اتسعت عينيها بذهول مما رأت، فقد شاهدت أبغض شخص رأته في حياتها... هشام وهو يقترب بنظرة منتصرة ويصفر بفمه بنظرة خبيثة. تلعثمت وهي تقول: _أنت هنا بتعمل إيه؟ همهم قليلاً ثم قال وهو يبتسم بشيطانية وأخرج هاتفه من جيب معطفه ثم وجهه لها بعد أن فعل شيء به حتى اتسعت عينيها في صدمة وبدأت الدموع تشق طريقها لعيناها وقالت بذهول: _آآآمل هزته بعنف من ياقة معطفه وهتفت: _آآآختي فين يا حيوان يا ندل! هموتك لو عملت فيها حاجة.
امسك يدها بقوة ونظر لها نظرة طويلة وهي كالقطة الشرسة الذي بدأ يظهر لها مخالب وقال بهدوء: _ما تزعقيش وإلا انتي عرفاني. وماتهددنيش بعمر زي عادتك لأن أنا وعمر خلاص تقريبا بقينا أعداء. ولو عايزة تعرفي أختك فين اللي أطلبه منك تنفذيه وإلا مش هتشوفيها تاني. حاولت التملص من قبضته القوية حتى استطاعت ذلك وابتعدت وهي تريد خنقه الآن بيدها ثم قالت بخوف: _عايز إيه؟ نظر بمكر وقال:
_أنتي متفقة أنتي وعمر تتكلموا وطبعاً كنتي هتحكيله على هشام الشيطان المجرم اللي هو أنا. أنا ما عنديش مانع تقولي عليا أي حاجة بس اللي عايزك تقوليه لعمر أنك موافقة تتجوزيني. ثم أشار للهاتف المتصل بفيديو في المكان الذي اختطفت فيه أمل وقيدت بحبال سميكة ولا تنفك عن الصراخ. صرخ قلبها وهي ترى شقيقتها بهذه الحالة وهي تعرف مدى جرمه وأي شر وقعت فيه فعلت شقيقتها به. قالت بمراوغة وهي تمسح عينيها:
_ماشي هقوله. بس رجع أختي للمستشفى تاني. اغلق هشام الهاتف وقال وقد لمح خطتها البريئة بعينيها وضحك ثم قال بقوة وهو يرى عمر يقترب من بعيد: _عمر جاي علينا. جربي كدا تعملي حاجة غير اللي قولتلك عليها. أقل واجب ممكن أعمله أني هموت اللي في بطنها قبل ما مخلوق يوصلها ده إذا حد عرف يوصلها أصلاً. نظرت له بكره وحقد شديد وقالت: _مش هتعرف تهرب من ربنا. يا ويلك. اقترب منهم عمر وهو ينتقل بنظراته عليهم باستغراب ثم
قال موجها الحديث لليالي: _في إيه؟ وإيه اللي جاب هشام هنا؟ نظر لها هشام بعنف وصاح بوجهه: _أظن المفروض أعرف أنت اللي هنا بتعمل إيه مع خطيبتي! وكلام إيه اللي كنت هتقولهولها؟ ضيق عمر عينيه بذهول وما من شيء يقول غير أن ليالي هي من أخبرته بذلك ولم يدرك أن هشام كان يراقبهم وسمع حوارهم بالكامل. قال: _ليالي مش خطيبتك يا هشام. هشام شفتيه بعصبية وصرخ به: _هي قدامك أهي. وهتقول هي عايزة مين.
ثم نظر لليالي الذي تنظر للأرض بنظرة معذبة وتريد الهروب بقوة. قولي انتي عايزة مين؟ رفعت رأسها بعيون باكية ونظرت لعمر وقد ضاعت الكلمات بين شفتيها ثم اسودت الدنيا حولها ووقعت مغشيا عليها. اتسعت عين عمر من الصدمة ومنع هشام الذي تفاجئ بدوره من الاقتراب منها ثم حملها بين ذراعيه لأحد المقاعد بباحة حديقة واسعة وحاول أن يوقظها وقلبه يدق بخوف ثم اتصل بالطبيب من هاتفه واسرع لياتي بكوب ماء.
