الفصل 48 | من 67 فصل

رواية "ليالي" الوجه الاخر للعشق الفصل الثامن والأربعون 48 - بقلم رحاب ابراهيم

المشاهدات
22
كلمة
1,693
وقت القراءة
9 د
التقدم في الرواية 72%
حجم الخط: 18

لم يأبه لصراخها وهو يقود السيارة. لفح رطب الهواء جسده وملابسه المبتلة، الذي لم ينتظر حتى ليبدلها بأخرى جافة، وكل ما طرق رأسه وقلبه معًا أن يبتعد عن هذا القصر بأسرع ما يمكن. رن هاتفه بشكل آخرجه من فكره الشارد. أجاب بحنق: _الو. سمع صوت رئيس حرس القصر "جابر". استطرد قائلاً برسمية: _هرب مننا يا عمر بيه. أنا آسف بس هو هرب على ما دخلنا القصر. أجاب عمر بهدوء:

_مش مهم. في كاميرات في الجنينة وهعرف أجيبه وأسجنه. ما يشغلنيش هروبه. أغلق الخط وقد بدأ جسده يشعر ببرودة الهواء وسرى رعشة خفيفة تنذر بنزلة برد شديدة. *** أغلقت ستائر النافذة الزجاجية وقالت وهي تجلس بالمقعد الخلفي للسيارة وعينها على ملابسها التي تلتمع بها بعض قطرات المياه في ضوء السيارة: _كنت غير هدومك الأول قبل ما تسوق. كدا هتبرد.

نظر من خلال المرآة العلوية للسيارة لها. ولمحته هي عيناه التي يطل منها الدفء، ما جعل وجهها يتورد من الخجل وغضبت من نفسها لضعفها الدائم الذي يظهر عندما الخطر يقترب له. قال بنبرة عميقة دافئة: _خايفة عليا؟ نظرت للصغير الذي استجاب للفحات الهواء الناعسة وتاه في ثبات عميق. ولم تجبه، مما جعل طيف ابتسامة محبة ترفرف على وجهه. *** تجولت فريدة بغرفتها ذهابًا وإيابًا وهي تزفر بضيق وتلفظ نفسها من الغضب بالشتائم. ثم قالت بعصبية:

_أكيد شك فيا لما لقاني بصرخ باسمه للحرس. ما كنتش عارفة أعمل أي حاجة تانية غير كدا. غبية. جلست على فراشها وجزت على أسنانها بغضب وغيظ. ثم تابعت حديثها لنفسها: _ياترى خدها لفين؟ أنا مش مطمنة وممكن تعرف تقنعه إنها بريئة. أنا لازم أعمل حاجة. *** أغلق تامر الخط وهو يزفر بغضب حتى قال:

_غبي يا صابر. يعني خليت حد من رجالتى يعرفك مكان عمر وانت بمنتهى الغباء رايح تقتله في القصر. فاكر دار العمدة يا غبي. أهو دلوقتي مش محتاج يمسكك وهيجيبك من قلب بيتكوا بالفيديوهات اللي سجلتها الكاميرات اللي في الجنينة. زفر بحنق ثم قال: _كويس إن ما كشفتش نفسي ليك وكنت عامل حسابي. شيل بقى الليلة لوحدك. *** في الصباح الباكر لليوم التالي.

وقف عمر بالسيارة أمام أحد الشاليهات في محافظة الإسكندرية مع تغرد الطيور على الشاطئ بصوت عذب هز الجفون الناعسة للذي تلقي رأسها على نافذة السيارة في غفوة طويلة وكأنها تعوض الأيام الفائتة. سعل بشدة وقد بدأت درجة حرارة جسده تعلو بقوة واحمرت عيناه من المرض وسهر القيادة. ترجل من السيارة وفتح باب الشاليه الذي تركه منذ ساعات. ثم عاد للسيارة وحاول أن يوقظها، ولكن أخذ الصغير أولاً.

