انتفضت من نظرته ومرر يده على شعرها بحنان لكي تهدأ من هذا الخوف وقال: _بصتك وانتي خايفة مني كدا بتموتني، مافيش حد في الدنيا بيخاف عليكي أدّي. أخذ كوب به مشروب كوكتيل من الفاكهة من على المنضدة القريبة وأعطاه لها وقال: _أشربي العصير ده. نظرت للكوب في يده بتردد ثم أخذته ببطء لشعورها بالعطش، ارتشفت منه قليلاً ثم وضعته على الكمود بجوارها وكادت أن تنهض ولكن لم تسمح لها يداه.
مرت فترة لم تعرف لو كانت دقائق أو أكثر، لم تدرك أي شيء، أخذها لعالمه الخاص حتى انتفض واتسعت عيناه بذهول وصدمة ولكن بها لمحة دافئة بشكل كاد يضعفها، لمحة وكأنها عادت للحياة من جديد، رغم قوة صدمته ولكن كأن الحياة عادت له من جديد وأحيت الحنين والعشق بكيانه. رمته بنظرة قاتلة أغرقها العتاب، نظرة كأنها تقبض على سيف وتتحدى ما يقف أمامها، نظرة تقول له: اثبت براءتي، وانتهى عذابي، فليبدأ عذابك أنت.
تسمر في مكانه ودقات قلبه تعلو بجنون، نظر إليها شارداً، وهي تركض إلى المرحاض الخاص بالغرفة ملتفة بردائها ثم أغلقت الباب بإحكام. نظرت لأنعكاس وجهها في المرآة المثبت أعلى صنبور المياه، وتساقطت دموعها ثم بدأت تدفع المياه على وجهها بقوة وصوته يعلو أكثر فأكثر حتى انتبهت لصوت القرع على الباب بقوة. قال عمر بنبرة يصفعها الندم عاتباً على شكه فيها كل هذه المدة وهتف: _ليالي، ارجوكي اطلعي، لازم نتكلم. أغمضت عينيها وهي تبكي
بقوة وقالت بنبرة مرتعشة: _خلاص، الكلام خلص. تعذبت عيناه وهو يرد بتأكيد: _أنا غلطان إني شكيت فيكي لحظة واحدة قبل كدا، بس صدقيني كان غصب عني، أنا في لغبطة حصلت، أنا مش قادر أفكر بس كمان مش قادر أسامح نفسي إني شكيت فيكي ولو لثانية واحدة. فتحت مقبض المياه على رأسها وتخالطت دموعها مع المياه التي تتساقط على وجهها ولم تجبه. تابع بحزن: _ليكي حق ماترديش عليا، أنا اللي كنت غبي.
أكمل ارتداء ملابسه وانتظرها طويلاً حتى دق على الباب مرة أخرى. صرخت هي من الداخل قائلة: _مش عايزة أشوفك ولا أسمع صوتك، لو عايز تريحني سيبني دلوقتي. بلع ريقه بمرارة ثم قال: _ماينفعش أسيبك، ارجوكي اطلعي. ارتدت ردائها ثم خرجت وقطرات المياه تتساقط من شعرها وعيناها شديدة الاحمرار من البكاء، لم تنظر له بل اتجهت لموضع حجابها مباشرة، حتى أدارها عنوة من يدها إليه، لتواجهه. قال بأسف والتفت لمعات الحنان بمقلتيه وتعابير وجهه:
_سامحيني أنا... قاطعته وهي تبتعد عنه ثم هتفت به بعيون تتحداه بشراسة: _مش عايزة أشوف ولا أتكلم معاك ولو مطلعتش هطلع أنا. نظر لها نظرة طويلة بندم على حبيبته الرقيقة التي تحولت من الظلم إلى هذه الفتاة الشرسة ولم يستجب لرغبتها، أقترب منها وضَمَّها بقوة بكلمات الاعتذار ولكن بعد ما حدث منذ ساعتها فقد تركت ضعفها بعد هذه الدقائق حتى ابتعدت عنه من جديد بقوة واتجهت إلى الباب لتخرج منه حتى سبقها وقال بضيق:
_أنا اللي هخرج، خليكي انتي هنا، هسيبك تهدي شوية وهرجعلك تاني، وربنا اللي عالم إني محتاجلك دلوقتي أكتر من أي وقت فات، مش بقولك ماتزعليش، مش همنعك تعملي أي حاجة انتي عايزاها، بس لو كنت غالي عندك ولو ليوم واحد ماتبعديش عني تاني يا ليالي. ده اللي مش هقدر عليه. خرج من الغرفة وتركها تئن من الألم ثم قالت وهي تسقط باكية على أحد المقاعد بجانبها: _وأنا عشان عارفة إنك مش هتقدر عليه هبعد، مش هتعذب لوحدي.
