جلب سليم من جوا واللي ما يهونش عليه واصل زعلِك. حجّك عليّ يا ست البنات، قالها "سليم" وهو يعتليها مثبتًا يدها فوق رأسها بيد، وبالأخرى ملس على خدها قائلاً بحنو: -أني خابر إنك عايزة تفرحي لأخوكي، بس أني عايزكِ يا ست البنات. كلّتها. ردت بحزنها وهو تشيح بوجهها للجهة الأخرى قائلة: -وهو لما أحضر فرح أخوي أبقى أجل منهم في إيه؟ لثم خدها ثم جلس جوارها وهو يضع كفيه أسفل مؤخرة رأسه وقال بجدية:
-خروجك من بيت جدي كان سهل على جدي، لكن رجوعك ليه ثاني دي اللي صعب. أني لازم أعرف الكل مين هي مرات سليم السيوفي، وإن يحترمها كنه احترمني، واللي يجل منها كنه جل مني أنا. وعشان كده رجوعك الدار أمنية صعب تتحقق بسهولة كده. مالت عليه وقالت بابتسامتها العريضة: -يخليك ليا وتعيش وتعرف الكل إن أني مراتك. كادت أن تقف عن الأرض لكنه استوقفها ويحاصر خصرها قائلاً بنبرة ماكرة: -وهو أني مليش حاجة حلوة تحلّي خشمي؟
ولا هتضحكي عليّ بكلمتين وبس. أعادت خصلة متمردة على وجهها ووضعتها خلف أذنها ثم قالت بخفوت: -رغم زعلي منك لكن ها أقول عشان تعرف غلاوتك عندي. -جولي. -جاي لنا ضيف قريب. عقد حاجبيه وقال بفضول: -ضيف مين ده؟ ردت باسمه: -لو ولد هيبقى اسمه شعيب على اسم أبوك، ولو بنت هيبقى اسمها آمنة على أمك. اعتدل في جلسته وهو يسألها بسعادة قائلاً: -جد يا نرجس، أنتي حبلى؟ أومأت برأسها علامة الإيجاب. وقالت بسعادة وهي تتحسس بطنها قائلة:
-حبلى في شهرين. جميلة قالت لي إني حبلى من يوم الفرح. ضمها لصدره وقال بسعادة: -ألف مبروك يا جلبي. ثم قال برجاء: -يا رب يقومك بالسلامة يا رب. ابتسمت وقالت بحنو: -يا رب يا حبيبي. ادعي يا سليم إني خايفة جوي. -طول ما أنا جنبك مش عاوزك تخافي من حاجة واصل. على الجانب الآخر من نفس المدينة، وتحديداً من منزل الجد "نعمان"، كان يجلس مقابله "جميلة". تنهد بعمق وقال: -يعني أقول له لأ.
-أيوه يا جدي، قل له لأ. ماينفعش بعد ما كنت طالب يد جدتِك أتزوج بنتك عمها. -يا بتي الهادة لله، هو ما طلبش يدك بس أنا اللي عرضت عليه، والراجل ما عندوش اعتراض. ردت "جميلة" بحزنٍ عميق: -بس أنا عنيدي يا جدي، كيف ترضها لي؟ كيف رايدني أتزوج واحد ما أعرفش حتى اسمه. -ماهو إنتوا هتتعرفوا على بعض يا بتي. -اسمعني زين يا جدي، أنا مبفكرش في الجواز دلوقتي. ولو فكرت مهيكونش ده جوزي. رد الجد بسرعة دون قصد:
-يا بتي اللي في سنك دلوقتي بقى عنده ولاد. عنتك بت عمك أهي أصغر منك بخمس سنين واتجوزت وكلها شهر ولا اثنين و... وقفت عن مقعدها وقالت ببكاء مرير: -خلاص يا جدي، قلت لك لأ، ماعايزش. مش كل شوية تقعد تفكرني إن فاتني قطر الجواز، إن اللي أصغر مني اتجوز وخلف. أنا عارفة، ما تزدهاش إنت عليّ. مش كل مرة هاخد فضلة جدتك. بكفاية لحد كده. أجلسها مرة أخرى وهو يضغط على رسغها برفق ثم ضمها لصدره مربتًا على رأسها وراح يقول
