قالها "عمران" مقاطعًا لحديث "خورشيد" الذي تنحنح بحرج ما أن ختم ذاك الأخير حديثه بكلمة (جوزها) جلس وهو يشير بيده قائلاً: -واقفين ليه؟ اتفضلوا، بدور نازلة حالاً. حتى الآن لا يستوعب عقل "جنه" تلك الإشارات التي لا تُترجم حتى الآن. وقبل أن تتحدث، فاجأها "خورشيد" بحديثه عنها قائلاً: -بدور اتكلمت عنك كتير، من شفتها لحد دلوقتي وهي ما اتكلمتش عن حاجة أكتر ما اتكلمت عنك. حقيقي حبيت صداقتكم جداً، ربنا يديم المحبة بينكم.
صك "عمران" على أسنانه وهو يتمتم بخفوت: -يارب. تابع بصوت مرتفع: -هي هتتأخر كتير؟ رد "خورشيد" نافياً: -لا، هي زمانها على وصول. دقائق معدودة وولج "حذيفة وبدور" التي ما إن رأت "جنه" هرولت نحوها، متحضنة إياها بقوة شديدة وكأن كلًا منهما تستمد قوتها من الأخرى. طال العناق، وامتزج بالبكاء على حالهن. خرجت "بدور" من حضنها وتساءلت بحنو وحب وهي تتابع حالة صديقتها: -عاملة إيه يا قلبي؟ خسيتي ليه كده؟ وليه تحت عينك أسود كده؟
مش بتنامي كويس؟ ردت نافية وهي تعود لحضنها مرة أخرى: -كنت بفكر فيكي. عقلي وقلبي معاكي، مستغربة ليه بعدتي عني كده في أكتر وقت محتاجة لك فيه. ابتسم "حذيفة" وهو يقول باعتذار: -متأسف لحضرتك، نسيت أرحب بيك وانشغلت باللقاء الجميلة ده. رد "عمران" بذات الابتسامة وقال: -لا عادي، ولا يهمك. انتبهت "بدور" لصوته، فنظرت له وقالت وهي تصافحه: -أنا آسفة يا دكتور عمران، جنه نستني أسلم على حضرتك. اتسعت ابتسامته الودودة وقال بمرح:
-ولا يهمك، المهم إنكم اتجابلتوا على خير. تابعت حديثها وهي تشير بيدها تجاه "حذيفة" و"خورشيد" وقالت: -المقدم خورشيد ابني عمي، والبشمهندس حذيفة أخو كبير وابن عمي برضه. ثم ختمت حديثها قائلة: -الدكتور عمران الهواري ابن خال جنة وجوزها. وأخيرًا تم التعارف على بعضهم البعض. غادرت "جنه" و"بدور" إلى الحديقة ليتحدثا في بعض الأمور المتعلقة بهما. بدأ "عمران" يتبادل أطراف الحديث بينه وبين الشقيقين في عدة مواضيع مختلفة.
أما في حديقة الفيلا، كانت "جنه" تسرد لها حياتها منذ أن وطئت قدمها في الصعيد وحتى اللحظة التي عادت فيها إلى القاهرة. حتى عرض "عمران" لها تحدثت عنه. سألتها "بدور" بنبرة متعجبة: -وإنتي ليه رفضتي عرضه وأنتي بتقولي عليه كويس؟ أجابتها بنبرة حائرة: -هتصدقيني لو قلت لك مش عارفة ليه عملت كده؟ يمكن أكون اتسرعت، صح؟ -يمكن! ده أكيد يا أستاذة، بقى راجل زي البلسم معاكي ومرمطاه هنا وهناك، وفي الآخر تقولي له لأ مش عاوزة أكمل معاك.
-خايفة يكون في بينه وبين بنت عمي حاجة. -فيه إزاي يا متخلفه؟ وهو بنفسه قالك إن مافيش أي حاجة من ناحيته. -طب وجميلة؟ -إنتي مالك ومال جميلة؟ المهم عندك عمران، هو قال عاوزك تبقي مراتي، ليه ترفسي النعمة برجلك يا عبيطة؟ -معرفش بقى يا بدور، حسيت إن لو وافقت هكون سارقاه منها وأنا مش عاوزة أبقى حرامية. ضربت بكفها على الآخر مرددة بتعجب: -لا إله إلا الله!
