إلى هنا وتوقف القلب وهتف: "بكفى." وقفت ونظرت لصديق والدها جيدًا، وسقطت دموع عينيها بغزارة، وراقبها عمر برجفة قلب وقلق من تمردها الذي سيصل بها إلى الهاوية، حيث قالت هي بقوة: "مش موافقة يا عم محمد. أنا آسفة بس كل شيء نصيب. أنا فعلاً صليت استخارة إمبارح بس مش مرتاحة." ورمته بنظرة فهمها، ثم تابعت: "ولا قلبي مرتاح... بعد إذنكوا."
نهض من مكانه وقد عادت الدماء إلى وجهه، وظهرت الابتسامة على وجهه، ونظرة عينيه تضمها، ونظر لياسر بانتصار. نهض ياسر بوجه ممتقع من الغيظ، وأردف قائلاً: "أظن مالوش لزوم وجودي دلوقتي. بعد إذنك يا عم محمد." نظر له الرجل بحرج، وقال بنبرة متأسفة: "معلش يا بني، بس ده جواز وكل شيء قسمة ونصيب. ربنا يرزقك ببنت الحلال." نظر إلى عمر مرة أخرى، وقال بحقد: "إن شاء الله." اتسعت عمر ابتسامته، وقال: "مع السلامة."
خرج ياسر ولم يرد على عمر، وقصد ذلك مما جعل عمر يكتم ضحكته. *** ذهبت وهي على وشك الانهيار من البكاء والانهزام، ولكن حقًا لم تستطع أن تتابع هذا الشيء وتختار الجحيم بإرادتها. وصلت إلى باب الشقة ووجدته مفتوحًا، فشعرت بالقلق. دخلت وهي تنظر حولها وتجفف عينيها بيدها، حتى سمعت صوت أمل تتلفظ بالشتائم وصوتها صادر من غرفتها. أسرعت إليها لتراها وهي ترمي جميع الملابس الموجودة بالخزانة على الأرض. قالت بدهشة: "في إيه؟
ورامية الهدوم كدا ليه على الأرض؟ صاحت أمل وبدأت بالبكاء وقالت: "يا نهار أسود! شنطة الفلوس مش لاقياها! راااحت فين؟ حدقت ليالي فيها بذهول، وقالت: "راحت فين يعني إيه؟ مانتي اللي عايناها بإيدك، دانتي حتى مارضيتش تحطي الفلوس في البنك وصممتي تبقى معاكي." وضعت أمل يدها على وجهها بصدمة، وقالت بعويل: "ياريتني حطيتها! أنا قلبت الدنيا على الشنطة مش لاقياها والدولاب لقيته مقلوب." ونظرت إلى ليالي نظرة طويلة، ثم انقضت عليها صارخة:
"انتي اللي خدتيهم صح! امبارح حسيت إن طريقتك متغيرة وفي نيتك شيء." وهزتها من كتفها بعنف، وقالت: "انطقي! انتي اللي خدتيهم صح؟ تجمد جسد ليالي، ونظرت لها بصدمة، وتهدج صوتها وهي تتمتم ببعض الكلمات: "والله العظيم مانا. أنا لا يمكن أعمل كدا. وبعدين أنا كنت عند عم محمد طول النهار." صفعتها أمل بقوة، وقالت مؤكدة: "ماتحلفيش يا كدابة! استغليتي خروجي طول النهار النهاردة وخدتيهم. واختارتي النهاردة عشان ما أشُكش فيكي."
وضعت ليالي يدها على وجهها وبكت، ثم هتفت بها: "أنا عمري ما هسامحك على اللي بتعمليه فيا وظنك الوحش ده." دفعتها أمل بعنف وعصبية، وصرخت وهي تبكي: "منك لله! ضيعتي كل اللي بعمله! الفلوس دي لو ما جاتش النهاردة تغوري من هنا، مش عايزة أشوفك." صدمت ليالي أكثر من هذا التهديد، ونظرت لها بغضب، وقالت:
"انتي ما ينفعش تبقي أختي. يا خسارة يا أمل. أمل أختي بتاعت زمان خلاص هعتبرها ماتت. وده بيت أبويا وليا فيه زي ما ليكي، وماتقدريش تمشيني منه." جرّتها أمل بعصبية عمياء للخارج، وأغلقت الباب.