بحنو وحب وهو يقبل رأسها: -حجك عليّ يا ست البنات، أنا غلطان. ووعد مني ما هتكلم في موضوع الجواز ده تاني واصل. ييجي وقت ما ييجي، ولو مجاش مش مهم خلاص. مش زعلانة مني؟ ردت بمرارة: -أنا مش زعلانة منك يا جدي، أنا زعلانة من الدنيا عشان يوم ما وجعتني وجعتني في قلبي. -ما عاش ولا كان اللي يوجع قلبك يا حبّة جلبي. يا بتي دي إنتِ الغالية، إنتِ اللي اسمك على اسم سِتّك، إنتِ اللي واخدة أكبر حتة في قلبي. كيف تزعلي بقى من الدنيا؟
اضحكي كده واضربي اللي يزعلك بالمركوب، حتى لو أنا. ابتسمت من بين دموعها وقالت بحنو: -اسم الله عليك يا حبيبي من الضرب. -أيوه كده، اضحكي ولا يهمك. قومي يا حبيبتي ارتاحي دلوقتي ومتزعليش روحك تاني واصل. -حاضر يا جدي. صعدت "جميلة" لحجرتها وجلس الجد على مقعده يعيد حساباته من جديد. كيف تسرع وقال لحفيدته هكذا؟
هي أنثى ويؤلمها كبرياؤها عندما يقترب منها أحدهم. ندم كثيراً وعاتب نفسه أكثر. رفع رأسه ما إن وجد "جنه" تجلس بجواره وتسأله عن حاله، فأجابها بما حدث منذ قليل. ختم حديثه ويرجوها قائلاً: -روحي طيب خاطرها بكلمتين وحاولي تخليها توافق على مهران. ردت "جنه" معتذرة منه وقالت بهدوء:
-متزعلش مني يا جدو، بس هي هتفهم كلامي غلط. هتفهم إن أنا بعمل كده عشان عمران، وأنا مش عاوزة أوصلها حاجة من دي لأن مش في ضميري أصلاً. خليها هي تفكر براحتها ومش شرط تتجوز مهران، خليها لما يجي لها نصيبها. رد بإحباط قائلاً: -نصيبها؟ وميتى هييجي النصيب ده؟ -ييجي وقت ما ييجي. مستعجل ليه يا حبيبي؟ المهم عندك تتجوز ولا المهم تكون مبسوطة؟ -الاتنين والله يا جنه، نفسي في الاتنين. -سيبها على الله. -ونعم بالله يا بتي.
قاطعها رنين هاتفها. نظرت لشاشته وقالت بجدية: -أسيبك بقى، أحسن عمران جه. رد بتأفف ما أن ختمت تلك الأخيرة حديثها باسم ذاك الأحمق: -ما نخلصوش منه، ولد الهواري ده. تابع بتساؤل: كل يوم والتاني خروج كده، عيب يا بتي الناس هتقول عنينا إيه؟ ردت بجدية مصطنعة: -بنخلص فرش الشقة يا جدو. الله بقى. -الشقة يا جدو؟ طب يا ختي ربنا يسعدك. همي روحي له بدل ما هو ولا حامي ولا بارد كده. نزلت لمستواه ولثمت خده ثم قالت بسعادة:
-مع السلامة يا حبيبي. مش هتأخر. -خلي بالك على نفسك يا بت. -حاضر. خرجت "جنه" وهي تقفز بين سلالم الدرج، حتى وصلت إلى باب سيارته. وقالت بسعادة: -هنروح فين النهارده؟ فتح لها باب السيارة ثم استقلت وهي تستمع له باهتمام شديد. بينما هو جلس في المقعد المجاور لها وقال: -هنروح المولد. ردت بسعادة قائلة: -الله بقى! المولد! وهتخليني أشوف كل حاجة ومش هتقول عندي عمليات؟ ضربها على مؤخرة رأسها وهو يقول بابتسامته العريضة: -وه!
