أنا أحبك يا عمر. ابتسمت، نظرة عيناه، لكنها اسودت من الذهول عندما تابعت هي بغضب كالبركان الذي للتو فار من مرقده وهتفت به بعيون دامعة حزينة لأجل هذا العشق الذي أصبح مصدر العذاب: "بس مش عايزاك، مش عايزة أبقى معاك. بحبك أيوه، لكن الحب مش كل حاجة. أنت سبتني في أكتر وقت كنت محتاجالك فيه ومصدقتنيش. ماكنتش بتديني فرصة أقولك حاجة، ودايماً الغضب كان بيعميك. فاكر لما ضربت هشام على راسه؟
جيت أنت ورايا وماحاولتش تفهم إيه اللي حصل. ماصدقتنيش لما قولتلك إنه كان عايز يعتدي عليا. ماصدقتش أي كلمة قولتها! "بالسهولة دي عايزني أسامحك؟ بعد كل البهدلة والقسوة اللي شوفتها منك الفترة اللي فاتت دي أسامحك؟ بعد ما كدبت عليا واتجوزتني عشان بس أوصل القصر مع الولد وأدخل سجنك برجليا ومحدش هيلومك. أنا مراتك! عايزني أسامحك بعد ده كله! وقف أمامه كتمثال الثلج، لا يطرف حتى بعينيه اللتان تنطقان بحروف الألم وشيء من الندم،
حتى قال ببطء: "ياااه، أنا عملت كل ده؟ يعني أنت افتكرت الوحش بس ما افتكرتش الحلو؟ ما افتكرتش كنت بعاملك إزاي وصبرت عليكي قد إيه؟ ما افتكرتش إني ما قسيتش عليكي رغم معاملتك معايا. افتكرتي بس غلطاتي." اقتربت منه ونظرت في عينيه بقوة وقالت وقد تأجج بها التمرد: "اللي أنت عملته في الأول أي واحد بيحب واحدة كان هيعمله. لكن اللي أنت عملته بعد كده ما يقولش إنك حبيبتني في يوم من الأيام. أنت عارف أنت عملت إيه فيا... هقولك.
أنت خليت جوايا اتنين... طفلة كانت بتحبك بس ما لحقتش تكبر بالحب ده... وطفلة تانية كبرت على كرهك وقسوتك لحد ما بقت اللي واقفة قدامك دي. الفراق المرادي أكبر مني ومنك. مش هتقدر تديني ساعة زيادة أعيشها ولو بملايين العالم كله." بلعت غصة مريرة بحلقها واستدارت وهي تمسح وجهها من البكاء لتذهب من أمامه بعد أن أفاضت بكل شيء بداخلها. ولكن جذبها من يدها إليه بقوة وضمها مرة أخرى وقال بحنان أغرق نبرته:
"مش هتبعدي عني، ماتقوليش كده. ليالي... أنا ما أقدرش أعيش من غيرك." أزاحت يده من أعلى كتفيها بقسوة وقالت: "لازم تتعود. أنا وقتي معاك في النهاية." ركضت إلى المنزل وهي تكتم دموعها وتركته متسمر بصدمة من حديثها. كان يعتقد أنها ستحن بشكل أبسط من ذلك وتتفهم ما حدث، ولكن يبدو أن الأمر أصعب مما تخيل. ***
ركضت إلى الصغير لتطمئن عليه، ثم هبطت إلى الأسفل ووجدته بالغرفة الأرضية بجانب الدرج الخشبي. رأته يجلس شارداً على أحد المقاعد. استدارت لتعود أدراجها إلى الطابق العلوي، ولكن أوقفه صوته بسؤال: "أنتي عارفة أنا جبتك هنا ليه؟ وقفت صامتة بقلب دقاته تعلو عن صوت دقات صوت عقارب ساعة الحائط. تابع وهو ينهض ووقف خلفها بنبرة عميقة: "عشان عايز أبعد عن الجميع إلا انتي. عايز آخد فرصة تانية معاكي ونشوف حياتنا وابننا... آدم."
