الفصل 8 | من 21 فصل

رواية لتحيا نيران العشق الفصل الثامن 8 - بقلم هدى زايد

المشاهدات
17
كلمة
3,671
وقت القراءة
19 د
التقدم في الرواية 38%
حجم الخط: 18

تنهدت "جنه" بنفاذ صبر، ثم أجلسته على المقعد وجلست هي على ركبتيها أمامه على الأرض وراحت تقول بهدوء: -بص ياسيدي الحكاية هو إن عم ناجي اسمه الحقيقي خورشيد، بس إحنا بننده له يا ناجي، ومتسألنيش ليه اسمه كده، أنا شخصيًا مش عارفة. أنا عرفت بالصدفة الموضوع ده من بدور. تنهدت بعمق متسائلة بصوت هادئ: -ها، موافق ننزل مصر؟ وقف عن مقعده وهو يقول بجدية مصطنعة: -طب هو إني عندي سؤال كده، وهو اللي هيحدد إذا كنا هندخل مصر ولا لأ.

هبت واقفة ثم سارت نحوه وهي تقول بغيظ مكتوم: -خير، سؤال إيه ده؟ -قلتي إيه لجدك نعمان عشان ييجي يقول اللي قاله ده؟ ردت بنبرة صادقة استشعرها في صوتها: -ولا حاجة، هو سألني عادي وأنا رديت عليه عادي جدًا. تابعت موضحة: -وعلى فكرة، أنا استغربت زيك بالظبط من وجوده النهاردة وطلباته اللي طلبها. أومأ برأسه علامة الإيجاب، وقال بجدية: -ماشي يا جنه، وأنا هحاول أصدقك. رفعت سبابتها نصب عينيه وقالت بتحذير:

-لأ، مش هاسمح لك تقول كده ولا تظن فيا الظن ده. أنا فعليًا مكنتش أعرف غرضه من السؤال ولا عرفت بزيارته دي زيي زيك. عاوز تصدق صدق، مش عاوز إنت حر، بس ده اللي حصل. ولت له ظهرها عاقدة ذراعيها أمام صدرها، بينما هو احتضن ذراعها بكفيه وقال بلهجة المعتذر: -أنتي زعلتي؟ طب خلاص، حجك عليّ. رفعت كتفها رافضة اعتذاره عما بدر منه، أما هو سار خطوة ليقف مقابلتها مكررًا اعتذره وقال: -خلاص، متزعليش بقى، مكنش سؤال. ردت مقاطعة بضيق:

-سؤال عن سؤال بيفرق، ثم ده مش سؤال، ده شك واتهام مباشر وأنا مقبلش ده أبدًا. ابتسم وقال بمشاكسة: -وه، كل دي خلاص؟ يا ستي، أنا هجهز حالي وندخل مصر قبل ما تحكمي عليّ بالإعدام. سأله بسعادة: -هروح مصر أشوف بدور؟ أجابها بجدية موضحًا: -هندخل مصر بس رجاءً نرجع تاني يوم، عندي شغل كتير. ردت بسعادة قائلة: -متقلقش، هنرجع. أنا بس عاوزة أطمن عليها وأعرف هتعمل إيه في دنيتها بعد وفاة عم خورشيد. سألها بعدم فهم: -كيف يعني؟

هي ملهاش غيره؟ أجابته بحزن: -آه، بدور دي شافت اللي عمر ما حد شافه. الدنيا بتشيل وتحط فيها وهي بتقول بكرة أحسن. لا ليها أم ولا أخ ولا أخت، وادي أبوها مات وبقت عايشة في الدنيا لوحدها بطولها. عيني عليها. رد "عمران" مقترحًا: -إيه رأيك لو تخليها تيجي تعيش هنا؟ لوت شفتيها وراحت تقول بإحباط: -ياريت ينفع، بس هجيبها فين إذا كنت أنا شخصيًا مش مستقرة في بيت. ارتسم على ثغرها ابتسامة ساخرة وهي تتابع حديثها قائلة:

