الفصل 5 | من 21 فصل

رواية لتحيا نيران العشق الفصل الخامس 5 - بقلم هدى زايد

المشاهدات
21
كلمة
4,342
وقت القراءة
22 د
التقدم في الرواية 24%
حجم الخط: 18

ردت بحزن نظرًا لجفاء معاملة ابنة عمها: -جميلة كل ما تشوف وشي تتخانق معايا وبتتهمني إني... حثها على متابعة حديثها قائلاً بهدوء: -جولي طلعي اللي في جلبك يا چنه، متخافيش مني. -اتهتمني إني سرقتك منها، وإن خطافة رجالة. وأنا والله العظيم يا عمران أول مرة أشوفك وأشوفها لما جيت هنا. ربت على كفها وقال بنبرة هادئة: -متزعلش نفسك، خليها تجول زي ما تحب. المهم أني وأنتي عارفين اتعرفنا على بعض كيف.

نهضت هذه المرة متجه نحو النافذة، وقفت أمامها تشاهد المارة. ربما هذا الذي تريد أن يفهمه "عمران". أما عقلها كان في مدينة القاهرة عند تلك غريبة الأطوار. كيف تشكك في صوتها، ولِمَ لم تجيب أو تحاول الإتصال بها حتى؟ كان يتحامل على نفسه كي يذهب إلى المرحاض. شعرت بحركته، التفتت له بجسدها متسائلة: -رايح فين؟ -الحمام. -تحب أساعدك؟ قالتها وهي تقترب منه، فوضع كفه على كفها وقال باعتذار:

-هتعبك معايا بس مش جادر أفتح زراير الجميص، معلش تفتحيها وأني هكمل جوا في الحمام. ترددت أناملها على صدره الذي شعر ببرودة يدها. انتهت أخيرًا من فتحه دون أن تنزعه عنه. تركها وولج بعد أن شكرها للمرة المئة بعد الألف. كان يتألم رغم مكابرته. استدارت بجسدها متجه نحو سريره ترتبه قبل خروجه. لفت انتباهها شاشة هاتفه التي تضيء برقم مجهول. هتفت عدة مرات لتخبره لكن لم يصل لها صوتها. قررت أن تتركه حتى يخرج وتتابع مهمتها البسيطة.

وبعد أن انتهت جلست تلتقط أنفاسها في ذات اللحظة التي خرج. ابتسم لها وقال بامتنان: -بترتبي لي فرشتي بيدك، ديه كتير عليّ والله. شكرًا. ردت بذات الإبتسامة: -مش كتير ولا حاجة. وبعدين هو أنا عملت إيه يعني؟ تابعت بتذكر: -صحيح تليفونك مبطلش رن من ساعة ما دخلت الحمام. واضح إن في حد عاوزك ضروري. -خابر إني الرقم ديه. سيبك منيه. جولي لي اتعشيتي؟ -أنا لأ مش عاوزة. تحب أطلب لك أكل؟ أو أنزل أجيب لك من برا؟ ابتسم وقال بتساؤل:

-برا فين؟ أشارت بيدها نحو النافذة شارحة: -هناك على أول الشارع دا في محل ممكن أجيب منه أكل لو حابب. سار بخطوات ثابتة وقال مازحًا: -لاه أني مش معايا فلوس. -أنا معايا. قول عاوز تأكل إيه وهابعت أجيب لك حالا. -معاكي فلوس كتير؟ -إنت بتتريق عليا! -حاشا لله. أني بطمن بس. -طيب اطمن ياسيدي. قول بقى عاوز إيه. -عاوزك تجعدي اهني عشان حابب اتحدت وياكي في كلمتين. جلست على السرير الآخر بدلاً من حافة الفراش الذي يريد أن تجلس عليه.

