الفصل 5 | من 67 فصل

رواية "ليالي" الوجه الاخر للعشق الفصل الخامس 5 - بقلم رحاب ابراهيم

المشاهدات
22
كلمة
1,441
وقت القراءة
8 د
التقدم في الرواية 7%
حجم الخط: 18

حملقت ريهام بذهول وهي ترى ما حدث، وللحظة شعرت وكأن تفكيرها توقف وعجزت عن الحركة. ما أنبأها من هذه الحالة إلا صوت تامر. حدق تامر بتفاجئ، ثم اتجه مسرعًا لمكتبه بشكل متهرب. ودخل هشام المصعد وهو يبلع ريقه بخوف من الأتي والتورط في هذه الحادثة غير المتعمدة. فلولا أن تامر جذبه، ما كان وقع جمال بهذه الطريقة. هبطت ريهام إلى الأسفل بعد أن فاقت من صدمتها. نظرت للدماء برعب، ثم صرخت وهي تركض إلى مكتب "عمر" المغلق.

بمجرد أن سمع عمر الصرخة، نهض سريعًا وفتح الباب ليراها بوجهها المذعور أمامه، وتشير إلى السلم وكأنها خرساء لا تتحدث. قال بقلق وعدم فهم: _مالك يا ريهام. في إيه؟ ريهام ونبرتها مرتعشة بخوف: _عم.. عم جمال.. برا. لم تستطع أن تستطرد في الحديث، وضعت يدها على وجهها وهي تبكي. ركض عمر إلى خارج الطابق، لتتسع عينيه بصدمة لما رآه، وهتف بحدة وهو يهبط عدة درجات إلى الأسفل حتى وصل إليه: _عم جمااال. ***

سمعت ليالي قرعًا على الباب، وزاد سرعة دق قلبها بشكل غريب. اتجهت إلى الباب حتى فتحته لترى طفلة ذات سن الثامنة من عمرها تقف وتنظر لها بابتسامة طفولية: _أمي بتقولك يا ليالي هاتي أمل وتعالي اتفرجوا على الحاجات اللي جابتها لأسماء اختي في حاجتها. ابتسمت ليالي وهي تمرر يدها برقة على رأس الصغيرة وقالت: _حاضر يا سما، قولي لها خمس دقايق وهنيجي. ركضت الفتاة إلى منزلها بجانب منزل جمال. اغلقت ليالي الباب، ثم

ذهبت لغرفتها واردفت قائلة: _أمل.. أم اسماء بعتتلنا نتفرج على عفش بنتها. البسي وتعالي معايا. حتى تفكي شوية. ردت أمل وهي تنهض ببطء: _خلاص ماشي، روحي انتي وأنا هغير وأسبقك. عايزة اتهوى شوية. أخذت ليالي حجابًا وغطت شعرها الطويل الشديد السواد على عبائتها المحتشمة، ثم ذهبت. بدلت أمل ثيابها بعباءة سوداء وألقت على رأسها إيشارب واستعدت للذهاب هي الآخرى، حتى أوقفها صوت الهاتف الأرضي. رفعت السماعة وأجابت: _الو.

رد عمر من هاتفه الخاص بعد أن أخذ رقم هاتف جمال من أحد زملائه العاملين، وقال بصوت قلق: _لو سمحتي، لو ده بيت عمي جمال، فهو في المستشفى. وقع على السلم ونقلناه المستشفى. اتسعت عين أمل بصدمة وتمتمت بصدمة: _بابا في المستشفى؟ حاول عمر أن يطمئنها عندما شعر بصدمتها من صوتها واستطرد: _بس إن شاء الله هيبقى كويس، ماتقلقيش. وتابع بإيجاز عندما لمح خروج الطبيب من غرفة جمال: _طب، أنا هضطر أقفل. عنوان المستشفى...

ثم أغلق الهاتف واتجه للطبيب حتى صدم من رد الطبيب: _ادعوله، الأمل ضعيف أووي. يستحسن محدش يدخله دلوقتي، الممرضات معاه جوا. أنا آسف. ذهب الطبيب ليترك عمر يقف متجمدًا في مكانه. واقتربت منه ريهام وقالت باكية: _ربنا يقومك بالسلامة ياعم جمال. ربنا قادر على كل شيء يا عمر. لاح على وجهه الحزن وقال: _ربنا يقومه بالسلامة. أنا مش عارف إزاي وقع.

