نزلت الدموع الحارقة من عينيها حتى كتمت فمها كي لا تصرخ ولكن سمعت خطوات خلفها. استدارت بخضة لتكتشف أن والدها يقف وعينيه تسكب دموع الحسرة والشرر الغاضب. ثم هتف بحدة: _إنتي كنتي بتكلمي مين؟ بتكلمي واحد يا أمل من ورايا؟ هي دي تربيتي ليكي؟ حركت رأسها بنفي وهي تحاول أن تقنعه بخلاف ذلك حتى لو بالكذب. أجابت بتلعثم وخوف: _اهدأ بس يا بابا وأنا هفهمك. صاح بوجهه بغضب: _إنتي كدابة! أنا سامعك بودني وسمعت كل كلامك. مين ده انطقي.
بلعت ريقها برعب وهي تحاول أن تختلق أي عذر للنفاد من هذا المأزق ولكن لم يساعدها عقلها الآن. اشتعل غضبه من صمتها. رفع يده وصفعها بشدة على وجهها حتى تعترف بشيء بدأ يشك به بسبب الخوف والرعب الذي يملأ وجهها. صرخ بها: _من فترة وأنا حاسس إنك مخبية شيء وكنت بكدب نفسي بس بعد اللي سمعته دلوقتي اتأكدت من شكي. تعرفيه من امتى واتقابلتوا فين؟ هتفت بين دموعها وقالت: _ده زميلي يابابا وكنت بتكلم معاه عادي. انت فهمت غلط.
صفعها مرة أخرى بوجه يعتصر ألم وغضب وارتطمت إثر الصفعة على حافة السرير الخشبية مما جعلها تصرخ عالياً. وضعت يدها على بطنها وهي تتألم. اقترب منها والدها بخوف وقال بذعر: _استني هجيب دكتور يشوفك. وركض إلى الخارج مع محاولة اعتراضها برعب وكشف أمرها ولكن كان والدها ذهب واستمرت تتألم وتبكي. ******************************* في "القصر". تجمعت العائلة المكونة من ثلاثة أفراد، الأم وولديها حول مائدة الإفطار.
انتهى عمر من فطوره وقال وهو يوجه الحديث لشقيقه هشام بجدية: _ياريت بقى يا هشام نعقل شوية ونتجه لمصلحتنا مش كل يوم سهر كدا! زفر هشام بضيق من نصائح شقيقه التي لا تنتهي: _هو انت كل ما تشوفني لازم تديني محاضرة؟ أنا كدا وهفضل كدا ومابحبش أمشي على مزاج حد. صاحت به فريدة بحدة: _هشام! اتكلم مع أخوك الكبير بطريقة أحسن من كدا. يعني ده جزاته إنه عايز مصلحتك! نهض عمر وهو يلتقط هاتفه المحمول ومفاتيح سيارته
من على المائدة وقال بعزم: _خلاص سيبيه يا أمي. أما شوية العيال اللي مالقوش أهل يربوهم اللي هو ماشي معاهم دول.. أنا ليا تصرف تاني معاهم. ثم خرج من القصر واتجه إلى الموقع الذي درس مشروعه بالأمس. أكمل هشام فطوره بلا اكتراث ونظرت له فريدة بقوة ولم تتابع مجرى الحديث الذي بات ممل من كثرة التحدث فيه واكتفت بنظراتها الرافضة لطريقة حياته. **************************
وصلت ليالي إلى المخبز لتأتي بحصة الخبز اليومي من "بطاقة التموين". ولكن تفاجئت بطابور طويل بشكل جعلها تشهق بذهول وقالت بحنق: _يانهار! دنا على ما أجيب عيش هقضي النهار كله هنا. فكرت قليلاً. ثم اتجهت للسوق كي تشتري بعض الخضروات اللازمة ثم عادت إلى المخبز ثانية ولم يقل العدد بل زاد.
وقفت في الصف حتى عدى بعض الوقت وقد تملكها الصداع الشديد بسبب وقوفها في الشمس الذي كان شديد اليوم رغم قرب دخول الشتاء وبسبب صوت معدات البناء لمبنى بدأ يتأسس منذ فترة قريبة بالجوار. مسحت حبيبات العرق من جبينها ثم انتبهت ليد على كتفها. التفتت لترى صديقتها "هبة". ضمتها هبة باشتياق وقالت مبتسمة: _آه يا ندلة ولا بقيت بشوفك زي الأول. ردت ليالي ببسمة واسعة وبمزاج: _يعني أنا اللي بشوفه مانتي كمان نادلة.