اتى هشام سريعا وحملها الى سيارته ثم ذهب. اتى عمر ليبحث عنها بجنون عندما وجدها اختفت فجأة ولم يتوقع ما حدث من شقيقه الذي رآه وهو يذهب بعد اغماءة ليالي. وقف هشام أمام بناية قديمة وبعيدة عن صخب المدينة وقد بدأت ليالي تفيق بوهن ولم تساعدها سرعة السيارة ورطوبة الهواء على الافاقة بسهولة بل زادت خمول عقلها أكثر. فتحت عينيها بصعوبة وارتجف جسدها عندما رأت هشام بجانبها وينظر لها بجرأة. انتفضت في مقعدها وقالت وهي ترتعش:
_حصل إيه؟ ابتسم هشام لها ولتورد وجهها وقال هائما بها: _اغمى عليكي وجبتك هنا. أمل فوق. التفتت ليالي حولها لترى الفراغ وخلو المكان من المباني الا هذا المبنى القديم الذي تضاء انوار الطابق الثاني به ثم قالت: _هات أمل هنا عشان نروح المستشفى. أنا مش هطلع. زفر هشام بغيظ وامسكها من معصم يدها وانزلها من السيارة بقوة مع ضراباتها المتكررة على يده وكتفه بشراسة وصراخها يملأ الفراغ. قال بثبات:
_صوتي واعملي اللي عايزاه. محدش هيسمعك هنا. جرها للطابق الثاني بعد أن فتح الباب وقرع جرس باب الشقة بالطابق الثاني حتى فتح له شخص يبدو وكأنه قضى عمره الماضي في أحد السجون. ادخلها عنوة إلى المكان ثم تأوه متألما عندما نالت منه بضربة قوية من شدة كرهها وغضبها منه على قدمه وقالت وهي تقترب من عنقه لتخنقه بعنف: _لو قربتلي ولا قربت لأختي أقسم بالله هموتك.
نظر لها بغضب ثم دفعها للغرفة التي قيدت بها أمل وصرخت عندما تقابلت عيني أمل الباكية بعينيها. ركضت اليها وضمتها بقوة. قالت أمل موبخة: _وافقتي تيجي هنا ليييه؟ ليييه يا ليااالي؟ صرخت ليالي باكية: _أنا ما جتش بمزاجي. أنا اغمى عليا ولما صحيت لقيتني هنا. ضحك هشام بقوة وقال: _ماهي كوباية العصير اللي شربتيها بالعافية وانتي في فرح صحبتك كان فيها مخدر بس مفعوله مش بيبان على طول.
بصقت ليالي بوجهه والقت عليه السباب الذي لأول مرة تتلفظ به ثم مسح وجهه وقال بتأكيد: _هتبقي مراتي غصب عنك. اعملي اللي تعمليه. أنا راضي. صفعته على وجهه بكل ما اتت من قوة وقالت: _أنت معدوم الضمير ومش هامك أن ده أصلاً ماينفعش وأنتي متجوز اختي. ومش هامك أنها حامل منك. ومش هامك أني بحب عمر.
بس عايزة أقولك ماتفرحش أوووي كدا لأني مريضة كانسر وتعبانة وماينفعش اتجوز أصلاً وأنا مريضة. يعني لو ماكنش ضميرك هيمنعك فأظن أن المرض كفيل أن يهد كل خططك. ضيق عينيه من الصدمة وبان الألم بعينه وهو يقول ببطء: _كانسر. أنتي عندك كانسر يا ليالي؟ صرخت بقوة وهي تبكي: _آه عندي. ولو ما بعدتش عني همنع كل الأدوية اللي باخدها عشان أموت وأريح وكل الناس مني. قال بلمعة دمعة ظهرت بمقلتيه:
_مش هسيبك تموتي. أنتي هتتعالجي برضاكي أو غصب عنك. أنتي لازم تعيشي انتي فاهمة. صاحت بعصبية: _لو خيروني بين أني أكون معاك ولا أموت. هختار أني أموت ولا أني أوجع قلب اختي وأقهرها. اضطربت عيناه بألم ثم خرج من الغرفة وهو يمرر يده على شعره بعصبية وعذاب. ضمت ليالي أمل مرة أخرى ببكاء كليهما ثم قالت أمل: _ماتسبينيش يا ليالي أنا ماليش غيرك. مسحت ليالي وجه شقيقتها وقالت بقوة:
_أنا بقوله كدا عشان يبعد عني. بس صدقيني أنا أتمنى أموت ولا أني أكون السبب في وجع قلبك يا أمل. نظرت ليالي للحبال وبدأت تفكها واحدًا تلو الآخر. بحث عنها في كامل المكان ولم يجدها حتى وصل لمرحلة الجنون ثم انتبه لصوت رسالة بهاتفه. *ما تدورش عليا يا عمر. أنا عايزة أبعد* لم يستطع أن يفسر هذا! ما هذه الفتاة؟! اكتفت برسالة من هاتفه وذهبت!! دخل سيارته وقاد بسرعة عالية من فرط الغضب وعاد إلى القصر.