أنا بعمل كده. ماشي ستي. شكراً على العموم. أنا النهارده ليكي وبس. ردت باسمة: -النهاردة وبس؟ أجابها بذات النبرة: -العمر كله.
قاد سيارته حيث المكان الذي طال انتظاره لتشاهده. فكانت تقف خلف نافذة غرفتها تشاهدهما. كم تمنت أن تحظى بهذه السعادة. قلبها يؤلمها ودموعها تتوسلها لتخرج من محبسها. لكنها أقوى من هذا الضعف الذي يريد أن يفتك بها. قررت أن ترفع راية العصيان على قلبها وتوصد على العشق الذي لم ولن ولا يتحقق مهما حاولت. قرار مؤلم حين تتنازل بكامل إرادتك عن عشقك من أجل أحدهم. والأكثر ألماً أنك تكتشف أنك تعشق من لا يعشقك ولا حتى تأتي في أفكار ليله الطويل. ويبقى التنازل عن عشقك من أجل عشقهم هو البديل.
-جول يا ولدي يا فالي. جول اللي في بالي وارمي الودع من تاني. قالتها الغجرية الجالسة على أرض ترابية، تسرد للناس ما تراه في الصدف. البعض يصدقها والبعض الآخر يتخذ ما تقوله ما هي إلا دعابة. رد "مهران" بصوت هادئ: -جولي يا خالة، شايفة إيه؟ جولي ومتخبيش. -آآه يا ولدي، جلبك متعلق بيها وهي جلبها مش شايف غيره. صح ولا مش صح؟ -صح. كملي. -صبرها نفذ وعجلها غرز. وجلبها اتجسم. وكل ده وهو في الآخر رجع ليها. صح ولا مش صح؟
كملي. سيبها تعيش وياه. هو هيحبها. كمل نصيبك مع اللي هتيجي وتزيدك حب وحنية. والغيرة عليها من النسمة الطايرة. بس إنت جول إن شاء الله. -إن شاء الله.
شاح بوجهه للجهة الأخرى وجدها تقف ظهرها ملاصقاً لصدره يساعدها على تصويب هدفها. وعندما أصابت هدفها قفزت للأعلى مصفقة بيدها من فرط سعادتها ثم عانقته. ابتسم لسعادتها وبادلها العناق ثم احتضن كفها بكفه وسار تجاه "ركن رجل النار". ارتعبت منه ما إن بصق النيران من فمه، فطلبت منه المغادرة على الفور. فطلب منها يلج لفقرة الراقصة. امتنعت وسحبته خلفها. فابتسم "عمران" على غيرتها الواضحة وغادر المكان كله، تاركاً "مهران" يبتسم ابتسامته الباهتة على حظه التعيس.
بعد مرور يومان كانت "جنه وعمران" يتجولان في أحد المحلات الخاصة بفساتين الزفاف. ما يعجبها لا يروق له، وما ينال إعجابه لن ترتديه. ما حيت. توقف "عمران" عند أحدهم ثم أشار بيده تجاه ثوبٍ راقٍ وقال بإعجاب شديد: -ده حلو جوي يا جنه. تابع بجدية مصطنعة: -وقُمان أغلى من الثاني ها. طأطأت رأسها خجلاً ثم قالت بنغج بالغ: -الله بقى يا عمران، كنت حابة الفستان وقلت أضايقك عشان قلت لأ.
