بعد خروجه من المكتب توجه إلى روضة فهد وحاول أن يستعلم عن بيانات الصغير ولكن لم يصل لشيء ومؤشر الشك يزيد بشكل كبير، فلماذا رفضت مسؤولة الروضة إعطاءه أي معلومة ولو بسيطة عن فهد بهذه الشدة إلا لو كان هناك شيء غامض! تحدث مع فهد في مكتب المسؤولة وقد دنا لمقام الطفل ومرر يده على شعره بحب. قال: _وحشتني يا فهد، مش عارف أنساك من ساعة ما شوفتك آخر مرة.
مط فهد فمه للأمام بتذمر ونظر له شزراً وهو يلهو بكورة صغيرة بيده وتمتمت بعض الكلمات غير المفهومة. حتى سأله عمر مستوضحاً: _بابا اسمه إيه يا فهد؟ حملقت عين الصغير في وجه عمر باستياء طفولي ثم نظر لكورة يده ولم يجيبه. زفر عمر بضيق وقال مجدداً: _طب ماما اسمها ليندا؟ قطب فهد حاجبيه وقال: _لااالي. اقترب منه عمر أكثر وأشار له كي يكررها حتى قال الصغير بشكل هجومي غاضب وبدأ يصرخ: _لاااااالي! هتفت المسؤولة وقالت باعتراض
وهي تشير لأحد المشرفات: _خدي الولد يا إيمي. اقتربت المشرفة "إيمي" وأخذت فهد للخارج وشعر عمر بالحيرة للعصبية الدائمة لهذا الطفل وقال: _هو ليه دايمًا بيصرخ كده! مش بشوفه هادي غير مع والدته بس. أجابته المسؤولة بحنق: _أنا بتأسف لحضرتك، أنا مش هقدر أديك أي معلومات عنه، بس لو كان يهمك أمره ساعتها أقدر أقول إن الولد عصبي بشكل مش طبيعي. دايمًا بيضرب الأطفال اللي حواليه وبيكسر أي شيء يشوفه وأنا قلت لوالدته كده.
تنهد عمر بعمق وقال: _بشكر حضرتك، مع السلامة. خرج من الروضة وهو يختنق من الضيق وشعور يكتسح أعماقه ويؤكد أن هذا الفهد الصغير.... ابنه. *** مرت ساعات العمل. أنهت ليالي العمل واستعدت للذهاب. فتحت باب المكتب لتخرج ولكن تقابلت عينيها مع نفس العينان التي تأسرها دائمًا في طوق من اللهفة والشوق لعشق قد مر عليه سنوات ورغم ذلك يشتعل أكثر ويلتهب بنيران قد التهمت جسور مقاومتها.
كان الهواء يبدو شديدًا بالخارج من تحريك زجاج النوافذ بقوة محدثًا صوتًا مزعجًا بعض الشيء. قال بصوت أشبه بالهمس: _هوصلك. بلعت ريقها بارتباك لهدوئه المربك هذا ونظرته الدافئة. غامت نبرتها في موج الاضطراب: _مش..لازم. في... قاطعها باقترابه واقتراب عينيه من عينيها وقال بنفس الهمس: _قولتلك هوصلك. مش هسيبك لوحدك. استعادت شيء من قوتها بصوت قوي قد صفع قلبها لتستيقظ من ضعفها هذا. أردفت بثبات أو هكذا تظاهرت: _أوك، مافيش مشكلة.
تحركت من أمامه وتوجهت للخارج ولكن سبقها وأغلق الباب وقال بمزيج من التوعد والهدوء الغامض: _لو مخبية عليا حاجة قوليها. لأني لو عرفت من نفسي عقابي مش هتتوقعيه. ضمت حاجبيه بغضب وهي تنظر له شزراً حتى باغتها قبل أن تتحدث وفتح الباب وأشار لها بالخروج. ***
أضواء المدينة تدلف إلى القلوب بحنين وبالأخص في هذه الفترة وقد يلوح قرص الشمس ببسمته الباكية المتوهجة ويوعد بالمجيء بأقرب وقت. تمنت أن ترتمي بين ذراعيه الآن وتروي له الحقيقة كاملة وتبدأ حياتها معه من جديد. لهفتها بسماع كلمة "أحبك" منه فاقت الحدود، حتى ذهب عقلها وهي تغلق جفن عينيها وتقولها بخفوت لتهدئ قلبها الذي يصرخ. بحبك.
