ابتسمت وقالت بسخرية: -غريبة مع إنك دكتور. تابعت بتذكر متسائلة بفضول: -صحيح إنت دكتور إيه؟ توقف المصعد فجأة وانفتح الباب لتظهر "جميلة" وصديقتها. تسمرت مكانها ما إن وجدته يعانق أنامله بأناملها ليبث فيها الأمان ما دامت بجانبه. يشعر برجفة يدها. ولجت صديقة "جميلة" وهي تجرها جرًا لتلج المصعد. ابتسمت ثم قالت بابتسامتها المعهودة: -إزيك يا دكتور عمران، ألف سلامة عليك. -الله يسلمك يا دكتورة وفاء.
-أحب أعرفك على مرتي، جنة، بت عمتي ومرتي. -أهلاً وسهلاً. قالتها "جنة" وهي تحاول أن تخرج نبرة عادية، بينما كانت "جميلة" تتابع حديثهما في صمت تام. حتى ختم حديثه وهو يشدد على كلماته لتصلها مغزاها جيدًا: -جنة بت عم الدكتورة جميلة، هي صعيدية زينا برضك، بس طول عمرها عايشة في مصر. كنت في زيارة مع جدي ليها العيد الصغير وعجبتني، اتعرفنا على بعض واتجوزنا والحمد لله مبسوطين مع بعضنا. ردت "وفاء" بخبرة سيدة
تعرف ببواطن الأمور وقالت: -ربنا يسعدكم وعقبال ما نفرح بعيالكم عن قريب. ابتسمت "جنة" وقالت بخفوت: -متشكرة لذوقك. -عسل مراتك دي يا عمران. -وتحبيها أكتر لما تقعدي وياها؟ قعدتها ما تتشبعيش منها واصل، هي أصلاً كيف البسكوت كده رقيقة مش كيف القطط الصعرانة. توقف المصعد أخيرًا وخرج "عمران وجنة" وقال وهو يلوح بيده: -سلام عليكم، كان نفسي أقعد معاكم بس جنة تعبت وياي وطول الليل سهرانة، خلينا نشوفك يا دكتورة وفاء.
-بإذن الله يا دكتور عمران، وألف سلامة عليك. ثم انتقلت ببصرها لزوجته وقالت بابتسامتها العريضة: -فرصة سعيدة إني اتعرفت عليكي يا جنة. -أنا أسعد، تسلمي. خرجا سويا وهو ما زال يضغط على يدها بينما كانت "جميلة" تستشيط غضبًا من حركاته تلك. وضعت "وفاء" يدها في جيب معطفها الأبيض وقالت بعدم فهم: -طب والله العظيم البت كيف الجمر على رأي عمران. -أنتي بتغيظيني يا وفاء؟ تحبي أقتلها عشان ترتاحي؟ -وهو أنا اللي هرتاح يا جميلة؟
وبعدين يابت الناس البت باين عليها غلبانة ومجبش سيرة وإلا كان طربق الدنيا فوق دماغك. -أنا حذرتها وهنشوف هتنفذ ولا لأ. -وافرض مخافتش من تهديدك ده؟ -يبقى تقول على نفسها يا رحمن يا رحيم. -والله اتأدبتي في عقلك، أنا همشي عندي شغل كتير ومش فاضية لقلع الحريم دي. في سيارة "عمران" كان يجلس جوارها يستمع لها باهتمام وهي تحاول معرفة ما حدث بالداخل. ابتسم وقال للسائق:
-اطلع يا مرعي على الدوار توصل ستك جنة، وبعدها هتطلع بينا على المندارة نشوف جدي عاوزني ليه؟ ردت معارضة بجدية: -إنت بتهزر صح؟ ماهو مش معقول هتروح المندارة وإنت لسه خارج من المستشفى. -بس جدي أكد عليّ إني أحضر. هروح خمس دقايق وهرجع. أنا أصلاً تعبان. -يبقى تروح البيت واللي هو عاوزه فيك يكون هناك. -جنة اسمعي الكلام ومتتعبيش قلبي وياكي. -كده براحتك، هي صحتي ولا صحتك؟ -زعلتي ولا إيه؟ رفعت كتفها وقالت بجدية مصطنعة:
-وأزعل ليه وعلى مين أصلًا؟ في مدينة القاهرة، وتحديدًا في فيلا "حذيفة" خرج من غرفته. وجدها تهبط سلالم الدرج بخطوات هادئة. سألها بنبرته الهادئة: -كنتي فين؟ أجابته بذات النبرة: -مافيش، كنت بشوف بابا بس الظاهر إنه لسه نايم. أم إبراهيم قالت لي إنه رفض يفطر وطلب يرتاح. سار جنبًا إلى جنب حتى وصلا إلى مائدة الطعام الموضوعة وسط الحديقة. جلس هو على رأس المائدة وجلست هي جواره. بدأت الخادمة في وضع أنواع الطعام المختلفة لهما.
