أخبرت ليالي أختها برفضها لياسر وعودتها إلى العمل، مما جعل أمل تعترض على العودة. ولكن ليالي أقنعتها حتى لا تخنقها الذكريات المؤلمة هنا، ووافقت أمل في الآخر. في صباح اليوم التالي، استيقظت ليالي مبكرًا واستعدت للذهاب. وقفت أمام المرآة ونظرت بحزن عندما هجم شبح الألم قلبها وضغط على جرح الفراق لأغلى مخلوق يسكن قلبها، والدها.
بلعت ريقها بألم ثم أخذت حقيبتها وخرجت من الغرفة لترى أمل قد أعدت فطورًا سريعًا وبعض الأطعمة السريعة. ابتسمت ليالي ونظرت لها بمحبة، وقد عاد بعض الأمل بعودة أختها بطبعها الحنون الهادئ. اقتربت حتى ضمتها فجأة. وقالت: _صباح الخير يا أمل. ردت أمل بلطف وهي ترتب الأطباق على الطاولة: _صباح النور يا لولا. ابتسمت ليالي أكثر وقالت بحنين: _وحشني أوووي الاسم ده. جذبت أمل إلى مقعد أمام الطاولة وقالت بحزم:
_هتفطري قبل ما تمشي وما فيش اعتراض. بدأت ليالي تتناول الإفطار بشكل سريع وجلست أمل أيضًا وشاركتها في الطعام. نهضت ليالي وهي تبلع آخر طعام في فمها وقالت وهي تسرع للخروج وتضع السندويتشات في حقيبتها: _مع السلامة بقى عشان ما أتأخرش. أشارت أمل وهي تتابع ليالي بنظرة قلقة ثم تبعها دموع ندم على ما فعلته بنفسها وقالت: _يارب سامحني. أنا عارفة إني غلطانة، بس فوقت وبحاول أصلح اللي عملته. ساعدني يارب.
دخل عمر إلى الشركة وهالته المهيمنة تحاوطه بكل هيبة حتى قالت له هايدي بتساؤل: _عمر، ليالي ما جاتش النهاردة كمان؟ هي سابت الشغل ولا إيه؟ وقف عمر ينظر لها بقوة ثم نظر إلى ساعته ووجدها متأخرة نصف ساعة. أردف قائلًا: _هي على وصول، ومالكيش دعوة بتأخيرها وما تسأليش في اللي مالكيش فيه يا هايدي. ثم تابع سيره إلى المصعد مع نظرات هايدي الغاضبة والحاقدة. وتمتمت بغيظ: _يعني بسأل على ملكة انجلترا؟
بعد دقائق، أتت ليالي وهي تلهث ثم اقتربت من هايدي وألقت تحية الصباح وأجابتها هايدي بلا اكتراث. دق رنين الهاتف والتقطته هايدي كعادتها ثم نظرت بسخرية إلى ليالي ولم تقل شيئًا، بل السخرية من عينيها هي من تحدثت. أخذت ليالي السماعة وأجابت بتلعثم: _الو؟ ابتسم عمر بارتياح ولهفة وقال بخفوت: _اتأخرتي نص ساعة. توترت وهي في حيرة، أهو غاضب أم لا، ثم ردت: _أنا اس... قاطعها بفحيح صوت ابتسامة صادرة بتنهيدة وقال:
_ما تتأسفيش أبدًا. أنا مابعرفش أزعل منك أصلًا. ألقت نظرة على هايدي بجانبها ووجدتها منهمكة في عملها أمام الحاسوب وجعلت لابتسامتها الخجولة العنان وقالت بتوتر: _طيب. أي أوامر تانية؟ أطلق ضحكة بسيطة ثم قال: _ماتقلقيش واطمني. أنا مخلي بالي منك أووي. أغلقت الخط من اضطرابها بسبب حديثه ثم ابتسمت بخجل شديد. نظر للسماعة وابتسم وهو يضعها مكانها ثم تابع عمله ببعض من الشرود.
عدى يومين آخرين، حاولت فيهم قدر الإمكان أن تتماسك ولا تظهر له مشاعرها الحقيقية تجاهه، مما جعله أحيانًا يغضب ولكن كبت غضبه حتى لا يزعجها. كاد تامر أن يتصل بهشام ليخبره عن ليالي ولكن تراجع في آخر ثانية بسبب خطة أتت في عقله فجأة. هو يريد تفرقة الأخين ووجود هذه الفتاة الذي يبدو إنها تخطط لشيء كما يظن هو ستحقق له هدفه، فلما لا يخبر هشام ويضيع على نفسه هذه الفرصة. ابتسم بمكر وقال:
_خلاص خليها وأما نشوف هي في دماغها إيه بالضبط. ماهو أكيد مش هتسكت وما تقولش لعمر كدا ونافيش في دماغها شيء! البنت دي مش سهلة وأنا لازم أعرف هي بتفكر في إيه عشان دي هي المفتاح اللي هرجع بيه كل فلوس أبويا اللي ضاعت هنا في الشركة وفي الآخر مات مفلس. دقت الساعة الثالثة بعد الظهر. شعر عمر بصداع يغزو رأسه بشكل مؤلم. وضع يده على مقدمة رأسه بألم ودلف تامر في هذا الوقت. قال بتساؤل: _خلصت توقيع على الأوراق يا عمر؟ أشار عمر بوجه
مرهق إلى الأوراق وأردف: _آه مضيتها كلها. ثم أغمض عينيه بقوة ولاحظ تامر ذلك: _شكلك عندك صداع جامد. ابعتلك فنجان قهوة؟ رفض عمر وتذكر عم جمال بضيق: _الله يرحمه عم جمال. ماشربتش فنجان قهوة عدل بعد ما مات. أخذ تامر الأوراق وقال بنظرة ساخرة: _الله يرحمه. ثم استدار وخرج من المكتب وتوجه إلى شئون العاملين ليأمرهم ببعض الأشياء. أشارت له هايدي وقالت بتذمر: _جعاااانة يا تاااامر. ضحك تامر وقال بمرح:
_انتي ما بتبطليش أكل. خاطب ديناصور أكل وياريت بيبان عليكي! قطبت هايدي حاجبيها بضيق وهتفت: _ماااليش دعوة اتصرف جعاااانة. كادت ليالي أن تضحك من بعض تصرفات هايدي الطفولية ثم عادت تدقق بعض الأوراق بيدها. قال تامر بخبث: _هروح أجيب لك أكل وأبعت لعمر فنجان قهوة رغم إنه رفض. الله يرحمه عم جمال بقى. كان عليه فنجان قهوة مالوش حل. عمر عنده صداع فظيع.
