الفصل 49 | من 67 فصل

رواية "ليالي" الوجه الاخر للعشق الفصل التاسع والأربعون 49 - بقلم رحاب ابراهيم

المشاهدات
17
كلمة
1,480
وقت القراءة
8 د
التقدم في الرواية 73%
حجم الخط: 18

مر بعض الوقت وهو في غرفته. نظر عمر شارداً بفكر عميق قد أخذ كامل تركيزه، وتذكر صوت مناجاة والدته فريدة عندما سمعت صوت دوى الرصاصة النارية الذي اجتاح سكون الليل. حتى انتبه لرنين هاتفه. أخذ الهاتف من جانب محفظة النقود وتنهد بحدة وهو يرى رقم والدته. أجاب بحنق: _الو. ابت فريدة بلجلجة في صوتها متظاهرة بثقل الحديث بنبرتها: _ا..ايوة ..ياعمر. انا ..صرخت لما ..سمعت صوت الرصاصة. صمت عمر للحظات حتى توترت فريدة أكثر،

وقالت بانفعال: _انت ..مش مبسوط ..اني اتكلمت؟ أجاب عليها بضيق: _اكيد مبسوط يا أمي. ومبسوط أكتر أنك كمان وقفتي على رجليكي من غير ماتسندي على حاجة. اتسعت عين فريدة بصدمة وهي تتذكر أنها كانت تهتف للحرس في شرفتها وتركض بأرجاء الشرفة بدون العصى الطبية الذي تستخدمها متظاهرة بالعرج والمرض. بماذا تجيبه وهو بالفعل اكتشف كذبها في هذا الأمر؟ قالت بتلعثم: _الصدمة ...

الصدمة خلتني مش عارفة بعمل إيه والحمد لله أنها جت بمصلحة ومنفعة. حاولت أن تغير مجرى الحديث. قالت مسرعة: _انت فين؟ ضيق عينيه وكأنه تأكد من شيء بداخله. أجاب بأمتعاض: _كويس كمان أن صوتك اتحسن بسرعة. وعلى العموم أن هاخد راحة يومين وارجع على القصر. نهضت من مقعدها وهي تهتف بغضب: _ترتاح يومين مع مين؟ مع اللي قتلت أخوك!!! ولا عرفت تضحك عليك زي عادتها. رد بحزن:

_تعرفي يا أمي أني لأول مرة بتمنى أنها تطلع كدابة. أنا لو اكتشفت أنها صادقة هتوجع .... هتوجع أوووي. وجع انا مش اده ولا هقدر استحمله. لأني هكتشف كذب ناس كتير. كادت أن تدلف إلى الغرفة حتى استمعت لآخر حديثه وفهمت أنه يتحدث مع والدته. حزنت لأجله حقاً. ثم تابع هو حديثه وقال لفريدة عبر الهاتف: _انا مابقتش عايز أعرف من الكداب ومين الصادق. أو الآصح خايف أعرف. خايف اتصدم. أجابته فريدة بهتاف حاد شق هدوء نبرتها:

_البنت دي لازم تطلقها. مش هسمحلها تقعد في القصر تاني. ويا أنا يا هي.. اختار. قال عمر بشيء من الألم غاص بملامحه حتى ارتجفت نظرته وهو يجيب: _مع السلامة يا أمي. هقفل دلوقتي. ثم أغلق الخط وهو يغلق جفن عينيه بألم. جزت ليالي على اسنانها من الضيق والغضب، ثم هبطت الدرج للأسفل ودلفت الى الغرفة المواجهة للسلم. جلست على مقعد وقد التمعت عينيها بدموع الغضب منه. وقالت بانفعال:

_لما حسيت أني بريئة وان والدتك هي اللي كدابة عايز تقفل الموضوع ومش عايز تعرف الحقيقة. لكن معايا انا.. بهدلتني وذلتني. طب ليه ما عملتش كدا معايا ورحمتني؟ انت في كرهك ظالم وفي حبك ظالم. انا لا يمكن اسامحك يا عمر... صعب. انت اللي صعبتها عليا...