فطلب منها على استحياء: -لاه معلش عاوزك اهني. وقفت عن السرير خاصتها ثم سارت تجاه السرير المقابل وجلست بهدوء وراحت تقول بتوتر: -نعم. -هاجولك على حاجة من المفروض إنها متخصكيش بس رايد تعرفيها عشان متغلطيش جدام حد وتجوليها. قطبت ما بين حاجبيها وقالت: -حاجة إيه دي؟ -اوعديني الأول إن أي حاجة هتحصل بنا ماحدش غيرنا يعرفها حتى لو كان جدي ذات نفسه. -حاضر أوعدك. ورد مقاطعًا بإبتسامته المعهودة:

-نسيت أشكرك على إنك حفظتي السر اللي جلته يوم فرحنا. لأن لما جه وجته كنت كده. تابع بدون مقدمات: -جميلة بنت عمك مكانتش بتكدب عليكي لما جالت إنها بتحبني. أشار بيده ليمنعها من الحديث قائلاً برجاء: -أرچوكي يا چنه همليني أكمل حديدتي للآخر. -طب اتفضل. -أنا وهي وسليم كنا زملاء في الكلية عادي. أني وسليم طول عمرنا صحاب زي جدي وجدك كده. لحد اليوم اللي جرى أبوكي الله يرحمه يتجوز من عمتي اللي هي أمك الله يرحمها.

بدأ يشعر بالتعب وضع يده على كتفه وقال وهو يضغط على شفته السفلى. نهضت عن الفراش وطلبت منه أن يمدد جسده وقالت: -عمران واضح إن الكلام بيتعبك. بلاش كلام دلوقتي وارتاح. -ديه أنسب وجت نتحدد فيه لوحدنا يمكن الفرصة ديه مش هتتكرر تاني. واصل. قالها "عمران" وهي تتدثره جيدًا. ثم طلب منها أن تجلس مقابلته ليتابع حديثه قائلاً: -بحكم عاداتنا المفروض أمك تتجوز واد عمها. لكن واحد برا العيلة لاه. ديه قانون چدك وچد چدك قمان. بلل

شفتيه بلسانه وقال بوهن: -قانون ظالم بس لازم تمشي عليه كل العيلة. اتجدم أبوكي كتير بس چدي رافضه رغم إنه واد صاحب عمره. بس كان دايما يجول لو هو مقاني هيعمل زيي كده وزيادة قمان. تركته لتأتي له بكوبًا من العصير الطازج من البراد الصغير الموضوع في الغرفة. قامت بفتحه وساعدته في شرابها. منعها في بادئ الأمر لكن وافق أمام إصرارها. صمت قليلًا قبل أن يتابع حديثه قائلًا: -جرى أبوكي يجف جدام الكل ويُخطفها ويهرب بعيد بعيد جوي.

نظر لها وقال باسمًا: -عاوزة الحج؟ أومأت برأسها علامة الإيجاب. وقالت: -آه.

-أبوكي معاه حج يعمل كده. وجدي معاه حج. بس جدي لي حج يزعل. ديه بنته وكسرته وسط الناس. بس هو هيعمل إيه يعني ماهو شايف حبيبته هتروح من يده. جن جنون جدي وحلف ميت يمين ليجتلهم. وبعد ما وصلهم كنتي أنتي نورتي الدنيا. بس من غيرها جيتي وحدك. كان لازم حد منيكم يروح عشان التاني يفضل. حكمة ربك هي اللي تروح وأنتِ اللي تفضلي. مافيش بعدها فترة عرفنا إن أبوكي اتجتل. ومن يومها الصاحب مبقاش صاحب. وجدك زرع في جلب سليم إننا جتلنا ولده واحنا قمان اتفرجنا واتجمعنا في الكلية.

ردت "جنه" برجاء قائلة: -ارجوك يا عمران كفاية كدا شكلك تعبت. رد مبتسمًا: -جايه في أهم جزء. وتجولي بزيادة حديث. -طب حاول متتغطش على نفسك. تنهد بعمق قبل أن يتحدث عن أهم جزء في حياته يريد أن يسدل الستار. كفى إلى هنا.

