أغلق عمر الهاتف بعد مكالمة أخاه الذي لم يتوقع أنه بهذا السوء. رمى الهاتف جانبه وهو يزفر بحدة وضيق. دق قلبه خوفًا على حبيبته من أن يكون أصابها مكروه أو تعرضت لأي ضغط من شقيقه لكي تهاتف جارها الرجل الطيب عم محمد كي تطمئنه. من أين يبدأ وأخاه قد وقف الآن في حصون الأعداء ويحاربه بقسوة. ********************
بعد ساعات طويلة، عادت أمل من غيبوبتها وتمتمت ببعض الكلمات حتى لاحظت الممرضة ذلك وأشارت إلى الطبيب وهي تصيح. أتى الطبيب وأتم الفحص الطبي وهو يرى الآن استقرارًا وانضباطًا لضربات القلب على شاشة متصلة بجهاز طبي. ثم ابتسم برسمية وقال: _حمد الله على سلامتك. بلعت ريقها الجاف وهي تنظر له بوهن. ثم خرجت كلمات متقطعة من بين شفتيها: _عايزة... أختي... ليالي. أومأ الطبيب بموافقة وقال: _هي برا. هبعتهالك حالا وأطمنها عليكي.
أرسل الطبيب الممرضة لمن تنتظر بالخارج حتى هبت ليالي واقفة بفزع وهي تسمع اسمها يخرج من فم الممرضة بانتباه ورسمية. وقالت برعشة: _حصل إيه؟ ردت الممرضة بلطف: _ما تقلقيش. أختك عايزاكي. هي فاقت دلوقتي وعايزة تشوفك وإن شاء الله هتبقى كويسة. ابتسمت ليالي ورفعت يدها للسماء بحمد وشكر. وراقبها هشام وهو يزم شفتيه بغضب بعد أن اعتقد أن أمل في عداد الأموات الآن.
ركضت ليالي إلى داخل غرفة العناية مباشرة إلى سرير شقيقتها الذي يتوسط الغرفة وعلى جوانبه ستائر تفصل أسرّة أخرى لمرضى آخرين. اقتربت منها وقبّلتها على رأسها بقوة وقالت وهي بين الابتسامة والدموع: _حمد الله على سلامتك يا أمل. كدا تخضيني عليكي. نظرت لها أمل بعمق ثم نزفت عيناها دموعًا صامتة ولم تجب. تابعت ليالي حديثها بنبرة مرتعشة: _مافيش حاجة هتحصل تزعلك تاني. أنا اتفقت مع هشام على كل حاجة وهو عرف غلطته خلاص يا أمل.
تنقلت نظرة أمل بشكل على وجه شقيقتها ثم تمتمت بخفوت: _مش قادرة أتكلم... دلوقتي. أتت الممرضة وهمست بجانب ليالي: _لو اطمنتِ عليها لو سمحتي اتفضلي اخرجي عشان ما تتعبش من الكلام وهي لسه فايقة. ابتعدت ليالي بصعوبة ولم تبتعد نظرتها عن أمل حتى خرجت من الغرفة ووجهت الحديث لهشام بغضب:
_أنا قولت لأختي إنك هتصلح كل اللي عملته عشان ما ازيدش عليها اللي هي فيه. بس قسما بالله لو رفضت لروح لعمر وأقوله على كل حاجة واللي يحصل يحصل. المرة دي مش هسكتلك تاني ومش هخاف من شيء تاني. إن كان معاك صور وفيديوهات فهخلي عمر ووالدتك يتصرفوا معاك. وعمر عمره ما هيرضى اللي أنت بتعمله. زفر بحنق وهو ينظر لها بشراسة وقال: _ماتنطقيش اسم عمر تاني. ومابحبش التهديد لأني ممكن أعمل اللي لا أنتي ولا أي حد في الدنيا يتوقعه.