كان يراقبها في مرآة السيارة حتى توقف بشكل مفاجئ جعلها تنتبه لما فعلته. نظر لها نظرة طويلة قد لمحتها رغم الضوء الأزرق البسيط للسيارة وعتمة الليل التي بدأت بالترحيب. قالت بصوت يهدد بالبكاء: _اتأخرت على فهد. لو سمحت امشي. شعر أن المواجهة ليست الآن. لابد أن تتروى أولاً حتى لا يثير غضبها الذي لم تقلله كل تلك السنوات. فكيف لا يصدق أنها ليست هي!
سار مرة أخرى حتى توقف بعد قليل أمام الروضة وتركها تذهب لتحضر فهد وهو يعلم أنها ستكتشف أمر مجيئه. اتصل هاتفياً بسائقه الخاص حتى يأتي خلال... دلفت ليالي للداخل ولكن آخرتها مسؤولة الروضة وأخبرتها بتفاصيل زيارة عمر اليوم حتى لاحظت التوتر الظاهر على وجه ليالي. طمأنتها: _أنا ما قولتلوش أي حاجة. دي رغبتك ولازم نحترمها. هزت ليالي رأسها بامتنان وشكر وأخذت فهد للخارج وتفاجئت أن عمر يجلس بالمقعد الخلفي وليس مقعد القيادة.
توقفت لدقيقة بقلق ثم أكملت طريقها وكأنها لم تلاحظ شيء ودخلت السيارة من الباب الآخر. وضعت فهد على قدميها تهدئه من ثورته العنيفة بسبب تأخيرها وتلا هذا الصراخ بكاء. وقال كلمات كثيرة بالإنجليزية ولكن بشكل غير مفهومة ثم قال ببكاء قد أحرق قلبها: _بتسبيني.... وحدي. صر عمر على أسنانه بقوة وتلقف الصغير منها بشكل مفاجئ وضمه بقوة وذلك مع دفعات فهد المتعصبة ولكن أصر عمر على ضمه بقوة وحب أبوي حتى سكن الصغير بين يديه ببكاء مكتوم.
وكانت هي قد أغرقت الدمع وجهها من رؤيتهم ووخز قلبها الألم والندم لحرمانهم من بعضهم ولمحت عمر وهو يتمتم بإحدى العبارات بصوت هفيض وهو يغلق عيناه وملامح وجهه غارقة بعنق الصغير. ولا إرادياً شعرت بأناملها وهي تتحرك على كتف عمر وتربت عليها بأسف. ابتعد قليلاً عن فهد وتفاجئت بشيء صادم عندما رأت لمعة باكية بعين عمر بعد ابتعاده عن فهد قليلاً. نظر ليدها على كتفه بعتاب قاتل وعاد لضم فهد مرة أخرى حتى غفا الصغير بين ذراعيه.
ابتسمت لهم بحنان وهي تراه يقبل فهد النائم من جبينه بين الحين والآخر ولم تبتعد عيناه عن وجه الصغير وهو يضمه. *** أتى سائقه الخاص وذهب بالسيارة حتى الفندق ثم ترجلت ليالي وعمر الذي يحمل فهد ودلفوا إلى مبنى الفندق. "في المصعد" استاءت لأنه تجنب الحديث معها أو حتى النظرات وكأنه اكتفى بالصغير. وقف المصعد وخرج هو ثم خرجت خلفه وتفاجئت بوقوفه أمام غرفتها. هتف بها بنبرة تظهر غضبًا استطاع أن يكتمه: _افتحي الباب.
تظاهرت بالتعجب وكادت أن تتحدث. هتف بها مرة أخرى: _اااافتحي الباب. جف ريقها بخوف وتحركت أناملها مطيعة الأمر وفتحت باب غرفتها. حاولت أن تأخذ الصغير ولكن دلف عمر للغرفة دون أن يعيرها أي اهتمام. نظر حوله جيدًا. ودلف إلى غرفة جانبية ووضع الصغير على فراش وثير قد وجده بزاوية منها. وضعه بلطف وقبله من جبينه قبلة طويلة وهو يمرر يده على رأسه بحنان. وقال بهمس: _محدش هياخدك مني تاني.