هو يابنتي قال أنا عاوزك أنتي تبقي مراتي وطلباتك أوامر، وأنا مش مرتبط بحد، ليه إيه يا فقرية ترفضي. ردت بإحباط قائلة: -اديكي قلتيها فقرية، أعمل إيه بقى. -هو أنتي ماينفعش ترجعي في رأيك؟ -عاوزاني أعمل إيه يعني؟ أروح أقول له أنا موافقة أتجوزك؟ لأ طبعاً، مستحيل أعمل كده. -طب يا أختي، خليكي فقرية زي ما أنتي. قاطعتها بتذكر قائلة: -سيبك مني أنا وقولي لي إيه النعمة اللي ظهرت عليكي فجأة دي؟ وإيه العيلة اللي تشرف دي؟
كانت مستخبية فين؟ وعمي اتوفى إزاي؟ احكي لي. بلعت غصتها بمرارة وبدأت في سرد القصة قائلة: -زمان يجي أكتر من عشرين سنة، ماما تعبت قوي. في التوقيت ده إنتي اتولدتي، وأنا كنت تعبانة قوي وماما كمان، وبابا مكنش معاه تمن العلاج. عقدت ما بين حاجبيها متسائلة بعدم فهم: -هو عمي خورشيد كان يعرفنا وقتها؟ مش طلعنا جيران في المكان اللي اتربينا فيه سوا؟ أومأت برأسها علامة النفي وقالت:
-لا، كانوا أصدقاء وشركاه في محل صغير كده. بابا كان محتاج لفلوس العلاج، وأبوكي عاوز يروح يدفع مصاريف الولادة اللي ماكنش مترتب لها أساساً لأنك اتولدتي قبل معادك بشهر تقريباً. وهنا كانت المشكلة، مافيش واحد راضي يتنازل عن حق التاني وينقذه. قرر بابا إنه ياخد الفلوس كلها بالذوق أو بالعافية. ابتسمت "جنه" ساخرة وقالت: -وخدها إزاي بقى بالعافية؟ أومأت "بدور" علامة الإيجاب وقال بحزن:
-بالظبط كده. قتله وأخد الفلوس وأنقذني أنا وماما، على حسابك إنتي ومامتك. قاطعتها ضاحكة: -أكيد محصلش ده! إنتي بتهزري؟ هو خورشيد يعرف يدبح فرخة لما يقتل بني آدم عادي كده؟ تنهدت بعمق وهي تنظر لحال صديقتها التي لم تستوعب ما يحدث الآن أمامها، وقالت: -للأسف يا جنه، دي الحقيقة. ومهما خبيت عنك كان لازم تعرفيها. دلوقتي أو بعدين مش هتفرق كتير، بس بالنسبة لي كنت محتاجة أريح ضميري. وقفت "جنه" مقعدها الذي سقط إثر وقوفها الغاضب،
وقالت بصراخ: -إنتي تخرسي خالص! إنتي اللي زيك ما يتكلمش عن الضمير! بقى تبقي صاحبتي العمر ده كله، وأبوكي قاتل أبويا وأمي! ردت "بدور" بمرارة: -والله العظيم ما عرفت غير لما عمي بعت لنا عشان يصالحنا. والله ما عرفت حاجة غير من كام، ومسكتش بهدلت الدنيا وطلبت منه يسلم نفسه، بس للأسف مات وأنا زعلانه منه ومسلمش نفسه. قاطعتها بمرارة: -هو ده كل اللي همك إنه مات وإنتي زعلانه منه؟ وأنا مفكرتيش فيا؟
أنا اللي اتحرمت من أبويا وأمي بسبب أبوكي وطمعه! هرول "حذيفة" تجاه "بدور" بعد أن وصل إلى مسامعه صوت صرخاتهن بعد المواجهة. حاول أن يشرح لها ما حدث، فقاطعته قائلاً: -متبررش لعمك ولا لبنت عمك. ذنب عمري ما هغفره أبداً. إيه يا جنه؟ حصل إيه؟ قالها "عمران" وهو يقترب من زوجته التي بدأت في الانهيار نفسيًا وعصبيًا. هرولت نحوه وقالت برجاء: -يلا يا عمران، تعال نخرج منها. أنا مش طايقة أفضل في المكان ده لحظة واحدة. -فهميني حصل إيه؟
ردت بصراخ قائلة: -خلاص! أنا همشي لوحدي. مش عاوزاك ومش عاوزة حد. غادرت المنزل كما غادر "عمران" أيضاً. خلفها استوقفه "حذيفة" قائلاً بصوت هادئ ونبرة تملؤها الحزن: -دكتور عمران، هكلمك في التليفون. -تمام، وأني منتظرك. استقلت السيارة ودموعها تنسدل على وجنتيها. تركته يقودها حيث يشاء، لا يهم، لن أسوأ من هذا المنزل الذي ما أن وطئت قدماها فيه علمت ما لا تريد أن تعلمه.
