لا أعرف ماذا بي .... لماذا أشعر هكذا؟ لماذا تخلل الأمل وداعب أحزاني برؤيتك مرة أخرى؟ هناك خفقة قلب تهوي مراراً بداخلي.. أريد أن أسألها! ماذا بك؟ ولكن تهرب مني... وتتركني حائر بين أزقة التيهة. وقلبي يتفقد طريق العشق دون إخباري... دون استئذاني. دون أن يدرك إنه يبحث عن طريق لأحزاني. انتبه أيها القلب... أجاب عمر بقوة: _ليكي ربنا... وأنا. صدمتها جملته وألقت عليه نظرة متسعة ثم تابع هو حديثه: _أنتي وأختك تحت وصايتي...
دي وصية أبوكي الله يرحمه. ولازم تتنفذ سواء رضيتي أو لأ... أنا ماقدرش أخالف الوصية. كانت الشمس ساطعة بنهار كشف على وجهها وضوح الضعف، وضوح الألم المطل من عينين ذابلتين يكمن بهما قوة الألم البركانية الذي تطوق أمواج المجهول وبهتت ألوانه حد القتامة. رمقته بنظرة مذهولة من حديثه ورددت جملته الأخيرة بتساؤل: _بابا وصاك عليا أنا وأختي؟
صوب نظراته للأمام، لقبر والدها بالتحديد وتعابير وجهه ثابتة وقوية، ولكن نظرة عينيه تلمح كي لا تكشف بعض الحقائق. إنه رحب بهذه الوصية بشكل أراح قلبه كثيراً، بشكل أكثر من حيرته وشعوره الغامض نحو هذه الفتاة بالتحديد. حرك رأسه بالإيجاب: _آخر حاجة قالهالي... وصيتك بناتي... دي وصية والدك ولازم تتقبليها.
وضعت رأسها على قدميها وتعالى صوت شهقاتها ببكاء زرع في قلبه لهفة عنيفة لاحتوائها. أسرعت يده لتربت على كتفها بحنان ولكن أرادها سريعاً وغمر عيناه فيض من حنان لم يصدق إنه كان مدفون بداخله وتحدث: _ليالي...
لازم تبقي قوية. الحياة مش هتتقبلك وأنتي كدا ولا والدك هيبقي مرتاح وأنتي كدا. هو سابكم تحت وصايتي لأنه واثق فيا عشان هو تقريباً اللي مربيني وكان دايماً جانبي أنا ووالدي. وده شيء أنا عمري ماهنساه أبداً. وكشيء من رد الجميل لازم تصدقيني وتعتبريني مكانه... رفعت رأسها بشراسة وزاد اسوداد عينيها وقالت بهتاف حاد وهي تنهض وتقف أمامه: _مافيش حد زي بابا. محدش هيقدر ياخد مكانه. لا انت ولا غيرك... ثم توقفت.
أزعجها طنين الذباب الذي يحوم في الجو حتى اقتربت ذبابة بقرب عينيها ثم طارت. أجابها بنبرة دافئة حنونة تشع من عينيه ذات اللون الفاتح وملامحه الشديدة الوسامة والرجولية الذي غلفت دفء حديثه بشكل يعصف بمقاومتها: _والدك ما ماتش... أنا موجود. أنا عارف إن الفراق صعب بس لو بتحبيه ماتعذبوش بحزنك ده. ادعيله على أد ما تقدري. و أقوي يا ليالي... وأنا جنبك ومش هسيبك أبداً.
تاهت عينيها من الحزن والحيرة وقلب حياتها رأساً على عقب هكذا في عدة ساعات فقط. تركتُه وابتعدت عائدة إلى المنزل. هناك حالة غائمة من الضعف لا تريد إلا الانفراد. قال وهو ينظر للقبر بنبرة صادقة: _بناتك في رقبتي ياعم جمال... وليالي. ذهب خلفها حتى اقترب منها ولاحظ يدها التي لم تكف عن كفكفة دموعها المنهمرة، ولم يُرد أن يغضبها أكثر بالحديث. وقف سائقه في أول مدخل المدافن ينتظره. قال لها بلطف:
_اركبي عشان تروحي البيت. مش هتلاقي تاكسيات بسهولة هنا. تعرف ذلك جيداً، لذلك لم تعترض ودخلت السيارة وجلس هو بجانبها، ثم تحركت السيارة في الطريق. تنظر من النافذة بنظرة ضائعة. نسمات الهواء جعلتها تختنق بحزن وتساءلت: ألم يستنشق والدها هذا الهواء مجدداً؟ ألم يره أي شخص في الكون بعد الآن؟ ألم يعد له وجود من الأساس؟ تريد رؤيته الآن بأي طريقة، تريد رؤيته بأي شكل. اختفى من حياتها فجأة، بدون وداع، بدون أن تشبع عينيها منه.