لم تسمع ما قاله للصغير حتى نهض ورمقها بنظرة ضيقة غاضبة توعد بشيء يشتعل بمقلتيه وأقسمت أنه اكتشف حقيقتها ولكن ما الذي يجعله صامتًا إلى الآن! قال قبل أن يخرج من الغرفة وموليًا ظهره: _أنا مش هبات النهاردة في الفندق. شعرت بالانزعاج وقالت بغيظ: _ليه؟ استدار لها وقال شيئًا جعل رأسها يدور: _لأن بقالي ٢٤ ساعة ما شوفتش ابني التاني ولا أمي. خرج وأغلق الباب خلفه وتركها تقف متجمدة بلا حركة. ***
تسارعت أنفاسها بخوف حتى ركضت على الهاتف واتصلت بجميلة التي استقبلت ما قالت ليالي بضحكة عالية: _ههههههههههههههههه. اتقفشتي يا حلوة. صاحت ليالي بغضب: _أنا بعيط وأنتي بتضحكي! أنتي عارفة معناه إيه أنه بدأ يعرف الحقيقة؟ أنا مش عارفة هو اتأكد أوووي كدا من إيه رغم أن حضانة فهد ما أدتلوش معلومة وحتى الشركة كل بياناتي فيها باسم ليندا. قالت جميلة بسخرية: _يمكن الفندق. مش بتقولي أن مستر مراد حجزلك فيه باسمك! أجابتها ليالي بضيق:
_لأ بردو مستر مراد حجزلي فعلا بأسمي الحقيقي بس من غير اثبات فكان سهل عليا اقدم ورق ليندا لما خدته من باسم ولأن انا من طرف مستر مراد فامتكلموش معايا. تعجبت جميلة: _ماهو اكيد حس بيكي يا ليالي مافيش شيء ضدك أو يثبت أنك مش ليندا بس ماينفعش مايحسش أنك ليالي أو على الأقل يشك ساعتها كنت هقول أنه نساكي. زفرت ليالي بضيق وقالت بغيظ: _ده مش طايق يبصلي من ساعة ما حس بالحقيقة حتى ساب الفندق ومشي. قهقهت جميلة بمرح وقالت بمكر:
_قولي بقى انك زعلانة انه مشي. صاحت ليالي بها وقالت: _بس بقى المهم لازم تيجي بكرا عشان اسيب فهد معاكي انا مش عايزة تامر يعرف بوجوده عايزة ابعد ابني عن الدوشة. أجابتها جميلة بموافقة: _خلاص ماتقلقيش انا قلت لبابا واستأذنته أني اقعد مع حماتي يومين واروح شقتي ارتبها وبعدين ارجع تاني هتلاقيني في القاهرة بكرا الصبح. ابتسمت ليالي وأردفت: _الحمد لله عشان انتي كمان وحشتيني أوووي والكلام في التليفون مش كفاية.
وافقتها جميلة بمرح واكدت أنها ستصل في الغد. "في اليوم التالي" كان قد اوكل تامر لبعض الرجال بمراقبة ليالي بدء من اليوم ولم يصل عمر للشركة حتى دقت الساعة الواحدة بعد ظهر اليوم. تنفست بحدة وهي تنتظره وقلقت من أن يكون حدث له مكروه انتظرت ساعات أخرى حتى دلف باسم للمكتب وبيده بعض الاوراق وقال: _انا هستنى العملاء بدل عمر عشان شكله مش جي النهاردة. قالت بقلق: _هو ماله مش جي ليه. ظهرت الحيرة على وجه باسم واردفت:
_مش عارف بس طالما اتأخر كدا يبقى مش جي وإلا كان اتصل بيا وعرفني أنه في الطريق انا اتصلت بيه من شوية بس تليفونه مقفول. زاد القلق بداخله وتوقفت عن العمل حتى اضاء هاتفها برسالة نصية تخبرها أن فرانسيس دايمون اتى إلى القاهرة وسينتظرها في تمام الساعة الثامنة مساء في مطعم شهير بأسم "....... لوحت بالهاتف إلى باسم حتى اقترب وقرأ ما تقوله الرسالة وقال بخفوت: _الشغل ابتدا.