-أنا قلت لأ مش عشان غالي، عشان أنا مبحبش البهرجة مش أكتر. يلا يا آخرة صبري، كملي باقي جاحتك. ردت بسعادة وهي تحتضن ثوبها الأبيض: -لأ، هقيس الفستان الأول. ولجت غرفة تبديل الملابس وعادت بعد وقتٍ ليس بقصير. كان يتابع بعينيه إحدى الأحذية الخاصة بالزفاف. أما هي خرج وبين يدها ثوبها. هتفت بصوت مرتفع ونبرتها مملوءة بالسعادة: -عمران بص كدا. استدار بجيده كله نحوها. ابتسم لها وقال بإعجاب شديد: -آية من الجمال والله. دارت
حول نفسها بسعادة قائلة: -أنا كمان عجبني قوي. رد بسعادة لسعادتها: -تتهني بيه يارب يا حبيبتي. قاطعته منادية بصوت عالٍ وقالت: -جميلة يا جميلة. عادت "جميلة" بجسدها وجدتها جنة. ولجت ثم اقترب منهما والابتسامة بالكاد ترسم على شفتيها: -مبروك يا جنه. -الله يبارك فيكِ. أنتِ السبب بردو إني أبقى هنا. -أنا معملتش حاجة، ديه ربنا. إني كنت سبب مش أكتر. ردت "جنه" متسائلة بسعادة: -إيه رأيك في الفستان؟ أجابتها بمرارة:
-زي الجمر يا حبيبتي، ربنا يكملك على خير يارب. -قولي لي صح، أنتِ هنا بتعملي إيه؟ ده مول فساتين أفراح. إيه ناوية تتجوزي من ورانا ولا إيه؟ -لأ، متخافيش. أنتِ أول واحدة هتعرف لو ده حصل. بس مظنش إن ده هيحصل. أنا جايه مع صاحبتي. أسيبكم بقى عشان هنتأخر كده. -ماشي يا حبيبتي. أنا كمان هدخل أغير الفستان. استوقفها "عمران" بصوت خفيض: -جميلة. -نعم. -أنا آسف. -على إيه؟ -إني يعني يعني...
-اه، إنك جيت واتقدمت عشان تجهز جنة. لاه عادي، مش مشكلة. المهم إن ربنا جمعكم تاني. -جميلة، يعلم ربنا أنتِ بالنسبة لي إيه. -خلاص يا عمران، خلصنا. أنا خابرة زين إنك ما بتحبنيش، وخابرة إنك بتحب جنه، وهي كمان بتحبك. سيبك بقى أنت عملت إيه وملكش دعوة بيا. أنا هعرف ألم روحي من جديد. -جميلة، خلينا نكون أصدقاء زملاء زي ما كنا. قاطعته بحدة قائلة بمرارة:
-لأ يا عمران، أنا ماكنتش صديقة ولا حبيبة ولا حتى زميلة. أنا عمري ما كنت حاجة بالنسبة لك ولا هكون. وإن كان على قلبي سهلة، يومين وهيتعود. واللي اتحمل سنين يقدر يتحمل باقي عمره. جميلة، عمران حكى لي على كل حاجة وأنا عارفة قد إيه بتحبي. وعشان كده أنا بطلب منك تتجوزي. قالتها "جنة" وهي تقف بجوار "عمران" في محاولة منها لإقناعها بما لا تقتنع به. ردت "جميلة" مقاطعة: -كيف دي؟ آخد نص راجل بقلب وعقل وروح؟
طب أنا هفرض معاكي إني عملت كده، لما يجول لي بحبك هيكون قاصدني ولا قاصدك؟ لما ينام جاري هيحلم بيا ولا بيكِ؟ روحوا ربنا يسعدكم ويسعد قلوبكم وملكوش دعوة بقلبي. هو هيداوي نفسه بنفسه. سلام عليكم. غادرت "جميلة" المكان قبل أن تترك لدموعها العنان. ابتلعت غصتها وتركتهم في سعادتهم. لم يكن "عمران" هو المخطئ، بل هي. هي من تركت لقلبها ومضة أمل بأنه سيتزوجها يوماً ما. نظر لجنته وتسأل بعتاب ولوم: -ليه كده يا جنه؟ ليه تجرحيها كده؟
ردت بنبرة صادقة: -ماكنش قصدي والله، بس هي صعبانة عليا قوي. رد باسمًا وهو يداعب خديها بعفوية: -تجومي تجوزيها جوزك؟ للدرجة دي مش رايدني؟! ابتسمت له وقالت بحنو وحب: -أنا مش عايزة من الدنيا غيرك يا عمران. أنت عوضي من الدنيا. شفت فيك حنية أبويا اللي ماشفتوش، وخوف أمي عليا من الخطر. شفت فيك الأخ اللي بيقف يسند أخته في عز أزمتها. شفت فيك الزوج الحنين والحبيب اللي بيدلع حبيبته و... ابتسم ملء شدقيه وهو يقترب
منها بهدوء ثم قال بحنو: -هو أنا لو جلت إن أنا بحبك بدل المرة مليون مرة بعد حديثك ده هتجولي عليا مجنون؟ نظرت حولها بتوجس وقالت: -اعقل كده عشان إحنا مكان عام والشكل العام كده مش هيبقى لطيف خالص. قاطعها هامسًا: -جولي بحبك. -أنا بقول نمشي أفضل. -وأنا بأقول جولي بحبك. -عمران. -جنه. -عشان وحياتي بلاش عنادك ده، بليز، وحياتي بقى. لم يستمع لها بل زاد قربه وهو يتابع بنيتها برماديته ليجدها تتحدث بسرعة شديدة دون توقف:
-بحبك، بحبك، بحبك، بحبك. هرولت قبل أن يطلب شيئاً آخر، بينما هو انفجر ضاحكًا على مظهرها بعد قولها لتلك الكلمة أمام عينه مباشرةً.