استمروا بعض الوقت يتشاركون المزاج والضحكات حتى لاحظت هبة شحوب وجه ليالي وقالت: _شكلك تعبتي من الواقفة. روحي اقعدي وأنا هجيبلك العيش. قالت ليالي بحيرة: _أنا فعلاً مش قادرة أقف بس هروح أقعد فين؟ جالت نظرة هبة حولها حتى لاحظت زاوية من المبنى الجديد الذي يمتلئ بعمال البناء وقالت: _بصي في ركن هناك أهو بعيد عن العمال روحي اقعدي فيه على ما أخلص وأجيلك. أومأت ليالي بشكر:
_ربنا يكرمك يا هبة والله أنقذتيني أنا حاسة إني هقع من طولي. دفعتها هبة للذهاب بمرح ثم ذهبت ليالي لذلك المكان وجلست قليلاً حتى تسحبت أشعة الشمس لها ولم تستطع الجلوس أكثر من ذلك. نهضت مرة أخرى ونظرت حولها لتجد مكان وحيد لم تصل إليه الشمس وخالي من العمال أيضاً بشارع جانبي وخالي تماماً. ذهبت إليه. وقفت ولم ترى شيء تجلس عليه. زفرت بحنق وقالت: _مافيش حاجة كاملة. هفضل واقفة كدا؟
ثم وقع نظرها على صندوق خشبي مربوط بأحبال لأعلى ويبدو أن العمال يستخدموه كمصعد. سندت على حافته كي تستريح قليلاً من الوقوف ومسكت أحد الأحبال وشعرت فجأة بالدوار الخبيث. فتحت عينيها بحدة حتى لا تستسلم لهذا الدوار اللعين. وصل عمر أمام الموقع وترجل من سيارته بهيبة مذهلة جعلت العمال يتسمرون أماكنهم. واتى المسؤول عنهم إليه وهو يركض وقال: _أهلاً يا عمر بيه نورت الموقع. أجاب عمر بهدوء: _أهلاً يا حامد. ها الشغل أخباره إيه؟
فريق المهندسين هنا؟ رد حامد بقلق وقال: _لا لسه ما وصلوش. بس أكيد في الطريق. تقدر حضرتك تعاين المكان على ما يوصلوا. نظر عمر لساعته وقال باستغراب: _الساعة ٩ ولسه ما وصلوش؟ ده إيه الكسل ده! أخذ حامد عمر وأرشده لبعض التعديلات الأخيرة في البناء ثم دخل المبنى. قال عمر بإعجاب: _تمام. شغلكم ما فيهوش غلطة عشان كدا هتغاضى عن تأخير المهندسين النهاردة بس دي آخر مرة. ده شغل! هتف حامد بحماس وقال:
_ولسه يا عمر بيه لما تشوف الأدوار اللي فوق. كل الشغل الصح فوق مش هنا. توجه عمر إلى الطوابق العلوية واحداً تلو الآخر وهو يعاين كل شبر في المبنى وآخرج بعض الأخطاء البسيطة الذي يسهل تعديلها. في آخر طابق من المبنى صاح أحد العمال المسؤولين وقال: _همتكم يا رجالة عمر بيه هنا وعايزين المكان يبقى خالي من المعدات دي عشان يعرف يعاين المكان وما يطلعش غلطة علينا.
انتشر العمال في الطابق وهم يجمعون المعدات الصغيرة حتى يخلوا الطريق وذهب عامل صغير منهم ذات سن الخامسة عشر سنة وجذب أحبال صندوق المصعد حتى يلقي فيه هذه الأدوات وهذه أسرع طريقة للتخلص منها. ولم ينظر لأسفل بل جذب الأحبال مثل ما تعود دائما. شعرت ليالي بحركة غير طبيعية وكادت أن تبتعد عن الصندوق حتى وقعت به من الحركة المفاجئة للصندوق. وصعد بها للطوابق العلوية.