تنفست بحدة وتوعدت لتامر الذي سينال عقابه في خلال أيام قليلة. للدقائق الآخيرة في انتهاء دوام العمل لهذا اليوم لم يظهر ايضا ولم يغب عن فكرها ولو لثانية واحدة ولكن لابد أن تستجمع فكرها حتى تنال من هذا التامر. هاتفت جميلة واخبرتها عنوان روضة فهد حتى تأخذه ويذهب معها وقالت: _انا قولت للمديرة مواصفاتك وبيانتك عشان ترضى تديهولك ماتقلقيش. وافقت جميلة بحماس وقالت: _هروح جري الواد ده وحشني موووووت.
بعد دقائق اغلقت ليالي الهاتف وتوجهت للمطعم الذي تعلم انها ستكون مراقبة منذ الآن. في مكان واسع به طاولات فاخرة وستائرة ثقيلة تحاوطه جلس رجل اشقر وقد مضى من العمر ما بعد الخمسين ورغم ذلك يحتفظ برونق الشباب. لمحها من بعيد وابتسم برسمية. توجهت ليالي إلى طاولته بعد أن تأكدت انها مراقبة وهي في طريقها إلى هنا. بدأت الحديث معه بمزيج من الفرنسية والانجليزية. دق هاتف تامر من أحد رجاله ليخبره بآخر المستجدات بشأن المراقبة
ليبتسم تامر بسخرية وقال: _طب خلي عينك عليهم لحد ما اتصل بيك تاني. اغلق تامر الاتصال ليبدا اتصال آخر. رد الطرف الآخر مجيبا: _اهلا بالبيج بوص. تحدث تامر بسخرية وتسلية: _بتحسسني اني رئيس عصابة! المهم من غير كتر كلام. انت هتروح دلوقتي زي الباشا كدا لعنوان فندق. اوضح صوت الرجل الآخر عن التعجب: _ليه وهقابل مين. أردف تامر وقال: _هتقابل سكرتيرة عمر. ليندا هانم. اللي بتشتغل لحسابها ومع مين بنت اللذينة. فرانسيس دايمون.
ده وكيل اعمال كل فروع شركات مراد غالي من أشهر رجال اعمال الشرق الاوسط. تساءل وفيق: _طب هعرف ازاي وهقولها ايه. صمت تامر لفترة ثم قال:
_انت صاحب شركة. اي نعم لسه جديدة وصغيرة بس رجل اعمال بردو. هتطلب تقابلها بعد ما تعرف سكنها. اطلب انها تساعدك انك تاخد المشروع اللي عمر بيدرسه حاليا. ولو رفضت وده اكيد هددها انك هتفضحها عند عمر وهتقوله انها بتجسس عليه وبتشتغل من وراه ومعاك الاثبات. احنا صورناها حاليا وهي مع فرانسيس. ويأما هتوافق ناخد مشروع المباني اللي عمر بيدرسه ودي صفقة كبيرة واكبر بكتير من اللي فات يأما هتمسك العصاية من النص وهتديلك صفقة مع فرانسيس بمعرفتها.
وفي الحالتين احنا الكسبانين. صفر وفيق بإعجاب وهتف: _دماااااغك دي دهب. قولي العنوان فين. اخبره تامر بالعنوان ثم قال: _هبعتلك الصور على تليفونك. بحيث انك تفضل وراها بعد ما تخرج من المطعم لحد مكان بيتها. عشان ما تقولش اننا رقبناها ومرتبين كل حاجة من بدري. وافق وفيق ثم اغلق الخط ليبدأ مهمته. انهت ليالي مقابلتها مع فرانسيس ثم ذهبت للفندق. دلفت إلى غرفتها واشتاقت لفهد ولكن لابد أن تجعله بعيدًا هذه الايام. دق هاتف الغرفة.
اجابت بدهشة: اخبرها موظف الاستقبال بأن هناك شخص بإنتظارها ولم يدلي بأسمه. قلقت وظنت انه تامر لذلك تحمست مرة أخرى وخرجت من غرفتها مرة أخرى هبوطا لأسفل لتجد شخص لم تراه ابدًا قد أشار له النادل. اقتربت من الطاولة وفهم وفيق أنها هي من صورها الذي ارسلها تامر عبر الهاتف. قالت متسائلة بحيرة: _مين حضرتك. أشار لها وفيق بالجلوس وقال: _طب اتفضلي الأول وهتعرفي.