الوقت يمر ويتغير الكثير والكثير وعقل الجد لا يتغير نهائيا. رفض إكمال الزيجة رغم اكتمال جميع التحضيرات الخاصة بزفاف حفيدته. وضع شرطه ألا وهو لن يتم الزفاف بشكلٍ رسمي، قبل أن يعرف من هو قاتل ابنه. فرفضت "جنه" وبين هذا وذاك انفجر "عمران" غاضبًا. كان لا يعرف قيمة هذا الانفجار حتى أعلنت "جنه" خصامها وتجنبها له. اعتذر للمرة المئة بعد الألف، لكنها ما زالت ترفض رفضاً باتاً.
وفي إحدى الزيارات لجدها "أيوب" كانت تظن أنه يغط في نوم عميق. طلبت الجدة منها أن تصعد إليه لتخبرها شيئًا هام قبل رحيلها. صعدت الدرج بهدوء متجهة حيث حجرة جدتها. ولجت بعد أن طرقتها بأدب. جلست على ركبتيها أمامها متسائلة بفضول: -خير يا تيتا. ربتت على خدها وقالت بابتسامة صافية: -غمضي عيونك الحلوة دي. وضعت يدها على عينيها وهي تقول بفضول: -ها. افتح. نظرت إلى باب الغرفة وهي تقول بنبرة ماكرة ما إن وجدته يلج:
-عمران كان عايز يتحدث وياكي بس أنا بهدلته. خاصمته كمان عشان زعلك. ردت "جنه" بلوم وعتاب: -ليه بس كده يا تيتا؟ يهون عليكي؟ جلس بجوارها وقال بنبرة متعجبة: -وه أنا هُنت عليكي؟ أزحت يدها عن عينيها وقالت بحزن: -كده يا تيتا؟ بتخليني أجاي وأشوفه؟ طب أنا زعلانة منك. ثم نظرت إليه وقالت بعناد: -ومنك أنت كمان. كادت أن تقف عن الأرض، سرعان ما قبض على معصمها برفق قائلاً برجاء: -اسمعيني عشان خاطري. -لأ.