صف سيارته أمام أحد الفنادق، ترجل من السيارة وولج الفندق. بدأ في ملء الاستمارة وعيناه تسترقان النظر كلما سنحت له الفرصة. وضع القلم وسار خلف أحد العاملين الذي يقوده إلى الغرفة الخاصة بهما. قام بفتح الباب ثم ولجوا وغادر بعد أن وضع له "عمران" بعض النقود. أوصد الباب بهدوء ثم استدار لها بجسده كله. وجدها تحتضن وجهها بين كفيها. جلس جوارها وقال بصوته الهادئ: -مالك بس؟ فيه إيه؟ حد زعلك؟ طب هي قالت لك حاجة زعلتلك؟
رفعت وجهها وقالت بصوت متحشرج وعينان مصبغتان بالإحمرار: -هي وجعتني، قتلتني زي ما أبويا اتقتل. ربت على ظهرها وهو يكفكف دموعها وراح يقول بهدوء: -أهدي بس كده وصلي على النبي، دي مصارين البطن بتتعارك، اهدي، واللي اتكسر يتصلح. ارتمت في حضنه وقالت بمرارة وهي تمئ برأسها لتخبره:
-اللي اتكسر عمره ما هيتصلح. أبويا وأبوها كانوا صاحب، وأبوها اللي كنت بعتبره أبويا، طلع هو اللي القاتل اللي حرمني من أبويا، مش بس أبويا لأ أمي كمان. آآآآه يا عمران، نار في قلبي نار قايدة مش عارفة تهدأ، آآآآه. لن ينكر حينها أن الصدمة لجمت لسانه وعجز عن التبرير والأعذار كما يفعل دائماً. كل ما استطاع فعله هو تهدئتها حتى غلبها النعاس وهي تتوسد صدره الذي تبلل من دموعها على ما حدث لوالديها.
كان يستند بظهره على ظهر الفراش، مد يده وقام بفك حجابها الوردي المطرز بفصوص من اللؤلؤ. نظر لشاشة هاتفه، وجد اسم "حذيفة" يضيء شاشته. مد يده وضغط على زر الإجابة وقال بخفوت: -وعليكم السلام. والله أنا زيي زيك كده يا بشمهندس. لاه، معلش، بلاش يتجابلوا تاني دلوقتي في الحقيقة. كنت ناوي أعود في نفس اليوم، لكن بالشكل ده ما أعرف هرجع امتى. طب هي زينة دلوقتي؟
معلش، كان لازم المواجهة دي، بس هي اتسرعت، كان لازم ترتب لها. خليك وياي لحظة. وضع هاتفه على سطح الكومود، ثم بدأ يدثرها جيداً في الفراش الوثير. تقلصت ملامحها بإنزعاج وكأنها ترى شيئاً مزعجاً. مسد على رأسها برفق ثم دنا منها وطبع قبلة خفيفة. فعلها بتلقائية، لا يعرف إن كانت شفقة على حالها أم بداية لحياة بدأت ملامحها تتضح شيئاً فشيئاً.