وصل السائق إلى منزل المتوفي وتوقف بعيداً عن "الصوان". نظرت ليالي من بعيد وهي تترجل من السيارة. نظرت للوجوه. أرادت أن تركض وتقول لهم: لا... هذا ليس صحيح... هناك خطأ ما... سيعود. ولكن تصفعها الحقيقة. ركضت إلى المنزل وهي تضع يدها على فمها لتكتم صرختها. وخرج عمر من السيارة أيضاً ونظرته عليها بقلق. ثم ذهب ليتولى مهمة أخذ العزاء بنفسه. ***
شقوق الحوائط وهي تصعد إلى شقتهم كشقوق حنايا القلب. بل القلب أكثر شقوق. شقوق لا يطببها الزمن ولا يشفيها الدواء. دخلت إلى المنزل الذي بابه مفتوح على مصراعيه يستقبل المعزين. حتى وقف بعضهم واقتربوا منها ليقدموا تعازيهم ببالغ الأسى والحزن لهذه الفتاة التي أصبحت يتيمة الأب والأم. جلست بجسد متراخٍ وكأن كل مفصل انفصل بذاته كالعجوز. وانتقلت نظرتها للوجوه الحزينة. هل هذا حقيقة أم حلم؟
مضى ساعات وإلى الآن لم تصدق كلياً إن هذا حقيقة بالفعل. تاهت ثم ضاعت في خلايا الحزن والقهر. حتى أدخلها بعض النسوة لغرفتها عندما لاحظوا شحوبها القوي وكأنها على وشك الإغماء من جديد. مضى الوقت وأتى المساء ولم ينتقل عمر من أمام المنزل وقلبه معلق بالأعلى. وفي كل لحظة تمر عليه يزداد لهفة لرؤيتها مرة أخرى. دق هاتفه باتصال من "ريهام". ابتعد قليلاً ثم أجابها: _أيوه يا ريهام. أنا في العزاء مش هعرف أكلمك دلوقتي. تنهدت
ريهام بحزن وقالت بأسف: _البقاء لله. أنا وصلت المستشفى تاني عرفت إن عم جمال توفى وانت استلمت جثته ومشيت. أنا آسفة بجد يا عمر ماقدرتش أجي على طول. زفر عمر بضيق وهتف: _ريهام أنا في عزا. مافيش وقت لكلامك. تعجبت ريهام بعض الشيء من عصبيته التي لا يستخدمها معها إلا نادراً. فدائماً كان متزناً في غضبه. وقالت: _أنا عايزة أجي أعزي أولاده بس مش عارفة البيت. لم يعرف لماذا كره مجيئها وقال بعجالة:
_مش مشكلة. أنا هقفل دلوقتي. ونتكلم بعدين. بعد أن أكمل جملته تحدثت ريهام ولكن لم يستوعب ما قالته بسبب صريخ ليالي بالأعلى بصوت ينتحب. بعد أن دخلت ليالي الغرفة جلست قليلاً وانتابها شعور جنوني بالفقد وصرخت بأعلى صوتها: بااااابااااا. عايزة أشوفك مش قااادرة يابابا على الفراق. وكررت الصراخ مرة أخرى.
أغلق عمر الهاتف بوجه ريهام دون أن يدري وهو ينظر للنافذة التي يأتي الصوت منها. ولو استطاع أن يركض إليها الآن لم يتردد ثانية واحدة. بلع ريقه بضيق من قيده هكذا وتوجه ناحية "الحاج محمد" وهو أيضاً يعمل عنده بالشركة في أمن البوابات. وقال بقلق: _هي هتفضل تصرخ كدا؟ مسح الآخر عينه وقال بأسى: _الله يكون في عونها يابني. دي كانت نن عيون أبوها. ومالهمش حد غيره. دي حتى أمها متوفية.
تفاجأ عمر من هذا الخبر. فبرغم أن جمال يعمل بالشركة من سنين، ولكن لم يتحدث أبداً عن حياته الخاصة لأي أحد. ورفع نظره للأعلى بنظرة متوعدة بالحنان وكأنه ينظر لها الآن. انتهى وقت العزاء وذهب الجميع. أخذ الحاج محمد عمر لمنزل الذي يواجه منزل جمال وقال: _اتفضل يا عمر بيه عندي في البيت. أم أسماء والبنات عند ليالي وأمل وهيفضلوا عندهم كام يوم مش هيسيبوهم.
