وتحسس جانب وجهه وتذكر وجه آخر شبيه للوجه الذي أمامه الآن. _يمكن لو كنتي عملتي كدا كان زمانك مراتي رسمي دلوقتي! وقع حديثه على مسامعها كخناجر تطعن قلبها بقسوة ولم تجد إجابة مقنعة تدافع بها عن نفسها، فهي مخطئة كل الخطأ. انهمرت دموعها بقوة وقالت وجسدها ينتفض بعنف:
_أنا فعلاً رخصت نفسي. ماكنتش صعبة معاك، بس تعرف إنك أرخص بكتير. لأنك استغليت ضعفي والحالة اللي كنت فيها. استغليت ظروفي وإحساسي بالجرح اللي عشته قبلك. كنت أغبى إنسانة في الدنيا لما صدقت كلامك ولغيت عقلي عشان واحد ما يقلش عنك قذارة. نظر بسخرية وقال: _أنا مش مسؤول عن غبائك. انتي عشتيلك يومين حلوين معايا وأنا جاي النهاردة عشان نصفي حساباتنا. نظرت له بقلق وترقب ثم قالت:
_أنا مش هجهض مهما قولت وعملت. ده ابني ومش هخلي مخلوق يأذيه. اقترب منها وهو يضم قبضة بشكل خطر وقال بنظرة متوعدة: _لو ما عملتيش كدا هفضحك. أخرج هاتفه من جيب بنطاله وبحث عن شيء ثم وجه الهاتف لها وراقبها وهي تتسع عينيها بفزع مما تراه عبر فيديو محفوظ على الهاتف. نظرت له وحاولت أن تأخذ الهاتف ولكن سبقها وبعده عنها ثم وضعه في جيبه مرة أخرى. صاحت هي: _آه يا قذر يا حيوان يا سافل! انت مصورني! قهقه عالياً ثم قال:
_وانتي كنتي فاكرة إني عبيط ومش عامل حسابي؟ انتي متصورة وانتي معايا يا حبيبتي. بس ماتخافيش الفيديو ده مش هيطلع إلا إذا... اصطكت أسنانها من الرعب والخوف وانتفض جسدها وهي تقول: _إلا إذا إيه؟ نظر لها بخبث وأجاب: _إلا إذا ما عملتيش اللي أنا عايزه. اللي هو إيه بقى؟ بصي... أولاً موضوع حملك محدش يعرفه نهائي ولا انتي قولتي لأختك أو أي حد تاني. نظرت له بكره ورمته بنظرات قاتلة ثم قالت بنفي وبكاء: _لأ. محدش يعرف.
ابتسم بخبث وقد نال هدفه بشيء ما بدأ يتجمع في ذهنه وقال: _بخصوص اللي في بطنك لو مش عايزة تنزليه انتي حرة مش هجبرك بس محدش يعرف على الأقل دلوقتي. انتابها القلق مع شعورها بالخوف والحسرة من ما اكتشفته للتو وقالت: _أنا هعمل كل اللي انت عايزه بس بلاش الفضيحة ابوس إيدك يا هشام بلاش. تابع حديثه:
_يبقى اتفقنا. انتي تعملي اللي أنا عايزه وأنا كمان هعملك اللي انتي عايزاه. مش انتي مش عايزة تجهضيه خلاص خليه بس أي كلام بخصوص الموضوع ده يبقى معايا وبس ولو حرف وصل لأهلي هيبقى الفيديو ده على اليوتيوب في خلال دقايق. أمل بغضب: _طب وانت مش خايف تتفضح لو نزل زي ما بتقول؟ ضحك باستهزاء وقال: _ده على أساس أني هنزله وهظهر وشي!!!
انتي اللي هتظهري بس يا روحي وأنا هيكون وشي مخفي ومحدش هيعرفني. وعلى فكرة لو عمر أخويا ومليون زيه حاولوا يمنعوني مش هيعرفوا. أنا عامل حسابي على كل حاجة. ارتعش جسدها ثم سقطت على مقعد قريب منها واجهشت في البكاء وقالت بحزن: _حرام عليك. عملتلك إيه عشان تعمل فيا ده كله! وكمان إزاي هقدر أخبي على أختي ده أنا عديت الخامس وبلبس واسع عشان ما يبانش عليا. وارتحت لما ليالي اشتغلت عشان تنشغل عني وما تلاحظش.