-وكأن الدنيا قررت تخلينا نعيش نفس الأحداث، بس كل واحدة في بلد. رد مقاطعًا بتساؤل: -ليه بتجولي كده؟ هو إني زعلتك في حاجة؟ أجابته وهي تسير تجاه خزانة الملابس لتخرج بعض الملابس: -ياريت كل الناس زيك يا عمران، مكنش بقى فيه مشاكل. وقف مقابلتها وقال بجدية وبدون مقدمات: -ليه بتهربي من طلبي ليكي يا جنه؟ ضمت "جنه" كنزتها بين ذراعيها وهي تهرب من نظراته لها، تنحنحت قبل أن تتحدث باعتذار قائلة:

-أنا آسفة، بس أنا كلامي ممكن يجرحك، وأنا ما أفتش منك أي حاجة وحشة، وماينفعش أجرحك. بإشارة من إصبعه جعلها تصمت ليكمل هو حديثه بجمود قائلاً: -جنه، جولي ردك من غير لف ودوران. صمت لبرهة قبل أن تلقي بحديثها دفعة واحدة: -أنا بصراحة كده مش حابة أكمل معاك وعاوزة أطلق وأرجع لحياتي الهادية. تنهد بعمق وهو ينظر لسقف الغرفة، ثم عاد ببصره لها وقال بجدية: -ماشي يا جنه، بس من فضلك خلي الطلاق بعد شهرين كده. -اشمعنى شهرين؟

-فرح أخويا، فضل تاني يوم العيد الكبير. احضري الفرح وبعدها ترجعي لحياتك الهادية. وضعت أناملها في فمها مفكرة في حديثه، وبعد مرور عدة ثوانٍ قالت باستسلام: -طب ماشي، والمأذون اللي يكتب لأخوك يطلقنا، اتفقنا؟ -اتفقنا. قالها "عمران" وهو يسير بخطوات هادئة وبسيطة تجاه الفراش. كانت تتابعه في هدوء وصمت. لاتعرف إن كانت متسرعة في هذا القرار، لكنها ظنت أنها ستجد راحتها بعد هذا القرار.

أما هو، قام بسحب شرشف ووسادة ثم وضعهما على الأرض ومدد فوقهما. سألته بحزن قائلة: -هو إنت مش هتنزلني مصر ولا إيه؟ اعتدل في جلسته وقال بجدية: -ليه بتجولي كده؟ -أصلك نمت! -أيوه، أنا هنام وبكره بإذن الله هندخل مصر، عشان كده هريح ساعتين. ردت بإمتنان: -ربنا يخليك يارب يا عمران. عاد بظهره وهو يرخي جفنيه وقال بابتسامته المعهودة: -ويخليكي. ومعلش، طفي النور عشان أعرف أنعس شوية. -حاضر.

على الجانب الآخر من نفس المدينة، كان "سليم" يعاتب جده عن طريقته الفظة في التعامل مع حفيدته. بينما كان الجد "نعمان" يفكر في أمر هام، قاطعه فجأة وقال بهدوء مريب: -جولي يا سليم، إنت ليه متجوزتش لحد دلوقتي؟ رد "سليم" بعدم فهم: -قصدك إيه يا جدي؟ تنهد الجد وقال شارحًا: -يعني إنت دكتور وكده والدنيا جاهزة من كله، إيه اللي مأخرك عن الجواز؟ أجابه بجدية وهو يعدل في جلسته ليجلس بأريحية وقال: -مفيش، بس لسه ربنا مش رايد.

ابتسم له وقال بمكر: -ربنا راد خلاص يا ولدي. -قصدك إيه؟ -قصدي، تندل مصر هتروح عند عم الحاج مرجان العباسي وهتختار من عنده كل العفش اللي يعجبك. -جدي، رسيني، هتعمل إيه؟ أنا ما أفهمش حاجة، ناوي تجوزني ولا إيه؟ -ادخل مصر بكرة واعمل اللي جلت لك عليه، وبعدها هتعرف كل حاجة. -حاضر يا جدي. وقف "سليم" عن مقعده وقال بتعب: -أنا هطلع أريح لي ساعتين قبل السفر. أومأ برأسه علامة الإيجاب وهو يقول بحنو: -روح يا ولدي، ربنا يستر طريقك.