جلس في غرفة مكتبه ورغم برودة الرياح إلا أنه استقبل الهواء العليل من خلال باب الشرفة الذي تركه مفتوحاً، وهو يجلس شارداً بحزن فيما حدث، قال معنّفاً غباءه: _غبي، أنا غلط غلطة صعب أوي إنها تسامحني عليها، بس إزاي الأشعة طلعت كدا.... نهض بذعر وقال: _لازم تروح لدكتور بأسرع وقت، أنا مش هسيبها لعنادها، تعمل اللي تعمله بس لازم تتعالج. تألم قلبه بعنف من مجرد التذكر أنها مريضة ثم خرج من الغرفة راكضاً إليها.
اختبأت الخادمة كريمة ومعها ليالي خلف أحد الحوائط بالردهة المتجهة إلى المسبح وقالت كريمة بخوف: _أنا خايفة يا ليالي حد يشوفنا، الحمد لله إن عمر بيه ماشافناش. راقبت ليالي حرس البوابة ثم أجابت: _أنا لازم أمشي يا كريمة والنهاردة، لازم. اضطرب وجه كريمة من القلق ثم تابعت المراقبة من بعيد.
فتح باب الغرفة ثم دلف وبحثت عيناه عنها بكامل أرجاء الغرفة وبدأ يتحرك بعصبية وهو يبحث عنها ثم ضيق عينيه بقلق وغضب وهتف باسمها بصوت عالٍ قد رن بأرجاء القصر. استدار كل من ليالي والخادمة كريمة بخوف على صوت عمر وهو ينادي عليها بشراسة وكأن أحد سرق منه كنزه الدفين وقالت كريمة بذعر: _لأ يا ليالي أنا خايفة، عشان خاطري ارجعي، انتي مش سمعاه. أجابت ليالي بقوة:
_مش هرجع ولازم أمشي النهاردة، مش هقعد هنا يوم كمان ولا حتى ساعة واحدة. هبط عمر سريعاً إلى الأسفل بعد أن بحث عنها بالطابق العلوي بأكمله ثم ركض إلى الغرفة الصغيرة بجانب المسبح ولكن لم يجدها أيضاً، مما جعله يجن جنونه أكثر. اختبئت ليالي وراء ستار سميك في المطبخ بالطابق الأرضي وتظاهرت الخادمة كريمة بالعمل حتى لا تثير شكوك الآخرين بها وراقبت المشهد من بعيد حتى شعرت بالشفقة على عمر الذي يتحرك كالمجنون بأرجاء القصر باحثاً.
أمر عمر الحرس بالبحث عنها بالخارج ودخل سيارته وذهب يبحث في سير الطريق حول القصر. انتبهت الخادمة ليالي بالخروج ثم خرجت ليالي متسللة من البوابة الخلفية وكأنها لصّة، ودعت ليالي الخادمة كريمة بنظرة امتنان وقالت بدموع: _خلي بالك من آدم يا كريمة، أنا سيباه أمانة معاكي. شاركته كريمة في الدموع وأجابتها بتأكيد: _في عينيا يا ليالي. أسرعت ليالي إلى الخارج وهي تراقب الطريق الخلفي جيداً وهي تسير به.
كان يطرق على مقود السيارة كلما نظر ولا يرى غير الفراغ أمامه ثم هتف بغضب وألم: _عملتي كدا ليييييه؟ ليييييه؟ كانت تركض لاهثة حتى لمحت سيارته من بعيد وهي تستدير باتجاهها، اختبئت خلف أحد الباعة وحمدت ربها أنه لم يراها وهي تركض حتى ابتعدت سيارته من أمامها بسرعة وتنفست هي الصعداء ثم بحثت عن أقرب مكان لإجراء اتصال هاتفي.