ردد اسمها بخفوت وببسمة ماكرة ثم قال وهو يتحسس وجهه مرة أخرى: _ليالي أختك دي غيرك خالص. لم تنتبه أمل الذي كانت تنتحب وتندب حظها الذي أوقعها بهذا الشيطان الذي لا ضمير له. ثم تابع بحدة: _هبقى أتصل بيكي وهقولك تعملي إيه. بس ما تقوليش لحد خالص دلوقتي انتي فاهمة؟ هزت رأسها بضياع وقالت باستسلام: _وأنا في إيدي إيه غير كدا. رماها بنظرة محتقرة ثم خرج من المنزل. وضعت أمل يدها على رأسها وقالت بانتحاب:
_يا مصيبتك السودة يا أمل. هعمل إيه دلوقتي وأنا خلاص رقبتي بين إيديه. أنا اللي عملت في نفسي كدا. ياااارب أموت. بعد مرور عدة ساعات أخرى "في الشركة". تطلع عمر إلى ليالي الجالسة أمامه وتنظر للحاسوب بنظرة متعبة وشبه مغلقة ثم وضعت يدها على رأسها بألم. قال بقلق: _الصداع رجع تاني!! لازم نروح للدكتور عشان أطمن عليكي. أقولك قومي معايا دلوقتي. نهض من مقعده ووقف أمامها بتصميم. أجابت معترضة وهي تترك الحاسوب من يدها:
_صدقني مافيش داعي. هبقى كويسة ما تقلقش. أنا مابحبش الدكاترة يا عمر ومابحبش أشوفهم. وامتلأت عينيها بالآلام ولاحظ ذلك. جلس أمامها وقال بلطف: _طب أنا قلقان عليكي. أعمل إيه وأنا شايفك كدا؟ نهض فجأة وابتسم بخبث ثم قال وهو يهم بالخروج: _عرفت. ثواني وهجيلك. نظرت له بتعجب واحتارت بالأمر واخرجها ألم رأسها من سيل تفكيرها حتى مرت دقائق وقد أتى عمر مرة أخرى وفتح باب المكتب ثم دخل ولم ينتبه للتي تراقبه في صمت ومن الخارج.
وضع فنجان القهوة أمامها بابتسامة مرحة وقال: _لما بيجيلي صداع بعمل قهوة وبيروح على طول. أنا عارف إني بعمل قهوة مش أد كدا بس حاولت أظبطها والله 😁. ابتسمت وهي تراه يتحدث بهذه الطريقة ثم تذكرت أن الطبيب منعها من احتساء الكافيين واحتارت ماذا تفعل!!! ومن عدم الذوق واللياقة أن ترفض هذه المبادرة اللطيفة منه فأحتست مرغمة بعضاً منها ثم وضعت الفنجان وقالت بابتسامة: _الله حلوة أووي بجد تسلم إيدك. بادلها الابتسامة بابتسامة مرحة.
راقبت ريهام هذا المشهد من بعيد وهي تنظر بدهشة ولم تتحكم بدموعها التي انهمرت دون توقف ثم نظرت له متفحصة وجهه وعينيه التي ينظر بها لهذه الفتاة الجالسة أمامه وألمها كثيراً نظراته التي يملأها الحب ويتضح بشكل ظاهر تماماً وتفصح نظراته عن ما يجول في نفسه. انسحبت ريهام بهدوء حتى لا يشعر بها أحد وكتمت فمها حتى خرجت من الطابق بأكمله ودخلت المصعد.
مثل ما راقبت عمر كانت ريهام مراقبة من تامر الذي شاهد المشهد كاملاً للثلاثي. ورأى الطرف الثالث وهي تركض باكية. دخل مكتبه ورفع يده باستسلام وضحك بقوة ثم قال: _أنا ماليش دعوة. الدنيا بتبوظ بعيد عني. لحد دلوقتي أنا ما عملتش حاجة. أتاه صوت رنين هاتفه حتى أجاب مسرعاً عندما لاحظ رقم هشام: _الو. أجاب هشام بقوة: _تامر. تعرف إنك غبي. تاني مرة أتأكد إنك غبي. ضيق تامر عينيه وقال بحدة: _ليه إن شاء الله؟ أجاب هشام بايضاح:
_بقالك قد إيه مفهمني إن اللي بتشتغل في الشركة تبقى... قاطعه تامر وقال بثقة: _تبقى بنت عم جمال ولو مش مصدق تقدر تيجي وأوريلك أوراقها بنفسي. تابع هشام: _بس مش اللي أعرفها. دي أختها مش هي. اللي عندك تبقى ليالي أخت أمل. جلس تامر والدهشة تملأ وجهه وقال: _هو عم جمال عنده بنتين! أنا بحسبها واحدة بس. رد هشام: -ابقى ركز يا تامر، انت مش عاجبني اليومين دول. أجاب تامر بغيظ وحاول أن يتمالك أعصابه وصب غضبه على أوراق، دفعها بقوة
لتقع على الأرض ثم أجاب: -ماشي يا هشام، هركز. بس انت هتعمل معاها ايه؟ جاء صوت هشام بنبرة خبيثة تحمل الكثير من الغموض: -هتعرف. سلاااام. أغلق الخط ودفع الهاتف في مقعد السيارة بجانبه ونظر لطريق السير أمامه وهو يضغط على مقود السيارة بتفكير وقال: -ماكنتيش في الحسبان يا ليالي، بس بصراحة دخلتي دماغي. وأنا اللي يدخل دماغي مش بيخرج إلا بمزاجي.
