أغمضت ليليان عينيها وهي تدعو الله أن تكون على خطأ وأنها لم تسمع صوته الذي تكرهه. استدارت لتجده يقف بغرور وينظر لها بتحدٍ، فقالت وهي تضغط على أسنانها من الغضب: -قل تاني كده اللي أنت لسه قايله. اقترب مهاب منها وقال: -قولت أنا اللي دفعت تكاليف العملية، ليليان. في الأول والآخر ده حمايا ولازم أقف جنبه وأساعده في الظروف دي. لم تتحمل ليليان غروره وسماجته أكثر من ذلك، فصرخت به: -أنت إيه يا أخويا شيطان؟ ما عندكش قلب؟
تقتل القتيل وتمشي في جنازته؟ أنت السبب أصلًا في حالة بابا ودلوقتي جاي تدفع فلوس العملية، أنت عايز إيه بالظبط؟ -وطّي صوتك أحسن لك يا ليلو، مش مهاب الدالي اللي هيسمح لمراته تعلي صوتها عليه. أنا ساكت بس عشان الظروف اللي أنتِ فيها، بس أنا هتجوزك يعني هتجوزك يا ليليان، توافقي بالذوق يا هتوافقي بالعافية. -أنت عايز تتجوزني ليه؟ من قلة البنات في البلد؟ بقولك بكرهك ومش طايقة أبص في وشك، عايز تتجوز واحدة بتحتقرك وبتكرهك ليه؟
-عايز أتجوزك ليه؟ هتعرفيها بعد الجواز، مش دلوقتي. أنا دلوقتي عايز أسمع ردك وأعرفك إني مش هسكت لحد ما تتجوزيني. فكرت ليليان ماذا تفعل. وجدت أن أنسب حل هو أن تماطله حتى يسترد والدها صحته وتجد حل للمشكلة. -سيبني أفكر وأرد عليك، الظروف دلوقتي ما تسمحش بالكلام ده. -أنا أصلًا أخدت الرد، ليلو، لأن أنا مش هقبل لا كإجابة.
وسابها ومشي. وقفت ليليان تائهة لا تعرف ماذا تفعل. ولم تجد غير أن تتصل بسامح وتطلب منه المجيء للمستشفى. ثم ذهبت للاطمئنان على والدها. كانت أمها ومريم يقفان وراء الزجاج ينظرون له ودموعهم منهمرة. -ماما لو سمحت خدي مريم وروحوا، الوقوف هنا مش هيحل حاجة. ارتاحوا أنتم ولو فيه جديد أنا هبلغكم. -عرفتي مين اللي دفع تكاليف العملية؟
-لسه يا ماما، أول لما أعرف هبلغكم. سامح جاي دلوقتي يطمن على بابا وبعدها هيوصلني للبيت. يلا يا ماما. وأنتي يا مريم خدي بالك من نفسك وروحي ذاكري الامتحانات على الأبواب، عايزين نفرح بابا بمجموع عالي. -حاضر يا لي لي. رحلت الأم وابنتها، وبقت ليليان تنظر لوالدها ونزلت دموعها. هي تكره أن تظهر ضعيفة أمام عائلتها حتى تعطيهم القوة، ولكنها وهي بمفردها تخرج كل ضعفها. وجدت يد توضع على كتفها. نظرت فوجدت سامح، فقالت له بحزن:
-شوفت اللي بيحصلي يا سامح؟ -فيه إيه يا لي لي؟ بابا ماله؟ وإنتي مالك؟ تعالي نقعد في الجنينة بره وتحكيلي كل اللي حصل. نظرت لوالدها نظرة أخيرة وخرجت مع سامح وجلست معه وحكت كل ما حدث مع مهاب منذ أن رأته أول مرة حتى اليوم. فقال سامح بغضب: -الواطي الحقير، هو فاكر نفسه إيه؟ فاكر إنك لوحدك مش وراكي رجالة ولا إيه؟ -اهدى يا سامح وخلينا نفكر بعقل.