سألته بتذكر: -صحيح عمي عامل إيه دلوقتي؟ كان يلوك لقيماته بهدوء وراح يقول بحزن: -الحمد لله على كل حال. سألته بنبرة متعاطفة: -لسه مافيش تحسن؟ ترك الملعقة من يده وقال بحزن: -للأسف مافيش. الدكتور قال البيت أفضل كتير من المستشفى، وده معناه إنه خلاص. ما إن لمحته يأتي تجاهها، نزلت أسفل الطاولة تختبئ بها. سألها بنبرة متعجبة قائلاً: -أنتي بتعملي إيه تحت الترابيزة؟ اطلعي يا بدور.
صباح الخير يا شريف حذيفة باشا، أنا جعان، اقعد ناكل وبعدين نكمل كلامنا عن محاضرة الالتزام بالمواعيد بتاعت كل يوم. أردف "خورشيد" عبارته بسرعة وهو يجلس على أحد المقاعد. وقبل أن يجلس صرخ بصوته كله وهو يردد بفزع: -بسم الله الرحمن الرحيم، أنتي إنس ولا جن ولا حكايتك إيه بالظبط؟ نفضت يدها عن الثرى وقالت باعتذار: -لأ، أنا بدور، أنا آسفة مش قصدي. ابتسم "حذيفة" وقال بجدية:
-ماهو لو حضرتك بتعبرنا حتى بالتليفون كنت عرفت إن عمي وبنته وصلوا بقالهم يومين، بس للأسف حضرتك ملكش في المواعيد المظبوطة. -خلاص بقى يا حذيفة، هو إنت كل ما تشوفني هتقول الكلمتين دول؟ تابع حديثه قائلاً: -خلينا نتعرف على القمر، أنتي قلتي اسمك إيه؟ ابتسمت وقالت بعفويتها: -بدور، إنت بتنسى ولا إيه؟ -أنتي مين بقى يا بدور؟ -بنت عمك. -عمي مين؟ -عمي ناجي، قصدي خورشيد. -إيه دا! هو أنا ليا عم وكمان اسمه ناجي ولا خورشيد؟
الله بقى، متلخبطنيش! -أيوا، بس مقلتليش هو أنتي مين؟ ياعم ركز معايا، أنا بنت عمك خورشيد واسمي بدور، فهمت. ابتسم وقال بمشاكسة وكأنه يعرفها منذ زمن: -متزعلش يابدور، بس أصل البيت دا عمره ما دخله ست. وفجأة كدا يجي واحدة زي القمر زيك، لبسة أسود في أسود، زي ما يكون راحة عزاء. وتقل لي أنا بنت عمك، يبقى ليا حق أستغرب. بس حقيقي يعني، هو تقربي لي إيه يعني بالظبط عشان آخد بالي؟ ردت بجدية وهي تقف عن مقعدها قائلة:
-طب أنا هطلع أشوف بابا لحد ما إنت تعرف أنا مين. وقف "حذيفة" وهو يحدج أخيه وقال باعتذار: -معلش يا بدور، هو خورشيد كدا طول عمره بيهزر، بس هزاره تقيل شوية. -متزعليش، والله بهزر معاكي، خلاص مش هزر تاني. -لأ مش زعلانة والله، أنا فعلاً هاشوف بابا، أهو على الأقل يتعرف عليك. تابعت بجدية مصطنعة: -قلت لي اسمك إيه؟ رد "خورشيد" وهو يوجه حديثه لأخيه قائلاً: -شفت! أهي اللي بتهزر عشان ماتقلش عليا رخم.