وقفت قليلا ثم جلست على مضض وببطء والقى وفيق عليها خطته بشكل كاد يجعلها تضحك واستوعبت الآمر. تظاهرت بالخوف في نبرتها وقالت برجاء مصطنع: _ارجوك. انا ما عملتش حاجة غلط. كل الموضوع اني كنت بشتغل في الشركة دي في فرنسا قبل ما اجي مصر. وشغلي مع استاذ عمر شيء تاني وجه بالصدفة. احتج وفيق واصر على اتهامها: _انا معايا صورك وانتي قاعدة مع فرانسيس واقدر اجيبلك ملفات توديكي في داهية. هتسمعي كلامي ولا تدخلي السجن.
ادمعت عيناها بشكل مصطنع وتابعت تمثيلها حتى تاكدت أن الرجل اقتنع حقا بخوفها وقالت وكأنها ما بيدها حيلة: _تمام. حضرتك عايز ايه. بس طبعا في ايطار قانوني. انا كلها كام يوم ومسافرة ومش عايزة دوشة. اومأ وفيق رأسه وقال: _صفقة المباني اللي عمر بيشتغل عليها حاليا. انا عايزها. ردت بمراوغة:
_ماقدرش اعمل كدا لأن المشروع بدأ يتنفذ فعلا. بس ممكن اديلك صفقة احسن منها بكتير مع مستر فرانسيس واظن دي هتبقى صفقة العمر ويبقى كدا ماخونتش حد. ابتسم الرجل بنظرة ماكرة وكادت ليالي ان تقهقه على غبائه ثم نهضت وقالت: _هستنى حضرتك بكرا في نفس الميعاد وهكون رتبت كل شيء مع مستر فرانسيس. هو جه مصر لشغل ومش هيقعد اكتر من يومين. وافق وفيق بترحاب وراقبها وهي تذهب.
فور ذهابها اخبر تامر بما حدث ليبتسم تامر بانتصار وقد اعماه طمع المال عن شكه الدائم بكل من حوله. بمجرد أن دخلت غرفتها بالفندق اتصلت بباسم الذي كان في الطريق إلى منزله. قال لها: _الخبيث. انا كنت فاكر انه هيقابلك بنفسه بس رمى واحد بداله. عموما وفيق عامر وصلي اوراق عنه تدخله السجن مش اقل من ١٠سنين. بس كنت مستني لما اشوفه أخره. هتفت ليالي بقوة: _الورق ده لازم اخد منه نسخة بكرا قبل ما اقابله. دي ضربة مقتل. قال باسم بتأكيد:
_الحفلة دي انا معزوم فيها اكيد. فكرت ليالي لبرهة ثم قالت: _لو انت عايز تبقى موجود ماشي رغم أني كنت افضل ابعدك دلوقتي وماكشفش كل اوراقي لأني مش عارفة ايه اللي جي. رد باسم وترك محرك سيارته عندما وقف أمام مبنى منزله وقال: _لا ماتخافيش. انا عارف هعمل ايه. قالت مترددة: _ماعرفتش حاجة عن عمر؟ رغم أنه يعرف أن عمر قد انفراد بنفسه لعدة ايام بشكل مفاجئ ولكن أراد أن لا يخبرها حتى تذهب وتبحث عنه بنفسها. قال بخبث: _لأ.
ضاقت من اجابته واستاذنته واغلقت الخط. واجرت مكالمة هاتفية لتطمئن على صغيرها التي رفض محادثتها وطمئنتها جميلة أنه يلهو مع صغارها ايضا. تمددت على فراشها هذا اليوم وقلبها يتألم من بعادهم هما الاثنان حتى دق هاتفها الخاص بها برقم غريب ولم تتلقى رد. شعرت أنه هو لذلك لم تغلق الاتصال واستمرت تترجى بصمت أن يتحدث ولكن لم يحدث ذلك.
تمزق قلبها وهاتفت كريمة لتطمئن ولكن هاتف كريمة مغلق أيضًا. واحتارت أن تدق على رقم عمر الرئيسي يركض الشك بداخله أكثر. في اليوم التالي انتظرته ولكن لم يأتي ايضا. واهتز قلبها من القلق ولكن مهمتها وخطتها تبدو الاهم الآن. مرت ساعات العمل بشكل بطيء وبغيض حتى ذهبت الى المطعم للميعاد المتفق عليه مع نسخة من الاوراق التي اخذتها من باسم مبكرا. واتى خلفها باسم وتأكد أنه ليس مراقب.