بعد أن أخذ هاتفها بطريقة ملتوية أرسل رسالة إلى هاتف شقيقه من هاتفها حتى يبتعد عنها ويكون بهذا حقق غايته. جلس هشام بزاوية بعيدة تطل على الهواء وفكره شارد بألم في صدمته بمرضها. قال: _بقى أول مرة أحب واحدة يبقى بينا المسافات دي كلها وكل الحرب دي. وكمان مرض بالخطورة. كل. حاجة بتمنعني عنها زي ما أكون بتعاقب على اللي عملته. ليالي لازم تتعالج ولازم تكون ليا. أنا عارف نفسي مش هقدر أبعد عنها ثانية واحدة.
انتظر عمر مجيء هشام حتى وقت متأخر، ولكن هشام لم يأتِ. كانت فريدة تشتعل خوفًا من تأخره، واستمرت مستيقظة طيلة الليل تنتظره. في المبنى القديم في صباح اليوم التالي. دلف إلى الغرفة بعد أن فتحها بالمفتاح، ومعه صينية بها طعام وبعد شرائط العلاج. كانت ليالي مستيقظة وتربط على رأس أمل، التي غفت بتعب وقت متأخر. نظرت ليالي لهشام بكره شديد. قال وهو يتفحصها بحزن:
_أنا سألت دكتور امبارح على حالتك واداني أدوية مسكنة على ما نروحله نكشف وهو يشوف اللازم. هتفت به ليالي: _لمانخرج من هنا وتتجوز اختي، ابقى أشوف الدكتور. غير كده هموت قدامك وانت مش هتقدر تعملي حاجة. هعذبك زي ما عذبت اختي. غضب هشام من إجابتها وقال: _مش هتخرجي من هنا ومش هتجوز اختك، واللي أنا عايزه هيحصل حتى لو غصب عنك. نهضت ليالي ووقفت أمامه بشراسة وصرخت: _انت فاكر إننا هنفضل مسجونين هنا! تبقى بتحلم.
أشار هشام للطعام وقال: _الأكل والدوا عندك. وهنروح للدكتور يا ليالي وده مافيهوش نقاش. أنا مش عايز أستخدم العنف معاكي تاني. ولا حتى عايز أعلي صوتي. ثم خرج وتركها تتلفظ بالشتائم. اتصل عمر بهاتف شقيقه، بما أنه لم يأتِ بالأمس. أجاب هشام على مضض: _مش جاي القصر عندك مانع؟ أجاب عمر بغضب: _ليالي فين؟ وديتها فين؟ أنا متأكد إنك ورا اختفاءها امبارح. رد هشام بعصبية: _ماعرفش هي فين. أنا سبتها معاك ومشيت، عايز إيه تاني مني؟
وسيبتها عشان لما تفوق تقولك بنفسها إنها بتحبني أنا. ثم أغلق الهاتف بحدة. احتار عمر أكثر، فهو يعرف شقيقه، لو كان أخذها لكان لاحظ بنبرته فحيح السعادة والانتصار كالعادة. ولكن ما لاحظه نبرة ألم نادراً ما شعر بها في صوته.
مرت عدة أيام وكانت حالة أمل تزداد سوءًا، وقد دخلت لشهرها السابع وحالتها سيئة للغاية. امتنعت ليالي عن تناول الدواء تحديًا لهشام وضغطًا عليه. فهي رأت طريقته الشرسة في الحب، لذلك لعبت على هذا الوتر الحساس لكي ينفذ لها ما ترغب به. كانت حدة الصداع تزداد يومًا بعد يوم، رغم أن الطبيب في آخر زيارة له طمأنها على استقرار حالتها. ولكن يبدو أن الأمر بدأ يسوء الآن من امتناعها عن تناول الدواء. نهضت أمل بتعب شديد وأرادت شيئًا بقوة.
سألتها ليالي بقلق: _قايمة ليه؟ توجهت أمل للمرحاض القديم المتصل بالغرفة دون أن تجيب. تركت ليالي تتفحص المكان علها تجد ملجأ تهرب منه. ولكن كيف تهرب وشقيقتها بهذه الحالة، وسيكون من الصعب الحركة السريعة على وضعها. بعد قليل خرجت أمل وهي تجفف وجهها، ثم أحكمت غطاء شعرها وبدأت في الصلاة. وما هي إلا دقيقة حتى أجهشت في البكاء بمرارة وندم ورجاء، حتى شاركتها ليالي وهي تتوسل لرب العالمين أن ينقذها.