انتبه لحاله وهو يسحب هاتفه. خرج من الغرفة متجه إلى الشرفة ليتحدث بأريحية حول هذا الأمر. انتهى الأمر على أن يتم تحديد مقابلة مدبرة لها من قبلهم وكأنها صدفة، ولكن ليس الآن. في عصر اليوم التالي، كانت جالسة على الأريكة شاردة الذهن تفكر في ليلة الأمس، تفكر في الحماس الذي أتت به من الصعيد إلى القاهرة، وعن خيبة الأمل وكسرة القلب التي ستعود بها إلى الصعيد. انتشلها من بئر أفكاره وهو يتمتم بصوت هادئ:
-إنا لله وإنا إليه راجعون. عارفة مين مات؟ ردت بشرود: -مين؟ -والد البشمهندس حذيفة، عم بدور. قاطعته بحدة: -متجبش اسم الناس دي قدامي. ارتشف رشفات سريعة من قدح الشاي وهو يقول بجدية: -أني هشرب الشاي وهنزل أحضر الجنازة. -وإنت تروح ليه؟ إحنا هنمشي النهار ده. -لاه، عيب، إحنا نعمل الواجب ونعود بكرة. -روح لوحدك، أنا مش رايحة لحد. -على كيفك، أني قايم، مش هتأخر. مش عاوزة حاجة قبل ما أنزل؟ -شكرًا.
وبعد مرور ساعتين، كان "عمران" يقف في عزاء الرجال. ربت على كتفه وقال بجدية: -البقاء لله. رد "حذيفة" بحزن عميق: -البقاء لله وحده. على الرغم من أن معرفة "حذيفة" و"عمران" معرفة سطحية، لكنه قرر أن يبقى لآخر اليوم الصعب والشاق. طلب منه أن يرى "بدور" التي فاجأت الجميع، تهبط سلالم الدرج بحقيبة ملابسها في يد والأخرى ملف صغير ذا اللون الأبيض.
توقف "حذيفة" و"خورشيد" ما إن توقفت، تصافحهما بابتسامتها الودودة كسابق عهدها معهم وقالت بمرارة وهي تحاول جاهدة على أن تحافظ على حبس دموعها: -أشوف وشكم بخير. سألها "حذيفة" بغضب مكتوم: -رايحة فين؟ أجابته بمرارة: -أرض الله واسعة. هرجع بيتي وأبدأ من جديد. رد "خورشيد" مقاطعاً باستفهام: -أومال ده إيه؟ أجابته موضحة: -ده بيتكم وأنا... قاطعها "حذيفة" بحدة قائلاً: -ده بيتك، أبوكي وعمك الله يرحمهم. وردت مقاطعة بمرارة قائلة:
-اديك قلتها، الله يرحمهم. يعني مينفعش أعيش معاكم؟ كلام الناس هيبقى مش حلو. معلش، سيبوني على راحتي. قاطعها "خورشيد" بحدة وصرامة: -هو أنا بقول لك اتعشي وأنتي مش راضية؟ إنتي عاوزة تخرجي من بيتك عشان تروحي لكلاب السكك برجلك؟ اتفضلي يا هانم على فوق على أوضتك، بلا كلام الناس بلا كلام فاضي. وضعت الظرف على سطح المنضدة الرخامي وراحت تقول باسمة:
-ده ورثي اللي بابا اتنازل عنه ليا. أنا اتنـازلت عنه ليك يا حذيفة من كام يوم. تقدر تدير الشركة وليك كامل الحرية زي الأول. الأرباح اتبرعوا بيها لدار أيتام صدقة جارية على روحه، يمكن تكون سبب في التخفيف عنه. أنهت حديثها وهي تنظر لعمران الذي التزم الصمت طيلة هذه المدة. -سلم لي على جنه وقل لها بدور عمرها عرفت حد جميلة زيك. أشوف وشكم على خير.
سارت بخطوات هادئة وبسيطة، تجر خلفها حقيبة الملابس. خرجت من البيت بأكمله، لا تعرف إلى أين تذهب. كذبت عليهم حين قالت لهم أنها ستعود لبيتها، فذاك البيت استعادته المالكة له بعد أن تأخر عن الدفع. استغلت غيابهم وقامت ببيع الأثاث، كل هذا كان تعلمه "بدور"، فكانت تخطط بأن تستأجر شقة أخرى، لكن وفاة عمها ومجيء "جنه" دمر جميع مخططاتها.
