كثيراً. وجدها ترفعه بلاي وهي بتعقده بطوق وبعض خصلاتها تمردت وانسدلت على وجهها وهي مبعثرة بشكل جميل. بصت له أفنان، فابعد عينه وهو يعود لوجهه الجدي.
أحضرت مستلزماتها وسألت هيثم، وكان يشير إليها وتجدهم لا يزالون بإمكانهم وبعض منهم لا. كانت تتساءل لأي مدى قد غاب. قاموا بإعداد الطعام. كان هيثم ينظر إلى أفنان وهي تقطع الدجاج. وجدها تمسك بيده وتقربه منها وتجعله يمسك سكيناً، ثم جعلته يقطع وهي تحرك يده مثلما تفعل. نظر إليها وهي قريبة منه. ابتعدت لتترك له المجال. وجدها تتشبث عشان توصل للدقيق. ابتسم عليها ومعرفش يكتم نفسه. بصت له أفنان وقالت: -بدل ما بتضحك، تعالى ساعدني.
-اطلب أحسن من كده. تنهدت، ثم ابتسمت وهي تجز على أسنانها وتقول: -ممكن يا أستاذ هيثم تساعدني لو تكرمت يعني. ابتسم. قرب منها. بصت له أفنان. جات ترجع معرفتش لما زنقها في الرحلة. لقته بيحاوطها وكان بيجبلها الدقيق. بصت له وهي تخفض عينيها وخدها الأحمر. حطهولها، بس ما بعدش. رفعت أفنان عينها إليه. قرب منها وهو يحط إيده على الرخامة عشان متبعدش. توترت. قالت: -هيثم، ابعد.
لم يستمع إليها. قرب منها. بصت له. مشيت إيده ببطء على الرخامة وهي شايفة بيقرب. ومرة واحدة مسكت حبة دقيق وكانت هترميهم عليه، بس لقيته بيمسك إيدها. -على أساس إن ده اللي هيبعدني، مش كده؟ -يبقى ابعد. -خايفة مني؟ بصت له وسكتت وحاولت تفلت إيدها، لكن سحبها إليه وهو يلف ذراعه حولين وسطها من الخلف. اتصدمت أفنان. بصت له. دق قلبها جامد من قربهم الشديد والتصاق جسدها بها. قرب إيدها من وشها وهي لا تدري بأي شيء، كأنها مغيبة.
قام بطبع الدقيق اللي في إيدها على خدها، وهي باصة في عينه بتخدر. ابتسم عليها. قال: -كده أحلى. بعد عنها وسألها. فاقت. حطت إيدها على وشها لتدرك ما فعله وكيف تخدرت بسبب قربه والنظر في عينه. غضبت، ثم مسكت دقيق ودفعته عليه. اتصدم هيثم من ما فعلته. -بقيت أحلى برضه. اهو ده الجمال، عدى الكلام. قالتها بسخرية وهي تقهقه على شكله. يصلها هيثم بشدة. بصت له بخوف وطلعت تجري وهو خلفها.
كانت فاطمة تسير لتشرب ماء. سمعت صوت ناحية الطبخ. راحت واستمعت إلى صوت هيثم وأفنان. راحت وقفت عند الباب وهي تطرق السمع. -خلاص يا هيثم، حصل خير. -هوريكي الجمال اللي على حق.
جريت، لكنه سحبها إليه فوقعا الاثنان أرضاً. بصت له به. من قربه. جت تتعدل وهي بتسند على رخامة. مسكت في كيس الدقيق لينسكب فوقهم ويغرقهم في كومة من الدخان. كحت أفنان. بصت على نفسها، كان نائمة على صدر هيثم. رفع وشها بخوف وبصت له وهو ينظر إليها. ابتسمت ببلاهة، لكن نظرته كانت جدية. فقالت بأسف وهي تخفض عينيها: -آسفة... أنا دايماً كده بوقع الحاجات و...
قاطعها صوت ضحكته التي خرجت منه. بصت له بشدة وهو يضحك من داخله، لا يبدو أنه متضايق. ابتسمت وضحكت هي الأخرى، لتمتزج ضحكاتهم المرحة على بعضهم وتلك الفوضى التي أحدثوها. اتفاجأت فاطمة جداً لما سمعت صوتهم وميزت صوت هيثم. قالت بصوت منخفض: -هيثم بيضحك. كانت لا تصدق أنه هو حقاً. لفت وجدت منير أمامها. ابتسمت. قالت: -ده هيثم وأفنان. معرفش بيعملوا إيه في المطبخ بليل كده، بس شكلهم فرحانين.