-جميلة كانت عتحبني من زمان بس كنت بعمل نفسي مش واخد بالي. لحد ما دخلت الكلية. عرف جدي إنهم معايا في نفس الكلية. طلب مني اعمل فيها كيف ما أبوكي عمل في بنته. طبعًا هو مجابهاش كده. هو جالي جرب منها واعرف جدها واهلها كيف بيفكروا. مش هكدب عليكي أني سمعت كلامه وهي زي ما يكون كانت منتظرة إني اتحدث وياها. ولما حسيت إنها هتتعلق بيا. عرفتها اللي حصل وبعدت عنها. بس جلبها رفض يصدج وفاهمه إن بعمل كده عشان بحر الدم مايتفتحش من تاني.

نظر لها وقال بهدوء: -وهي دي كل الحكاية. ثم ختم حديثه قائلاً بإبتسامة واهنة: -يعني أنتي ولا سرقتيني منها ولا من غيرها. ابتسمت ملء شدقيها وقالت: -ربنا يريح قلبك زي ما ريحت قلبي. تابعت وهي تقف عن حافة السرير قائلة: -نام إنت دلوقتي وكفاية تعبتك معايا لحد كدا.

عادت إلى السرير المجاور جلست عليها. تنهدت بإرتياح بعد أن استمعت للحقيقة كاملة منه. كانت تظن أنها فرقت بينهما لكن حدث ما لم يكن في حسبانها. أين أنتِ يا بدور لتعرفي كل هذه الأحداث. بينما هو كان ينظر لسعادتها لبرائتها من هذا الاتهام المشين في نظرها. لاحت ابتسامة خفيفة على ثغره. ما إن تقابلت نظراتهم لبعضهم البعض. أشارت بسبابتها تجاه المصباح وقالت بتلعثم: -تحب أطفي لك النور؟ أومأ برأسه علامة النفي وقال

بخفوت قبل أن يغمض عيناه: -لاه. النور هادي مش محتاج. تصبحي على خير. -وإنت من أهله. وبعد مرور ساعتين من الانتظار حتى انتظمت أنفاسه قررت أن تأخذ قسطًا من الراحة. فتح عيناه ببطء شديد إثر الألم الذي عصف برأسه، كادت أن يفتك به. مد يده ليأخذ أحد العقاقير الطبية وبعد أن تناولها في هدوء. جلس يفكر في حياته. لا يعرف لِمَ يترك مصيره بين يدي جده. هل كان مخطأ عندما تزوج بها؟ تُرى مالذي سيحدث بعد كل هذا؟

حقًا لا يعرف. ربما سيحصل على إجابة سؤاله قريبًا..! رفع بصره تجاهها وجد خصلات شعرها الفحمي الطويل تنسدل بجانبها. تشبه والدتها كثيرًا. لاحت ابتسامة خفيفة على ثغره. قبل أن يسأل حاله إلى متى سيظل كبش الفداء. جده لن يعيره أي اهتمامًا. يريد فقط تنفيذ أوهام برأسه هو فقط. عاد بجسده مرة أخرى للخلف. ثم وضع ذراعه أمام صدره وهو يشيح بوجهه نحوها. ظل يراقبها حتى غلبه النعاس على حالته تلك.!

-كفايه من فضلك بقى كفايه لحد كدا. أنا مش عاوزة اسمع حاجة. وهمشي من هنا يعني همشي. بس همشي لوحدي مش مع حضرتك.

اردفت "بدور" عبارتها وهي تتظاهر بالجمود رغم ضعفها وحزنها الشديد. كانت تقف أمام والدها فتاه لاتعرف الرحمة. فتاه تريد أن تثأر منه قبل صديقتها. نصبت حالها القاضي والجلاد في آن واحد. خذلان وقهر يجتاح قلبها. قررت أن ترتدي قناع الصلابة ليعترف بما اقترفته يداه. بينما هو كان يحاول جاهدًا إرضائها لكنه فشل. خرج من غرفتها مطأطأ الرأس والحزن يكسو قلبه قبل وجهه. وقبل أن يغلق الباب خلفه استوقفته قائلة بحدة ممزوجة بسخرية:

-خورشيد باشا بكرا الصبح تروح تعترف للشرطة عن جريمة قتلك وتسلم نفسك. هي دي الحاجة الوحيدة اللي هتخلي جنه تغفر اللي حصل. نظر إليه بحزن وقال: -حاضر يا بدور هنفذ اللي قلتي عليه. استدارت بجسدها كي لا يرى ضعفها. لو مرت دقيقة أخرى لركضت وتوسدت صدره طالبة منه الغفران على حماقتها تلك. هوت على حافة السرير وهي تتدفن وجهها بين كفيها. خارت كل قواها في البكاء. صدح رنين هاتفها ليعلن عن وصول رسالة نصية عبر موقع التواصل الاجتماعي

(واتساب) . كفكفت دموعه بظهر يدها لتقرأ رسالته الأولى لها كاتبًا: ( آسف لو ازعجتك بس لو في سوء تفاهم بينك وبين جنه أنا ممكن احله. هي هتجنن عليكي) ردت بتلقائية شديدة كعادتها وكتبت: ( مش زعلانين ولا حاجة بس أنا عاوزة ابعد لفترة. آسفة يا دكتور لو سببت لك في إزعاج بس خفت تقلها) ارتشف رشفات سريعة من قهوته قبل أن يكتب: ( هو فعلاً كنت هتكلم معاها بس رسالتك جت في نفس اللحظة عشان كدا سكت) تشعر بالألم يعصف

في رأسها فكتبت بعتذار: ( معلش مش قادرة اتكلم أكتر من كدا وشكرًا لاهتمامك. مع السلامة) كتب لها رسالته الأخيرة التي لم تقرأ، لانشغالها في كتابة حالتها على التطبيق: ( اصعب مراحل حياتي بمر بيها، وأقرب ناس ليا بعدوا عني. بعيش مرحلة شبيها بمرحلة الأعراض الانسحابية. بدعي من كل قلبي اعدي المرحلة دي بدون خسائر. ادعولي)

بدأت الردود بين مؤيدين ومعارضين من هذه الحالة. منهم من رد بسخرية ومرح والبعض الآخر اعتبر أن حياتها مؤلمة لدرجة لم تستطع حروف اللغة العربية بوصفها. وضعت هاتفها على سطح الكومود. ثم مددت جسدها على الفراش ودموعها منسدلة على خديها. غلبها النعاس على هذا الوضع حتى مطلع الفجر. انتفضت على إثر حلم مفزع. تمتمت بكلماتٍ تذكر فيها اسم الله. كانت تتنفس بصعوبة وكأن أحدهم ضغط رئتيها ليمنع دخول وخروج الهواء.

نهضت عن الفراش متجه لحجرة أبيها. تريد الاعتذار منه وتطلب منه عدم الذهاب إلى قسم الشرطة. خرجت بهدوء وسارت بذات الهدوء للغرفة المجاورة. قامت بفتحها وجدته في سبات عميق. أوصدت الباب. هبطت الدرج متجه إلى حديقة الفيلا. جلست على الأريكة الخشبية ضامة ذراعيها أمام صدرها. ناظرة إلى القمر. ابتسمت ابتسامة حانية لتذكرها تلك الليالي التي جمعتها بينها وبين "جنه". بدأ شريط الذكريات يمر أمامها، وتحديدًا قبل خطبتها بيوم حين قالت لها:

-عروستي الحلوة خلاص هتسبني. -متقوليش كده يا بت يا عبيطة أنتي. أنا هاخدك معايا. -شفتي مين فينا اللي عبيط بقى. في حد ياخد صاحبته معاه عش الزوجية. -بس أنتي مش صاحبتي أنتي جنتي. ومافيش حاجة هتفرقنا أبدًا. لو الجواز هيفرق بنا يبقى بلاش منه. -لااااا وحياة أبوكي أنا عاوزة النحس يتفك وكل واحدة تروح بيت جوزها. ضحكاتها المكان متسائلة بدهشة: -عاوزة تتجوزي ياجنه؟ ردت بمرح وهي تلوح بيدها في الهواء قائلة:

-لا أنا عاوزة تودوني على بيت حبيبي نعيش مع بعض فيه. ردت "بدور" ضاحكة: -لا تصدقي ظلمتك. بدأت "جنه" حفلتها التي لن تنتهي لمساء اليوم التالي. قررت أن تتراقص مع صديقتها الوحيدة. اندمجت "بدور" وتعالى صوتها بإحدى الأغاني الشعبية وهي تشير إليها قائلة: -ضحكتها بتخطف القلوب. خطوتها بتعمل حروب. على إيدها اتعلمت أدوب. دوبت فيها وحبيتها. فردت "جنه" بذات النغمة:

-هو أنتي عملتي فيا إيه. حبك دا بحر غرقت فيه. معرفش جيت معاكي ليه. دي واخدة قلبي في سكتها. ولج والد بدور مبتسمًا ملء شدقيه. بينما جلست "جنه" وهي تلوح بيدها على وجهها لتأتي بنسمات هواء باردة تجفف حبات العرق التي تكونت على جبينها. جلس على المقعد وقال بجدية مصطنعة: -أنا جبت لك كل الطلبات اللي قلتي عليها يا جنة. شوفي كدا ناقص أي حاجة؟ أطلت برأسها داخل الحقائب البلاستيكية لتتأكد من كل شئ. ثم نظرت له وبيدها (خيار) وقالت:

-تمام يا كبير. كل حاجة مظبوطة بس عاوزين 5 كيلو لحمة مفرومة عشان الكفتة. رد بغيظ شديد: -بقى الجربوع دا يعرف أصلاً يعني إيه كفتة. قطمت "الخيار" وراحت تقول بابتسامة مزيفة: -إحنا هنعرفه يا خورشيد متقلقش. هات اللي عليك وسيب الباقي عليا. -مش جايب. مشي حالك يمشي. ردت "بدور" بحزن قائلة: -شايفة يا جنه اهو كده من ساعة اتخطبت دا لحد دلوقتي مقالش مبروك. قاطعتها "جنه" بجدية مصطنعة:

-لأ لأ لأ يا خورشيد بقى يا راجل متقلش لبنتك الوحيدة مبروك؟ -بت متفتحنيش عشان أنا على أخري منك أنتي وهي. تابعت بجدية: -روحي أنتي يا حبيبتي دخلي الحاجات دي جوا واعملي فنجان قهوة مظبوط من اللي بحبه منك. -حاضر. عادت ببصرها له وقالت: -في إيه بقى أنا شايفه إنك مش راضي تلين وكل شوية تزعلها وهي اشتكت لي كذا مرة. رد بجدية: -ما أنتي عارفه يا جنه الواد دا مش عارف ارتاح له. تقيل على قلبي. -ما يمكن يكون كويس ليه تظلمه؟

-أظلم مين بس دا أنا سألت عليه وطلع عليه ديون لطوب الأرض. وقلت لها هيمرمطك معاه وهي عاوزاه يابابا عاوزاه يابابا. جبتك عشان تحليها رحتي عقدتيها وقلتي نعمل خطوبة. -أنا قلت فرصة يتعرفوا على بعض. مكنتش متوقعة إن دا اللي هيحصل. ساد الصمت بينهما لبرهة. قبل أن تقول بهدوء: -بص احنا نمشي الموضوع وبعد شهر نفركش عادي وأنا هحلها من عندي متقلقش. بس مشيها ونادي عليها عشان تصالحها. -بــــــدور.

قالها "حذيفة" الذي مازال واقفًا لأكثر من خمس دقائق. عادت بذاكرتها من الماضي على صوته. كفكفت دموعها وقالت باعتذار: -أنا آسفة بس مسمعتكش. واقف بقالك كتير؟ -بقالي خمس دقايق. واضح إني جبتك من بعيد قوي. -يعني. -اتفضل واقف ليه؟ -أنا سمعت صوتك أنتي وعمي بليل والحقيقة كنت حابب اتدخل بس قلت خليني بعيد. ردت بحزن: -كان لازم المواجهة. كان لازم يعرف إنه غلطان. -بس هو مانكرش يا بدور عشان يعترف بالغلط.