-خلاص بقى يا جنه، هو كان مضايق من جدك. وبعدين يعني مين يتحمله غيرك؟ -جولي لها يا ستي بالله عليكِ. بقالي أسبوع ما عرفتش أتحدث وياه. دس يده في جيب جلابيبه ليخرج قطعة من (الشوكولاتة) وراح يقول بحنو: -أظن كده سماح النوبة. ردت بعناد وهي تقف عن الأرض: -بردو لأ. ومش أنا اللي أتصالح بشوكولاتة يا دكتور. خرجت "جنه" من الغرفة تاركة جدتها تضحك على حال حفيدها الذي جلس متربعًا أمامها واضعًا كفه أسفل خده وقال بنبرة حائرة:
-وبعدين في بت السيوفي اللي مجنّناني وياها دي يا ستي. ردت ضاحكة: -جدك لو شافك كده. جليلة لو ما جاب روحك من صدرك. جوم زينة الرجالة، جوم. خرج من غرفة الجدة في محاولة جديدة منه ليعتذر منها عن ما بدر منه. أما هي كانت تسير بخطوات هادئة وهي تحدث نفسها بطريقة ساخرة في محاولة منها لتقليده قائلة: -أنتي مرتي أنا ومحدش هياخد مني، واللي هياخدك مني يبقى حكم على نفسه بالموت. التفت له وقالت بصوت مرتفع:
-يا أخي طلعت روحك من صدرك قال ارجع لك قال. ده أنا ربنا نجاني ولازم أطلق منك وهخلي جدي يمرمطك بردو. تابعت سيرها وقبل أن تلج غرفتها جذبها من يدها ودفع لغرفته ثم قال بهمس: -جولي بقى كنتي بتقولي إيه. ردت بتلعثم: -أنا أنا بقول بقول جدي. قاطعها بصوت هامس قائلاً: -أنا بحبك يا مجنونة. ردت بسخرية: -بحبك يا مجنونة، وأنا بكرهك يا بارد. أنا مش هتحمل عنادك ده كتير، وجولي لجدك يخف عني شوية. رايدني في دار. ردت بجدية
مصطنعة وهي ترفع كتفيها: -لما تلم نفسك وتبطل عصبية عليا في الفاضية والمليانة. -لميني أنتِ في دارنا. -لم نفسك وبطل قلة أدب. غمز لها بطرف عينه وقال: -طب ما تيجي تلميني أنتِ. قاطعته بسخرية قائلة: -هي عينك بتوجعك مالك كل شوية تغمز ليه؟ اغتاظ منها، كز على أسنانه وقال بغيظ شديد: -تصدقي إنك... قاطعته محذرة إياه قائلة: -هااا، إني إيه؟ اغلط تاني خلي حسابك يتقل. تنهد بعمق ثم قال بتوسل:
-جنه، جولي لجدك يجوزني بقى، أنا خلاص مش قادر أبعد عنيكي. أنا جدي يعمل اللي هو عاوزه ويمرمطك براحته، ويا ابن الناس مش عاجبك نسيب بعض عادي مافيش مشا مشاكل. أنا أصلاً مش طايقاك. خرجت من غرفته ما إن علمت أن جدها وصل للتو وطلب حضورها. استوقفها قائلاً بحنو: -مش هتاخدي الشوكولاتة بتاعتك ولا لسه زعلانة؟ ضغطت على شفتيها السفلى ثم عادت وهي تلتقطها منه قائلة بجدية مصطنعة: -هاخدها، وبردو زعلانة منك.
منعها من الذهاب قبل أن تقول بصوتها الحنون كلماتها المفضلة لدى قلبه. توسلته، فكان إصراره أكبر من توسلاتها، فانصاعت لأمنيته قائلة: -هتفضل حبيبي وهفضل حبيبتك. تركها فور مرور كلماتها تلك على قلبه، الذي أثلجته بسحرها وابتسامتها. الأيام تمر على الجميع إلا عليهما. لا جديد. حاول "سليم" التدخل لأكثر من مرة لكنه فشل. فقررت أن تتحدث هي لتسدل الستار على قضية والدها وثأر جدها. طرقت بابه بخفة ثم ولجت وهي تقول بهدوء:
-أنا جايه أتكلم مع حضرتك. -تعالي يا جنه. جلست على حافة الفراش وقالت بحزن عميق: -عارفة إنه ابنك وعايز تاخد تارك عشان الناس ما تقولش عليك و... رد مقاطعًا بحزن: -أنا عايز ناري تبرد يا جنه. -بص يا جدي، أنا هقول لك حاجة ولو مش عايز تصدقني وعايز تفركش جوازتي، إنت حر. بس أنا هريح ضميري. -جولي يا جنه.