أخذت الهاتف من البائع بأحد الأكشاك على الطريق واتصلت برقم باسم الذي أعطاه لها بآخر مقابلة حتى يتم التواصل بينهم وقت المساعدة. فتح باسم باب منزله القديم وكاد أن يجلس بعد عناء السفر الطويل حتى دق هاتفه من رقم غريب، أجاب بفضول: _الو، مين معايا؟ ردت ليالي سريعاً وقالت: _أنا ليالي يا أستاذ باسم، مرات عمر صاحبك. قال باسم سريعاً: _أهلاً أهلاً بيكي، أنا لسه جاي من السفر والله، كنت عند مدام جميلة في البلد. قالت ليالي موضحة:
_أنا هربت من القصر ومش راجعة ليه نهائي. حملق باسم بذهول وقال ببطء: _هربتي؟ بس الهروب هيعقد الأمور أكتر، أنا شايف.... قاطعته وقالت: _أنا هحجز في فندق بسيط كدا على ما أخلص أوراق الباسبور، خلاص أنا أخدت قراري ومش راجعة، أول ما أوصل للفندق هكلمك تاني عشان في حاجة لازم تتعمل، مع السلامة. رد عليها باسم بقلق: _مستني مكالمتك، مع السلامة.
أغلقت الخط وأخرجت من محفظة نقودها التي للحظة استطاعت أن تأخذها سريعاً، قبل أن تهرب من القصر واستقلت سيارة أجرة وجدتها بصعوبة في هذا الوقت الصباحي المبكر وأرشدها السائق على أحد الفنادق البسيطة التكلفة. اتصل خالد على هاتف تامر ليخبره شيء هام. أجاب تامر متذمراً بحنق: _ها، قول اللي عندك بسرعة عشان عندي شغل ومش فاضيلك. أجاب خالد بتأفف وامتعاض: _اللي اسمه صابر ده بني آدم غبي، كل شوية يرن عليا عايز يعرف عمر راح فين؟
رد تامر معنّفاً بحدة ونهض من مقعده: _طب وانت بتديله رقم موبايلك ليه؟ انت أغبى منه!! صاح خالد بغيظ وقال: _ده رقم جديد اديتهوله وأنا في بلده لما اديتله عنوان عمر عشان يخلص عليه بعيد عننا وحتى ما يعرفش اسمي الحقيقي، وما تزعقليش كدا تاني يا تامر أنا مش بشتغل عندك، دي كلها مصالح! تراجع تامر. عن حدته قليلا ورد بمراوغة: _مانت اللي بتعصبني بس عموما خلاص ارمي الخط اللي معاك وكدا كدا هو عرف عنوان القصر.
جلست فريدة مبتسمة بأنتصار بعد أن لمحت ليالي من النافذة وهي تتسلل للخارج بعد ثورة ابنها من بحثه وقد التزمت الصمت بغضب في غرفتها ولكن انتابتها موجة هائلة من السعادة وهي ترى ليالي تفر للخارج ويبدو أنها تهرب بلا راجعة. قالت بشماته: _طلعتي غبية هروبك هيخليه يشك فيكي أكتر عموما انا ماليش دخل في اللي حصل انا هتفرج من بعيد. دخلت ليالي الغرفة التي حجزتها بالفندق للتو ثم جلست على الفراش البسيط ولم تشعر
بالندم لما ستفعله بل قالت: _حس بقى شوية بالنار اللي حرقت قلبي انا سيبت آدم معاك عشان ماينفعش اخده معايا وانا مش عارفة هرجع ولا لأ آدم ماينفعش يبقى معايا في اللي جاي. عاد إلى القصر بغضب وترجل من سيارته ثم سأل الحرس عليها ولكن لم يجدها أحد وبعضهم يبحث عنها إلى الآن. ذهب إلى غرفته وقلبه يئن من الألم والحزن والغضب معه ولكن لمح ورقة لم يراها عندما دخل سابقا. اتسعت عينيه بصدمة حينما قرأها.