غادر "سليم" البهو تاركًا جده يرتب لأحداث جديدة يريد أن يدمر بها شخصًا ليس له أي ذنب سوى أنه رآه مرة واحدة فقط. التفت برأسه تجاه باب المنزل ما إن ولجت "جميلة" هتف بحنو وهو يشير بيده تجاهها: -تعالي يا جميلة يا جميلات، تعالي جار جدك. وضعت حقيبتها جنباً وقالت بنبرة حزينة: -إزيك يا جدي؟ اعتدل في جلسته وقال بجدية: -أنا زين والحمد لله، أنتي بقى مالك؟ ردت نافية: -مليش، أنا زينة كيف ما إنت شايف.

-دي اللي برا، أنا رايد أعرف اللي جوا. -اللي جوا ما يهمش حد غيري يا جدي. -لسه زعلانه، إياك؟ -هزعل ليه يا جدي؟ هو إنت عملت لي حاجة تزعل؟ -يابت، على جدك برضك؟ على العموم، أنا هراضيكي بس بطريقتي. -كيف يعني؟ -كيف دي، سيبها لي دلوقتي واطلعي ارتاحي وجهزي حالك، بكرة ضيوف جايين عندنا. -ضيوف مين دول يا جدي؟ -بكرة هتعرفي، قومي دلوقتي.

تركته "جميلة" وعقلها يتساءل من هو الضيف الذي سيأتي غدًا. جلس وحيداً ينفث الأرجيلة بهدوء وصمت، يضيق حدقيته بين الفينة والأخرى. أومأ برأسه علامة الرضا عن حدث يُدبره عقله. لاحت ابتسامة خفيفة وهو ينفث سحابة دخان كثيفة ثم تمتم بخفوت: -بالشفا يا أيوب، يا متخلف! في حد يعمل اللي إنت عملته ده؟ إنت عارف عملت إيه؟ إنت جبت البنزين جنب النار. كانت هذه عبارة "حذيفة" الذي يحاول بشتى الطرق أن يتحكم في غضبه الشديد.

أطبق على جفنيه وهو يستمع لأخيه الذي يشعر بالعتة لعدم فهم فادحة ما حدث. رد "خورشيد" بعدم فهم: -أنا عملت إيه لكل ده؟ ماتفهمني يا ابني بدل ما أنا زي الأطرش في الزفة كده! حرك "حذيفة" رأسه وهو مغمض العينين متمتمًا بكلمات لاذعة يسب فيها أخيه الأبله على حماقته.

قرر أن يصعد إلى غرفته ليأخذ قسطًا من الراحة بعد قضاء يوم طويل كان بدايته حزن وتوسطه مشاعر جديدة اجتاحت قلبه وختامه مفاجأة من العيار الثقيل في نظره. يتمنى أن يمر غدًا على خير دون حدوث أي خلافات بين ابنة عمه وصديقتها التي لا يعرف عنها شيئًا سوى اسمها فقط.

صعد سلالم الدرج بهدوء. مر أمام غرفتها، توقف لثوانٍ قبل أن يطرق بابها. ترددت أنامله للحظات، أنزل يده بإحباط، سرعان ما رفعها ثانية. وقبل أن يطرق، فتحت هي الباب. تراجع خطوة للوراء وقال معتذرًا: -آسف، بس سمعت صوتك قلت أطمن عليكي. كفكفت دموعها وقالت بصوت متحشرج: -لأ، ابدًا، بس أصلي. رد "حذيفة" مقاطعًا بتساؤل: -كنتي بتعيطي؟ ردت "بدور" نافية: -لأ، ابدًا، بس أصل عيني دخل فيها حاجة. سألها باسمًا: -طب وصوتك؟ تنحنحت وقالت