تركته وصعدت إلى غرفة والدها، طرقت ثلاث طرقات ثم ولجت. وجدته في سبات عميق. اتجهت نحو النافذة المطلة على حديقة الفيلا، ثم استدارت بجسدها كله تجاهه وقالت بجدية مصطنعة: -خورشيد قوم يلا عشان عاوزك في موضوع مهم. وقفت مقابلته تتأمله قبل أن تجلس على حافة الفراش تتابع حديثها قائلة باعتذار:
-عارفة إني كنت قاسية عليك، أنا آسفة، بس والله غصب عني. أرف إن قلبك كبير وهتسامحني. قوم يلا، كفاية قعدة لحد كدا هنا، ولا إنت عجبتك العيشة الفخامة دي؟ لم يجيب على أي سؤال سألته له، بل كان الصمت هو لغته الوحيدة. وضعت يدها على كفيه، وجدتهما لوحين من الثلج لم تصلهم الدماء منذ ست ساعات على الأقل. قامت بتدليك كفيها على أمل أنه يعود لها من جديد.
دموعها اتخذت وجنتها كمجرى لتنسدل عليهما. قبلات عديدة نثرتها على كفيه ووجهها وهي تتوسل إليه أن يتحدث معها. دوت صرخاتها الغرفة بل المكان بأكمله، وفي خلال ثوانٍ، كان "حذيفة وخورشيد" فوق رأسه. قام بفتح جفنيه ليجدوا حدقتي عينيه واقفتين. أتت الممرضة وخلفها الطبيب المعالج لوالدهما ليعرف إن كانت حالة وفاة أم هبوط. وبعد مرور دقائق، أعلن عن خبر وفاته المنية.
سقطت أرضًا وسقط كل شيء من حولها. حاول إفاقتها "حذيفة" لكنه فشل. هدر بصوته وأمر الطبيب أن يأتي خلفه ليفحصها. خرج الجميع من الغرفة وبقي شقيقه، الذي كانت أمنية حياته أن يراه قبل موته، فمات هو. سقطت رأسه على يد أخيه، يقبلها للمرة الأخيرة قبل رحيله. بكاء مرير، حزن، ودهشة أصابت جميع من في المنزل. رفع والد "حذيفة" وجهه ليكفكف دموعه، ثم نظر لأخيه وقال لابنه "خورشيد":
-عاوز مصر كلها تشاركني حزني على أخويا. نزل نعي في كل الجرايد، عاوز الدنيا كلها تعرف إن أخويا الوحيد راح وسابني. مسد "خورشيد" على ظهره بحنو وقال: -حاضر يا بابا، تعال ارتاح لحد ما الدكتور والممرضين يشوفوا شغلهم. ابتلع والد "خورشيد" مرارة حلقه وقال: -عاوز أخدم أخويا الخدمة الأخيرة. سقطت دمعة حانية من عينه وقال بصوت متحشرج ونبرة تملؤها الحزن: -عاوز أقف على غسل أخويا، وقل حذيفة يجي هو كمان. -حاضر.
خرج "خورشيد" من الحجرة باحثًا عن أخيه ليخبره ما يريده والدهما. وجده يستند برأسه على أحد الجدران. تنحنح وقال بهدوء: -بابا عاوزك تقف على الغسل. رد "حذيفة" بدهشة وذهول شديدان: -دا مكنش في أي حاجة، إزاي هو اللي يموت؟ دا أنا فكرت الصرخة دي على أبوك مش أبوها!! تنهد بعمق وقال بخفوت: -استغفر الله العظيم. إنا لله وإنا إليه راجعون. ربت على كتف أخيه وقال بحزن: -أيوا كدا، لازم تكون قوي عشان تقدر تقوي بابا. ختم حديثه وهو
ينظر على باب الحجرة وقال: -ربنا يقويها، صدمتها كبيرة، الله يكون في عونها بصراحة. خرج الطبيب بعد أن أعطاها مهدئًا جعلها لا تشعر بشيء، ولا بالوقت نفسه الذي يمر عليهم بصعوبة بالغة. كانت الممرضة جالسة على المقعد تراقب حالتها، كلما استيقظت تسأل عن أبيها فلم تجده، تدوي الغرفة بصرخاتها حتى يأتي الطبيب بإبرة الدواء وتغيب عن العالم بعدها لساعات طويلة.