رفعت ليالي رأسها ونظرت له بنظرة فهمها حتى ذهب وراقبتها هايدي ببعض الشفقة ثم عادت لعملها مرة أخرى وبعدت الأوراق عندما تساقطت دموعها وتألم قلبها بشدة. وبعد دقائق استطاعت أن تتماسك مرة أخرى ولكن زاد قلقها على "عمر". فكرت قليلًا ثم نهضت واستأذنت من هايدي بضع دقائق. صعدت ليالي إلى مكتب عمر ولم تنتبه هايدي حيث كانت مشغولة بعملها.
اتجهت ليالي مباشرة إلى الكافيتريا التي تجنبت حتى النظر إليها في الأيام الفائتة ولكن دخلت لها وتألمت عندما تذكرت والدها. ومسحت المكان بنظرتها وشعرت بوالدها تملأ ذكرياته هذا المكان. بدأت تعد القهوة مثلما أرشدها والدها من قبل. وتذكرت كل إرشاداته لها خطوة بخطوة ثم أعدت الفنجان وزاد التوتر بداخلها وهي تتجه لمكتبه.
دقت على باب المكتب وسمعت صوته. فتحت الباب وبيدها فنجان القهوة ورأته يده يده على جبينه ومغلق عينيه بألم. وضعت الفنجان على المكتب وفتح عينيه عندما سمع همهمتها المتلعثمة. وتفاجأ عندما رآها ونظر لفنجان القهوة بدهشة ثم قال بعصبية: إيه ده؟ اضطرب صوتها وأجابت: _قهوة. جبت لك فنجان قهوة. زم شفتيه وقال: _وتجيبي القهوة ليه؟ هو ده شغلك؟ زادت دقات قلبها ثم قالت بنبرة مرتجفة وخجولة: _أصل.. أصل بصراحة. تنهد بارهاق
وقال وهو ينظر للاوراق: _ما تقولي ياليالي في إيه! بالكاد نطقت وقالت وهي تبتعد للخلف: _اصل استاذ تامر قال إنك عندك صداع وكنت بتشرب قهوة وكدا فجيت عملتهالك وماشية اهو. ركضت إلى الباب ولكن لم تدري كيف سبقها وفتح باب مكتبه وهو يبتسم بخبث وكأن هذا الإرهاق الذي كان منذ قليل غادره. قال بنبرة ماكرة: _تسلم ايدك يا ليالي. أنا عارف إنك بتخافي عليا.
حاولت أن تخفي ابتسامتها ولكن لم تستطع ثم أسرعت للخارج وسمعت ضحكته وهو يغلق باب مكتبه من جديد. جلس على المكتب ونظر لفنجان القهوة وشبهها بلون عينيها مما جعل ارتشاف هذا الفنجان له مذاق خاص بالنسبة له وقال متعجبا: _هي العيلة دي بتحط إيه في القهوة عشان تطلع حلوة كدا!!! عادت إلى عملها في "الاستقبال" بوجه يغزوه حمرة الخجل وتورد وجنتيها جعل هايدي ينتابها بعض الشك. دق رنين الهاتف. نظرت هايدي بسخرية لليالي وقالت:
_اكيد ليكي. ردي. استاءت ليالي وأخذت السماعة وأجابت: _الو. رد عمر وهو يرتشف من قهوته وقال بمكر: _مش عارف أشكرك إزاي. ربنا يخليكي ليا. ابتسمت ليالي ولم تجبه، حتى قال مجددًا بمرح: _انتي اكيد كنتي بتضحكي وامتي بتعملي فنجان القهوة ده. اعترفي... تبدلت الابتسامة بتعبير متألم وقالت: _هعترف. كنت بعيط. وضع فنجان قهوة وقد تذكر. نعت نفسه على غبائه وقال متأسفًا: _أنا اسف مش قصدي صدقيني. تنهدت بضيق وأردفت وهي تخفض
صوتها حتى لا تسمعها هايدي: _عارفة. المهم القهوة عجبتك؟ عادت بسمته ومكره ثم قال: _عجبتني بس. دنا بموووت فيها من زمان وهي مدوخاني. تظاهرت بعدم الفهم: _دي القهوة؟ أجاب عمر بتسلية من توترها التي تكشفه دائمًا نبرة صوتها: _آه قهوتي. حبيبتي. يا سلام بقى مع فيلم لنجلاء فتحي. رغمًا عنها ابتسمت ثم وضعت السماعة وأغلقت الخط بوجهه كعادتها. قال بغيظ: _كل مرة تقفل في وشي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!