ابتسم هشام بمكر وقال: _طب أنا كدا هبقى محتاجة سكرتيرة! تنهد عمر بنفاذ صبر ولم يلمح ما يرمي أخاه له ورد: _تقدر تطلب سكرتيرة في إعلان أو قول لتامر وهو هيجبلك واحدة. جلس هشام ومرر يده على شعره وقال بغموض: _لأ، أنا هختارها بنفسي! وصلت ليالي إلى مقر الشركة صباحًا وكادت أن تقودها قدماها إلى الطابق الإداري مثل كل يوم، ولكن تراجعت عندما تذكرت ما حدث بالأمس، برغم إن قلبها يتذكر هذا ويتألم.
صعدت للطابق الرابع وتوجهت إلى مكتب ريهام مباشرة. دخلت بخطوات متوترة ولمحت ريهام تجلس على مكتبها وكأنها تنتظر شيء. رمقتها ريهام بنظرات عصبية ثم هتفت: _لسه جاية دلوقتي! نظرت ليالي إلى ساعة يدها بدهشة وقالت معتذرة: _أنا آسفة، بس الطريق هو اللي كان زحمة وبعدين أنا ما اتأخرتش كتير، ربع ساعة بس. اتسعت عين ريهام بكره وعنف: _ربع ساعة بس! اومال عايزة تيجي الشغل الضهر مثلا! انتي غريبة جدا.
تنهدت ليالي بضيق ثم جلست أمام الحاسوب ولم تشأ أن تتسبب مشكلة هي في غنى عنها. جزت ريهام على أسنانها بغيظ وتعاملت مع أوراق الملفات بشكل عصبي لفت انتباه ليالي. بعد مرور أكثر من ساعة حاولت ريهام أن تتناسى وجود ليالي حتى لا تشتعل نار غيرتها، ولكن لم تستطع الصمود كثيرا. قالت بشكل مفاجئ: _تعرفي تنزلي الحسابات وتديلهم الورقة دي.
أشارت ريهام بورقة في يدها إلى ليالي. نظرت ليالي باستغراب، فكانت ريهام تستطيع الاتصال بهم حتى يأتي أحد منهم مثلما كان يفعل عمر. نهضت وأخذت الورقة من يدها وتوجهت لخارج المكتب. زفر بضيق شديد وهو يشتاق لرؤيتها، وحتى لا يضعف نهض فجأة وأخذ معطفه وقال لهشام: _أنا هروح أشوف موقع مشروع "مراد رضوان". خليك أنت هنا يا هشام واظن إنك عندك خلفية عن الشغل. رفع هشام حاجبه بمكر وأجاب: _ما تقلقش على الشغل، ده أنا حتى حبيته أوووي.
التقط عمر مفاتيح سيارته وذهب مسرعًا للخارج قبل أن يقوده قلبه رغما عنه لعندها وسيف الكبرياء يسقط أمامها ويظهر ضعفه.
دقات قلبها كانت سريعة وهي تنظر من بعيد لمكتبه، حيث أنها استغلت الفرصة لتسرق أي شيء يطمئنها عليه، ولم تهبط إلى الدور الأرضي مباشرة بل هبطت للدور الإداري ووقفت من بعيد تراقب أي ظهور له، حين فاجئها خروجه كالفهد الذي يسرع إلى فريسته وجعلتها هذه المفاجئة تتسمر مكانها لدقيقة حتى استوعبت موقفها المحرج وركضت إلى المصعد قبل أن يراها. وكادت أن تضغط زر الهبوط ولكن فاجئها بالدخول.
تسمرت في مكانها بلا حراك وهي تنظر له، بريق قد جف من ارتفاع نسبة التوتر من رؤيته لها وهي تختلس النظرات له من بعيد.
كان يمشي بخطوات سريعة للخارج، ولكن عندما رآها ازدادت سرعته للضعف حتى سبقها قبل أن تضغط على زر الهبوط ونظر لها بحيرة وهي تكاد تبكي وتطرف بعينيها بشكل متوتر. دخل المصعد بعد أن أفاق من سكونه أمامها، ولم يتفوه بحرف واحد، حتى إنه والى ظهرها ونظره لباب المصعد في جمود، أو حاول يتظاهر بالجمود حتى لا تكشفه عيناه المتلهفة لرؤيتها.