كانت تسير في الشارع بلا وجهة. لقد نال منها التعب، جلست على أحد الأرصفة تلتقط أنفاسها حتى تستطيع متابعة طريقها. توقفت أمامها سيارة فارهة من اللون الأسود. ضغط صاحبها على زر الزجاج وقال بتساؤل: -نسيت أقول لك إن الناس هتتكلم عنك عشان قعدة مع ولاد عمك لوحدهم. هما هما الناس اللي هتقول إزاي ابن عمها يسيبها كده لوحدها. اركبي يا هانم. رفعت رأسها ما أن ختمت الأخيرة بكلمة (يا هانم)
. ما زالت تظن أنها داخل أحد أحلامها. تأكدت من أنه حقيقة وليس خيال حين جلس جوارها وقال بحزن: -كنت فاهم إنك أول واحدة هتقفي جنبي لما بابا يموت. طلعتي إنتي أول واحدة سبتيني ومشيتي. -حذيفة، بجد أنا آسفة، بس حط نفسك مكاني. -ما كنتش هسيبك وهفضل جنبك وأنـفذ وصية عمي ليكي. أنا عمي وصاني عليكي وبايا وصاك عليا وعلى خورشيد وكمان وصانا، يبقى إزاي عاوزة تسبينا كده عادي؟
-عادي، أنا أصلاً ما دخلتش حياتكم غير من كان أسبوع ولا كام يوم. يعني ما لحقتوش تتعودوا عليا، اعتبروني ما دخلتهاش أصلاً. -لاه يا بدور، فيه فرق وفرق كبير كمان. أنا لو مكانك مش هتخلى مهما حصل. لكن إنتي ما صدقتي تخلعي أصلاً. -متحاسبهاش كده، بس إحنا في مجتمع شرقي، نظرات الناس لينا مش هتبقى لطيفة. -سيبيني أنا أواجه المجتمع وخليكي إنتي مكانك في بيتك. وبين شد وجذب، استقلت "بدور" السيارة، بينما هو قال لها بجدية مصطنعة:
-أول ما نوصل، اعملي لي فنجان قهوة، أحسن دماغي هتنفجر من الصبح بسببك. إن كان حلماً، لاتريد أن تستيقظ منه. في حقيقة الأمر، مجيء "حذيفة" في هذا الوقت تحديداً يعني لها طوق النجاة. ربما يكن معه الحق حين قال أن في كلتا الحالتين سيتحدث عنها الناس. شاحت بوجهه نحو النافذة مستندة برأسها على زجاجها. انتبهت ما أن تحدث ذاك الأخير في هاتفه قائلاً بهدوء:
-الحمد لله يا دكتور عمران. آه، هي معايا أهي. لاه، تروح يا راجل، ما عندناش بنات تسيب بيت أهلها مهما حصل. أنا كمان محتاج أشوفك. على خير بإذن الله، مع السلامة. كده الواحد يطمن شوية عن الأول. قالها "عمران" وهو يضع هاتفه جنباً، ثم نظر إلى "جنه" التي كانت في عالماً آخر، لا تعرف بما يدور حولها. هتف بصوت مرتفع قليلاً وقال: -چنه، چنه. ردت بشرود: -هاا، بتقول حاجة؟ -واضح إنك مش هنا أصلاً. -معلش، كنت سرحانة شوية، كنت بتقول إيه؟
-بجول البشمهندس حذيفة لاجى بدور خلاص، ورجع بيها على البيت. ردت بعدم اكتراث: -ما يهمنيش أصلاً. تابعت بتذكر: -صحيح، عاوزين نمشي بقى عشان جدي نعمان كلمني وعاوز يصالحني. -كلمك امتى؟ -لما كنت إنت في العزا. -طيب، أني هرجع بعد يومين، نبقى نرجع عليه. -وليه هنقعد يومين؟ -عندي كام حاجة كده. -خلاص، براحتك. تابع بحماس: -مش ناوية تفرجيني على البلد هنا دي؟ أني حتى أول مرة أزور مصر. ردت باسمة: -أول مرة إزاي؟
إذا كنت فيها إنت وجدي من شهر وشوية. رد "عمران" موضحاً: -لاه، المرة اللي فاتت كانت زيارة كده على السريع، لكن دلوقتي وياكي على راحتنا وعاوز أشوف البلد. ابتسمت بطرف فمها ساخرة وراحت تقول: -ما فيهاش حاجة مختلفة كتير عن غيرها. الحاجة الوحيدة اللي هتلاقيها مختلفة هي الصحاب اللي بيغدروا ببعض ويقتلوا بعض. رد مقاطعاً بجدية مصطنعة قائلاً: -تعرفي؟ أول مرة أعرف إن دمك تقيل كده. قومي نتمشى شوية بدل القعدة دي.