جلست أمام وفيق الذي رأته ينتظرها وبشكل خفي فتحت هاتفها على المسجل. قالت وهي تفحص الاوراق أمامه: _الاوراق دي اللي معايا توديكي انت وشركتك في داهية. انا مايهمنيش تهديدك العبيط. انا هطلع من هنا وهعملك بلاغ وهقدم الاوراق دي وشوف انت بقى هيحصلك ايه. صدم وفيق وخطف منها بعض الاوراق ونظر لها في صدمة ثم بدأ جبينه يعرف بغزارة ولم يتحدث. حتى اتى باسم فجأة وقال:
_طب إيه رأيك اني عارف مين وراك بس طالما انت راضي تشيل كل حاجة لوحدك فالبسلامة. نطق الرجل في حدة بعد ان تفاجئ بوجوده: _قصدك ايه. وانت ايه اللي دخلك ولا ده فخ. أجابت ليالي بهدوء: _زي ما تسميه سميه، المهم إن كلها ساعة بالكتير وهتبقى منور في الحبس، وابقى قول هناك إنك مظلوم وحاول تثبت. أنت راضي إنك تبقى كبش فدا، أنت حر. ظهر الخوف على وجه وفيق وقال لباسم: _ولو قلت كل اللي عندي، هيحصل إيه؟ مط باسم فمه
بتفكير لمدة دقيقة وأجاب: _أظن ممكن عدد السنين يقل كتير، مش أحسن ما تفضل طول عمرك في السجن؟ وعلى فكرة ما خفي كان أعظم، مش دي كل الأوراق اللي معايا، الباقي لسه في الطريق. مين اللي وراك؟ ولا مصمم إنك تشيلها لوحدك؟ صاح الرجل بخوف: _تامر الله يخرب بيته، هو اللي أقنعني إني هبقى في الأمان وقالي إن الوضع ده مش هيستمر كتير، وكل مشاريع الشركة هو اللي كان بيعملها مش أنا، أنا كنت وجهة للشركة بشكل مؤقت لوقت هو محدده.
نظرت ليالي له بغيظ وكره، حتى أتت فرقة كبيرة من رجال الشرطة ومعهم ضابط قد أشار لوفيق وقال: _هتتفضل معانا بهدوء ولا حابب إزعاج الناس؟ هز وفيق رأسه بذعر وذهب معهم. قال باسم للضابط: _الأوراق دي تخص شركته بس مش هو الأصل، بس هو الوحيد اللي هيدلكوا عليه. أعطت ليالي هاتفها للضابط وقالت: _والتليفون ده عليه تسجيل الاعتراف بالكامل، تامر مراقبني، واكيد ممكن يكون وصله اللي حصل ويهرب. نفى الضابط هذا الشيء وقال:
_ماتقلقيش يا مدام، أستاذ باسم فهمنا على كل حاجة، وإحنا مراقبين تامر بقالنا مدة ومش هيقدر يهرب مننا، هو فلت مننا كتير بس المرادي صعب يفلت. نظرت ليالي لباسم الذي ابتسم بنصر بعد أن ذهب الضابط وقالت له: _أنت كنت مبلغ البوليس وما قلتليش! رد بثقة: _خوفت لتقلقي أو تتوتري، أنا عارف البنات. وعموماً أنا مش متعود أقول كل شيء عندي طالما بعمل الصح. ارتبكت وتوترت نبرتها وهي تقول: _قصدك إيه؟ مش فاهمة! أشار لها
باسم وهو يكتم ضحكته وقال: _اتفضلي اطلعي أوضتك، كده مهمتنا انتهت، وتامر زمانه اتقبض عليه وهو في بيته. في اليوم التالي شاع خبر بالقبض على تامر بعدة تهم، منها غسيل الأموال، مما جعل ليالي تبتسم بسعادة وانتصار. قال لباسم الذي أتى للمكتب خصيصًا ليبارك لها: _ألف مبروك يا أم فهد، نفذتي مهمتك بذكاء ووقعتي راس الشر. ابتسمت ليالي بسعادة ثم قطبت حاجبيها بقلق:
_عمر لسه ما جاش بردو، وكل ما أتصل على كريمة يديني مقفول. أنا خايفة أوي. قال باسم بمكر: _طب ما تتصلي بيه! هربت بعينيها وقالت: _أنت مش قلت إن تليفونه مقفول؟ ضحك باسم بصوت عال وقال: _يمكن فتح التليفون. تركها تائهة وذهب للعمل. انتظرته في المكتب حتى سأمت الانتظار، ومع كل دقيقة تمر دون أن تعرف سبب تأخيره، يزداد قلقها بانفعال وعصبية وخوف عليه.