بتلعثم وهي تتجه نحو الدرج: -ماله صوتي؟ ماهو عادي. استوقفها متسائلاً بنبرة متعجبة: -رايحة فين؟ -مافيش، هنزل أعتذر لخورشيد، هو ملوش ذنب، وأكيد ماكنش يعرف حاجة. أنا أصلاً كان حسابي اليوم والحمد لله إنه جه عن إذنك. رد بضيق: -اتفضلي. هبطت الدرج بخطوات واسعة وسريعة، متجهة إلى الحديقة حيث يجلس "خورشيد" الذي كان يتابع آخر الأخبار على حسابه الخاص على موقع التواصل الاجتماعي (فيسبوك) وقفت خلفه وقالت بجدية مصطنعة:

-هو أنا لو بعت لك add هتقبله ولا هتعمل لي بلوك؟ التفت بجسده تجاه مصدر الصوت ثم عاد مرة أخرى والتزم الصمت. بينما هي تابعت وهي تجلس على المقعد المجاور له قائلة باعتذار: -واضح إنك زعلان مني فعلاً، على العموم أنا معرفتش أنام غير ما أعتذر لك، حقك عليا. أشار بيده وقال بعدم اكتراث: -لا حقك عليا ولا حقي عليكي. شكرًا ياستي لحد كده. ردت بنبرة حزينة: -طب مش تسأل أنا ليه زعقت لك لما رديت على جنه؟ أجابها بجدية:

-أنا أصلاً لحد دلوقتي بدور على السبب ومش عارف. أنا كنت في منتهى الذوق معاها، وتقدر تسأل. ردت "بدور" مقاطعة بصوت ونبرة تملؤها الرجاء: -اسمعني يا خورشيد من فضلك. استشعر بالجدية في صوتها فعدل من جلسته على المقعد ليجلس بأريحية. استمع لها باهتمام. ما إن بدأت تتحدث عن مقتل والد "جنة" وحتى اللحظة توفى فيها والدها، اعترت ملامح الدهشة والذهول وجهه. رد بعدم استيعاب: -مش ممكن بقى عمي يقتل صاحب عمره عشان الفلوس!! ردت بقهر وحزن:

-عرفت ليه بقى مش عاوزة أشوفها وبتهرب منها. رد "خورشيد" بحزن: -أنا آسف، بس والله ما كنت عارف ده كله. -عارفه يا خورشيد، وعشان كده أنا بجد بعتذر لك عن عصبيتي. -طب وأنتي هتعملي إيه دلوقتي؟ رفعت كتفها وهي تفرك أناملها في بعضها البعض قائلة بمرارة: -مش عارفة، حقيقي مش عارفة. بلعت مرارة حلقها وقالت: -خايفة أقولها أخسرها للأبد، وفي نفس الوقت مش قادرة أسكت وأنا عارفة مين هو القاتل. بدأ صوت شهقاتها يعلو وهي تتحدث بقهر:

-اللي واجع قلبي إني مش عارفة عنها حاجة ولا بتعمل إيه في حياتها الجديدة. بحلم بيها ليل نهار. عارفة إنها تعبانة وبتقاوم عشان تكمل. اللي قاهرني إنها عاوزة تكلمني عشان تشكي لي وجعها، وأنا قافلة الباب في وشها. عمري ما بعدت عنها البعد ده كله. أنا قتلتها زي ما أبويا قتل أبوها. لا يعرف كيف يداوي جرحها، تنهار ولا يعرف كيف يمنع هذا الانهيار. كل ما استطاع فعله هو التخفيف عنها بطريقته الخاصة وهو ينظر إلى شرفة أخيه

وراح يقول بجدية مصطنعة: -ماتبطلي نكد بقى، أنتي إيه؟ بطلة العالم في النكد؟ قومي نتمشى شوية. تابع بغمزة من طرف عينه قائلاً: -بعيد عن عيون الناس الحاقدة اللي واقفة في البلكونة دي. كفكفت دموعها ما إن أنهى ذاك الأخيرة جملته، نظرت خلفها وجدت "حذيفة" يقف في شرفته يتابع جلستهما من البداية. أما "خورشيد" وقف عن مقعده وقال بجدية مصطنعة وهو يرفع هاتفه ليلتقط صورة تجمعه معها: -افرحي ياستي، قررت أتكرم وأتنازل وأضيفك عندي.