انتفضت عندما شعرت بالفراغ بين يديها ولم ترى الصغير. قالت بهتاف: _آدم. خرج مرة أخرى بعد أن وضع الصغير على أحد الأسرّة. اقترب منها وقال بلطف: _ما تقلقيش. أنا دخلته جوا. خرجت من السيارة وشعرت بالدوار بمجرد وقوفها على الأرض. وما هي إلا ثواني وكان يحملها مرة أخرى ودلف إلى الداخل. *** دقات قلبه بجانب أذنها بشكل جعل قلبها يدق بالمثل. كان يبتلع ريقه وكأنه يقاوم شيئًا بقوة. وضعها بداخل غرفة الصغير ثم قال:

_أنا هخرج أجيب لكم هدوم عشان ما فيش هنا. بعصبية: _لو هتخرج غير أنت هدومك الأول ولا هتطلع كدا بردو. ابتسم لها ابتسامة خفيفة ثم صعد للطابق الثاني من هذا المكان الصغير، ولكن يلتف حوله دفء غريب وكأنه يضم زائريه. كان يحتوي الدور الثاني غرفة واحدة فقط وليست كبيرة الحجم. فتح خزانة الملابس الخاصة به الذي تحتوي على عدة قمصان رجالية وملابس أخرى تخصه وتخص شقيقه الراحل "هشام".

بدل ملابسه ببنطال رياضي أسود وقميص بلون البحر. ولم يكد يكمل إغلاق أزرار قميصه للنهاية حتى زادت درجة حرارته بشكل جعل أسنانه تصطك بعض الشيء. وبدأ جبينه يلمع بحبيبات العرق. بلع ريقه وهو يقاوم هذا بشراسة، ولكن لم يتيح المرض المفاجئ له أي فرصة للمقاومة. سقط على الفراش وهو لا يشعر بجسده. تمتم ببعض الكلمات وهو يتنفس بصعوبة من الحمى وجفنيه مغلقين وينزلق عليهم حبات العرق الذي ينزفها جبينه بقوة. ***

نظرت حولها وهي تتعجب وبداخلها سؤال تريد إجابته بشدة. قالت وكأنها تحدث الصغير الذي بدأ يتذمر من تأخير وجبة طعامه: _هو جابني هنا ليه؟ ده حتى ما استناش يغير هدومه وجه هنا على طول! عموما أنا مش عايزة أقعد معاه هنا. شعرت بداخلها أن وجودها هنا يشكل خطرًا على دفاعاتها أمامه. يشكل خطرًا على مقاومتها والطريق الذي رسمته لنفسها وترى فيه انتقامًا عادلًا. قالت للصغيرة متابعة حديثها:

_لما يجي هقوله يجبلك لبن يا آدم. ما تزعلش وما تعيطش عشان خاطري. وكأن الصغير استجاب لتوسلها حتى توقف ثم ابتسم وهو يبكي مما جعلها تبتسم ابتسامة واسعة وقالت: _زي ما يكون بتفهمني يا حبيبي. أنت اللي مصبرني على اللي أنا فيه والله. مر فترة اقتربت للساعة ولم يظهر حتى قلقت. رددت بتوتر: _هو طلع ما نزلش ليه؟ بلعت ريقها بخوف ثم قالت: _أنا هطلع أشوفه اتأخر كدا ليه!

صعدت درجات السلم الخشبي الضيق الذي يقترب من الغرفة المتواجد بها الصغير. ثم نظرت حولها ولم ترى إلا غرفة واحدة. دقت على باب الغرفة ولم يجيب أحد مما جعلها تضطرب أكثر وسرى الخوف بداخلها حتى انتشر بكامل جسدها وأرجفه. قالت: _عمر، أنت جوا؟ دقت كثيرًا ولم يجيب أحد حتى حركت مقبض الباب لتفتحه واتسعت عينيها بذهول مما رأته. مظهره وهو ممدد على الفراش كان يعلن أن هناك شيء غير طبيعي بالأمر. ركضت إليه وهتفت باسمه مرارًا وهي تحسس