زاد القلق والتوتر على وجه ريهام، فهي لم تخبره بما حدث وترددت في اخباره. فهذه كارثة أخرى ستدمر هذه العائلة، والتزمت الصمت، وخصوصا أن الواقعة كانت قضاء وقدرًا وليست متعمدة. أتاها اتصال هاتفي بضرورة وجودها في أحد المواقع. استأذنت من عمر وانصرفت بوعد العودة خلال ساعة حتى تنهي العمل. جلس عمر على أحد المقاعد ونظر للأسفل بألم، ولم يتحمل الجلوس أكثر. دخل الغرفة وراقب ذلك الوجه الشاحب والساكن.

عدى بعض الوقت حتى بدأت جفون "جمال" ترتعش، ثم فتحت قليلا ليرى نفسه وسط كم هائل من الأجهزة الطبية حوله. غمغم بتيهة وهو في حضرة الموت. اقترب منه "عمر" بشكل سريع وتأمل وجهه الشاحب وقال: _سلامتك ياعم جمال. بأذن الله هتقوم بالسلامة. بلع جمال ريقه بصعوبة بعين دامعة، وحرك فمه ببطء بكلمات حروفها متقطعة، حتى استطاع أن يقول بصعوبة: _بن... بناتي. حرك عمر رأسه وقال بتأكيد:

_ما تقلقش عليهم. هما جايين في الطريق. اتصلت بيهم. بس قوم انت بالسلامة أهم حاجة. تهته جمال قبل أن يتلفظ أنفاسه الأخيرة: _وصيتك.. بناتي. ولم يستطع قول المزيد أو يقول أي شيء آخر. ثم ارتفع أصبع التشهد، وبعدها سقطت يده إلى الأبد. اغلق عمر جفن عين جمال بيده، وعينيه تملأها نظرات حزينة على فراق هذا الرجل الطيب الذي كان يعتبره بمثابة والده. وكرر الشهادة بجانب أذنه عدة مرات وقال:

_مع السلامة يا راجل يا طيب. مع السلامة ياعم جمال. هتوحشني ااوي. على وصول أمل إلى المشفى بأقصى سرعة دون أن تخبر أي أحد بما حدث. وقفت عند الباب بلا حراك، وقد شهدت على آخر لحظات والدها ووصيته الأخيرة لهذا الرجل. دخلت بحركة بطيئة إلى الغرفة ونظرت بعدم تصديق ودموع تسقط لا إراديًا، وقالت بصدمة: _ابويا ماله؟ وضع عمر طرف الفراش على وجه والدها وقال بأسف: _البقاء لله. الله يرحمه.

خطت أمل خطوات إلى الجسد المغطى بالأبيض، وأزالت الغطاء ونظرت بدموع متألمة وقالت بخفوت: _هتمشي قبل ما تسامحني؟ هتسيبنا خلاص؟ والقت رأسها على صدره وبكت بألم. تركها عمر وذهب لينهي إجراءات خروج الجثة بأسرع وقت، ولكن أخذت إجراءات الخروج بعض الوقت. ***

عادت ليالي إلى المنزل بعد أن أصرت جارتهم السيدة الطيبة "أم اسماء" أن تريها كل شيء اشترته مؤخرًا لجهاز ابنتها العروس. وانتظرت مجيء شقيقتها أمل، ولكن لم تأتي. واكتشفت بعد عودتها أن أمل ليست بالمنزل. شعرت بقبضة قاتلة في قلبها وأرادت أن تبكي بشدة بدون سبب، حتى سمعت ضوضاء صادرة من الخارج. اقتربت من نافذة مطلة على الشارع لترى فراشة "صوان" خاصة بالعزاء ينصبها بعض الرجال. انكمش حاجبيها بضيق وقالت:

_يا ساتر يا رب. مين اللي مات؟ وضعت يدها على صدرها بخوف وكررت بعض الأذكار، حتى سمعت صوت "أم اسماء" بصراخ عالٍ. أسرع نبض قلبها، ركضت واعتقدت أن زوجها "الحاج محمد" وهو زميل والدها في العمل حدث له مكروه، وركضت إليها لتتفاجئ بأن هذه السيدة بمجرد أن رأتها أسرعت إليها وصرخت: _ابوكي مااات يا ليالي. ابوكي ماااات. وعادت للصراخ مرة أخرى. تجمد وجه ليالي من تجمد قلبها، حتى اسودت الدنيا حولها وسقطت مغشيًا عليها.