نهضت وهي تكفكف دموعها بأناملها، ثم دخلت المطبخ الصغير الذي لم ينقصه شيء بل مجهز بجميع الاجهزة الحديثة رغم صغرها. بدأت في اعداد حساء ساخن وقطع من اللحم المقدد قد وجدته في الثلاجة. ثم اعدت رضعة الصغير. بدأت في تقطيع بعض الخضراوات حتى سمعت انفاسه خلفها. اضطربت وهي تلتفت خلفها ولتقابل عيناه العاشقة وقد تاهت لمعة الغضب من عينيه. قالت بتلعثم: _انت قومت ليه؟ انا خلاص.. خلصت الغدا. ابتسم ابتسامة حنونة ثم لامس اطراف

اناملها بيده وقال بدفء: _تسلم ايدك. انا حاسس اني بقيت كويس بعد ما اخدت الدوا. التفتت مرة أخرى وهي ودقات قلبها تعلو بقوة حتى تظاهرت بعدم الاكتراث لوجوده وقالت بجفاء: _اطلع ارتاح والغدا هيجيلك لحد عندك. مالوش لزوم وقفتك دي. قطبت ملامح وجهه من جفائها فجأة وخرج إلى الغرفة بنظرة عاتبة لم تراها هي. تنفست الصعداء بعد خروجه وقالت بأستياء: _بقى زعلت من مجرد كلمة! انا على كدا جبل! دخل غرفته وهو يمرر يده على شعره بحيرة وألم.

قال بعتاب: _بتبعدي ليه؟ انا بحاول اصلح اللي فات! نظر الى الصغير الذي تفاجئ به عمر ينظر له بشكل مضحك. قال عمر له: _ينفع كدا يا آدم؟ مش عايزاني اصالحها 😒. بدأ الصغير بنوبة بكاء شديدة حتى حمله عمر وحاول أن يهدأه ولكن فشل بكل الطرق. قال بتذمر: _ماتبطل عياط بقى 😧😭. دلفت ليالي الغرفة بوجه متجمد وبيدها صينية الطعام ثم وضعتها على منضدة بالقرب. قالت: _سيبه انا هأكله. جهزتله الرضعة بتاعته. وضعه عمر على فراشه ثم

قال وقد شعر بدفء الأسرة: _هنتغدى كلنا مع بعض. اعترضت ليالي وقالت بتبلد: _مش جعانة وماليش نفس. كل أنت عشان الدوا. نظر لها بحدة ثم جذبها لتجلس بجانبه وقال بنبرة قاسية وبها لمحة عاشقة تريد أن يخفيها: _هتاكلي معايا يأما..... قاطعته وهي تنهض بعصبية وهتفت: _انت مش هتجبرني. وقف أمامها بنظرة حانية ثم اقترب وقبل رأسها بحنان جعلها ترتجف. قال برقة ونبرة دافئة: _عشان خاطري.

بلعت ريقها بقوة ثم جلست ببطء وهي تكره هذا الضعف الذي يجعلها هكذا بمجرد أن تحنو نبرته. تفاجئت أنه بدا يطعمها من يده وقال بمحبة: _ده حاجة بسيطة من اللي هعمله. اشاحت وجهها عنه بغضب ثم عادت تنظر له بقوة وتقبلت الطعام من يده وقال وهي تبتلعه: _هاكل من ايدك. يمكن تبقى ذكريات. ضاقت نظرته على وجهها وهو يبلع غصة مريرة بحلقه ولم يتفوه بشيء. بدأ اطعامها حتى اكتفت وقالت بحدة: _كل انت بقى عشان تاخد علاجك وانا هروح آاكل آدم.

اسرعت الى الصغير وبدأت بأطعامه دون ان تظر له وهو يراقبها بألم من هذا الجفاء الذي كان هو من تسبب فيه.

انتهى من طعامه وتناول دوائه وقد شعر بثقل رأسه مرة أخرى. تاه في غفوة مريحة قد استكانت فيها ملامحه بإرياحية. وانهى الصغير وجبة طعامه أيضا ثم ثقلت جفونه مما جعلها تبتسم ابتسامة واسعة ووضعته بجانب عمر ووقفت تشاهدهم وهم نائمين. لاح طيف ابتسامة مرحة على وجهها وهي ترى مدى الشبه بينهم حتى في سكون ملامحهم أثناء النوم. وكأنه والده وليس عمه. قالت بهمس: _سبحان الله. زي ماتكون ابوه يا عمر مش عمه. نفس الملامح.

جلست بجانب الفراش وثبتت نظرها عليهم بمحبة ثم القت سيل من النظرات العاتبة لعمر الممد على فراشه. وهمست بنبرة يغمرها الألم واللوم: _ماكنتش اتخيل نوصل للمرحلة دي. انا بحبك أووي. بس لازم رد اعتباري وكرامتي يرجعولي قدام الكل. لازم تدوق العذاب اللي دوقتني منه. مش بسهولة ارجع تاني ياعمر. ومش اسفة على اللي هعمله. نظرت لساعة الحائط الذي كانت تشير أنه قد حل المساء. *في منزل تامر* جلست والدة تامر *يسرية* بجانبه بعد أن عاد شارداً