-هو كان صاحب بابا وكان محتاج للفلوس وقتها لأن مراته وبنته بيموتوا. هو معذور. هما شركاه وبابا رفض يدي له فلوس لأن كان عايز ينقذ ماما وينقذني من الموت. يعني كل واحد كان بيفكر في نفسه وبس في الوقت ده. -عنيده ولاد. -عنده بنت وحيدة. -ليه ولاد أخ؟ -حتى لو ليه، هما ذنبهم إيه يموتوا مكانه؟
جدي اللي أنت عايز تعمله حرام. ربنا ما يرضاش بكده. أنت تقدر تسامح ولك الأجر عند ربنا. ربنا يجعلك من العافين عن الناس يا جدي. متحاولش تضغط عليا أكتر من كده. -هما عايشين فين؟ -أنا آسفة مش هقدر أقول أكتر من كده. ولو عايز تطلقني من عمران يبقى القرار يرجع لك، بس أنا مش هخليك تظلم حد على حسب حد. رد بغضب واضح في نبرته: -وهو لما أبوك يموت مقتول دي مش حرام؟ ردت بذات النبرة قائلة:
-ربنا اسمه العدل وهو هياخد حقه. إزاي إنت عايز تحاسب حد تاني؟ ربنا نفسه هيجيب القاتل والمقتول ويحاسبهم، يبقى إنت هتجيب ولاد أخ وهتحاسبهم على ذنب هما مش عارفين عنه حاجة ليه؟ وقفت عن حافة الفراش وقالت بحزن: -أنا عملت اللي عليا. عرفتك. القرار دلوقتي في إيدك وأي حاجة تقولها أنا راضية بيها. تصبح على خير.
كان يفكر في حديث حفيدته، حائر بين تمرير الأمر مرور الكرام وبين أن يفسخ خطبتها من "عمران" كعقاب قاسٍ لهما سوياً. مر الليل عليها وهو يفكر. غلبه النعاس وهو يجلس على المقعد الخشبي. استيقظ على صوت "جميلة" وهي تقول بحنو: -جوم يا حبيبي نام في فرشتك. -وه أنا نعست أهني كيف؟ -جوم تعال. دثرته في سريره جيداً ثم مسحت بيدها على رأسه وقالت بحنو: -نام يا حبيبي وارتاح. -جميلة. هي جنه مجالتش مين هما اللي قتلوا أبوها؟ ردت كاذبة:
-لأ مجالتش. ولا أنا سألتها عشان عارفة ما هتجولش حاجة. -عجبتك عنادها دي؟ -هي معاها حق. كيف تاخد تارك من ناس ما عملتش حاجة واصل. يا جدي، إنت قاضي عادل وبتحكم بين الناس بالعدل، كيف تحكم في قضيتك بالظلم؟ -فين الظلم دي؟ -هو إنت لما تجتل نفس بغير حق يبجى ظلم ولا لأ؟ مشي جوازتها يا جدي وخليها تفرح بعريسها. بكفاية كده. ختمت حديثها بآية قرآنية قائلة: {إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب}. ربنا يعجلنا وإياك من الصابرين يا جدي.
بدأ يفكر من جديد في حديث "جميلة" حتى وصل إلى قراره النهائي. أرسل إلى "عمران" ليخبرهم بأنه وافق أخيراً أن يتمم الزيجة ولكن على العروس تقضي شهر رمضان المبارك معه، وبعد ذلك يقيم الأفراح لمدة سبعة أيام كاملة. رفض "عمران" ووافق الجد. كان بداخله غيظ شديد من جده ومن انصياعه لكل طلبات رفيق الدرب. -إيه يا جدي؟ مش قلنا هنتجوز قبل رمضان؟ إيه اللي غير رأيك كده واحنا هناك؟
-جدها راسه كيف البُلغة القديمة. مش راضي. وبعدين هتعمل بيها إيه في رمضان؟ هعالجها كيف الفانوس يا جدي في الشقة؟ يعني إنت جوزت أحفادك كلهم وجاي عليّ وتجول اشمعنى رايدها يا جدي تنور داري في رمضان؟ وبعدين لسه بدري جوي على رمضان، لسه فاضل ييجي ست شهور.