وصلت سيارة عمر ومعها سيارة أخرى بها "الجثمان"، حتى يأتي ويغسل ويخرج من منزله. التف الناس بحزن وهم يخرجون الجثمان، ووقف عمر بنفسه مع بعض المقربين للمتوفي في الغسل. وكل هذا وليالي بعالم آخر بغرفتها وبجانبها بعض الفتيات المتشحات بالألوان الأسود. دخلت أمل سريعا إلى ليالي عندما أخبرتها جارتها بما حدث لليالي. هزت جسدها بعنف وقالت: _فووووقي. قومي سلمي على ابوكي قبل ما يمشي.

بدأت تفيق بالفعل وكأن هذه الجملة ألقت عليها أسلاك مكهربة. لم تتفوه، ولكن عينيها متسعة على آخرهم بدموع حارقة. صفعتها أمل بقوة وقالت: _فووقي قبل ما يمشي. وقد نجحت الصفعة في وهج هذا البركان، حتى نهضت سريعا وفتحت الغرفة لترى الرجال قد أخرجوه من المنزل ويهبطون على السلم. صرخت بأعلى صوتها: _بااااااابااااااا. هتسيبني لمين؟ صرخت وصرخت، ولكن لم يتغير شيء. لا الموتى يفيقون ولا الأحياء استمعوا لها ولصرخاتها.

اتجهوا للمسجد القريب، وذهب حشد غفير وراء الجثمان لصلاة الجنازة. دخلت مسجد النساء، ورغم أنها على وضوء، ولكن توضأت مرة أخرى وصلى الجنازة وهي لم تستوعب بعد ما يحدث وكأنه كابوس. لم ترى أمامها أحد، ولم ترى عمر لأنه كان يتقدم الجميع ويحمل أحد زوايا "النعش". تصرف بشهامة خالصة. انتهت الصلاة وتوجه الجميع للمدافن. أخذت إحدى الفتيات ليالي إلى سيارة أجرة حتى تذهب خلفهم. ولم تستطع أمل الذهاب بسبب العزاء.

وصلت السيارات إلى المدافن، وحمل الرجال ومعهم عمر "النعش" مرة أخرى واستعدوا للدفن. خرجت ليالي من السيارة وركضت إليهم. كان عمر يحدث أحد الرجال في أمر ما يخص الدفن ولم يلاحظ تلك التي تركض ونظرتها ساقطة على الجثة ذات الكفن الأبيض على الأرض، حتى وصلت له وسقطت على الأرض باكية. وضمته بقوة وهي تصرخ. انتبه عمر لها ولم يرى وجهها لكونها أمامه وهو خلفها، حتى اشتد بها الصراخ وهم يأخذوه من يدها ويدخلونه قبره. أسندها عمر حتى صدم.

نظر بذهول لوجهها الباكي من الألم والقهر وقال بصدمة: _لياااالي! كانت تغمض عينيها وتصرخ وهي تحاول الإفلات من يده وتعود لضم والدها، حتى سمعت صوته. فتحت عيونها، وبعينيها نظرة عميقة تعترف صراحة بالضعف لأول مرة أمامه. ما يفكر به الآن لن يستطيع تنفيذه، فهذا خارج نطاق الأصول والتعقل. أراد ضمها بقوة، بقسوة، بدفء، بحنان، باحتواء. ولكن كيف؟ حتى صرخت مرارًا وتكرارًا، مما جعل قلبه يعتصر لأجلها، وقال:

_اللي بتعمليه ده هيعذبه.. أحسن حاجة تدعيله بالثبات على السؤال.. أكتر حاجة محتاجها دلوقتي. بكت بحرقة وهي تقول: _مات إزاي؟ كان كويس. أنا ماشفتهوش.. ماودعنيش ولا ودعته. إزاي مش هشوفه تاني؟ إزاي بس؟ بلع ريقه بألم وهو يشعر بما تشعر به، فهو مر به سابقًا. انتهى الرجال من الدفن وذهبوا. جلست ليالي أمام القبر تبكي، وهي تقرأ بعض الآيات القرآنية بقلب يصرخ من الألم، ثم قالت: _سيبتني لوحدي يابابا. دحنا مالناش حد. أجاب عمر بقوة:

_ليكي ربنا.. وأنا. صدمتها جملته، وألقت عليه نظرة متسعة. ثم تابع هو حديثه: _انتي وأختك تحت وصايتي.. دي وصية أبوكي الله يرحمه. ولازم تتنفذ سواء رضيتي أو لأ.. أنا ماقدرش أخالف الوصية.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...