أطرقت أناملها التي تضم قلمها الحبر على المكتب بحدة، وعقلها يجول في شتى الاحتمالات لتأخيره هذا، أهو مريض؟ به شيء؟ هل آدم به شيء؟ نهضت من مقعدها وقررت أن تذهب لمنزله وتطمئن بنفسها عليهم هما الاثنان، ويحدث ما يحدث. ترجلت من السيارة قبل مكان الفيلا بقليل واتصلت على كريمة بمحاولة أخيرة وأملًا أن تجيب هذه المرة. أجابت كريمة على الهاتف وقالت:
_معلش يا ليالي، كنت مسافرة ووصلت امبارح بليل وكنت عند الست الكبيرة وما عرفتش أرد عليكي. تأففت ليالي وقالت مباشرة بضيق: _عمر فين يا كريمة؟ ما جاش الشغل النهاردة بردو! أجابتها كريمة وهي تدلف داخل غرفتها بتسلل: _مش عارفة، هو ما خرجش من الصبح، وحتى آدم مش شيفاه من ساعة ما جيت امبارح، يمكن عشان قعدت مع فريدة هانم لفترة كبيرة لأن شكلها تعبان النهاردة.
بلعت ليالي ريقها وقد ازداد القلق بداخلها أكثر، ومر عبر مقلتيها التي تطرف بتوتر. قالت: _طب أنا عايزة أدخل أطمئن عليه بنفسي، أنا قدام الفيلا، دخليني جوا بأي طريقة. اعترضت كريمة وهي تشعر بخوف هذه المجازفة: _طب هروح أشوفهم وأطمنك. هتفت ليالي وأظهرت نبرتها قلق وخوف الأم: _مش هستحمل، أنا لما كنت بعرف إن آدم تعبان وأنا برا كنت ما بعرفش أنام لحد ما تطمنيني عليه، أنا عايزة أشوفه بعيني، نفسي أحضنه وحشني أوي.
شعرت كريمة بالشفقة وهي تسمع صوتها المتهدج ببكاء مكبوت: _خلاص ماشي، هطلع للبوابة دلوقتي وأحاول أعمل حاجة، وانتي أول ما الحرس يدخلوا لجوا تدخلي انتي كمان من غير ما حد يشوفك. وافقت ليالي وهي على استعداد لأي شيء حتى ترى آدم وعمر سالمين. خرجت كريمة وصاحت بهم وقالت: _في حاجة غريبة في المطبخ، روحوا شوفوا فيه إيه. أسرع الرجال إلى المطبخ وظهرت ليالي أمام البوابة، وأشارت لها كريمة أن تأتي وتختبئ خلف أحد الأشجار بجانب المطبخ.
خرج الحرس وقال أحدهم: _مافيش حاجة جوا، تلاقيها قطة ولا حاجة. تنفست كريمة الصعداء وقالت: _آه ممكن، معلش بقى، أنا بخاف من أقل حاجة. ذهب الحرس للبوابة مرة أخرى ودلفت ليالي من خلفهم إلى المطبخ. وقالت كريمة بقلق: _كوثر ممكن تيجي في أي لحظة، روحي اطمني على آدم وأنا هروح أشوفها فين وأشغلها شوية في أي حاجة، هستناكي هنا. هزت ليالي رأسها وخرجت كريمة من المطبخ للردهة الداخلية ونظرت حولها جيدًا لتكتشف وجود أحد، ثم أشارت
لليالي لتأتي وقالت بهمس: _أوضة آدم آخر أوضة على الشمال. أسرعت ليالي على الدرج وحذرت من صوت أقدامها، ثم تحركت في الاتجاه الذي أشارت له كريمة، وقبل أن تصل للغرفة الأخيرة فتح بابها. كاد قلبها أن يتوقف، ولمحت غرفة أخرى قريبة منها وبابها قد ترك على مصراعيه، فدَلفت لداخلها وجسدها ينتفض. كانت الغرفة أثاثها قاسي وحاد بعض الشيء، وستائرها سميكة وذات ألوان قاتمة. اختبئت خلفها وقلبها يدق بعنف. حتى دلف أحد وظله مخيف كالشبح.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!