مر النهار عليهم ودفن الجثمان في مثواه الأخير، وبقي ثلاثتهم بعد واجب العزاء الذي كان طويلاً ومليئاً بكبار رجال الأعمال والشخصيات العامة ذو المكانة المرموقة. كان الصمت يسود المكان، حتى كسر هذا الصمت سؤال "خورشيد": -شد حيلك يا بابا. -حيلي هو فين حيلي؟ دا الراجل جاي يزورني، يدخل البيت يخرج منه على ضهره. -بابا متعملش في نفسك كدا، دي أعمار والأعمار بيد الله. -ونعم بالله. -هي بدور هتعمل إيه دلوقتي؟ رد "حذيفة" بعدم فهم:
-تعمل إيه في إيه؟ رد "خورشيد" موضحاً: -أقصد هتعيش معانا ولا. قاطعه "حذيفة" بجدية: -وهو حضرتك شايف إن دا وقته؟ ومع ذلك أيوه طبعاً هتعيش معانا، إنت شايف ليها مكان تاني غير هنا؟ تنهد "خورشيد" بنفاذ صبر وقال: -يا ابني افهم قصدي، إزاي هترضى تعيش هنا وباباها مش موجود. فرغ فاه ليرد على حماقة أخيه، لكن والده منعه قائلاً بحدة: -كفاية بقى لحد كدا واخرس إنت وهو بقى، أنا تعبان ومش عاوز كتر كلام.
ختم حديثه وهو يشدد على كل كلمة قائلاً بنبرة لا تقبل النقاش: -البنت اللي فوق دي بنت عمكم الله يرحمه، هتعيش هنا معايا في بيتي لحد آخر يوم في عمري، واللي مش عاجبه يوريني عرض كتافه من هنا. -بابا حضرتك. -خلاص يا خورشيد، أنا تعبان ومش متحمل كلام حذيفة. -نعم يا بابا. -خدني أوضتي عاوز أرتاح. وفي منزل "عمران" بالصعيد. ولجت "جنة" وجدت جدتها ووالدة عمران وشقيقته في بهو المنزل، فتحت الجدة ذراعيها وقالت بترحاب:
-حبيبة قلبي چت ونورت الدنيا من چديد. احتضنتها "جنة" ثم طبعت قبلة على يدها وقالت: -إزيك يا تيتا. -دلوه بجيت زينه. تابعت بلهفة: -عمران فين؟ ردت بغيظ: -راح المندرة يشوف جدي. -كده من الدار للنار، كده، طب كان يرتاح هبابة وبعدها يروح. ردت وكأنها وضعت يدها على المعضلة التي نشبت بينهما في السيارة وقالت: -والله قلت له كدا يا تيتا. ثم قامت بتقليده وهي تحرك كتفيها باغتياظ: -متتعبيش جلبي وياكي يا چنه، جلت هشوفه وراچع.
قهقه الجميع على حركاته ومحاولة تقليده، بينما ردت والدته من بين ضحكاتها وقالت: -متتعبيش جلبك، عمران طول ما في حاجة في دماغه ينفذها، لو معملهاش لا هيعرف ياكل ولا يرب ولا حتى ينام. -هو حر، دي صحته وهو المسؤول عنها. ردت شقيقته مازحة: -سيبك منه وجولي لي خدتي هديتك منه ولا لسه؟ مشتاجة أعرف. سألتها بعدم فهم: -هدية إيه؟ مش فاهمة. أجابتها "نرجس" بهدوء ممزوج بحماسة شديدة:
-عندنا في العيلة لما العريس يتجوز لازمنا يجيب لمرته هدية زينة وغالية، وهل يكون ضحك عليكي ومجبش حاجة. -لا، چبت يا مساعدة إبليس، هو أنا أقدر برضك ما أجيبش الهدية؟ ولج "عمران" بعد أن استمع إلى حديثها، صافح الجميع ثم جلس جوار زوجته بعد أن رفضت مصافحته وقال بمشاكسة: -برضه مش هتجعديني چارك. ردت بعدم اكتراث: -ما إنت قعدت أهو. نظر لجدته التي ربتت على فخذه وقالت بحنو: -كيف يا ولدي. -زين والحمد لله يا ستي. -دايمًا يا ولدي.