"بعد أن شعر العامل بثقل الأحبال أدار المحرك الكهربائي للمصعد الخشبي مما جعل ليالي يختل اتزانها حتى تقع به". صرخت ولكن لم يسمعها أحد من شدة الأصوات حولها حتى وصل المصعد إلى الطابق الذي به عمر. وكادت أن تصرخ ولكن صدمت به وهو يقف وينظر للمكان جيداً ولم يلمحها. اختبأت بداخل الصندوق ولكن مع الاهتزاز القوي صرخت مرة أخرى. التفت عمر لمصدر الصوت القريب منه ليرى يد تشير بداخل الصندوق. أسرع إليه وتفاجئ بها.
لم يدري إلا وهو يبتسم ابتسامة واسعة عندما رآها. ثم قفز بداخل الصندوق الخشبي القريب من أرضية الطابق الذي يقف به عمر وتفاجئت ليالي بالذي يقف أمامها وبعينيه نظرة واثقة مبتسمة. ثم قال: _أهلاً وسهلا! ثم أشار للريس "حامد" أن يوقف حركة الصندوق ويجعله معلقاً هكذا. وقد ذهب حامد لتنفيذ الأمر ثم تابع حديثه: _هتقوليلي انتي مين ولا نخلينا كدا. وقفت وهى تحاول الاتزان وهتفت بوجهه: _انت مجنون ده بدل ما تنزلني من هنا! ابتسم ثم تابع
وهو يلف ساعديه أمام صدره: _هنزلك بس أعرف الأول إنتي مين. ضيقت نظرتها بغيظ وقالت: _وعايز تعرف اسمي ليه؟ هتستفاد إيه؟ سؤال لم يعرف إجابته حقاً. وهذا التصميم على معرفتها لم يجد له سبب أم يوجد سبب ولم يدركه إلى الآن؟ رد بثبات: _انتي كنتي في شركتي ومحبوسة أظن من حقي أعرف السبب ومين اللي حبسك؟ هتفت بتذمر: _نزلني من هنا يأما هنط وأوديك في داهية. أجاب بتحدي: _لو تقدري نطي.
نظرت ليالي بخوف للأسفل وبلعت ريقها وتظاهرت إنها ستسقط فعلياً. ولكن كانت يده تمنعها بقوة غاضبة وصاح بها: _انتي مجنونة.. كنتي هتعملي إيه؟ دفعت يده من يدها وصرخت به: _لو ما نزلتنيش دلوقتي هنط من هنا بجد ومش بهزر. أشار عمر لحامد بالنزول ثم نظر لها بغيظ وقال: _انتي خايفة تقولي اسمك ليه.. شكلك هربانة من حد. فغرت فمها بصدمة وقالت: _أنااااااا هربانة! تابع باستفزاز: _أيوه انتي شكلك عاملة مصيبة وخايفة تقولي اسمك.
زمّت فمها بغضب وهي تسمعه، وشهقت عندما قال: _لازم أجيب الشرطة هنا، يمكن تكوني هربانة من السجن ولا حاجة. أشارت له بسبابتها كي توقفه عن الحديث باعتراض غاضب: _أوعي تقول كلمة زيادة عليا، أنا بحذرك.. وأنا مش خايفة أقولك اسمي، أنا ليالي. أجفل عندما سمع اسمها، ثم اتسعت ابتسامته وقد نال مراده من استفزازها، ونطق اسمها وكأنه يحلم به.
وصل الصندوق على الأرض، ومن شدة غيظها لم تلاحظ ذلك إلا عندما شاهدت الأرض أمامها. خرجت سريعاً من الصندوق وأخذت أكياس الخضروات بيدها، وخرج خلفها وأوقفها مرة أخرى بصوته القوي: _ليااالي. وقفت ليالي وتسمّرت عندما هتف باسمها، واستدارت للخلف: _عايز إيه؟ وقف أمامها وقال بابتسامة: _انتي مين؟ أنا عايز أعرف. توترت نظرتها من طريقته الهادئة وركضت من أمامه، ولم يستطع أن يمنعها لأنها كانت ابتعدت في زحام الطريق.