أشارت له بسبابتها بتحذير: _وأنت ماتعرفش ليالي ممكن تعمل إيه. أنا خلاص مابقتش أخاف من أي شيء هتعمله بعد ما شوفت أختي في الحالة دي. وعمر مش هيسيبني وهيهد الدنيا عشاني. أنا وعمر بنحب بعض. فااااهم يعني إيه بنحب بعض؟ يعني مستحيل أكون لحد تاني غيره لأنت ولا غيرك. أنا ليه هو وبس. اشتعل الشرر في عينيه من الغضب وهتف بها غير مبالٍ بمرور أحد الممرضات بالقرب:
_ولو أخر يوم في عمري مش هتكوني لحد غيري وبالخصوص عمر. وأنا ممكن أعمل أي شيء لو بس حسيت إنك هتبعدي عني. لم تصدق ليالي مدى الإصرار الغريب بمقلتيه وفي نبرته. قالت غاضبة: _انت مش طبيعي. انت ازاي بتفكر تتجوزني وانت متجوز أختي وحامل منك؟ أنا ده كله كنت فاكرة إنك بتعند مع أخوك وبس. ماكنتش متخيلة إنك بتفكر بالطريقة دي وبتتكلم بجد!! سخر منها وقال:
_مش هنكر أن في الأول كنت واخد الموضوع عند. لكن دلوقتي أنا فعلاً بحبك بجد. عارفة يعني إيه أكون مستعد أسيب كل حاجة عشانك؟ عارفة يعني إيه مستعد أتعدى كل الحدود عشان اتجوزك؟ أنا مش بفكر في حاجة غيرك من ساعة ما شوفتك. هتفت به بكره: _انت ما بتفكرش غير في نفسك. وأنا بحتقرك من ساعة ما شوفتك وعمري ما حبيت حد قبل عمر وعمري ما هحب بعده. انت عارف ليه؟ عشان يستاهل. عشان اتحملني وكان مصمم عليا في وقت كنت بحاول ابعد عنه. عشان بحبه.
تابعت برجاء وبكاء: _حرام عليك. أنا بحب عمر... أخوك. هترضى ترتبط بواحدة بتحب أخوك؟ أنا مش هقدر انسى عمر وهفضل احبه طول عمري. كاد أن يصفعها ولكن تمالك أعصابه الثائرة. لمعت بعينيه عبرة غاضبة ثم تركها وذهب والغضب يغلي بمقلتيه من حديثها. جلست على أحد المقاعد وهي تبكي وتتوسل أن يلين قلبه وضميره حتى يفيق من فكره الشيطاني هذا ويعود إلى آدميته وانسانيته. ***************************** في المساء.
بعد كتب كتاب أسماء وسط التهليل والفرحة، جلس والدها بعد أن تلقى المباركات من الأقارب والأشقاء. جلس مفكرًا بشرود حتى لمحته زوجته واقتربت وجلست بجانبه ثم قالت: _مالك يا أبو أسماء؟ انتبه الرجل لها ثم قال مبتسمًا بطيبة: _لأ مافيش. تنهدت ثم قالت بفهم: _أنا عارفة. أنا قلقان على ليالي واختها بس إحنا اطمنا عليهم. اعترض بقلق: _ده أنا قلقت أكتر. دول أمانة. وبعدين قرايب إيه اللي راحولهم؟ اللي أعرفه إنهم مالهمش حد!! أجابت زوجته:
_يمكن قرايب من بعيد أو معرفة. وأنا بصدق ليالي بصراحة. لو كانت أمل اللي اتصلت كنت شكيت لكن ليالي عمرها ما تكدب. دي متربية مع ولادنا بعد أمها ما ماتت. تابع الزوج حديثه بشك: _أنا اتصلت تاني على الرقم اللي أخدته من أسماء بس محدش رد عليا!! حتى لما اتصلت بعمر بيه أشوفه اطمن عليها ولا لأ. بردو ماردش عليا. إزاي مش عايزاني أقلق!! آخر مرة البنات دي يخرجوا من غير ما يعرفوني هما فين. ردت الزوجة بتأكيد:
_وأنا بردو زعلانة من كدا بس ما تقلقش لما يرجعوا هقولهم وأفهمهم ومش هيعملوا كدا تاني. ******************************* وقفت سيارة هشام أمام الملهى الذي اعتاد عليه في الآونة الأخيرة. ثم ترجل منها بغضب ودخل إلى الملهى بوجه مكفهر حاقد حتى لمحه أصدقاء السوء. قال أحداهم: _فينك يا اتش مش باين ليه بقالك كام يوم!!! أجاب هشام وهو يطلب مشروبًا مسكرًا: _مش عايز كلام كتير. أنا عايز أعدل دماغي. نظر الشباب لبعضهم البعض
بنظرة خبيثة ثم أجاب خالد: _من عينيا يا اتش. طلبك عندي. ******************************* عندما عاد عمر إلى المنزل وجد فريدة في غرفتها بعد أن انفردت بنفسها كي تفكر في حل لهذه الإشكالية الخطيرة. صعد إلى غرفته وراقب ظهور شقيقه عبر الشرفة الخاصة بغرفته. مع قرب اقتراب هشام بسيارته الذي كان يقودها بنصف عين من شدة ما تناوله منذ قليل. دلفت فريدة إلى غرفة عمر بعد أن أخبرها أحد الخدم بوصوله منذ أكثر من ساعتين.