من العمل وقالت: _مالك يابني؟ بقالك فترة مش عاجبني. رد تامر بحدة وحقد: _عمر بعد اللي عملته السنين اللي فاتت دي كلها لسه مش واثق فيا وبعت باسم صاحبه للشغل تاني عشان يمسك الشغل مكانه. انا هتجنن. العيلة دي هاين عليا اقتلهم كلهم واخلص. اجابت يسرية بقلق: _يابني سيبك من اللي بتفكر فيه بقى وانسى. ابوك ومات من سنين بص انت لقدام وانسى اللي فات عشان مستقبلك ومستقبل اخواتك. التفت لها بعنف وصاح بها: _انسى! انسى ايه ولا ايه؟

انسى رمية ابويا في السجن. ولا انسى كلامه يوم ما مات بعد مارحت المستشفى ولقيته بيموت قدامي. ولا انسى نظرتهم ليا اني اقل منهم دايما. انا ما شوفتش منهم حاجة تخليني انسى. قالت يسرية بلوم: _خليك كدا لحد ما تبقى زي أبوك. انت اصلا نسخة تانية منه ومن عناده وجبروته. ياما قولتله بلاش اللي بيعمله. ياما فهمته انه بيأكلكم حرام. وادي النتيجة. مابقاس جواك اي رحمة. انا عارفة انهم كلهم قلبهم قاسي. بس عمر مش زيهم وانت خدته بذنبهم.

نهضت تامر وقال: _اهو الكلام ده اللي خلى هشام يكره اخوه. كلكم شايفين عمر وكأنه ملاك مافيهوش غلطة. انا هفضل لحد ما ادمره وفي الآخر هنهيه خالص. مايستهلوش الرحمة. تنهدت يسرية بحزن وقالت: _ربنا يهديك يابني. ويحيي ضميرك تاني. الحق نفسك قبل ما تضيع يا تامر زي ابوك. ابوك ماخدش من طمعه غير السجن. زفر تامر بضيق وتركها ودخل غرفته ثم صفق الباب خلفه بقوة.

مر الوقت إلى منتصف الليل. استيقظ عمر على هبوب الرياح بقوة على النوافذ. اعتدل قليلا ليراها نائمة والقت راسها خلفها على حافة المقعد أمامه. ابتسم بحنان ثم نهض واقترب منها. استمر ينظر لها للحظات ولملامحها الناعسة ثم حملها. ليضعها تنام بإرياحية بجانب الصغير. بمجرد أن وضعها فتحت جفونها لتتفاجئ بعينيه وهي تتعمق بعينيها. دق قلبها بجنون وهي تلاحظ اقترابه.

حتى نهضت سريعا وهبطت إلى الأسفل ثم خرجت من الشاليه بأكمله وقد سقطت دموعها من هذا الألم. لفت يديها حولها من البرد وأطراف حجابها غير محكمة. سرى الهواء بجانب وجهها ولفحت البرودة بشرتها ما زاد رعشة جسدها. أضاء ضي القمر شفافية دموع عينيها حتى تأوهت بصوت مسموع وهي تبكي ونظرت للسماء برجاء: "تعبت يارب. تعبت." نظرت للمكان الخالي إلا منها وكأن المكان هاجره البشر. انتبهت لصوته هاتفها وهو يقول: "أنا بحبك."

سمعت أنين قلبها الذي يعاتبها على هذا الجفاء. حتى اقترب هو منها وأزال دموعها بيده وقال بحب يعصف بعينيه: "بحبك وبموت فيكي." لمعت عينيها الباكية بعتاب وهي تسترجع بذاكرتها كل ما حدث بالماضي. ثم فاجأها بضمة قوية أضعفت مقاومتها. بعد دقائق ابتعدت وقلبها يخفق بجنون. نظرت له بقسوة. نظرة قابلها هو بنظرة قد اشتد فيها العشق وأراد الاقتراب ثانية. ولكن هاجمته بشراسة وهي تصرخ وقالت: "أنا مش عايزاك. طلقني." ضيق عينيه من الذهول وقال:

"أنا عارف إني قسيت عليكي. بس رجعت وعايز أبدأ من جديد." هتفت به بقوة: "ماينفعش. بعد كل اللي حصل... ماينفعش. لازم تدوق العذاب اللي دوقته. مش بالسهولة دي يا عمر." هزها من كتفها بقسوة وهتف بها: "عايزاني أتعذب أكتر من كدا إيه؟ أنا شفت العذاب ألوان. بقى كل اللي حصل مش مكفيكي وعايزاني أتعذب أكتر... يا جبروتك! تابع بألم: "أنا عمري ما سمعت منك كلمة بحبك وكنت راضي." هتفت به وأرادت أن تعذبه بهذه الكلمة حقا: "أنا بحبك يا عمر."

ابتسمت نظرة عيناه ولكن...

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...