زفر بضيق وتمنى أن يقابلها مرة أخرى، وضاق أكثر لأنه لم يعرف سبب هذا الشعور. وكل ما يعرفه إنه يريد أن يراها مرة أخرى فقط. *** انتهى الطبيب من فحص أمل التي تتأوه من التعب، ثم خرج من الغرفة وخرج خلفه جمال. تحدث الطبيب بقوة وقال: _الواقعة اللي وقعتيها دي كان ممكن تسقطيها، لو سمحت خلوا بالكم بعد كدا. تسمّر جمال مكانه ولم يستطع النطق من الصدمة، حتى شك الطبيب وقال: _هو زوجها موجود هنا؟ بالكاد نطق جمال وقال بتهتهة:
_مس.. مساف... مسافر. وبعد دقائق أخذ جمال الروشتة وخرج الطبيب من المنزل، وتوجه مباشرة إلى غرفة ابنته. عندما رأته يقترب منها اعتدلت وهي ترتجف من الرعب، وقالت راجية: _عشان خاطري اسمعني الأول، هحكيلك كل حاجة بس اسمعني الأول. وقف أمامها عاجزاً أن يفعل أي شيء، سقط على مقعد قديم بجانب الفراش، ووضع يده على رأسه وصرخ: _يا فضحتك يا جمال، بنتك حطت راسك في الطين. نظر إليها بكره وهتف:
_عمري ما هسامحك أبداً، منك لله، منك لله. لو عليا كنت موتّك دلوقتي، لكن اختك.. اختك عندها سرطان ومحتاجة عملية وإلا هتموت، هي يجيلها وأنتي اللي عملتي كدا بصحتك، ربنا ياخدك ويخلصني من عارك. صُدمت أمل من حقيقة مرض ليالي، ثم قالت مدافعة: _أنا متجوزة بس عرفي وهو وعدني يبقى رسمي قريب، ارجوك صدقني. اقترب منها بعيون باكية تريد الانتقام وهتف: _مين؟ قوليلي مين، يا أما مش هخليكي عايشة ليوم واحد كمان. أجابت بقلة حيلة:
_هشام.. هشام كامل الشريف. ابن صاحب الشركة اللي بتشتغل فيها. سقط جمال من الصدمة مرة أخرى على المقعد، حيث تابعت هي: _من أربع شهور كنت مرة بجيبلك الدواء بتاعك ورحتلك الشغل وبالصدفة شفت هشام هناك وحاول يكلمني بس أنا سبته ومشيت. مشي ورايا وشافني وأنا رايحة الشغل وعرف العنوان وبقى يستناني كل يوم لحد ما علّقني بيه وحبيته ومش عارفة ضحك عليا إزاي.. أنا كنت في الفترة دي مجروحة أوي من حسين واللي عمله فيا. قاطعه والدها بغضب:
_انتي بتبرري إيه؟ بتبرري جريمة عملتيها؟ مافيش أي حاجة في العالم تنفع تبقى مبرر للي عملتيه ومع مين!! منك لله، أنا مش قد الناس دي، أقف قصادهم إزاي؟ حسبي الله ونعم الوكيل فيكي، الواطي ده لازم يصلح غلطته، لازم. واستمر يبكي وهو يجلس على المقعد مطأطئ رأسه للأسفل. *** وصلت ليالي إلى بيت صديقتها هبة وانتظرتها حتى أتت وأخذت منها حصة الخبز وذهبت مسرعة دون أن تفتح النقاش لصديقتها لمعرفة سبب اختفائها.