تلك الجملة جعلتها تبتسم رغمًا عنها، فكانت صورتها تخطف القلوب حقًا. علق على صورتهما كاتباً: (مافيش حاجة أحسن من إن يطلع لك بنت عم نكدية زي بنت عمي، بنت عمي أجدد فرد انضم للعيلة) تم نشر الصورة ولاقت استحسان الكثير من الأصدقاء والكثير من التعليقات بين الجدية والمزاح. أشار لأخيه في هذا المنشور، فضل أن يعلق عليه وكتب ساخرًا: (كان نفسي أقول إنها كده فعلاً، بس للأسف مقدرش أقول كده لأني ماشفتش النكد)

كل هذا لم تره "بدور" حتى الآن لأنها لم تقبل إضافة "خورشيد" الذي أرسلها منذ قليل. سار جنباً إلى جنب وبدأ يتبادلون أطراف الحديث حول قضية "جنه". وبعد مرور ساعتين تقريبًا، طلب منها أن يشاهد أحد الأفلام الأجنبية. وافقت مدعية بأنها لا تخشى الدماء والمشاهد المرعبة. صنع لها الذرة المقرمشة وقامت هي بإعداد قدحان من القهوة. سبقها وجلس يشاهد الفيلم حتى أتت، جلست على المقعد المجاور وقبل أن تلتقط صحن الذرة المقرمشة قال بمرح:

-إزيك يا بدور، عاملة إيه؟ ردت باسمة: -الحمد لله بخير. سألها بجدية وهو يتابع الفيلم: -بدور، هو انتي ليه عاوزة تقولي لصاحبتك اللي حصل؟ ابتسمت بطرف ثغرها وقالت بحزن: -تفتكر مش هيجي يوم وتعرف زي ما أنا ما عرفت. استدار بجسده نصف جلسة وقال بهدوء وهو يخفض صوت التلفاز: -آه، أنتي ماشية بمبدأ تعرف مني أحسن ما تعرف من غيري. أومأت برأسها علامة الإيجاب وهي ترتشف رشفات سريعة من القهوة الساخنة ثم قالت: -بالظبط كده.

رد "خورشيد" مقاطعًا بجدية: -بس ده غلط، متهديش صداقتك بقرار متسرع زي ده. خليها للظروف. ربنا لو كان عاوز يكشف عمي قدمها أو قبل كده كان كشف، لكن هو فضل لآخر لحظة ماحدش يعرف عنه حاجة. وعرفتي بمحض الصدفة. سيبها هي تعرف بالصدفة أو متعرفش، مش هتفرق كتير في نظري. سألته بدهشة: -مش هتفرق كتير؟! أجابها مؤكدًا: -أيوه، أصل حطي نفسك مكانها، هتعمل لك إيه؟ ماهو الاتنين دلوقتي في مكان تاني، هي إيه في إيدها تعمله؟

وضعت قدح القهوة على المنضدة الخشبية وراحت تقول بهدوء: -إنت بتقول كده عشان مش عارف جنه ولا عارف طريقة تفكيرها. أنا بس اللي عارفاها. جنه أكتر حاجة تقدر تعاقبك بيها هو الصمت، وده عقاب قاسي قوي في نظري. إنك تحب حد قوي وعقابك لي هو إنك تسكت لما تشوفه. ده يوجع أكتر بكتير من اللي يضربك أو يشتمك أو حتى يبلغ عنك عشان ياخد حقه.

جنه كانت دايما تقولي: "أنا لما بحب حد وبزعل منه مش بعاتبه، لأ، بسيبه لضميره هو كفيل يقتله مليون مرة". ولو جه لي تاني بنسى زعلي منه لأنه هو ما هانش عليه زعلي. ابتسم لها وقال: -أنتي حافظة كلامها بالحرف. حقيقي صداقتكم دي حاجة جميلة ومبهرة وخسارة تتدمر في لحظة. جربي طريقتي وصدقيني مش هتخسري. وقفت عن المقعد وهي تنظر في ساعة معصمها، هتفت بعدم تصديق: -يا خبر! الساعة 2 بليل، معقول! أنا هطلع أنام شوية بقى. تصبح على خير.