كأن هذا كابوس تراه، تنظر وجسدها متجمد من هذه الصدمات المتتالية، وهبطت على السلم نزولاً للأسفل خطوة بعد الأخرى، وكادت أن تتعثر بسبب انقطاع الإضاءة فجأة بسبب هطول المطر المفاجئ بقطرات رقيقة، ولكن شدة الرياح قوية مثل رياح الألم التي غمرت قلبها. جلست على درجة من السلم وبكت بصوت عالٍ لم تستطع كتمانه. *** "اعذريني." "لم أقابل هذا العشق من قبل.. صدقيني." "لم أدرك فيه أبسط الأشياء.. سامحيني."
"تقبلي يد الممدودة من جديد.. اسمحيلي." خرج من منزل "عم محمد" بقلب عامر بالسعادة. كل لفتاتها ونظراتها وصل مغزاها له. فهم ارتباكها وخوفها. أدرك إن خلف تمردها خوف عظيم، كان لابد أن يلاحظه وينتظر. لطمه قلبه معنفًا، وتوعد بالحنان من الآن.
اقترب من سيارته، وفجأة سمع صوتها. نظر لاقتراب سيارته من بوابة منزلها. دق قلبه واقترب من الباب أكثر حتى دخل من البوابة، وبدأ صوت البكاء يعلو أكثر. صعد أول درجات من قلقه. وتفاجأ عندما رآها ترمي رأسها على قدميها وتبكي بحرقة. هتف بقلق: "ليالي! بتعيطي ليه؟ رفعت رأسها بصدمة عندما انتبهت لصوته وسط نشيجها المتألم، ونهضت وهي تهرب بعينيها. وقالت بتلعثم، ولمست أناملها وجهها كي تجففه من الدموع: "لا مافيش.. كنت مخنوقة بس."
واستدارت كي تصعد لشقتهم، ولكن أوقفها صوته وهو يقول: "ليالي.. أنا آسف. ما تزعليش مني." ازداد بكاؤها والتفتت ببطء، ولم تنظر له. تنهد بضيق من نفسه، ثم تابع بأسف: "عشان خاطري ما تعيطيش. أنا ماكنش لازم أعاملك كدا. كان لازم أبقى صبور أكتر من كدا بس... قاطعته ببكاء وعتاب كشفه صوتها: "بس إيه؟ أنت كنت كل شوية تقولي أنا واصي عليكي وفي مكانة والدك. قولت الجملة دي كتير أوووي. بس والدي لما كنت بزعله ماكنش بيقولي امشي."
انقبض قلبه من جملتها وتألم كثيراً، وأحس بندم شديد يخترق قلبه لمعاملته المتسرعة معها، وأردف بحزن: "مش هقول آسف لأن فعلاً غلطان. بس انتي كمان كنتي بتعندي. احنا الاتنين غلطنا يا ليالي." مد يده لها وقال بدفء: "ننسى اللي فات ونبدأ من النهاردة ومش هقول حاجة. معاملتي هي اللي هتقول، برغم إن والله كنت بخاف عليكي من أي حاجة. موافقة ولا لأ؟ نظرت له، وبدأ قلبها ينبض من جديد، ولكن وجهها أخفى ما شعرت به، حتى أكمل حديثه بمرح:
"وبعدين أنا واصي عليكي وهترجعي الشركة غصب عنك." ثم ابتسم ابتسامة واسعة جعلت قلبها يحن له من جديد، ولاحت طيف ابتسامة على وجهها، وقد أرسلت موافقتها بها. تحدث بدفء هامس: "مستنيكي بكرا بأذن الله. تيجي بدري ورانا شغل." اتسعت ابتسامتها أكثر، وقالت: "بأذن الله." ابتسم بحنان وهو يبتعد عنها، ووقف أمام سيارته دقيقة والمطرة الخفيفة تتساقط على ثيابه برقة، ثم تحرك سائقه بالسيارة وذهب. ***
انتفضت أمل مذعورة من رنين هاتفها فجأة وهي تجهش في البكاء، واتجهت وأخذته من حقيبتها، لتتسع عينيها بدهشة وهي ترى رقم هاتف "هشام". أجابت بنبرة مرتعشة: "الو." رد عليها بقهقهة عالية، وقال بانتصار: "مالك يا لولو؟ صوتك عامل كدا ليه ياروحي؟ بلعت ريقها الجاف، وتهدج صوتها الماً: "مافيش." تابع حديثه وهو يرتشف كوبًا به كحول وتحاوطه الموسيقى الصاخبة للملهى:
"يبقى حصل اللي أنا عايزه. ما تتعبيش نفسك يا قلبي مش هتلاقيهم. بقوا معايا خلاص. واحب أقولك بردوا إن لو قولتي أي شيء لأخويا هعرف أكسرك أكتر من كدا. أنا خدت شوية الملاليم اللي كنتي متفرعنة بيهم، وأقدر أعمل أي شيء تاني." "ما تتحدنيش يا حلوة."