واقتَربت من المنزل وعلى وجهها ابتسامة ابت أن ترحل، ويتكرر ما حدث أمامها كل دقيقة. حتى وصلت للمنزل ودقت على الباب. انتبه جمال لصوت الدق وقال بتحذير موجه الحديث لأمل: _أوعي بوقك يتفتح قدام اختك، الدكتور مانع أي حاجة تزعلها والنهاردة لازم أشوف حل للمصيبة دي. ثم خرج وهو يمسح عينيه الباكية حتى لا تلاحظ ليالي، وفتح الباب. انكمش حاجبا ليالي وهي تنظر لوجه والدها ولعينيه الحمراء وقالت بقلق: _مالك يا بابا؟ عينيك حمرا كدا ليه؟
استدار ليدخل غرفته سريعاً وقال: _لسه صاحي بس، أنا داخل أنام تاني. قالت بتذمر: _مش هتفطر؟ رد بعصبية: _مش عايز، مش عايز. *** وضعت ليالي الأكياس بالمطبخ وذهبت إلى غرفتها لتبدّل ملابسها، وتعجبت عندما شاهدت أمل وكأنها كانت تبكي هي الأخرى. تساءلت بتعجب: _مالكوا في إيه؟ صاحت بها أمل وقالت: _انتي كل ما تشوفي وشي تقولي مالك مالك. ضاقت ليالي من ردها وقالت بحدة:
_أمل أنا مستحملاكي أولاً عشان انتي اختي الكبيرة وكمان عشان عارفة ظروفك الفترة الأخيرة، لكن مش معنى كدا إنك تزعقيلي عمال على بطال بالطريقة دي.. كل إنسان وليه طاقة. سكتت أمل واستدارت على أحد جانبيها ودخلت في عالم أحزانها مرة أخرى. اقتربت لها ليالي وقالت: _معلش يا أمل ما تزعليش مني، بس بجد وحشني أمل بتاعت زمان، دانتي كنتي ما بتبطليش ضحك وكنتي بتقولي عليا كئيبة.. أنا زعلانة إنك بقيتي كدا.
بكت أمل بصوت عالٍ ونهضت وألقت بنفسها بين ذراعي شقيقتها ليالي وقالت: _أنا مخنوقة أوووي.. ادعيلي أخرج من اللي أنا فيه. ربّتت ليالي على كتفها وتفاجأت من ضعف شقيقتها لهذا الحد وهمست بحنان: _بإذن الله ربنا هيريح قلبك، ما تقلقيش. *** عاد عمر إلى مقر الشركة ولم تفارقه خياله. دخل مكتبه مباشرة. ثم جلس على مقعده وتنفس بعمق وردد اسمها: _ليالي.. ليالي.. اسمك جميل زي عنيكي.
اتسعت ابتسامته وتمنى من كل قلبه أن يراها مرة أخرى، ولكن في هذه المرة لن تفلت منه إلا وهو يعرف عنها كل شيء. وبدأ روتين العمل اليومي. ومضى بعض الوقت ثم.. فتحت فتاة المكتب تدعى ريهام. نظرت حولها جيداً قبل أن تلمحه يقف منحني للأمام بعض الشيء وينظر للأوراق أمامه على طاولة خاصة بتنفيذ التصاميم الورقية. تنهدت وهي تقترب له. شعر بانزعاج من دقة كعب حذائها على السيراميك. أزعجته وقللت تركيزه قليلاً. وقفت بجانبه وهي تقول:
_الشغل عامل إيه؟ رد عمر ولم يحرك عينيه من على الأوراق. واعتدل في وقفته. ثم عقد ساعديه أمام صدره وقال بهدوء: _تمام، كله ماشي تمام. تنحنحت ريهام وشعرت بالتردد وهي تقول: _طب ممكن أتكلم معاك شوية؟ استدار ووقف أمامها مباشرة وهو يضع يده بداخل جيوب بنطاله. وقال: _ممكن طبعاً. في إيه؟ هربت بعينيها يميناً ويساراً باستحياء وقالت: _عايزة أتكلم معاك بصراحة يا عمر. في حاجات عايزة أفهمها. عقد حاجبيه بتعجب وقال: _حاجات إيه؟
نظرت ريهام باتجاه مقاعد الزوار في زاوية ما في المكتب وقالت: _طب هنفضل واقفين كدا؟ ابتسم وقال: _لا طبعاً. وتحرك ناحية المقاعد وجلس على إحداهما. وجلست قبالته بتوتر. وقالت: _علاقتنا يا عمر.. هتفضل كدا؟ رجع عمر بظهره للمقعد وزفر بضيق وقال: _ريهام، أظن أنا قولتلك يوم قراية الفاتحة تصبّري عليا شوية. أنا مش بعرف أقول كلام رومانسي ولا كلام الأفلام ده. ريهام بحزن: _كلام أفلام؟
اليوم اللي بتتكلم عنه ده من شهرين يا عمر. وإحنا نعرف بعض من زمان والمشاعر الصادقة عمرها ما كانت كلام أفلام. نهض وهو يمط شفتيه وتنهد بعمق. وتحرك باتجاه النافذة. أزاح الستارة من عليها. واستنشق الهواء جيداً. تتبعت حركته وهي تعابير وجهها تزداد ضيقاً. وتنتظر منه أي رد. ولكن هيهات. ردوده قليلة لدرجة مستفزة. نهضت من مكانها وهي تصر على أسنانها بضيق. وخطت بضع خطوات ووقفت بالقرب منه. وقالت:
_مش معقول أنا بس اللي هفضل استحمل. وأنا بس اللي أصبر. وسكتت قليلاً. وقالت: _وأنا بس اللي أحب!! وترقبت تعابير وجهه حتى تستشف منه أي إجابة. ولكن يبدو أن لا طائل من وجودها أكثر من ذلك. تصريحها لم يحرك بداخله شيء سوى الحرج. بأي رد سيجيبها. وأخيراً قال: _أنا عايز أسألك سؤال. قاطعته ريهام وقالت: _أنا اللي عايزة أسألك. انت مجبور على الخطوبة دي؟ عمر.... أنا مش بتجبر على حاجة، بس بحب أدي لنفسي فرصة.