التفتت له وقالت بحدة وألم: "لو كنت مصدقني فعلاً ما كانش هيبقى ده موقفك. أنا عارفاك كويس يا عمر. أنت لسه لحد دلوقتي شاكك فيا، بس أنا هثبتلك في خلال يومين." ثم ركضت صعوداً إلى الطابق العلوي، ثم دلفت إلى الغرفة وأغلقت الباب خلفها بإحكام. نظرت حولها تبحث عن شيء حتى وجدته. أخذت الأجندة التي وجدتها على منضدة صغيرة بالغرفة وبداخلها وجدت قلماً، ثم جلست على المقعد أمام المنضدة.
ألقت نظرة على الصغير وهو نائم، ثم بلعت ريقها الجاف وبدأت تكتب آخر صفحات هذا العشق الذي قررت أن تنهيه. كتبت كلمة البداية الذي لخصت معاناتها. **** وصيتي ******** تمدد على الفراش الموجود بالغرفة وهو يتنهد بحزن عميق وقال: "هي عندها حق. أنا فعلاً لسه شاكك. بس مش شك على قد ما هو حيرة. تعبت من اللي أنا فيه. وما بقتش عارف مين الصادق ومين الكداب. أمي كدبت عليا لما اتظاهرت إنها مش بتتكلم. بس هل كدبت في الباقي؟
كدبت في إيه وكانت صادقة في إيه؟ أصدق إيه وأكذب إيه؟ وضع يديه أسفل رأسه وهو ينظر للأعلى بشرود حتى قال بهمس مرة أخرى: "كل اللي أنا متأكد منه، الحاجة الوحيدة الحقيقة في ده كله، إني بحبها. أوووي." *** سطرت كلمات كانت الأصعب على مدار سنواتها العشرين. ليس من السهل أن تكتب وصيتها وأنت تنتظر الموت. كلمات كإشارات الوداع في آخر خطوات الوطن. سقط من بين أناملها القلم وهي تعترف بقسوة ما كتبته، ولكن هذا سيشفي قلبها مما حدث.
نهضت سريعاً وذهبت إلى الصغير النائم وارتمت بجانبه باكية، ثم رفعت رأسها وقبلته من رأسه بقوة كادت أن توقظه وهمست: "نفسي أرجعلك يا آدم. بس في جميع الأحوال لازم أبعد. أنت ماتنفعش تبقى معايا في اللي جاي. مش عايزك تتبهدل. عمر على قد اللي عمله فيا بس هيبقى حنين عليك صدقني. أنا متأكدة من ده." عادت إلى المنضدة وأخذت ورقة الوصية، ثم طوتها ووضعتها في جيب ردائها الجانبي. ***
أتى صباح شتائي جديد مر عبر جفونه بفحيح بارد أيقظ جفن عيناه من غفوة قد تأخرت ليلاً. اعتدل سريعاً عندما وجدها تقف أمامه وبيدها الصغير وقالت: "عايزة أرجع القصر." قطب حاجبيه بمقت وضيق وتنهد بحدة ثم قال: "مش لازم النهاردة. خلينا يومين كمان. أنا بعت واحد صاحبي للشركة يفضل مكاني لحد ما أرجع." قالت بتصميم: "عايزة أرجع القصر يا عمر. أنا مش هقعد هنا." نهض من الفراش ووقف أمامها بغضب وقال:
"ماشي. بس خليكي فاكرة إنك أنتِ اللي رفضتي إيدي الممدودة. ماترجعيش تشتكي من معاملتي! ربتت على الصغير بلطف ثم قالت بتأكيد: "لأ مش هشتكي. أنا هستناك في العربية." خرجت من الغرفة وتوجهت للخارج دون أن تعير اهتماماً لرفضه البادي على وجهه. جلست بالسيارة وبيدها أدوية الصغير وأدوية عمر وانتظرت ظهوره. أخذت هذا القرار بعد تفكير طويل أثناء الليل. ووجودها هنا أكثر من ذلك سيشكل خطراً على قرارها النهائي بالفراق.