أغلق الخط بوجهها. سقطت على مقعد قريب منها، ووضعت يدها على فمها تكتم صرختها من الألم، وندمت على ما فعلته بشقيقتها. ثم نهضت وركضت من الغرفة ومنها إلى الخارج، لتجد ليالي تجلس على أحد درجات السلم شاردة. أسرعت نزولاً إليها، ووضعت يدها على كتفها، ونظرت بأسف. تطلعت ليالي إليها وسالت دموعها، حتى تحدثت أمل، وقالت: "ما تزعليش، كنت متعصبة شوية. بس ما قصدتش اللي عملته." لم تجبها ليالي، وبكت بحزن. تابعت أمل ببكاء:
"أنا تايهة أوووي يا ليالي. ربنا ما يوريكي اللي أنا فيه. وصدقيني لو الفلوس ترجع والله العظيم أول حاجة هعملها هنروح للدكتور." تنهدت ليالي بألم، وقالت ببكاء: "ترجع! مافيش حاجة هترجع. حد دخل بيتنا في غيابنا وسرقهم. هيرجعهم إزاي؟ لو أجلي قرب مافيش حاجة هتمنعه حتى العملية. أنا هسيب الأمر لله لأني مش بإيدي حاجة." ضمتها أمل ببكاء، ونعتت نفسها بشدة على غبائها، وقالت:
"بعد الشر عليكي. هتعيشي وهتفرحي وهتعملي كل اللي نفسك فيه. وما تقلقيش من حاجة. ربنا كبير." تركت ليالي نفسها بين ذراعي شقيقتها، الذي شعرت إنها عادت لأمل القديمة الطيبة. *** عاد إلى القصر، ووقفت السيارة أمام البوابة. ترجل منها والابتسامة لا تفارق وجهه. لاحظت فريدة سعادة ابنها، وابتسمت، ثم قالت: "لما بشوفك أنت بالذات مبسوط بطمن." ضمها عمر بقوة، وقبّل رأسها، ثم قال: "بحبك أوووي يا أمي."
أتى في نفس اللحظة هشام من الخارج وهو يبتسم أيضاً، وسمع حديث والدته. قال بغيرة واضحة: "هو بالذات!!! طب وأنا؟ ابتسمت فريدة، وقالت بمزاح: "لأ أنت بقى لما بشوف مبسوط بقلق وبقول استر يااارب، أكيد عامل مصيبة. ههههههه. انتوا الاتنين حبايبي وولادي. ربنا ما يحرمني منكوا يااارب." قال عمر وهو ينظر لهشام بحب: "أنت محدش شاف الدلع قدك. ورغم مشاكلك بس ما أقدرش ما أشوفكش يوم واحد يا هشام." ابتسم هشام بلا مبالاة، وقال:
"طيب. كويس إن جيت بدري عشان أسمع كلامكوا ده." ثم صعد لغرفته بعدم اكتراث. وصعد عمر أيضاً لغرفته، ووقف أمام الشرفة مبتسمًا، ثم همس: "مش هقولك مباشرة إني بموت فيكي، بس هصبر عليكي لحد ما تفهمي يا.. صغيرة على الحب."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!