ريهام بقوة: نفسي تحبني زي ما بحبك. حدق عمر أمامه مجددًا بضيق وقال: -أيوه، انتي مناسبة جدا ليا، بس أنا مش عايز أجرحك يا ريهام. أجابته بلهفة أكبر: -ليست هذه ما كنت تريدها. وتابع حديثه: -أنا مش عايز أظلمك معايا، لو انتي مش مرتاحة اعتبري الخطوبة دي ملغية. حاول بحديثه أن يجعلها تفهم بطريقة غير مباشرة وتتركه هي حتى لا يبدأ هو ويجرحها أمام الجميع، ولكن هي لم تفهم ذلك أو لا تريد أن تفهم.
بلعت ريقها بألم، فهي تحبه ولا تريد أن تتركه، بل ترتعب عندما يخيل لها من عدم اهتمامه بها أنه سيتركها يومًا ما. وقالت بخفوت وهي تنظر له: -أنا ما زهقتش منك، أنا نفسي تحبني، نفسي أحس إني مخطوبة وعايشة أجمل فترة ممكن أعيشها، هو ده مش من حقي يا عمر؟ رد بلطف وقال: -طبعًا من حقك، بس انتي عارفاني، إحنا ما نعرفش بعض من شهرين بس، إحنا طول عمرنا أهلي وأهلك زي عيلة واحدة. -أنا ماليش في حركات شباب اليومين دول و...
قاطعته مبتسمة وقالت: -ماهو ده اللي عاجبني فيك، إنسان جد ومحترم. وتبدلت نظرتها إلى اللوم وقالت: -بس ساعات بحس إنك قاسي أوي ومش بتعرف تحب. عمر: -أنا آسف لو كنت جرحتك في مرة غصب عني من غير قصد. -بس هي دي شخصيتي، دماغي دي مش بتفكر غير في الشغل وبس. رفعت نظرها إليه بألم، جرحًا آخر دون أن يقصد. تدارك ما قاله وتوقف وهو يتنهد باستياء وقال: -آسف بس... سبقته ريهام بضيق وقالت: -لا خلاص ما تتأسفش، المهم...
هي طنط فريدة اتأخرت ليه؟ روحت لها مكتبها مالقيتهاش فيه. عمر: -ممكن ما تجيش النهاردة، فضلت امبارح مستنية هشام على ما رجع من برا متأخر. ريهام باستغراب: -متأخر! بيعمل إيه ده كله برا؟ تحرك عمر إلى مكتبه وجلس أمامه وقال بانزعاج: -بيقول بيقعد مع صحابه على كافيهات وبيتسلوا، بس أنا حاسس إن في حاجة أنا ما أعرفهاش وصحابه مش تمام. ريهام بلطف: -إن شاء الله مافيش حاجة، ما تقلقش نفسك، وهو بس طيش شباب وشوية وهيعقل. عمر: -أتمنى ذلك.
ريهام: -طب أنا همشي بقى عشان هعدي على ماما في النادي. عمر: -خلاص ماشي، وسلّمي لي عليها. ريهام: -تمام.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!