خرج من الشاليه، ثم أغلق قفله بالمفتاح ودخل السيارة دون أن ينظر لها وعيناه تقدح شرراً. *** وصل باسم صباح إلى محطة القطار بعد أن أخذ عطلة لهذا اليوم حتى يستطيع فيها السفر والعودة في نفس اليوم. *في الشركة* نظرت ريهام لملفات العمل ثم تنهدت براحة وقالت: "كويس إن باسم خلص الشغل امبارح قبل ما ياخد إجازة النهاردة. بس برافو عليه شغله تحفة. محدش بيعرف يطلع الشغل ده غير عمر."
تذكرت عمر بضيق ثم عادت لعملها حتى لا تعود لموجات الحزن من جديد. *** *أثناء القيادة* تظاهر بالسعال والمرض حتى تعود في قرارها، ولكن استقبلت هذا التظاهر باللامبالاة. قاد لساعات طويلة كان يخطف فيها بعض النظرات الجانبية لجانب وجهها التائه والشارد بشكل يستدعي القلق.
في تمام الساعة الرابعة عصراً وقفت سيارته أمام القصر وكاد أن يهتف بها حتى رآها نائمة ورأسها على النافذة والصغير بين قبضتيها نائم أيضاً. نظر لهما بحب وحنت نظرته عليهما. اقترب منها وقال بحنان: "ليالي... اصحي احنا وصلنا للقصر... ليالي." اضطربت جفونها وصوته يتردد بداخل عقلها بإزعاج حتى استيقظت بجفون ثقيلة ونظرت لوجهه القريب لبرهة من الزمن وهي تنظر لوجهه وكأنها تحفر هذه الملامح بداخلها. قال بنظرة دافئة: "احنا وصلنا."
بلعت ريقها بخجل ثم فتحت باب السيارة بجانبها وترجلت منها. ترجل هو الآخر وألقى مفاتيح السيارة لأحد الحرس حتى يدخلها للجراج، ثم فاجئها ووضع يده على كتفها باحتواء ودخل إلى القصر. قبل الاقتراب من باب القصر الكبير، وقفت قبل أن تبدأ صعوداً لأول درجات السلم الرخامي وقالت: "مش هنا مكاني." زم فمه بضيق وكاد أن يغضب من رفضها بالدخول معه حتى أشارت للصغير وقالت: "آدم نايم. بلاش دوشة."
توجهت للغرفة الصغيرة التي كانت مسجونة بداخلها لأيام تحت نظراته المذهولة. *** دلفت إلى الحجرة ووضعت الصغير بهدوء على الفراش وما كادت أن تلتفت حتى اصطدمت به وكأنه حاجز بشري ضخم منع الرؤية عن ما خلفه. أشاحت نظرها عنه حتى مسك كتفيها بقوة كادت أن تغرز أظافر يده بجلدها وقال بغضب: "ماشفتش أعند منك. أنا مش عارفة بتفكري في إيه ولا إزاي! أنا ممكن آخدك بالعافية على فكرة بس مش عايز كدا." تملصت من يده حتى ابتعدت
وأجابته بشيء من الجمود: "هطلب منك طلب يا عمر ويا ريت تنفذه." أجاب بقلق: "طلب إيه؟ أوعي تقولي أطلقك!!! نفت بهزة من رأسها وقالت: "مابقتش فارقة صدقني. الطلب اللي هطلبه هيبقى غريب شوية. اتجوز ريهام يا عمر." اتسعت عيناه من الصدمة حتى لحقت الصدمة شراسة وصرخ بوجهها: "أنتي بتلعبي عليا صح؟! فكراني إني هركع وأقولك سامحيني وأتحايل عليكي عشان تسامحي. بس أنا موافق وهحدد الميعاد النهاردة كمان.