بعد مرور ثلاث ساعات، كانت في أحد المحال التجارية الكبرى تبتاع بعض الملابس والهدايا لشقيقته. حاولت أن تتجاوز حالتها تلك. أما هو كان يتابع بعض الرسائل على هاتفه. سارت تجاهه وقالت بغيظ: -هو إنت هتفضل بعيد كده كتير؟ سيبك من التليفون وخليك معايا شوية. ابتسم لها وقال بجدية: -بس كده، اتفضلي. رفعت الفساتين وقالت بنبرة حائرة: -إيه رأيك؟ دا ولا دا؟ هيعجب نرجس؟ مط شفتيه وقال بذات النبرة:
-للأسف، لو كنت أعرف كنت ساعدتك، بس دي حاجات بنات مليش فيها. تنهدت بإحباط وقالت: -وبعدين بقى، يعني هنعمل إيه دلوقتي؟ رفع منكبيه وقال ببراءة: -ما أعرف. ردت باسمة: -هناخد الاتنين بالعند فيك. اتسعت حدقيه وقال بدهشة: -وإيه؟ وأني ذنبي إيه بس؟ أجابته بعناد وهي تتجه نحو المحاسب: -عشان تعرف بعد كده تقول رأيك ومش خسارة فيها. -لاه، هي خسارة ليا أنا.
دس يده في جيب بنطاله ليخرج بطاقة الائتمان. قام بدفع المبلغ المطلوب ثم خرجا من المحل. وقبل أن يكمل سيره نحو المصعد، جذبته من يده وقالت بحماس: -أخوك هيتجوز في العيد، تعال بقى نختار هدية ليهم تبقى في شقتهم. -هو النهار ده عيد الهدايا ليهم ويوم الغرامات ليا!! -يلا بس تعال ندخل، مش هتخسر حاجة. ولج المحل ووجد كل ما تشتهي له العين. كانت حائرة بين هذا وذاك، حتى وقعت عيناها على القرآن الكريم. أشارت بيده نحوه وقالت:
-بص المصحف ده شكله حلو قوي وهيبقى أحلى لما يتحط في أوضة الصالون عندهم. يلا روح ادفع تمنه. رد باستسلام: -حاضر. خرج من المتجر وولجت المجاور له وهي تتحدث بجدية مصطنعة: -مش معقول نجيب للبيت كله وننسى بركة البيت، تيتا وجدو وباباك ومامتك. رفع كتفه وقال بصوت أشبه للبكاء: -لاه، مش معقول دي، حتى عيب في حقك.
وقف وسط المحل يتابع اختياراتها بين هذا وذاك. تنتقي كل ما راق لها ولا تلتفت إلى أسعارهم. انتهى من شراء هدايا الأسرة. توقف في ردهة المتجر وقال بابتسامة مزيفة: -تمت على خير ولا لسه في حد نسينا نجيب له هدية؟ وضعت سبابتها في فمها مفكرة، وقبل أن تتحدث، قاطعه هو وهو يجذبها إلى متجر جديد وقال بمرح: -كيف نسيتي روحك؟ معقول أجيب لكل وأنتي لاه؟ توقفت وسط المتجر وقالت هامسة وهي تقترب من أذنه: -أنا مش مهم. أجابها
بذات الحركة وهو يبتسم لها: -إنتي أهم. أتت العاملة وبدأت تساعدها في اختيار الفساتين حتى وقع الاختيار على أحدهم. ابتاعه لها وغادر. كان يحمل الكثير من الحقائب. كانت تسير بجانبه، تتحدث معه بين جدية ومزاح وجدية مصطنعة. تباطأت ذراعه بتلقائية شديدة. أما هو نظر ليدها المعلقة بذراعه. شعرت بالحرج فنزعتها، مبررة أنها لا تقصد هذا. منعها من التبريرات الكاذبة وطلب منها أن تتعامله معه بتلقائيتها كما يفعل معها.
وصل أخيراً إلى غرفتهما بالفندق فقالت بتذكر: -هات يا عمران، أشيل معاك الشنط لأحسن تكون تقيلة ولا حاجة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!