-حمد الله على سلامتك يا عمران. -الله يسلمك يا أمي. -جومي يابتي مع جوزك ساعدي يغير خلجاته ويسبح على ما أبعت لكم الوكل فوج. -هي مين دي اللي تغير لمين؟ هو بيبي؟ -لا، واخد رصاصة في دراعي عشانك. -ما حدش قال لك تتدافع عني. ردت "نرجس" مقاطعة بمرح لتخفيف التوتر بينهما: -يابتي رصاص إيه اللي جوزك يتعب منه بس؟ دي لما ميلاقيش حاجة ياكلها يجل لي هاتي رصاصتين أجروشهم.
نجحت "نرجس" في رسم الابتسامة على وجهها، طال الحديث بينهن في مزاح وجدية إذا لازم الأمر. كان "عمران" يتحدث إليها بصوت بالكاد أن يكون مسموعاً يطلب منها أن تصعد معه، لكنها ردت بصوت مرتفع ليسمعها الجميع وهي ترفض مبررة رفضها: -لا مش هطلع معاك، أنا حبيت القعدة مع نرجس دمها خفيف وعاوزة أقعد معاها. تنحنح بحرج من صوتها العالي وقال بصوت هادئ ونبرة تغلفها الحزن من ردة فعلها: -طب براحتك. هطلع أني عشان أسبح وأرتاح. ردت بلامبالاة:
-طب ماشي. صعد "عمران" إلى حجرته وأوصد الباب خلفه بهدوء كإنسحابه من جلستهن. بدأ ينزع عنه الحزام الذي يحمل عليه ساعده. وقبل أن ينتهي وجدها توصد خلفها الباب. التفت نحوها ثم عاد ببصره لينهي ما بدأه، وراح يقول بجدية دون أن يرفع بصره عن ساعده: -لما نكون قدام الناس اتعاملي معايا زين. -بص بقى أنا لا هتعامل معاك ولا هتتعامل معايا. أنا عاوزة أطلق وأرجع بيت جدي، ويادار ما دخلت جنة بنت السيوفي.
أردفت "جنه" عبارتها وهي تضرب بكلامه عرض الحائط، قررت أن تسيطر هي بدلاً منه. تخرج وجهها الغاضب عندما لم ينفذ لها أي أمر. فجأها هو بنبرته الحادة وقال: -بصي أنتي بقى، أنتي لو فاكرة إني هاخلع كده كتير تبقي بتحلمي. أنا واحد يوم ما يتحدد بالراحة هيخلي وشك ده كيف ألوان الطيف. طلاق مافيش، وجنانك ده طلعي على أي حد تاني غيري. ودلوقتي روحي هاتي غيار عاوز أغير خلجاتي. ردت بعدم اكتراث: -روح هات لنفسك، مبجبش لحد حاجة.
-ماشي يا جنة، هاعديها المرة دي. لكن المرة الجاية لو ملجتش خلجاتي موجودة في الحمام، جيبي أنتِ حرة. ابتسمت بطرف فمها وهي تتبختر في مشيتها. جلست على حافة السرير وقال بلامبالاة: -ماشي ماشي. ولج المرحاض وهو يحرك رأسه بعدم رضا لمعاملتها التي تبدلت في لحظة. أما هي، قامت بفتح هاتفها لتجد رسالة نصية تخبرها بأن صديقتها "بدو" حاولت الاتصال بها أكثر من مرة.