(ماتحاولش تدور عليا مش هتلاقيني المرادي مش هتعرف انا فين ولا هتعرف حاجة عني هيوصلك ورقة زي دي ... قريب يأما هقولك أني خفيت وعايزة آدم ونبقى بعيد عنك ... يأما هتعرف أني مت وساعتها كل الحنان والحب اللي ماقدرتش تديهولي ... خليه لآدم وخايفة اوصيك عليه تعمل فيه زي ما عملت فيا ..انا بردو كنت وصيتك !! لو حبتني بجد حافظ على آدم ... سواء عشت أو مت .... وصيتك آدم ) ضيق عينيه بدمعة مجروحة وعاشقة فكلماتها كالخناجر على قلبه.
أين انت يا أصدق خائنة يئن قلبي وينزف من فراقك وكيف قلبي ينبض وانت بداخله ساكنة. وهاربة هاربة من عشقي مش اشواقي من حنيني من عشق عيوني من قمة جنوني ... ليس بإرادتك مفارقة الحياة ..... فهذا جميعه بيد الله. مرت عدة أيام قد انهت بها أوراقها واستعدت للسفر حتى أتت اللحظة الحاسمة وهي تنتظر في صالة الانتظار بمطار القاهرة. نظرت لباسم وقالت: _ممكن اعمل اتصال من تليفونك اكيد معاك رقم والدة عمر.
نظر باسم بشرود قليلا ثم قال وبدأ يشعر بالذنب اتجاه صديق عمره وقال: _اه معايا انا امبارح مانمتش انتي ما شوفتيش عمر عامل ايه من ساعة ما مشيتي. أعطاها الهاتف وهو يقول ذلك ولكن لم تجيبه هي بل اتصلت بالرقم واجابت فريدة بنبرة هادئة: _الو؟ أجابت ليالي: _حبيت اتصل بيكي النهاردة بالذات في حاجة بسيطة ماحبتش اخبيها عنك اكيد عرفتيني من صوتي ... ليالي. زمت فريدة شفتيها بغيظ وقالت:
_عايزة ايه مش كفاية حالة ابني بسببك ده ما اتكلمش معايا كلمة واحدة من ساعة ما مشيتي وكأنه مخاصمني. تنهدت ليالي بحدة وقالت: _ما تقلقيش عليه اقلقي على اللي مات كل يوم قبل صلاة القيام والفجر كنت بصحى على كابوس ....
ابنك هشام على طول بشوفه في اوضة ضلمة مسجون وراه نار قايدة بتولع فيه وبيتحايل عليا وهو بيبكي دم اني اطلعه بس انا مش بوافق وبسيبه وامشي ماحبيتش استخسر فيكي الفرحة دي افرحي اكتر أكتر انتي لسه هتفرحي كتير أووووي واللي ماعرفتش اعمله بوجودي هعمله بغيابي أو حتى بموتي ..... اغلقت الخط بوجهها ثم ناولت الهاتف إلى باسم الذي امتقع وجهه وهو يتمتم بكلمات الاستغفار ثم قال: _ماكنش في داعي دي ام بردو. احتدت نظرة ليالي وقالت:
_زي ما وجعتني وذلتني اظن ده شيء بسيط من اللي جاي ربنا مش هسيب حقي وهتشوف. ربتت جميلة على كتفها وقالت: _انسى اللي فات وبصي للي جاي اللي جاي أهم يا ليالي. وافقتها ليالي وقالت: _الله اعلم انا ليا جاي ولا عمري خلاص فات. ضمتها جميلة بقوة وقالت بأعتراض: _ليكي وليكي كمان بأذن الله وهفكرك. قال حسين الذي كان يرافق شقيقته حتى تدخل طائرتها: _ربك كبير خليكي مؤمنة. قالت ليالي: _ونعم بالله.
ملقت فريدة في الفراغ لبرهة من الوقت وكأن قلبها توقف بعد ما سمعته ثم اجهشت بالبكاء بقوة وهي تضع يدها على قلبها وتردد اسم ابنها المتوفي وتدعي له بالرحمة مرارا وتكرارا وقد حرقت هذه الكلمات قلبها واوثقت عقلها بالحزن. قبل أن تذهب ليالي مع جميلة للطائرة توقفت وقالت لباسم: _لازم تعمل اللي قولتلك عليه. رد باسم بتنهيدة حزينة وشفقة على صديقه وقال: _رغم أن ده صعب عليا بس لازم انفذه ده وعد. وأن شاء الله ترجعي بالسلامة. غارت
عينيها بدموع مؤلمة وقالت: _ليالي جمال حامد .... ماتت.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!