ذهب معه عمر الذي منعه قلبه أن يتركها ويذهب. وعندما أدخله الحاج محمد إلى منزله، اتصل عمر فوراً بوالدته ليطمئنها عليه. ولكن والدته كانت تعلم الخبر من ريهام وقالت: _لا إلا إلا الله. أنا اتصدمت لما ريهام قالتلي. الله يرحمه كان راجل طيب. أجابها عمر بايضاح: _أنا آسف يا أمي بس مضطر أبقى هنا لبكرة عشان العزاء. انتي عارفة إنه مالوش أولاد ولا حتى قرايب ومش معقول هسيب بناته لوحدهم في الوقت ده. وافقته فريدة بقوة وقالت:
_أيوه طبعاً ماينفعش. دول بنات. أنا هاجي بكرة أعزيهم بنفسي وريهام هتيجي معايا وخليت تامر يجبلي عنوانه. ضاق عندما أتت على ذكر مجيء ريهام وقال مختصراً الحديث: _خلاص. هقفل دلوقتي. أنهى الاتصال بشعور حانق لم يعرف مصدره. ولكن ما يعرفه إنه لا يريد مجيء ريهام. ثم تكرر صريخ ليالي مجدداً مما جعله يفتح نافذة الصالة الذي يقف فيها وألقى نظرة على نافذتها المفتوحة وظهرت أمامه وهي تريد الإفلات بصريخ من الفتيات للخروج.
وتصرخ بقهر وتنادي على والدها ببكاء صارخ. ظهرت تقطيبة على وجهه ونظرته أرسلها بموجة حنونة كي تضمها وتربت على قلبها الحزين وتوعد مرة أخرى بشكل تعجب منه هو شخصياً. إنه سيكون في مكانة والدها. أتى الحاج محمد من المطبخ ببعض الأطعمة الخفيفة ومشروب ساخن وقدمه لعمر وقال: _حاجة بسيطة يا عمر بيه. أنا عارف إنه مش أد المقام. رد عمر بنظرة ممتنة وقال:
_أوعي تقول كدا يا عم محمد تاني بس أنا والله ما جعان. من ساعة اللي حصل وأنا ماليش نفس لأي حاجة. تنهد الآخر بحزن وقال بألم: _الله يرحمه. كان أكتر من أخ. بس ده حال الدنيا. كاس وداير على الكل. ثم تابع: _انت جدع أووي يابني. وقفت طول النهار تاخد العزاء وكأنك ابنه. أجابه عمر بحزن: _كنت بعتبره أبويا. وده أقل واجب أقدر أقدمه له. وافقه الحاج محمد ثم تابع بتساؤل: _بما إنك هتفضل عشان تكمل واجب العزاء بكرة يبقى هتبات معايا هنا.
وافقه عمر وأجاب: _خلاص ماشي. دخل عمر غرفة الضيوف في منزل الحاج محمد. وللصدف هذه الغرفة كانت تتطل مباشرة على نافذة غرفة ليالي أكثر من نافذة الصالة. سمع أنينها مرة أخرى وتألم من أجلها. حتى قال بخفوت: _يا رب أقدر أنسيها الحزن ده. لو تعرفي أنا حاسس بأيه دلوقتي يمكن كنتي تهدي شوية. *** حاول تامر الاتصال بهشام ولكن لم يُجب الآخر. فأعتقد تامر إنه في أحد سهراته. دخلت والدة هشام "فريدة" إلى غرفة ابنها
وتطلعت إليه مبتسمة وقالت: _أظاهر كدا دعوتي استجابت. الساعة ١٢ وأنت هنا. يارب دايمًا. كان يجلس في شرفة غرفته بشرود ولم ينتبه لحديثها على الإطلاق حتى لاحت بيدها أمام عينيه حتى ينتبه لوجودها. أجاب بعصبية: _أيوه يا ماما. في حاجة؟!! مطت شفتيها بتعجب وجلست أمامه على أحد المقاعد وقالت: _إيه اللي واخد بالك. قولي!! هتف بعصبية وهو ينهض واقترب من فراشه والتقط هاتفه:
_كل كلامكم معايا أسئلة يا أما أوامر. يا أما مستغربين من تصرفاتي. نظر للهاتف الذي جعله صامت لا يزعجه أحد بالاتصال. ولاحظ كم الاتصالات من تامر. أغلق الهاتف بعصبية ثم رماه بغضب. قامت والدته وقالت وهي تشير يدها باستسلام وقالت: _خلاص خلاص. مش هسألك. المهم تفضل كدا. اقتربت من الباب لتخرج وألقت عليه نظرة أخيرة بشك ثم خرجت وأغلقت الباب خلفها بهدوء. ملأ القلق على وجه هشام وقال بتوتر: _يا ترى تامر بيتصل ليه دلوقتي؟
معقول حد يكون عرف حاجة؟!! *** في فيلا والد ريهام. جلست في غرفتها شاردة وبيدها الهاتف المحمول. ثم فتح باب الغرفة لتدخل والدتها مبتسمة. قالت: _ريروو. لسه صاحية يا قلبي؟ انتبهت ريهام لصوت أمها ورسمت بسمة على وجهها وقالت: _اه يا مامي صاحية. تعالي اقعدي معايا شوية لو مش جايلك نوم. جلست الأم أمامها وقالت بشك: _أنا عارفة إنك بتفكري عمر. لأنك تقريباً مش بتفكري غير فيه. بس عايزة أقولك حاجة مهمة اوووي.