ابتعدت عنه بعنف ثم خرجت من الغرفة تتنفس بمرارة. جلست بجانب الصغير وتذكرت شيئًا. نهضت وبحثت عن حقائبها التي أرسلها عمر إلى هنا بمجرد أن أتى بها إلى هنا. بحثت عن ورقة الزواج التي وقعت عليها باسم شقيقتها أمل ووجدتها بأحد الجيوب الداخلية. نظرت للورقة جيدًا ثم أخرجت ورقة الوصية ونظرت لهما الاثنان وقالت:
"لو كنت صدقتني كنت ديتلك الورقة دي تأكيد لكلامي. لكن ماكنتش هتصدقني وهتشكك فيا برضو وكنت هضيعها من إيدي. بس جه وقتها إنها تطلع." رافقت جميلة ومعها شقيقها حسين "باسم" إلى محطة القطار ليعود إلى مسكنه مرة أخرى بعد أن شرح لها كل ما حدث واتفقا على كل شيء. قالت جميلة: "زي ما اتفقنا يا أستاذ باسم. هنجيب شهادتها من عم محمد وهو هيعرف يجبهم. ولازم ليالي تعرف تطلع لو يوم واحد عشان نخلص الباسبور." أجاب باسم:
"ولو أنه هيبقى صعب بس هحاول." ركب باسم القطار ولوح لهم بالوداع حتى تحرك القطار متجهًا في طريق سيره. أرسلت فريدة إلى عمر حتى يأتي لها بمجرد أن أخبرتها الخادمة كوثر عن وصوله. أتى لها بعد دقائق ودخل غرفتها بوجه ممتقع وقال: "أيوة يا أمي." أسرعت فريدة إليه لتضمه لها وقالت بحماس: "أنا كلمت مامت ريهام على جوازكم واتفقنا على كل حاجة. زي ما يكون قلبي حاسس إنك هتيجي النهاردة." نظر بسخرية وقال:
"ما تتعبيش نفسك. أنا مش هتجوز على مراتي." هتفت بوجهه غاضبة: "مش مراتك. ما تضحكش عليا." ضيق عينيه وقال بحدة وشك: "واضح إن أنا اللي أضحك عليا. بس هقولها لآخر مرة أنا مش هتجوز على ليالي." خرج من غرفتها بعصبية وقد تأكد شكه من جهتها.
خرجت من الغرفة الصغيرة إلى المسبح وانتابها نوبة دوار شديدة حتى سقطت على خده تتنفس بصعوبة وهي ترى غيامات أمام عينيها. لم يتركها الإغماء لفقدان الوعي ولكن تركها الذي أمامها غشاوة أمام ناظريها. ووجع وجهها على جانبه على حافة المسبح وسقطت دمعة من عينيها في مياه المسبح وأغمضت عينيها في نوبة إغماء قد اعتادت عليها.
خرج من القصر متوجهًا لها بغضب وتسارع قلبه بجنون عندما رآها هكذا. أسرع إليها برعب وحملها بين ذراعيه وكأنه يتحدى بها من يقف أمامه. لا يدافع. لا شيء سوى أنه لم يستطع المقاومة أكثر من ذلك. كانت مغشيًا عليها من المرض ومن ما عانته من قسوته في الأيام الماضية. عانت أكثر مما توقعت. تألمت وبكت كثيرًا. وعندما رق وقفت غشاوة عينيها حائلًا لرؤيته.
وضعها على الفراش ودثرها بالأغطية جيدًا من البرد ثم تعمق في ملامح وجهها الحبيبة واقترب وعيناه يتدفق بهما العشق وقبلها من رأسها بقوة. انتبهت لها حواسها حتى استيقظ عقلها الخامل ونظرت له وهي لا تدرك كيف أتت إلى غرفته. اعتدلت في مكانها ولكن أوقفها. وقال: "المرادي الاختيار مش ليكي." نظرت له وقلبها يدق بعنف وخوف: "قصدك إيه." اجتمع بنظرة عينيه كل ما أراده فهي زوجته وهذا من حقه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!