استدار عمر لها وقالت هي سريعًا: _عايزة أتكلم معاك في أمر ضروري. ماينفعش يتأجل. تفحص وجهها بتوجس وقال: _اتفضلي. بدون مقدمات ألقت فريدة هذا البركان بوجهه ولم تدرك أن حبها تعدى مرحلة العشق ولم يستطع التحمل من الصدمة: _أنا قولتلك قبل كده إن البنت دي مش هتدخل هنا لا معاك ولا مع أخوك. بس دلوقتي بقول إنه مستحيل. البنت حامل منه.
اتسعت عين عمر من الصدمة والفزع وكاد أن يتوقف قلبه من هذه الطعنة الغادرة حتى اسودت عيناه من الألم وقد حكم على قلبه بالعذاب. تمتم بصدمة وقد برزت عروق عنقه برجفة عصبية: _انتي بتقولي إيه؟ مستحيل. مستحيل أصدق أن ليالي تعمل كدا. مستحيييييييييييل. وقفت فريدة أمامه بغضب وهتفت به: _كنت مستنية إنك تدافع عن أخوك مش عنها. بس أحب أحذر لو دافعت عنها أو عملت أي شيء يضر أخوك لا أنت ابني ولا أعرفك وهفضل غضبانة عليك ليوم الدين.
وتابعت بغضب: _البنت دي حقيرة. فضلت تلعب بعقلك لحد ما خليتك تحبها وهي حامل من هشام بعد ما أكيد لعبت بعقله هو كمان. دلوقتي كل شيء بيقول ماينفعش ترتبط بيها يا عمر ولازم تفوق. سقطت من عينيه دمعة متألمة بعنف وهو في نفس حالة الصدمة حتى صفعته فريدة بعصبية على وجهه: _بقى لما تنزل دمعة من عينيك تبقى على دي!!! هزته من كتفيه بعنف وصرخت به: _مين دي اللي تخليك كدا؟ دي بنت...... قاطعها بحدة بصوته المتهدج:
_مش قادر أصدق إنها كدا. انتي ما تعرفيهاش لكن أنا عارفها كويس. الموضوع أكيد فيه حاجة غلط. لأن مستحيل أن هي تعمل كدا. صدقيني... ليالي مش كدا. مش كدا. أنا متأكد من اللي بقوله. زفرت بضيق وهتفت به: _أنا هعرفك أنك غلطان والحب عاميك ومخليك مش شايف غير إنها بريئة وهي ماتستاهلش نظرة واحدة منك أو من أخوك. بس لو طلع كلامي صح هترجع لريهام فورًا. لصدق إحساس عمر ببراءة ليالي وافق وهو لم يتخيل أنه يوافق على تصريح عذابه.
تركته فريدة بحزن وغضب وهبطت للدور الأرضي ثم ركضت عندما لمحت هشام يترنح يمينًا ويسارًا ويبدو أنه قد أكثر من جرعاته المخدرة. قالت بخوف: _مالك يا بني فيك إيه؟ أشار لها بالصمت وقال بخفوت: _شششششششش. ما تعليش صوتك ممكن ابنك يسمعنا. تأملته فريدة بخوف وهي تراه يتحدث وكأن في عالم آخر من اللاوعي. وهتفت بأحد الخدم أن يخبر عمر. بعد دقيقتين كان يأتي عمر مسرعًا إليهم ونظر إلى أخاه بنظرة قوية وحادة. ولاحظت فريدة هذا وصرخت به:
_طلع أخوك أوضته. انت مش شايف عامل إزاي. أسند عمر أخاه إلى غرفته ولكن هشام بمجرد جلوسه على الفراش غاب في ثبات عميق. وجهت فريدة حديثها بغضب إلى عمر: _شايف أخوك عامل إزاي! أنا متأكدة أن البنت دي هي السبب. في هذه اللحظة تمتم هشام أثناء غفوته وقال بكلمات مبعثرة: _ليالي.. أنا.. بحبك. مش هخلي عمر يقرب لك. صرّ عمر على أسنانه بعنف حتى جذبته فريدة بغضب:
_ماينفعش يا عمر تبقى لحد فيكوا. عشان خاطري يابني اسمع كلامي. انت مش شايف أخوك. أجابها بغضب: _ليالي مختفية هي وأختها وهشام هو اللي عارف هما فين. لما يصحى ويفوق من اللي هو فيه نبقى نتكلم. خرج من الغرفة وذهب إلى غرفته وصفق الباب خلفه بعنف. نظرت فريدة إلى ولدها الذي يتنفس بشكل سريع أثناء النوم وتحسست جبهته ثم جلست بجانبه وهي تفكر حتى قالت:
_كان ممكن أشفق عليها وعلى مرضها لو ماكنتش بالقذارة دي وكنت هقف جنبها كمان. لكن دلوقتي مش لازم حد منهم يعرف أنها مريضة أصلاً وإلا اللي بعمله هيتهد وساعتها النار هتحرقنا كلنا. بعد أن توسلت ليالي إلى أحد الأطباء كي يتركوها تنتظر أمام غرفة العناية نظراً لضرورة عدم وجود أحد بالممر في ساعات الليل. اتى الصباح بغيوم ملبدة ببدء موسم الشتاء.