حاولت هي الأخرى أن لا تبكي، ولكن رغما عنها تساقطت دموع من عينيها وحاولت أن تتحدث وتعتذر، ولكن كل محاولاتها خلال الدقائق التي مرت عليها وهي في المصعد باءت بالفشل، حتى وصل المصعد إلى الدور الأرضي ونظرت هي لتدرج الانخفاض وكأنها تتدرج من قمم الأمل إلى منحدر اليأس. وكادت أن تنطق حتى فتح باب المصعد وخرج عمر مسرعًا وكأنه كان يختنق بداخل المصعد.
وقفت تنظر له بألم وهو يبتعد ودموعها تنزف من عينيها، ولم تخرج من المصعد حتى أنها شعرت أن قدماها لا تستطيع تحريكها ولو لخطوة واحدة. قبل أن يخرج من المبنى بشكل نهائي استدار خلفه بشكل لا إرادي وضيق عينيه وهو يراها تقف باكية بداخل المصعد المفتوح بابه وتنظر للورقة بيدها، ثم رفعت عينيها ونظرت له متفاجئة من التفاتته، ثم رمته بنظرة معاتبة. ارتدى نظارته الشمسية السوداء واتجه أمامه مجددا، تاركا إياها في حزنها.
قبل أن تصل للحسابات مسحت عينيها الباكية بأنامل يدها، ثم دلفت بداخل غرفة مكدسة بجميع جوانبها بأرفف خشبية على هيئة مكتبة ضخمة تضم أرشيف كامل من المستندات والملفات، وهذا بجانب أجهزة الحاسب الآلي التي تضيء بإشعار اسم الشركة بشكل أنيق. بلعت ريقها وقالت للراجل ذو النظارات الطبية الذي يقف خلف مكتبه: _الورقة دي بعتاها البشمهندسة ريهام. أخذها الرجل منها ثم نظر بها لدقيقة وهز رأسه بفهم ثم قال: _خلاص ماشي، قوليلها كله هيضبط.
هزت ليالي رأسها بالإيجاب. ثم خرجت من الغرفة متوجهة للمصعد مرة أخرى، رغم إنها تشعر بالدوار بسببه، ولكن الصعود لأربع أدوار علوية أمر شاق عليها وسيأخذ بعض الوقت أيضا. وصلت للدور الرابع وخرجت من المصعد ولكن اصطدمت بكتف شخص ما. وقف أمامها مبتسما ابتسامته الكريهة كعادته منذ رآها، ثم قال: _شوفي الدنيا نورت فجأة إزاي لما اتقابلنا! كانت بتمطر من شوية.
نظرت له بحدة وتنفست بشكل عصبي، ثم تحركت متوجها لمكتب ريهام الذي يبدو إنه كان خارج من مكتبها للتو. سد الطريق عليها وقال بقوة: _لما اتكلم معاكي تاني تقفي وتسمعيني. مابحبش الأسلوب ده. زمت شفتيها بغيظ ثم قالت: _تحب ولا ما تحبش! أنا هنا بشتغل مش جاية أفسح واقف معاك. وبعدين هو حضرتك مالك بيا! لا انت مديري ولا انت المسؤول عن شغلي. ولا في بينا تعامل! يبقى تكلمني على أي أساس! نظر لها بخبث ثم قال بشكل غامض:
_أعتقد إن في بينا أشياء مشتركة، أو يمكن أشخاص مشتركة! ذهب وهو يراقب حيرة وجهها الذي غمرت عيناها. وصلت أمام مكتب ريهام وهي غارقة في الحيرة بسبب جملة هشام الأخيرة، ودلفت إلى المكتب شاردة ولم تنتبه إنها كان يجب أن تقرع الباب قبل الدخول. دخلت ليالي وجلست مكانها وهي في عالم آخر من الفكر والحيرة، حتى انتبهت لصوت ريهام العصبي: _هو مافيش أي استئذان خااااالص وانتي داخلة! هو انتي فاكرة نفسك في بيتكم!