ابتسمت لرؤية هذه الرسالة. تراقصت أناملها على لوحة المفاتيح وكأنها راقصة باليه محترفة. ثم رفعته على أذنها لسرعان ما أنزلته والاحباط يعتري ملامح وجهها البشوش عندما وجدته خارج نطاق التغطية. قامت بكتابة رسالة لترسلها عبر موقع التواصل الاجتماعي (الواتساب) (بت يا بيبو وحشتيني، افتحي بقى عاوزة أكلمك على اللي حصل لي الفترة اللي فاتت) كادت تغلق الهاتف لكنها كتبت رسالة أخرى:
(صحيح أنا كلمتك من تليفون سليم ده ابن عمي، واد جدع قوي يابت يا بدو، من يوم مادخلت عندهم وهو واقف معايا وهبقى أحكيلك على عمران برضه لما تفتحي) أغلقت الهاتف ما إن وجدته يخرج من المرحاض. أما هي كانت ترتب سريرها، ولم تعره أي اهتمام. وقف مقابلتها وقال بجدية مصطنعة: -على فكرة واحد كان سفحك جلم. رفعت بصرها لتتحدث لكنها صمتت ما إن رأت قلادة من الذهب الخالص تحمل اسمها. وضعت يدها على ثغرها من هول المفاجأة وتناولتها باليد
الأخرى وقالت بسعادة غامرة: -الله يا عمران دي جميلة قوي، تسلم إيدك. تتتحنحت ثم وضعتها بين راحتيه وقالت بجدية مصطنعة: -شكراً، مش عاوزة حاجة. نظر لها بشك وقال: -مش عاوزة حاجة يبقى لسه زعلانة مني صح؟ أومأت برأسها علامة الإيجاب دون أن تتحدث بكلمة واحدة: -زعلانة ليه؟ -عشان طلبت منك تنزل وإنت مرضتش وكسفتني. -ما هو مكنش ينفع أجل لك، رايح أجيب لك هديتك صح؟ ردت بإبتسامتها المعهودة وقالت: -صح. تابعت بغضب طفولي:
-بس برضه مكنش ينفع تكسفني، ده أنا أول مرة أطلب منك طلب. رد ضاحكاً: -خلاص تنزل المرة دي وبعدها لا يمكن أبداً. لفي خليني ألبسك هديتك. تحامل على نفسه وهو يرفع يده ليزين عنقها بقلادته الذهبية. استدارت بجسدها نصف جلسة، وضعت يدها على اسمها الذي يلمع فوق عظمة الترقوة، وقالت بامتنان: -حلوة قوي، تسلم إيدك. -تلبسي وتتهني بيها يارب. اعتدلت في جلستها ثم قالت بخجل: -أنا آسفة على اللي حصل تحت بس.
-ششش خلاص، انسي اللي حصل، أنا كمان هنسى. ساد الصمت بينهم لبرهة ثم سألته بفضول: -عمران هو إنت كده طيب ولا إيه حكايتك؟ ابتسم بطرف فمه وقال بنبرة صادقة: -ماعرفش اللي أنا فيه ده طيبة قلب ولا جنان زي ما جدي دايماً بيقول. لكن اللي متأكد منه هو إني بعمل اللي يريحني وبس. سميها زي ما تحبي، لكن هي دي راحتي. نهضت عن حافة الفراش وقالت بجدية: -طب تصبحي على خير، أنا تعبانة وعاوزة أنام. -راحة فين كده؟
-هنام على الكرسي مكانك، ماهو مش معقول تنام عليه بحالتك دي. -ولا أنتي كمان ينفع تنامي عليه. -مش مهم، كلها سواد الليل. -جلّي، لا يعني لا. ختم حديثه وهو يشير على الطرف الآخر من الفراش وقال: -تعالي هنا وانامي. ردت بتلعثم: -ها؟ لأ، أصل أصل. وقف عن حافة الفراش وسار نحوها. وقف مقابلتها وقال باسماً: -مالك فيكي إيه؟ خايفة مني ولا إيه؟ -الموضوع مش كده بس بس. -اطلعي وأنتي بتتحدتي وياي. رفعت بصرها وقالت بخجل: -نعم. سألها بهدوء:
-احنا متجوزين ولأه؟ أومأت برأسها علامة الإيجاب، لكنه رفع ذقنها بأنامله وقال بصوته الهادئ: -لا، عاوز أسمعها. دهشة، ذهول، وحيرة، كل هذه المشاعر اجتاحتها في آن واحد. كرر سؤاله حتى ينتشلها من بئر أفكارها. تنحنت وقالت: -أيوا متجوزين. -زين، وهو في بقى اتنين متجوزين يناموا بعيد عن بعضهم كده؟ عمران عاوز إيه بالظبط؟
القت "جنه" توترها وخوفها منه وسألته سؤالاً تمنت أن تطرحه في وقت لاحق وليس الآن. هو نفسه يشعر بالتشتت، لا يعرف ماذا يريد على وجه الدقة. أجابها بهدوء البساطة: -رايدك يا جنه، رايد نكملوا حياتنا سوا. خدي وقتك عشان تفكري في الموضوع، ولما تكوني جاهزة قولي كل طلباتك وأنا تحت أمرك.