أومأ منير ومتكلمش. بصت له فاطمة. وجدت دموع في عينه. قالت: -مالك يا أخويا؟ -بلاش نعمل صوت يلا. أومأت له بتفهم ومشيت. أما منير ألقى نظرة على المطبخ ويتذكر صوت ضحكة ابنه. ابتسم ابتسامة خفيفة ومشي. في المطبخ انتهوا من الطعام ورجعوا المطبخ زي ما كان ونفضو نفسهم من الدقيق. خدت أفنان طبقها. قعدت على الرخامة بطفولية وقالت: -هبقى أضيف الطبق ده في مطعمي. ابتسم عليها. بصت له وقالت: -هتيجي؟
يصلها من نبرتها وتساؤلها. أومأ لها إيجاباً. لا يعلم لماذا فعل هذا، فهل سيكون في تواصل بينهم بعدما يتطلقوا؟ وكأن يتذوق طعم ذلك الحساء الساخن، يشعره بدفء غير اعتيادي يجعله يبتسم، يجعل وجهه يهمه سعادة بمجرد التذوق. بصت له أفنان وهو بياكل مثلما رأته من قبل. ابتسمت، لكن تبدلت ملامحها لما لقت دمعة تسيل من عينه بصمت، وكأن تلك الدمعة سالت كأنها بتحرر. -هيثم، انت كويس؟ هم هم، بمعنى آه. بصت له بشك. فقالت:
-لي بتحب الأكلة دي أوي كده؟ حد كان بيعملهالك زمان؟ -آه. -مين؟ صمت ولم يرد. تعجبت، لكن قالت باستدراك: -مامته؟ -لما عملتيها أول مرة، كانت بمثابة إنك رجعتيني ٢٢ سنة ورا. شكراً يا أفنان. قال آخر جملة بامتنان. بصت له، وقف ومشي بعدما انتهى. بس وقف وقال: -متنسيش تلبسي الطرحة لما تخرجي. أومأت له إيجاباً. مشي وهي تراقبه بعينيها. -٢٢!!
في اليوم التالي، في الصباح، كان منير قاعد في غرفة قراءة. سمع صوت طرقات. بص لقاها أفنان، كانت تستأذن بالدخول. -تعالي يا أفنان. واقفه لي؟ دخلت. قالت: -أزعجتك؟ -لا، إيه اللي مصحيك بدري؟ بصلها وقال: -عايزة حاجة؟ -لي معرفش حاجة عن هيثم. استغرب من اللي قالته. كملت: -زي إنه كان متجوز. ايا كانت هي مين أو فين، كنت المفروض اعرف.
-أنا بحاول أقفل الصفحة دي في حياته وحياتنا ومنفتكرهاش. إزاي أقولك وأنا بذاتي نفسي اللي مش عايز أتكلم فيها؟ قالت باستغراب: -ليه محدش بيتكلم فيها؟ -عشان ملهاش لازمة. سكتت شوية لما حسيت إنه مش هيقولها هو كمان. -وأمه؟ بصلها باستغراب. فكملت: -أمه فين؟ وكانت بالنسباله إيه؟ شفت حبه ليها، بس استغربته. وكانت تقصد ذلك اليوم حين نتش صورة منها وصرخ بها: "ألا تلمس أغراضه". -في حد ميحبش أمه؟ -أكيد لا، بس أنا مش فاهماه.
-عرفت قصدك إيه. هيثم حبه لوالدته بيوصل للهلوسة وإنه يكون حد تاني لمجرد ما تجيب سيرة. والدته الله يرحمها كانت أكتر واحدة قريبة منه في البيت ده. مكنش بيحب حد غيرها وهي مكنتش بتسيبه، فاتعلق بيها جامد. بس لما توفت هيثم جاتله حالة نفسية من بعدها. أصغت أفنان إليه باهتمام.
-موتها بالنسباله كانت صدمة كبيرة في حياته. ماتت وهي حضناه وهو عنده ست سنين، فأكبر صدمة في حياته إنه يصحى ويكون هو اللي يكتشف موتها. ده أثر عليه سلبياً لدرجة إن جاله رهاب اجتماعي عشان كانت هي الوحيدة اللي بيتكلم معاها. فانعزل عن العالم الخارجي. جبتله دكاترة، بس مفيش فايدة. عدت سنين وخرج من اللي هو فيه، بس منساش اليوم ده أو أي حاجة تخصها. اتعافى من كل اللي هي مقدرتش تتعافى منها. أكتر الأحلام اللي كان بيهلوس بيها وهو نايم وبيفرح لما تجيله. كنت أعقد عشان أسمع كلمة "أمي" ودموعه اللي بتنزل وهو بينشح وهو نايم.