سألت إحدى الممرضات على شقيقتها ولكن أمل كانت في غفوة بعد أن استيقظت لفترة طويلة بعد خروج ليالي بالأمس. دخل عمر إلى غرفة هشام وأيقظه بقوة حتى استيقظ الآخر بصعوبة ثم هتف عمر به بغضب: _ليالي فين؟ خلد هشام للنوم مرة أخرى بعد أن قال بزمجرة: _مالكش فيه. أزاح عمر الغطاء من على وجه هشام بعصبية وجذبه من يده حتى يعتدل وقال بعنف: _ليالي فين يا هشام؟
نظر له هشام بحدة وتردد صدى حديث ليالي بالأمس داخل رأسه صرخ بعنف في وجه عمر الذي يبدو أنه استيقظ طيلة الليل: _مالكش فيه قلتلك. دي خطيبتي وهتبقى مراتي. وانت مالكش أي حق أنك تسأل عليها بالشكل ده. أوقف عمر قبضة يده الذي كادت أن تصفع وجه أخيه ثم قال بتحذير: _اسمع منها كدا الأول. وأوعدك مش همنعك بعدها. أنا عرفت إنك كنت عايز تعتدي عليها والضربة دي هي اللي ضربتهالك. قهقه هشام ثم قال بسخرية: _اعتدي عليها!
هههههههههه مين اللي قالك كدا؟ قرر أن يتابع خطته الخبيثة: _في حد بيعتدي على مراته أم ابنه اللي قريب هيشوف الدنيا! صدم عمر مرة أخرى من تصريح هشام الجريء هذا ولكن أصر على تكذيب كل من حوله حتى يراها ويتأكد منها بنفسه كالذي يتوسل النجاة وفي ظهره ألف طعنة خنجر مسموم. قال عمر بهتاف وتأكيد:
_مش هصدقك. أنا عارف البنت اللي حتى ما بتسلمش على رجالة وبتتكسف من خيالها. عارف ومتأكد أن دايماً إحساسي عمره ما كذب عليا. عارف أنها بريئة من كل الكلام ده. وغير أنها تحت وصايتي وملزوم بحمايتها فهي حبيبتي اللي متأكد من أخلاقها وأخلاق الراجل الطيب اللي رباها. نهض هشام بنظرة شرسة وقال: _طب لو وقفت قدامك وقالتلك أن كل الكلام ده صح؟ شعر عمر باضطراب من تأكيد أخاه بهذه القوة ثم قال: _هبعد عنكوا انتوا الاتنين.
مط هشام شفتيه وقال بسخرية: _خلاص. اشبع مني على قد ما تقدر لأنك مش هتشوفني ولا هتشوفها تاني. سمعت فريدة هذا الحوار الذي دار بينهم وركضت إلى غرفتها باكية بحرقة وألم وهي ترى أبنائها على طريق الفراق. خرج عمر من الغرفة وهو يختنق من الألم الذي يعصف به كل دقيقة ولم يعد قادر على التفكير وهو يتألم هكذا. دق هاتف تامر وهو في المكتب وأجاب: _أيوه. رد عليه أحد أصدقاء هشام قائلاً:
_اللي انت عايزه هيتنفذ قريب يا تامر بيه. لكن مستني الفرصة المناسبة. اتسعت ابتسامة تامر وقال: _ومراقبين البنت كويس؟ أجاب الطرف الآخر بنبرة ماكرة: _طبعاً. كل حاجة هتبقى في التمام قريب. قهقه تامر وقال: _حبايب قلبي. أنا مستني القريب ده. ثم أغلق الهاتف وقد اقتربت خطته على الاكتمال وتبقى خيط واحد مفقود لديه حتى يكتمل ما خطط له منذ سنوات بدمار الأشقاء ومراقبة سقوطهم من بعيد.