على جبينه لتشهق من الخوف: _حرارتك عالية أوووي. لمعت بعينيها دموع ولم تدري ماذا تفعل. فلا يوجد أحد هنا ولا تعرف أي طبيب في هذا المكان الذي لأول مرة تراه. وضعت أناملها على وجهه بمحاولة إفاقته وقالت برعب: _مالك يا عمر؟ عشان خاطري فوووق. عمررر. صوتها يسمعه من بعيد ويريد أن يجيبها ولكن شيء جعله مقيدًا. تمتم ببعض الكلمات: _ل..ليالي. خليكي..معايا. أجابته بسيل جارف من العشق الذي خبأته كثيرًا وهتفت وهي تبكي:

_أنا جنبك. بس فوق أنت الأول. مش عايزة أشوفك كدا. ووضعت رأسها على صدره تبكي. ثم نهضت وهي تنتفض من الخوف عندما صمت عن الحديث. نظرت له بذعر وركضت إلى الأسفل. كادت أن تخرج حتى ذكرها صراخ الصغير. دلفت إلى غرفته وحملته ثم صعدت به لغرفة عمر ووضعته بجانبه وحاولت بصعوبة أن تعدل موضع جسد عمر حتى يستقيم جسده على الفراش. ثم وضعت عليه بعض الأغطية الموجودة على طرف الفراش وقالت: _خليكوا مع بعض لحد ما أشوف أي دكتور هنا.

وركضت للخارج وهي تبكي من الخوف والقلق لأجله. كانت تنظر حولها ولغيامات الصباح الشتائي وهي ترتجف من الخوف ومن برودة الهواء. كل ما تعرفه الآن. كل ما تشعر به. هو يسوقها ضعفها وعشقها لزوجها إلى إنقاذه من جديد رغم ظلمه الحائر لها. *** صراخ الصغير كأنه وخز بداخل عقله الغائب عن الوعي. حرك جفونه قليلاً بضيق وصدره يعلو ويهبط بشكل سريع من المرض.

يقاوم بقوة ولكن الحمى قد تملكت منه أثناء ساعات القيادة الليلية حتى هاجمته الآن بعنف وأوقعته في بقاعها. فتح باب الشاليه بعد مرور فترة كبيرة تعدت الساعة والنصف ودلفت ليالي للداخل ومعها طبيبة قد وجدتها بصعوبة وبعد فترة بحث طويلة ويأس وجدتها بأحد المستشفيات القريبة من هنا. ولحسن حظها أن مكان الشاليه مميز وبعيد عن مواقع الشاليهات الأخرى بفخامة. أشارت ليالي إلى الطبيبة وقالت: _هو فوق وتعبان أوووي. طمأنتها الطبيبة وقالت:

_ما تقلقيش خير إن شاء الله. *** وصل باسم إلى مقر الشركة صباحًا حتى صادف ريهام بداخل المصعد. ونظرت له ريهام بدهشة وقالت: _صباح الخير. أجاب عليها باسم وهو ينظر لجهة أخرى حتى لا ترى الحب بعينيه وقال: _صباح النور. أكيد مستغربة أنا هنا ليه. قطبت ريهام حاجبيها وقالت: _ليه! رد باسم وهو يضم ساعديه أمام صدره وقال: _أنا هشتغل هنا لحد ما عمر يرجع من السفر. هو كلمني امبارح وقالي كدا. تفهمت ريهام الأمر وقالت

بدون اكتراث لأمر باسم: _اه فهمت. مع إني مش عارفة هو سافر ليه أصلًا! ما كانش في داعي يروح لعميل عندنا بنفسه لحد إسكندرية. مندوب الشركة كان هيقوم بالواجب. رد باسم بحنق واجابها وقد نظر لجهة اخرى: _هو شغله وحر فيه وكمان انا ممكن اغيب ليومين جايين كدا في حاجة ضروري وهرجع تاني على طول هزت ريهام رأسها ولم تعي للأمر أهمية وقالت: _براحتك زفر باسم بضيق من تجاهلها ولكن لابد أن ينفذ هذه المهمة ويذهب من هنا.