كانت أفنان تسمع وحزينة إلى ما عاناه. -هيثم جواه طفل بسبب إنه معشش طفولته زي ما لازم تكون. بيظهر للكل بوش وشخصية مختلفة محدش يفهمه. لو انتي قدرتي هتعرفي إنه عانى كتير وشخصيته اتنفّرت منه، مش بإيده. لأنه كل أما يبني شخصية، يجي حد ويهدمها بلحظة، فبقى بالشكل اللي قدامك ده. قربى منه أول ما تحسي إنه بيتكلم معاكي بصدق ومن جواه بجد، اعرفي إنه هو ده هيثم. هتلاقيه واحد تاني، بس انتي حاولي. أومأت أفنان له إيجاباً. قالت: -هحاول.
وقفت وتركته وذهبت وهي حزينة من قصة طفولة هيثم المؤلمة التي لم تتوقعها. هل نام في حضن والدته واستشغط فظعاً على موتها؟ كيف أن الأمان يسلب منك بتلك الطريقة البشعة! دخلت الغرفة. بصت له، كان لسه نايم. قربت منه، كان ينام على جانبه ويده خلف رأسه ومنكمش في نفسه. افتكرت كلام والده ببكائه نائماً ونشيجه. فهل حدث في ليلة أن بكى وهي لم تسمع؟ لا تظن ذلك؟
قربت إيدها بتردد إلى وجهه وتحسست عيناه بحذر بأناملها. لكن تفاجأت وأبعدت يدها ونظرت إليه. كان يوجد دموع، كأنه يبكي بصمت أثناء نومه. أنه لا يزال يحلم بها؟ حزنت عليه وأشفقت على ما جهلته عن حياته وظنته مجنوناً. بل طفل مجروح يفتقد أمه. كما أنه لم يكن قريب من أحد سواها. ما هو إذاً ماضيه وهو كبير، وما يحوم حول زواجه الأول المجهول؟ تذكرت كلام لؤي أنه جعله يشرب وحول عدم إدراك وعيه حين يسكر. هل معقول ما تفكر فيه؟ أتفعلها؟
في السيارة، كان هيثم بيوصلها. وكانت بتبص له. وقد لاحظ ذلك. قال: -في حاجة يا أفنان؟ بصت قدامها وقالت: -لا. -عمالة تبصيلي من ساعة ما صحيت، حتى على الفطار. عايزة تقولي حاجة؟ -ها... لا، أنا مكنتش ببصلك أصلاً. قالتها وهي تعقد ذراعيها، تظهر لا مبالاتها. بص لها هيثم ابتسم بهدوء ولم يعلق عليها. كانت أفنان في شغلها. رن تلفونها. تفاجأت لما لقيتها والدتها. ردت عليها. -أي يماما؟ -أخوكي بيسأل عليكي. حست بالخيبة، لكن ابتسمت وقالت:
-عمر. -آه، انتي فين؟ ابقى أجلك وبالمرة أشوف القصر اللي انتي فيه. -أنا في الشغل. قالت بصدمة: -شغل؟ شغل إيه؟ انتي لسه في المطعم ده؟ هما سابينك تشتغلي؟ -لا، أنا اللي أصرت أكمل شغل. -بدل ما تقعدي في الغنى اللي هناك، غاوية مرمطة. أنا عارفك. سكتت أفنان ومردتش. فقالت: -طيب، لما تخلصي لو هتعرفي تيجي، تعالي. أنهت مكالمتها وبصت لتلفونها. تنهدت وأكملت عملها. -أفنان.
جاءها هذا الصوت الرجولي من خلفها. لفت وتبدلت ملامحها كثيراً من ذلك الرجل واقف عند الباب، كان للتو قد دخل يرتدي معطف أسود، وكان ذو ملامح هادئة. -طارق. قالتها أفنان بدهشة. ابتسم وقال: -عاملة إيه؟ "لنتزوج الآن ونحب لاحقاً" البارت ٨ إلى مركز في الرواية من أولها ممكن يتوقع طارق ده يكون مين😂 .... تفااااااااااااااااااعل🩷
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!