قد مر عدة أيام حتى تحسنت حالة أمل ولم يأتي هشام خلال هذه الأيام مما جعل ليالي تطمئن أنه فاق بعد أن واجهته بحقيقة مشاعرها تجاه شقيقه ولكن إصرارها بإخبار عمر لم يكن يحتاج النقاش أو التراجع فلابد أن تخبره بكل شيء في أقرب وقت. رغم أنها تخاف من مواجهته وترتعب كلما تذكرت ذلك اللحظة. تذكرت زفاف جارتها أسماء ووعدها بأنها ستأتي في الزفاف.
استأذنت من أمل الذي انتقلت إلى غرفة خاصة بمفردها مما جعل ليالي تمكث بجوارها بسهولة على سرير بجانب سرير أمل. وقالت: _أنا هروح ساعتين بالكتير وأكون عندك بس عشان محدش يشك في حاجة ويبقى شكلنا غريب يا أمل وكمان فرصة أجيب لينا هدوم والحاجات اللي هنحتاجها. وافقت أمل وقالت: _خلاص روحي يا ليالي وطمنيهم علينا بس ارجعي بسرعة وما تتأخريش عشان هترجعي لوحدك بليل. ذهبت إلى المنزل وقابلتها أم أسماء بلهفة ثم قالت بعتاب:
_بقى كدا يا بنتي تقلقينا عليكي. فين أمل؟ أجابت ليالي باضطراب وهي تريد التطرق إلى موضوع آخر فقالت بإيجاز: _جالها شوية برد جامد وما قدرتش تيجي فأنا جيت بدالها. هي أسماء راحت الكوافير ولا لسه هنا؟ أجابت أم أسماء بابتسامة: _لأ راحت من بدري واستنتك كتير بس انتي اتأخرتي عليها. وعلى فكرة رغم إني ماكنتش عايزة أخوفك بس عمر بيه قالب عليكي الدنيا واتهيألي لو شافك هيضربك.
ثم قهقهت من الضحك ولم تلاحظ شحوب وجه ليالي الذي ارتاعبت بحق من مواجهته وكيف ستبرر اختفاءها وهي لم تعرف بعد ماذا قرر هشام بعد المواجهة الأخيرة. قررت أن تعرف أولاً ثم تقرر ماذا تفعل وهذا التفكير أتى بعد خوفها من مناقشته وهو في حالة الغضب هذه. قالت لنفسها: _لو لقيته عادي ومش عصبي هقوله براحة ولو إني خايفة أقابله وأمل مش معايا. ربنا يستر. ثم ذهبت لمنزلها حتى تستعد.
بعد فترة قد جهزت ملابس لها ولشقيقتها حتى تأخذهم معها وذهبت إلى السيارات التي ستذهب إلى قاعة الفرح. أتت سما الصغيرة تهتف باسمها حتى ابتسمت ليالي لها وقالت: _أيوه يا سما عايزة إيه؟ همست الصغيرة بجانب أذنها وقالت: _في حد عايزك جوا يا ليالي. تعجبت ليالي وقالت: _مين؟ ركضت الصغيرة قبل أن تجيبها ثم خرجت ليالي من السيارة وتركت حقيبتها وقالت للفتاة بالمقعد المجاور: _خلي بالك من شنطتي على ما أرجع يا حبيبة.
أومأت الفتاة بالإيجاب. ثم ذهبت ليالي لمنزل العروس. كادت أن تخطي أول خطوة على السلم حتى سمعت صوته العميق: _ليالي.
تسمرت في مكانها ودق قلبها بقوة وهي تستدير لمصدر الصوت ورأته وهو يقترب لها بنظرة تضمها باشتياق ونظرته تحدثت بالنيابة عنه حتى لمعت عيناها بدموع وقد شعرت بالأمان بمجرد رؤيته حتى لم تستطع إلا أن تبكي بصمت. عاتبها بعينيه وهو خائف من السؤال الذي يلح على عقله ولكن قلبه لم يشبع من رؤيتها بعد وقرر العتاب لاحقاً. ابتسمت هي رغم دموعها حتى لاحت على وجهه طيف ابتسامة. استمروا هكذا للحظات حتى قال بدفء: _وح.....