-يا ليليان، ديه ما فيهاش عقل. اللي زي مهاب ده اتعود من صغره ياخد كل اللي هو عايزه. وبالنسبة له أنتِ الحاجة الجديدة اللي هو عايزها ومش هيسكت لحد ما ياخدها. لازم يقف عند حده. -يا سامح، ده واحد بيتحكم في نص اقتصاد البلد، تفتكر إني ممكن أقدر أقف قدامه لحد إمتى؟ أنا أينعم بقف في وشه وبتحداه، بس من جوايا بكون خايفة. مش خايفة على نفسي لأ، خايفة على عائلتي ليأذيهم. -أوعي يا ليليان تكوني بتفكري إنك توافقي.
-أنا فعلًا وافقت يا سامح وهبلغ له بكرة. أنا مش هستنى لحد ما يأذي عائلتي، بس والله لأوريه النجوم في عز الظهر على اللي عمله وهربيه من أول وجديد. -أنا خايف عليكي يا لي لي، عشان خاطري خدي بالك من نفسك. مهاب ده مش سهل، والغرور والتكبر اللي جواه صعب يروح بسرعة. -ما تخافش، هو حمايته ثروته ونفوذه، لكن أنا حمايتي ربنا وأنا أقوى منه. يلا تعالا وصلني البيت، مش عايزة ماما تكون لوحدها. -يالا يا لي لي.
أخذ سامح ليليان بسيارته لمنزلها وصعد معها اطمئن على والدتها التي عوضته عن حنان الأم بحنيتها، ثم ذهب لمنزله. وبنفس الوقت كان مهاب بمكتبه، فاستلم رسالة وفتحها، كانت من الحارس الذي عينه لمراقبة ليليان، فهو هكذا علم بمرض والدها. تحولت معالمه للغضب عندما رأى صورها مع شخص آخر وعلم أن هذا سامح حبيبها كما يعتقد. قام بإلقاء محتويات المكتب كلها على الأرض من غضبه، فدخل عليه علي وهو هكذا: -مهاب، إيه اللي حصل يخليك تعمل كده؟
أغلق علي باب المكتب وأمسك يده وجعله يجلس وقال بجدية: -إيه الموضوع يا مهاب؟ أنت بقالك كام يوم تصرفاتك غريبة وأنا مش هسيبك إلا لما تحكيلي كل حاجة. حكى مهاب لعلي ما حدث مع ليليان حتى هذه اللحظة وإرسال الحارس الصور له. وقف علي وقال بغضب: -أنت اتجننت يا مهاب؟ عايز تدمر حياتها عشان رفضت تخضع لمهاب الدالي العظيم؟ حرام عليك يا أخي، أنت إيه؟ ليه تفرقها عن الإنسان اللي بتحبه لمجرد إنك تلعب وتتسلى شوية.