انتبهت ليالي لحديثها وشعرت بالحرج ومدى غبائها الذي يوقعها دائما في المشاكل. قالت: _أنا آسفة ما أخدتش بالي. زفرت ريهام بحدة وصاحت بعصبية: _صبرني ياااااارب! أنا خلاص ما بقتش قادرة أستحمل. تطلعت ليالي عليها وأدمعت عيناها. وتذكرت كيف كان عمر يعاملها كالأميرة ونعتت نفسها لشدة غبائها وعصبيته عليه، ثم تذكرت جملة هشام مرة أخرى. "أو يمكن أشخاص مشتركة". هل يقصد عمر بحديثه؟ لابد أن يقصده. ولكن لماذا يتعامل بهذه الطريقة معها؟
كل هذه الأسئلة كانت تجوب بداخل رأسها. مر اليوم بتوتر الأجواء حولها، ثم عادت للمنزل بذهن يظل شارد وتتردد صدى جملة هذا الأحمق بداخل رأسها. ولم تشأ أن تخبر شقيقتها بما قاله هشام، رغم أن أمل سألتها عن هذا الأمر، ولكن ليالي أخفت هذا الحديث لكي لا تقلق شقيقتها بشيء مجهول. مساء "في القصر".
كانت عادته عندما يغضب أن يسبح في الماء حتى وإن كان الطقس شديد البرودة، ولكن السباحة تهدأ أعصابه كثيرا وهذا منذ صغره. خرجت فريدة وجلست تنتظره وبيدها المنشفة. خرج عمر من المسبح وتنزلق قطرات الماء من كامل جسده، وناولته فريدة المنشفة وقالت بابتسامة: _هشام عامل إيه في الشغل يا عمر؟ انت حاسس إنه فعلا اتعدل؟ تنهد عمر وقال: _محدش بيتصلح في يوم وليلة يا أمي. بس كفاية إنه أخد قرار إنه يتصلح ويبقى راجل يعتمد عليه.
ابتسمت فريدة وقالت: _الحمد لله ربنا استجاب لدعواتي. ارجع بقى أنا كمان الشغل. اعترض عمر بهدوء: _أنا شايف إن الأصح تكوني هنا. يجي يلاقي موجودة مش مشغولة. هو محتاجنا جنبه طول الوقت. أنا في الشغل وانتي هنا. هو ده دورك يا أمي. وكمان صحتك ما بقتش حمل شغل زي الأول ولازم ترتاحي. اتسعت ابتسامة فريدة وقالت بحب: _ربنا يكملك بعقلك يا زينة الشباب كلهم. أنا عمري ما كنت أتمنى يبقالي ابن أحسن منك يا عمر. أنا بفتخر بيك.
أخذ عمر والدته بين ذراعيه بحنان، ثم بعد قليلا وابتسم قائلا بمرح: _هو في حد عنده أم قمر وصغيرة زيك انت يا جميل؟ ضحكت فريدة عاليا ونظرت له وهو يصعد لغرفته وقلبها يدعو له. أغلق باب غرفته وقد تبدل مرحه إلى حزن وتنهيدة عميقة صاحبها حيرة من هذه الفتاة الذي استطاعت أن تشعل جنونه الراكد. تستطيع أن تجعله يبتسم وكأنه يحلق وتستطيع أن تجعله يتألم بشدة. في اليوم التالي.
عند صعودها إلى الطابق الرابع دلفت إلى مكتب ريهام لتقابلها الأخرى بابتسامة ملتوية وقالت: _انتي اتنقلتي للإدارة تاني. اشتعلت وجنتا ليالي بحمرة شديدة وبدأ قلبها يتراقص من الفرح. لاحت طيف ابتسامة سعيدة على وجهها، ثم قالت: _انتقلت للإدارة تاني! بجد! ظهر الكره في عين ريهام وقالت: _آه بجد. خدي اللاب توب بتاعك واتفضلي على شغلك عشان سألوا عليكي وحضرتك اتأخرتي زي كل يوم.
أسرعت ليالي إلى الحاسوب وأخذته مسرعة وركضت إلى الطابق الإداري بابتسامة جعلت وجهها يتورد بشدة، ودلفت إلى مكتب عمر بدون حتى أن تستأذن. رأته يجلس خلف مكتبه يتفحص بعض الأوراق بيده، ثم نظر لها بحدة وقال: _ابقى خبطي قبل ما تدخلي بعد إذنك مش سينما هي. تفاجئت من جفاف نبرته ولكن فكرت بخبث إنه يتظاهر بذلك. ابتسمت بمكر وقالت: _حاضر. في أوامر تانية؟ رفع نظره عليها بتعجب ثم احتدت نظرته مرة أخرى بعصبية وقال: _انتي اتنقلتي هنا.
هزت رأسها بضحكة عذبة وخجولة وقالت: _آه عرفت. انتقلت للمكتب هنا تاني. كاد أن يتحدث حتى دلف هشام وقال: _لأ. اتنقلتي لمكتبي أنا.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!