قاطعه صوت إحدى الفتيات وتهتف باسم ليالي حتى تأتي لأن السيارات ستذهب. قالت ليالي: _عمر. في حاجات كتير لازم تعرفها والنهاردة. بعد الفرح ما تمشيش عشان عايزة أتكلم معاك. قال هو بقوة: _وليه ما نتكلمش دلوقتي؟ أجابت هي: _أنا وعدت أسماء أني أحضر فرحها وهتزعل. وكمان البنات مستنيني في العربية دلوقتي وهيبقى شكلها غريب. وأنا عايزة أتكلم معاك في هدوء ومن غير ضغط. أجاب:
_مستنيكي بعد الفرح على طول أنا مش هضغط عليكي دلوقتي طالما هنتكلم النهاردة. عشان أنا كمان عندي كلام كتير وأسئلة كتير أوووي لازم أعرف إجابتها النهاردة. أطرقت بعينيها ثم ذهبت ودخلت السيارة الذي تركتها منذ قليل وهي تتنفس الصعداء. وحمدت ربها أن هذا الموقف مر بيسر وترك لها فرصة أن تستجمع شجاعتها وترتب أفكارها حتى الذهاب لقاعة الفرح ثم ستخبره بكل شيء.
ذهب عمر بسيارته أيضاً. وقد ارتاح كثيراً عندما رآها ولم يلاحظ أن هناك من يراقب الموقف في صمت غاضب من بعيد. اكتشف هشام أن عمر يراقبه منذ تلك المواجهة الصباحية بينهم لذلك لم يذهب للمشفى أبداً. وراقب عمر أيضاً وسمع حديثهم بالكامل. اتصل بهاتفه على أحد أصدقائه وأخبره بتنفيذ ما اتفق عليه منذ عدة أيام. أمام قاعة الفرح.
ترجلت ليالي من السيارة وهي تتنفس بارتياح بعد أن فكرت جيداً بماذا تقول ومن أين ستبدأ وبدأ الاحتفال بالعروس بعد لحظات ولم تبتعد نظرة عمر من عليها بدفء. بعد أن ذهبت للعروس وهنأتها بحرارة جلست بمقعدها ورغماً عنها شرد بها الفكر في حلم يقظة من أجمل أحلامها. (دخلت ليالي وهي كالملكة وترتدي فستان العرس وكان ينتظرها عمر بوسامته الساحرة وابتسامته العاشقة حتى أسرع إليها وضمه بقوة ثم بدأ الاحتفال بهم. قال بجانب أذنيها بهمس:
_بموت فيكي يا روح قلبي. ابتسمت بخجل ثم قالت: _الناس بتبص لنا يا عمر وانت بتقول كلام بيكسفني. اتسعت ابتسامته وجذبها من يدها وبدأت الموسيقى الهادئة وقال وهو ينظر لها بحنان متدفق بقوة: _مين أسعد مني النهاردة؟ اتجوزت حبيبتي اللي بعشقها. وحاربت الدنيا كلها عشانها. بموت فيكي يا عمري كله. ابتسمت بسعادة وهي تحمر خجلاً: _وأنا كمان بحبك أوووي وبس بقى عشان بتكسف. ضحك بقوة ثم حملها ولف بها بسعادة.)
عادت إلى الواقع وهي تبتسم بشرود ووقع نظرها على وجهه الذي كأنه كان يشاركها حلمها أيضاً. شعرت بالخجل الشديد وبعدت عينيها عنه بسبب نظرته المبتسمة الدافئة. دق قلبها لها وقال بخفوت: _مش مستعجل على كلامك رغم إني هموت وأعرف الحقيقة بس كان نفسي أفرح بيكي ولو لدقائق قبل أي حاجة ممكن تحصل. اتى له اتصال غريب جعله يخرج من المكان. أتت سما الصغيرة مرة أخرى وقالت نفس الذي قالته بالسابق. نهضت ليالي وهي مستعدة الآن للاعتراف.
وذهبت للمكان الذي قالته الصغيرة بطفولية. واتسعت عيناها بذهول مما رأت. مش غايظني غير حلم اليقظة ده. لأ مش حاسة إني عرفت أنكد المرادي. روبا.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!