تعجبت ريهام من كشف أفكارها لهذه الدرجة أمام والدتها وقالت: _حاجة إيه؟ استطردت الأم في القول بشكل جدي: _أنا اتكلمت بصراحة مع فريدة عشان عارفة إنك بتحبي عمر من زمان وكنت عايزة تاخدي فرصة معاه. لكن مش عايزة أقولك من نفسك قدامه. رمقتها ريهام بقلق وقالت بعبوس: _أقول من نفسي!!! إزاي؟ تابعت الأم موضحة:
_لو ما حبكيش ماتكمليش معاه. أو أوعي تعملي كدا. لو ماخدتيش واحد عايزك وعايز يكمل معاكي يبقى بلاش لأنك هتتعبي اووي. عمر محترم جداً وشخصية قوية. لكن يا ريهام مابيعجبنيش إهماله ليكي. ومش عاجبني تأجيله للخطوبة كل شوية ومافيش سبب لده!! بررت ريهام وقالت باعتراض: _لأ انتي فاهمة غلط. هو بس بيبقى ورا شغل كتير جدا ومستني وقت يكون فاضي فيه أكتر من كدا. نهضت الأم وقالت بتصريح واضح:
_يوم ما الراجل بيحب واحدة بيسيب الدنيا عشانها مش بيسيبها عشان دنيته... فكري قبل ما تاخدي الخطوة دي انتي لسه على البر. ثم خرجت من الغرفة تاركة ريهام في بئر أكبر من الحيرة والخوف من الأتي وقالت بضيق: _بقى بعد الحب ده كله يا عمر ولسه مش حاسس بيا؟ مش عارفة اعمل إيه أكتر من كدا. لم تستيقظ لأنها لم تنام من الأساس وكذلك هو. وكيف يغفى والقلب يوقظه كلما سمع صوتها المتألم؟
واتى الصباح بساعاته الأولى بشكل بطيء حتى بدأ صوان العزاء يستقبل القادمين مرة أخرى. حتى لمح سيارة والدته تقف من بعيد. ترجل منها كلا من والدته وريهام. هب واقفا بعصبية واقترب منهم ونظر لريهام بحدة مما جعلها تشك إنها فعلت شيء عصبه منها بهذا الشكل. قالت فريدة: _وصلني للبيت يا عمر عايزة أعزي بناته. أجابها بهدوء: _اتفضلي يا أمي.
اتجهوا إلى منزل جمال وصعدوا إلى الشقة حتى دخلت فريدة ومعها ريهام إلى المنزل واستقبلتهم زوجة الحاج محمد ووجهتهم إلى ليالي الجالسة بزاوية بعيدة وتائهة في عالم أحزانها. جال بنظره في أنحاء المكان حتى وقع نظره عليها وضاقت عيناه لمرآها هكذا. ثم ذهب ليعود إلى العزاء بقلب قد اختار أكثر طرق العشق... ألم... دون أن يدري. حقا لم أعرف... حقا لا أستطيع أن أصف هذا. ولكن أكره دمعتك يا فتاة تمنى القلب تبنيها.
وأقسم أن يتصدى لألامك ويشفيها. اتركيني بجانبك وجراحك سأداويها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!