بعد فترة بكاء ونحيب قضتها أمل بدموع الندم، حاولت أن تتماسك قليلاً وتتظاهر بشكل يبدو طبيعي، فشقيقتها قد اقترب ميعاد وصولها إلى المنزل. وبعد قليل سمعت أمل دقات متتالية على باب المنزل، فذهبت إلى الباب لتفتحه وقابلت شقيقتها بوجه شاحب كالآموات وجمود غريب قد استيقظ على ملامحها بعكس الأمس. دلفت ليالي بداخل المنزل ووضعت حقيبتها على الأريكة ثم قالت وهي تدلف إلى غرفتها: -مش هاكل يا أمل، أنا عندي صداع فظيع ومحتاجة أنام.
دخلت الغرفة وبدلت ملابسها سريعاً وهي تكاد تسقط ثم تمددت على الفراش وغرقت في ثبات عميق. ألقت أمل عليها نظرة ثم أطفأت إضاءة الغرفة وتركت الباب مفتوح. في الصباح. استيقظت ليالي مبكراً كعادتها واغتسلت، ثم توضأت وصّلت الضحى، وبعدها استعدت للذهاب إلى العمل. دخلت إلى غرفة أمل ورأتها ممددة في فراشها وعينيها شاردة وبها لمحات الحزن والألم. اقتربت ليالي منها بقلق وقالت: -صباح الخير يا حبيبتي.
لم تنتبه أمل لدخول ليالي، حيث انتبهت لصوتها ونظرت لها بدهشة وقالت: -صباح النور، أنا ما حستش بيكي. جلست ليالي بقربها وقالت وقد لاحظت علو منطقة البطن عند أمل بشكل غريب: -قومي اتحركي يا أمل، غيري جو، اخرجي. بصي بكرا الجمعة إيه رأيك نخرج سوا؟ اعترضت أمل: -لما يبقى ييجي بكرا نبقى نشوف. قبلتها ليالي رغم إنها استاءت لنبرة أمل الحزينة وقالت:
-طب هروح الشغل دلوقتي ولما أرجع نبقى نتكلم عشان في حاجة عايزة أقولهالك ومالحقتش أقولك امبارح كنت تعبانة ونمت. ردت أمل بلا اكتراث: -خلاص لما تيجي. خرجت ليالي من الغرفة وأخذت حقيبتها وخرجت من المنزل بأكمله. في الشركة. ألقت ليالي السلام على عم محمد ثم دلفت بداخل المبنى وتبادلت هي وهايدي نظراتهم المعتادة، ثم صعدت للطابق الإداري.
عند دخولها المكتب تفاجأت بوجود عمر، الذي ابتسم عند دخولها، وألقت عليه تحية الصباح ورد عليها بمثلها، ثم بدأت عملها المعتاد الذي بدأت تسير فيه بشكل جيد أو أقل قليلاً ولكن ليس سيء أيضاً. مر ساعتان حتى سمع عمر قرع على باب المكتب وقال وهو يدرس بعض الأوراق: -ادخل. لم تبالي ليالي بمن يدهل أو يخرج، فجميعهم يتحدثون مع عمر وليس مع الفتاة الجالسة منكمشة أمام الحاسوب بأحد الزوايا. حتى انتبهت لصوت سمعته قبل ذلك.
دخل هشام المكتب ونظر إليه عمر بابتسامة محبة، حتى قال هشام وهو يرمق ليالي بنظرة غامضة: -وحشني يا عمر، من امبارح ما شوفتكش قولت أجي أشوفك. نهض عمر وهو يبتسم بمرح وقال وهو يعانق شقيقه بود: -وأنت والله يا هشام واحشني. أنا عارف إني مقصر معاك اليومين دول ومابقتش أقعد أتكلم معاك زي الأول، بس أديك شايف، الشغل واخد كل وقتي. رفعت ليالي رأسها لتلتقي بنظرته الخبيثة وهو ينظر لها معانقاً أخاه ووجه لها، أما عمر كان مواليها ظهره.
قال هشام بمكر: -أه شايف طبعاً الشغل. تصدق بفكر أجي اشتغل معاك، أصل عجبني الشغل بصراحة اللي شاغل كل وقتك ده. ضربه عمر على كتفه بمرح ثم قال: -ياااريت، أنا من زمان بتحايل عليك تيجي تشتغل معايا وأنت اللي ماكنتش بترضى. نهضت ليالي وعلى وجهها التوتر والقلق من نظرة هشام وحديثه وقالت وهي تستأذن بالانصراف: -طب أنا هطلع شوية، بعد إذنكوا. أوقفها عمر وقال: -لا استني، أحب أعرفك يا هشام دي.
قاطعها هشام ونظر لها واضعاً يده على خده ومبتسماً بخبث: -عارف، بنت عم جمال. شحب وجه ليالي لاعتقادها إنه سيخبر أخاه عما حدث بالأمس، وبلعت ريقها بقلق، حتى لاحظ عمر توترها وقال بتعجب واستغراب: -مالك يا ليالي؟ وشك أصفر ليه كدا؟ انتي صدعتي تاني؟ أجاب هشام بسخرية مغلفة بالغموض: -ده مش صداع يا عمور. التفت له عمر بشك وقال: -اومال إيه؟ كرهت ليالي هذا الواقف أمامها ويسخر منها بهذه الطريقة وقالت: -أنا هخرج، بعد إذنكم.
ورمت هشام بنظرة غاضبة انتبه لها عمر.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!