أنهت أمل الصلاة واستمرت تبكي حتى اقتربت منها ليالي وقالت: _كويس إنك بتخرجي اللي جواكي في الصلاة. أجابت أمل بدموع: _كنت خايفة أقف قدام ربنا بذنبي اللي عملته. ماكنش ليا عين. بس خلاص مش قادرة. ربنا يسامحني. أتى هشام وحاول مرة أخرى أن يأخذها غصبًا للطبيب، ولكن كانت تصرخ وتبكي بشدة. فكر أن يعطيها مخدر مرة أخرى، ولكن خاف أن يؤثر على مرضها. فهو الآن أصبح يخاف عليها حتى من نفسها.
كانت الأيام تشبه بعضها بهذا الألم الذي وقع به، ولم يدرك كيف مر عليه قرابة الشهر ولم يرَ شقيقه من وقتها. وكان أكثر ما يعذبه على عذاب قلبه هو بكاء والدته كل ليلة على ولدها الآخر. أتى هشام لليالي وقرر أن يأخذها هذه المرة بأي طريقة بسبب المرض الذي بدأ يظهر عليها بشكل واضح. كاد أن يخرج من الغرفة وهو مقبض على معصم يدها وسط صراختها المتكررة وغضبها، ولكن تداخل صوت آخر بصراخ هذه المرة.
نظرت ليالي لأمل بصدمة، وتركها هشام الذي تفاجأ بدوره. ثم ركضت ليالي لشقيقتها الذي بدأت تصرخ بشدة وعينيها حمراوين من البكاء. هتفت ليالي برعب: _آآآمل شكلها بتولد. أمام غرفة العمليات كانت الممرضات تخرج وتدخل بقلق. ابتعد هشام واتصل بتامر يطلب منه شيئًا غريبًا. أجاب تامر متعجبًا من اتصال هشام المتغيب منذ مدة: _إيه يا اتش، واحشني. أجاب هشام بسرعة: _مافيش وقت للسلامات. هي ليالي خدت الملف اللي فيه شهادتها وأوراقها؟
فكر تامر قليلًا ثم أجاب: _لأ. الملف لسه موجود. تنفس هشام الصعداء ثم ابتسم وقال: _طب عايزك تجيبلي صورة بطاقتها. هتعرف؟ أجاب تامر بتأكيد وخبث: _طبعًا. بس انت فين وعايز صورة بطاقتها ليه؟ تجنب هشام السؤال وقال عنوان المشفى ثم أغلق الخط. كانت ليالي تبكي وترتجف من القلق عندما أخبرها الأطباء أن شقيقتها ستلد مبكرًا عن موعدها وحالتها خطرة جدًا. وعاد بها الفكر لعدة أيام مضت. فلاش باك.
بعد أن فشلت ليالي في إيجاد مخرج من هذه الغرفة المحكمة الغلق، قالت أمل بشرود: _هسميه آدم. التفتت لها ليالي بدهشة وقالت: _ده وقته يا أمل. أنا بفكر نخرج من السجن ده إزاي وانتِ بتفكري في اسم المولود!! ابتسمت أمل بمحبة وهي تتحس بطنها وقالت: _بعد ما صليت القيام امبارح، حلمت حلم جميل. وحد قالي إن آدم جاي. أنا حاسة إني هجيب ولد. اقتربت ليالي وهي تشعر بالقلق وهي ترى شقيقتها في هذه الحالة الغريبة، ثم قالت مطمئنة:
_خلاص نسميه آدم. عادت ليالي إلى الواقع وقد ازداد بكائها، ثم نهضت برعب عندما خرج الأطباء من غرفة الولادة. قال الطبيب: _مبروك على المولود. هو هيحتاج يتحط في الحضانة فترة. وبالنسبة للأم بصراحة حالتها خطيرة جدًا، ادعولها تقوم بالسلامة. دق الرعب بقلب ليالي وركضت لغرفة شقيقتها الذي يلفها الغطاء الأبيض ووجهها يقطر عرقًا. قالت أمل قبل أن تدخل في غيبوبة: _ابني يا ليالي. ابني.
أخذها الممرضات على عربة متحركة لغرفة العناية بسرعة. وركضت خلفهم ليالي الذي كاد أن يقف قلبها وهي ترى شقيقتها هكذا. تذكرت عمر وقررت أن تذهب إليه، ولكن لحقها هشام بتهديد: _لو بتفكري تروحي لعمر، يبقى هترجعي مش هتلاقي اختك زي المرة اللي فاتت. دفعته ليالي بغضب وصرخت به وهي تلفظه بالشتائم من غيظها. حاولت أن تتذكر رقم هاتفه ولكن لم تحفظ الرقم بذاكرتها.
ذهبت لتطمئن على الطفل وتوجهت لغرفة الحضانة، ثم أرشدتها الممرضة للطفل. نظرت له ليالي بحب أمومي وكأنه طفلها الأول، ثم ابتسمت ابتسامة واسعة وقالت: _آدم.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!