-مش هتكملي الفيلم؟ -لأ، معلش، سهرت كتير. مرة تانية بقى. -تصبح على... -وأنتي من أهل الجنة. في مساء اليوم التالي، كانت "جنه وعمران" في القاهرة. يوم طويل وشاق لكلاهما. كانت تنظر عبر النافذة بسعادة، وكأنها هذه المرة الأولى التي ترى فيها القاهرة. كم تتوق شوقًا إلى صديقتها الوحيدة. لم تعتبرها يومًا صديقة بل شقيقة، لو شئنا الدقة، فهي تعتبرها أمها رغم صغر سنها دائمًا. عادت برأسها وهي تسأله بحماسة شديدة:

-هي العربية دي مافيش فيها أغاني؟ عاوزة أسمع أغاني. أشار بيده تجاه المذياع وقال: -غالي والطلب رخيص أهو. بدأت في تشغيله تحاول أن تجد أغنية تناسب شوقها لصديقتها فلم تجد، فقررت أن تتركه قبل أن تصاب بالإحباط. بينما هو عقد ما بين حاجبيه الكثيفان متسائلاً بدهشة: -معقول مافيش حاجة عجبتك؟ أومأت برأسها علامة النفي وراحت تقول بإحباط: -لأ، مافيش. -تحبي أختار لك أنا؟ رفعت كتفها وقالت بعدم اكتراث: -براحتك بقى.

فبدأ يبحث عن بعض الأغاني القديمة، لم يجد الرضا على وجهها. وبين هذا وذاك، توقف عند مقطع من أغنية راقت له كلماتها. بدأ يستمع لها في هدوء وصمت وهو يختلس النظر إليها كلما سنحت له الفرصة: (قابلتك إمتى شفتك فين، ليه نحسبها ونفكر؟ في مليون حاجة تستاهل نفكر فيها بقى أكتر، نجيب بنوتة شبهك واسميها على اسمك وأنا أنسى الدنيا وأعيش لك، خياتي ودنيتي الجاية)

لم تكن تعلم إذا كان يقصدها بهذه الكلمات أم تكن هذه الصدفة ليس إلا. قررت أن لا تعيره أي اهتمام. ربما تكون هذه إشارات منه لتفكر مرة أخرى في عرضه. ليكن، لن تنصاع لهذا القرار أو رغبته أيًا كانت المسميات، لن تلتفت إليها. فاقت من شردها على صوته بعد أن صف سيارته أمام البوابة الرئيسية للفيلا وقال: -وصلنا يا جنه. كاد أن يترجل من سيارته الفارهة، استوقفته وهي تقبض على ذراعه برفق قائلة ببلاهة: -ننزل فين؟

يا عم إيه اللي جابنا هنا؟ رد "عمران" بجدية قائلاً: -مش دي العنوان اللي جالك في التليفون. إحنا مشينا زي الخريطة ما جالت، ودي العنوان. تابع بتعب واضح في نبرة صوته: -ادخل يا جنه، الله يرضى عنيكي، مش قادر أتحدد. -أنا خايفة نكون غلطنا في العنوان. -هنسأل، مش هنخسر حاجة. وبين شد وجذب بينها وبينه، ترجلت بعد أن أكد لهما الحارس وجود "بدور". ولجت "جنه" وعيناها معلقتان على قطعة من الجنة على الأرض كما قالت لعمران.

توقفت أمام الباب الداخلي، قامت الخادمة بفتح لهما وعلى محياها ابتسامة صافية. أشارت لهما بالدخول. قادتهما إلى حجرة الجلوس. جلسا بعد أن أخبرتهم بأنها ستخبرها على الفور. دقائق قليلة وأتى "خورشيد" وقال بابتسامته المعهودة: -مساء الخير، أنا خورشيد اللي كلمتك في التليفون. أنتي جنه صح؟ وأنا جوزها. يتبع

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...