تركها بعد ما ألقى ما في جعبته دفعة واحدة. أما هي ظلت تحدق في الفراغ الذي تركه حتى وصل إلى سريره. جلست هي على المقعد تفكر في عرضه الجديد والغريب في ذات الوقت. غلبها النعاس حتى صباح اليوم التالي. سقطت رأسها إثر نومتها الخطأ. اعتدلت وهي تتأواه على إثر تشنجات فقراتها العنقيه. نظرت له وجدته في سبات عميق. وقفت عن مقعدها متجهة نحوه. كانت تشعر بالحيرة، كيف ومتى وأين تغيرت مشاعره تجاهها. استيقظ وهو يقول بمشاكسة:
-ياترى عرفتي تنام عندك ولا كانت نومة متعبه؟ ردت بتلعثم: -ها اه اه كانت متعبه قوي. رفع كفه ببراءة وقال: -عشان تعرفي إني مظلوم وياكي أنتي تنامي براحتك على السرير وأني على الكرسي. وقبل أن ترد عليه قاطعتهم صوت الخادمة وهي تخبرهم بأن الجد يريدهما في ديوان العائلة الصغير على وجه السرعة. بعد مرور عشر دقائق، كانت "جنه" جالسة في ديوان العائلة تستمع إلى جدها "نعمان" وهو يقول بجدية:
-أنا جيت النهارده يا جنه عشان نحل الموضوع ده ودي زي ما قلتي. -موضوع إيه يا جدي؟ رد ماكراً: -طلاقك من عمران سَبَق وسألتك أنتي رايدة تكملي قلتي هتعملي إيه معاه يا جدي واديني جيت أهو وعاوز أسمع رأيك. بلعت لعابها وقالت بتوجس: -في الحقيقة أنا... رد "سليم" بجدية يحثها على الفضول قائلاً: -أنتي إيه قولي متخافيش. -أنا عاوزاه يطلق يا عمران وعاوزة أعيش مع جدي نعمان. ضرب الجد "نعمان" بعصاه وهو ينظر لحفيده بانتصار، ثم عاد ببصره
إلى عمران وقال بسخرية: -ها دكتور تحب تسمعها كمان مرة ولا بكفاية لحد كده وزي ما دخلت بالمعروف تخرج!! ضم قبضت يده حتى انقطع الدم عن أنامله وهو يقول من بين أسنانه: -اخرجي يا جنه دلوقتي رايد أتحدت مع جدك وحدنا. ردت بهدوء قائلة: -حاضر. خرجت "جنه" وما إن خرجت رفع سبابته وقال بتحذير واضح: -بلاش تلعب بالنار يا حاج نعمان إنت كده بتنفخ في النار. -إنت يا ولد إنت هتعرفني إني بعمل ومعملش إيه.
-أني بحذرك لآخر مرة ارجع عن اللي في دماغك دي أحسن لك بلاش تضغط عليها. -فين الضغط دي ما كله على عينك يا تاجر أهو. أنهى حديثه قائلاً بخبث: -بقول لك إيه ما تيجي دغري وتجول الحاج وإنك متجوزتهاش واني أجوزها لك صح. -اللي عندي خلص يا حاج ومن زمان كمان. أومأ برأسه علامة الإيجاب وقال بسخرية:
-ماشي يا دكتور عمران خلينا إن فعلاً اتجوزتها وإن دخالتك عليها كانت من أسبوع فات البنت مطيقاش العيشة معاك لما جيت لي جالت لي الحقني يا جدي هيضربوني كل شوية في عريس بيضرب مرته بعد جوازها بسبوع إلا إذا... وقف عن مقعده وقال بحدة وغضب: -تقصد إيه بكلامك ده؟ بهدوء حد الاستفزاز وقال: -شوف إنت بقى أقصد. ختم حديثه قائلاً: -لما إنت مش قد الجواز بتمرمط بنات الناس معاك ليه يا دكتور.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!