-أنا مش عاوزاه يعترف ليا. أنا عاوزاه يسلم نفسه. -بتهزري صح؟ عاوزة تسلمي باباكِ بنفسك للحكومة وموضوع عدى عليه سنين. بلعت غصتها وهي تتحدث بقهرٍ واضح في صوتها: -أصل إنت متعرفش جنه بالنسبة لي إيه؟ مش هقدر اخبي عليها حاجة زي كدا. مستحيل أصلًا تسامحني. بدأت شهقاتها تعلو لتدخل في نوبة بكاء جديدة. أما هو قرر أن ينتشلها من بئر الحزن وقال بجدية مصطنعة:

-أنتي مبتزهقيش من العياط. بقلك إيه تعالي نجري سوا. أنا كنت خارج أجري لوحدي. تعالي يمكن تهدي شوية. أومأت برأسها علامة النفي وقالت باعتذار: -لأ معلش مش هقدر. روح إنت. -أنا كل يوم بخرج لوحدي. قومي يلا. -لأ مش هينفع صدقني. روح إنت. -يلا بقى متبقيش بايخة. وبين شد وجذب بينهما في الذهاب وعدم الذهاب. رضخت بالأخير "بدور" أن تمارس رياضة الركض معه حول الفيلا. كانت تتوقف بين الدقيقة والأخرى لتلتقط أنفاسها

اللاهثة وهي تتحدث برجاء: -إيه دا بجد مش قادرة. أنا مش بزعل تاني بعد كدا. دا عقاب مش رياضة. رد ضاحكًا: -طب كويس إنك عرفتي عقابك لو فكرتي تزعلي. رفعت كفيها وقالت باعتذار: -آسفين يا ريس مش هاتتكرر تاني. رد بجدية مصطنعة وهو يوجه سبابته نصب عينيها: -وأول ما ترجعي تصالحي عمي. أومات برأسها بالنفي وقالت: -مش هينفع للأسف. -لأ هينفع وهنقفل الموضوع نهائيًا. -طب وجنه؟ -مالها جنه؟ -افرض عرفت هقولها إيه وقتها.

-وقتها هنعرفها إن اللي حصل دا غصب عنه. وأكيد هي هتتفهم الأمر. -ربنا يستر. -أكيد هيستر. لأن دا اسم من أسمائه. تابع بحماس: -يلا نكمل جري. ردت معارضة: -لأ كفاية نتمشى ونرجع بقى. مش المشي رياضة برضو؟ رد باسمًا: -ماشي يلا. استوقفه صوت أنثوي مألوف له. تعرف إليه ما إن توقفت أمامه وقالت: -مش معقول البشمهندس حذيفة. -اهلا وسهلا نرمين هانم. -نورت مصر. -منورة بأهلها. -رجعت إمتى؟ -من ست شهور. -هتسافر تاني؟

-في الحقيقة لأ. بابا تعبان ومحتاجنا جنبه. -الف سلامة. تابعت حديثها بنغج وهي تعتذر من "بدور" قائلة: -متأسفة يا مدام بس أصل البشمهندس كان واحشني. مراتك دي. ردت "بدور" بسرعة: -لأ أنا مش مراته. -أنا. قاطعتها بدهشة مصطنعة: -أنا قلت كده برود. مش معقول تكوني مراته. أصل كنت خادمتك وسكت أحسن تزعلي. كادت أن تنسحب "بدور" لكنه استوقفها وهو يقبض على معصمها موجها حديثه لنرمين:

-أحب أعرفك بدور بنت عمي. هي متواضعة جدًا وبتفتكر كل الناس زيها. الصراحة. ختم حديثه وهو يشير بيده: -أحب أعرفك يا بدور دي نرمين هانم جارتنا. كانت مسافرة رحلة سريعة كده لسجن القناطر بسبب شيكات بدون رصيد. بس خرجت. -نسيت أقول لك حمد الله على السلامة. باباها بقى لسه عنده رحلة أطول شوية في السجن. ضيق حدقتيه وقال بجدية مصطنعة:

-كان مسجون مخدرات وشيكات تقريبًا مش فاكر قوي الحقيقة. يلا يخرج بالسلامة يا نرمين هانم. نستأذن إحنا عشان عندنا شركة عاوزة تتعرف على المديرة الجديدة. ركضا سويًا وبداخل كلًا منهما تساؤلات عدة لا يعرف أحدهم كيف سيطرح على الآخر. توقفت "بدور" فجأة وقالت من بين أنفاسها اللاهثة: -هو إنت ليه عملت كدا؟ -عملت إيه! -ليه قلت لي كل دا قدامها. -مبحبش حد يشوف نفسه عليا ولا على حد يخصني. وأنا عارف تاريخه كويس. ردت بفضول:

-وإيه حكاية المديرة دي؟ حك مؤخرة رأسه وقال بابتسامته المعهودة: -هو المفروض كنت عملتها مفاجأة. هي السبب أعمل إيه. بصي ياستي عمي اتنازل عن كل ورثه ليكي وحاليًا أنتي بقيتي شركتي الجديدة وهتديري كل حاجة معايا. ابتسمت ملء شدقيها سرعان ما اختفت هذه الإبتسامة وقالت: -أنا مش عاوزة منه حاجة. روح قل له إني أصلاً هنفذ كلامي وهمشي النهاردا. -طب ممكن نمشي عشان أنا النهاردا بالذات جعان قوي. وبعدين نبقى نتكلم في الموضوع دا.

عودة إلى غرفة "عمران" بالمشفى. استيقظ قبلها هذه المرة أيضًا. بدل ثيابه وبدأ في ضم حقيبته. قام بسحب سحابتها ووضعها على الأرض. جلس على حافة الفراش خمس دقائق أخرى ليلتقط أنفاسه. ولجت الممرضة بعد أن طرقت بخفة. بدأت في فحصه وإعطائه بعض العقاقير. استيقظت "جنه" إثر صوتها. تساءلت عن الساعة وهي تتثاءب: -هي الساعة كام؟ -إحنا بقينا الضهر. -ياه أنا نمت دا كله. غادرت الممرضة بعد أن قالت بتحذير:

-النهاردا هتخرج بس الجرح لازم له غذا وتنتظم على العلاج. الف سلامة عليك. -الله يسلمك. استوقفتها "جنه" قائلة بإبتسامتها الهادئة: -لحظة واحدة. -نعم. -بصي أنا تعبتك معايا امبارح ومش عارفة أقدم لك إيه بس دي حاجة بسيطة. رفضت الممرضة أن تأخذ النقود لكن إصرار "جنه" كان أكبر. نجحت في أن تضعها في جيبها. أوصدت خلفها الباب ليتساءل بفضول: -هو في إيه؟ ردت شارحة:

-ابدًا ياسيدي كنت سخن امبارح حرارتك كانت أربعين تقريبًا. رحت جبتها ويا حرام كانت نايمة بس الشهادة لله ماسبتنيش لحد ما حرارتك نزلت. -ولا حسيت بحاجة. جلست على حافة السرير المقابل وقالت بشيء من المرح: -دا إنت طلعت عيني امبارح. ختمت حديثها بجدية: -يلا كل أكلك عشان تاخد باقي العلاج. رد بتأفف قائلاً: -مش عاوز. مليش نفس. -مافيش حاجة اسمها مليش نفس. دا اسمه دلع. يلا خلص الأكل عاوزين نروح بيتنا يا عم.

تعجب من عفويتها الشديدة. لا يعرف يشعر بشيء لا يبشر بالخير. جلست مقابلته وقالت بجدية وهي تطعمه: -يلا عشان جرحك محتاج غذا زي ما قالت. سألها بدون تردد: -چنه هي معاملتك اتغيرت معايا ليه؟ أجابته بجدية: -عشان عاوزة أخلص من اللي أنا فيه دا يا عمران. -قصدك إيه؟ تركت الملعقة على سطح الطاولة المتحركة وقالت بصوت مختنق: -أنا تعبت من اللي أنا فيه. كل حاجة مغصوبة عليها. -إيه اللي أنتي مغصوبة عليه بالظبط؟ -إنت. يتبع

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...