-الأيام بتفوت جوام. اتلم بقى وادعي ربنا ترضى بيك. أصلاً البت راسها كيف الحجر الصوان، مش موافقة. وجدها بيقول عليك قليل ترباية. لاه، أنا مش قليل الذوق عشان أخليهم يجولوا عليّ كده. أنا هثبت لهم إني فعلاً قليل التربية وهروح أجيبها من شعرها. روح بس اطلب من ربك إنها تبص في وشك. حكم إنت وش فجر زي اللي جابك. فجر. يعني هي أول مرة.
وبعد مرور عشرة أيام كاملة وافق الجد "نعمان" على الزواج قبل شهر رمضان. عمت الفرحة المكان عدا قلب "جميلة" وجدها. هي حزنت على عشقها الذي لم يكتب له الخروج للنور. وهو لتنازله على مضض عن حقه بالثأر في موت ولده. اليوم ليلة الزفاف. اجتمعت العائلتين في قاعة الحفل في انتظار. فتح باب القاعة لتطل العروس وهي تتوسط جديها بفستانها الأبيض، وعلى الجهة المقابلة عريسها بحلته السوداء الأنيقة والابتسامة تزين ثغره.
سار بخطواته الهادئة والواثقة، صافح جديها ووقف يستمع لوصايا جدها "نعمان" وهو يقول بجدية: -أوعاك تزعلها لو مستغني عن عمرك. زعلها. رد باسماً وهو يتناول يدها برقة: -طب وصيها عليّ، أنا غلبان مبعملش حاجة واصل. رد ساخراً: -مين دي اللي غلبان؟ إنت يا واد الهوارية! كنك نسيت عنادك وياي عشان تخطفها مني يا حرامي. ابتسمت وهي تربت كتفه وقالت بسعادة: -حبيبي يا جدو، ربنا يخليك ليا. مرمطة كمان، خلي يحس بقيمتي. رد بغيظ:
-ماهو أنا ممكن أحس كيف البني آدمين، مش لازم أتهزأ عشان أحس. جدامي يا آخرة صبري. وإنت يا جدي اجعد جنب جدي وأنا هبعت لك لمون دلوقتي. سحبها وسط القاعة وتراقص معها بعد توسلات كثيرة منها إليه. وضعت رأسها محل قلبه تستمع لخفقاته، وابتسامتها كادت أن تصل لأذنيها. أما هو كان مغمض العينين في عالم آخر تمنى أن يبقى كلاهما فيه بعيداً عن أعين الحاقدين والحاسدين.
خرج من حضنها ليديرها حول نفسها وهو يتمتم بخفوت كلمات الأغنية التي اختارها معاً ليتراقص عليها. سعادة لا توصف كانت تسود قلبيهما. (اسمح لي من الراقصة الأولى، اسمحي لي من الراقصة الأولى، وصلك إحساسي فيكي، تسلملي ما أحلاكي، التوب الأبيض شو محلاكي، رح أكمل حياتي معاكي، واقضي عمري أغني فيكي، رح تصيري أم ولادي، تسلملي ما أحلاكي، التوب الأبيض شو محلاكي)
وقف الجميع يصفقون لهما على رقصتهما تلك، خطفت القلوب قبل الأنظار. كانت تصفق لها بيدها وتربت على قلبها بدموعها، التي أبت أن تبقى أكثر من ذلك. تركت دموعها تنسدل عليها تشفي جرحها أو تريح همها. عاد إلى مكانهما المخصص لهما ينظران لبعضهما البعض في سعادة حقيقية. تمتم من بين شفتيه بخفوت وهو يقبل ظهر يدها برقة بالغة: -هتفضلي حبيبتي وهفضل حبيبك. -بحبك.
هذا هو حال الحياة، يولد الحزن والألم من رحم العشق وينال كل عاشق جزاء عشقه. لذلك يجب عليك أولاً أن تلغي عقلك ويبقى قلبك هو القائد في معركة لا يفقه عنها شيئاً. ولكن تذكر دائماً إن كنت تريد العشق، لا تحزن حين تحتضن نيرانه بين يدك، فالعشق نيران. لا تخمد.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!