وضعت ليالي الصغير الذي غفى من كثرة البكاء على أحد المقاعد الوثيرة حتى تنهي الطبيبة عملها. بعد دقائق مرة عليها وكأنها ايام، انهت الطبيبة فحصها واعطته بعض الأدوية الخافضة للحرارة وقالت: _درجة حرارته مرتفعة جدا ووصلت للحمى بس ماتقلقيش اديتله ادوية هتنزل الحرارة دي وكتبتلك علاج هيمشي عليه اسبوع ويجيلي بعدها تاني في المستشفي اللي جيتيلي فيها.

وافقت ليالي وأخذت منها الروشته ولمحت محفظة نقوده بجانب الفراش على كمود بجانب السرير. فتحتها مجبرة وأخذت منها ثمن الكشف وصدمت عندما رأت صورتها بمحفظته. دق قلبها ونظرت له بعمق ثم فاقت من شرودها واعطت الطبيبة ثمن الكشف الطبي وذهبت الطبيبة وهي تلقي بعض النصائح الطبية لليالي وبعدها خرجت من الشالية متوجهة لسيارتها بالقرب. استجمعت ليالي قوتها وصعدت الدرج الخشبي متوجهة لغرفته.

دخلت الغرفة وبلعت غصة بحلقها يصعب بلعها وهي تراه بهذا الشكل. اقتربت منه لكي تطمئن ووضعت يدها على جبينه لترى أن مفعول الدواء بدأ يظهر قوته في الشفاء حيث أن الحرارة انخفضت بعض الشيء. مررت يدها على شعره وهي تتفحص وجهه بدقة، قلب جعلها تقترب وتدنو منه. قبلت رأسه بعشق وهمست بدعوة بصوتها الخفيض إلى ربها كي يشفيه رغم عتاب منطق العقل لما تفعله ولكن القلب هنا كان المتحدث الوحيد والحاكم والمتهم أيضا.

ابتعدت قليلا حتى تذهب لتتبضع بعض الأشياء ولكن تفاجأت بعينيه الذي تنظر لها بحنو وعشق جعلها ترتجف وتبتعد حتى اقتربت مرة أخرى بفعل يداه القابضة على معصمها بقوة. ارتعشت نبرة صوتها وهي تقول: _كنت بشوف حرارتك نزلت ولا لأ. نظر لها بعينيه الحمراء من المرض وابتسم ابتسامة حنونة وقال بلطف: _ماتخافيش انا كويس وبعدين انتي مكسوفة كدا ليه انتي مراتي! ابتعدت عنه والخجل يسيطر على وجهها وتسارعت انفاسها من الحياء ثم نظرت لمحفظة النقود

وتظاهرت بالثبات وهي تقول: _انا هاخد فلوس من محفظتك وهروح اجيب الدوا ولبن لأدم. هو في اكل هنا ولا اجيب معايا؟ استمر ينظر لها لفترة طويلة قبل أن يجيب: _ماتتعبيش نفسك. اديني نص ساعة وهروح اجيب اللي انتي عايزاه. الدوا اللي الدكتورة اديتهولي فوقني. اضربت نظرتها وشكت في شيء حتى فهم توترها وقال بمكر: _انا كنت حاسس بكل حاجة. هربت بعينيه حتى لا يكتشف مدى ذعرها وخوفها عليه ثم أخذت النقود وذهبت وهي تقول مسرعة للخارج:

_خليك انت. هروح وأرجع بسرعة. حاول ان يوقفها ولكن بمجرد اعتداله قليلا شعر بثقل جسده ورجع ممددا مرة أخرى ونظر لأدم بابتسامة حنونة ودافئة وشعر أنه يريد ضمه بقوة. بمجرد أن خرجت من المنزل تلألأت عينيها بدموع الضعف في حبه وقالت بتيهة:

_لأ. مش هسامحك. مش بعد كل اللي عملته فيا اسامحك بالسهولة دي. انا اتعذبت كتير أوووي واتظلمت اكتر وانت اكتر حد ظلمني وماسمعتنيش. لأ. انت كمان لازم تتعذب زي ما عذبتني وذلتني. بس مش وانت تعبان ومريض كدا. عايزاك واقف على رجليك بكامل صحتك عشان ماتصعبش عليا.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...