-عشان هي هتكون ملكي أنا وبس، ملك مهاب الدالي، وأنا مش بشارك حد في الحاجات اللي ملكي. قال علي بغضب: -مشاعر البشر مش حاجات يا مهاب، وأنت أكتر واحد عارف كده. وأنا مش هسمح لك تدمرها وهقف في وشك. -وأنت مالك يا علي؟ بتدافع عنها كده ليه؟ هو أنت تعرفها؟ نزلت دمعة من علي، مسحها بسرعة. فقال مهاب بخوف على صديقه: -علي، أنت بتعيط؟ علي مالك، فيك إيه؟ قولي الموضوع مش موضوع ليليان بس. قولي فيه إيه؟ قال علي بغضب ممزوج بحزن وأسى:
-الموضوع موضوع مريم يا مهاب، فاكرها؟ مريم حبيبتي اللي بعدت عني عشان تحميني من الحقير صفوان واتجوزته لما هددها بيا من غير ما تقولي، وانتحرت يوم الفرح لأنها ما قدرتش تخليه يلمسها. الموضوع إني لحد دلوقتي حاسس بالذنب لأن صفوان عمل كده لمجرد تحدي ليا لأني أخدت منه صفقة. وأنت دلوقتي هتعمل زي ما هو عمل؟ هتجبرها تبعد عن الإنسان اللي بتحبه لمجرد إنها وقفت قدامك؟
لا يا مهاب، وألف لأ، مش هسمح بكده. أنا ما قدرتش أحمي مريم، لكن هحمي ليليان. تركه علي وخرج بغضب ومهاب يفكر بكلامه. هل من الممكن أن تفكر ليليان بالانتحار لتهرب من أن تكون زوجته؟ طرد الفكرة بسرعة من عقله، فهو لن يسمح أبدًا بأن يحدث لها شيء. أقنع نفسه أنه يفعل ذلك للانتقام، لكن هل يستطيع أن يقنع قلبه بذلك؟
مر باقي اليوم وكل شخص من أبطالنا بعالمه الخاص. وفي اليوم الجديد ذهب مهاب لشركته، والمفاجأة أنه وجد ليليان تنتظره أمام الشركة. ليليان لم تستطع النوم وهي تسمع بكاء أمها على زوجها. هي ليست ضعيفة، لكنها لن تتحمل أن يحدث شيء لعائلتها وهي كانت تستطيع منعها. لذلك أخذت قرارها، وبمجرد أن طلعت الشمس، خرجت بسرعة وجاءت للشركة قبل أن تفقد شجاعتها.
لم يسمح لها الأمن بالمرور لعدم وجود ميعاد. فانتظرت أمام الشركة حتى رأته ينزل من سيارته وينظر لها باستغراب. اقتربت منه وقالت بشجاعة: -أنا موافقة على الجواز، بس المقابل إن تبعد نهائيًا عن عائلتي. لأني أقسم لك يا مهاب لو لمست شعرة منهم، موتك هيكون على إيدي. نظر لها بذهول، فهي على الرغم من أنها في موضع ضعيف، لكنها تقف أمامه وتتحداه ولم تضعف. وعلى الرغم من كل شيء، أعجب بشجاعتها، لكنه لم يزيل قناع البرود عنه وقال بهدوء:
-لما باباكِ يخرج من المستشفى ويكون كويس، هنيجي البيت نتقدم والجواز هيكون بسرعة. أصلًا هتعيشي في قصر العائلة. نظرت له ليليان بحقد واستدارت لترحل، فأمسك يدها وقال بغرور: -مش مرات مهاب الدالي اللي تمشي لوحدها. السواق هيوصلك، ومن هنا ورايح هيكون في خدمتك. وأوعي تفكري تختبري صبري وتنزلي من غيره. أزاحت ليليان يده بقوة وقالت:
-طول ما أنا في بيت أبويا مالكش حكم عليا. أنا معايا عربيتي ومش محتاجة منك حاجة، ولسه ما فيش بينا صفة شرعية عشان أركب مع السواق بتاعك. سلام. وتركته يغلي من الغضب وركبت سيارتها ورحلت، وعلى وجهها ابتسامة وبداخلها تحدٍ أن تعيد تربيته من أول وجديد.
أما مهاب، فعلى الرغم من غضبه الشديد من تحديها المستمر له، إلا أن هناك إعجاب أيضًا بأنها أول امرأة لا تطمع به وبأمواله. أول امرأة يتعامل معها ولا ترمي بنفسها عليه طمعًا بقربه الذي سيجلب لها الكثير. لكن هذا لن يمنع أنه سوف يجعلها تندم لأنها وقفت أمامه. فغروره يمنعه أن يتراجع، وتكبره يمنعه أن يعترف أنه أخطأ وأن تراجعه أمامها سيجعلها تنتصر عليه، وهو لم يتعود الخسارة أبدًا. لذلك يجب أن يربح بأي ثمن وبأي طريقة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!