بارك الله لكم وبارك عليكما وجمع بينكما في خير. لم يتخيل حتى في أحلامه أن تكون زوجته أمام الله وأمام الناس. كل شيء حدث بسرعة البرق، من بداية سفر محمد في اليوم التالي من خروج لين من المستشفى تاركًا ورقة طلاقهم، وإلى الآن لم يعرف أحد إلى أين ذهب بالتحديد، ولكن ما هو متأكد منه أنه لم يغادر أرض الوطن.
أما معشوقته الصغيرة، فمنذ أن علمت أن آخر أمل لها في كشف الحقيقة انتهى، ظلت صامتة. لم تنطق بحرف، لم تصرخ، ولا حتى بكت. فقد اتخذت الصمت وسيلة للهروب من ذلك الوجع التي تشعر به.
هو لم يجرؤ ثانيًا أن يطلب يدها للزواج. كانت لحظة أنانية منه عندما فعل ذلك، فقرر أن يكون لها الأمان والسند من بعيد دون الاقتراب. ولكن كان للقدر رأي آخر عندما أتى له عمه يترجاه بأن يتزوجها، لأن الجميع سيبدأ بالكلام وستصبح سيرته على كل لسان. في المرة الماضية وقف الحظ معهم وأخبروا الجميع أن الفرح تأجل بسبب مرض لين المفاجئ، ولكن ماذا سيخبرونهم عندما يعلموا أنها أصبحت مطلقة؟
بالتأكيد سيبدأ الجميع بتأليف القصص والأقاويل، لذلك طلب منه الزواج بها حتى لا يستطيع أحد أن يتكلم، خاصة أن الجميع يهاب قاسي برغم صغر سنه، ولكن يمتلك هيبة تجعل الجميع يخافه ويحترمه.
لذلك بمجرد انتهاء عدتها، تم عقد قرانه على من ظل ليالي يبكي ويسأل الله أن يزيل حبها من قلبه إذا كان شرًا له. في الحقيقة هو كان يدعو ذلك من خلف قلبه، لأن من داخله كان يتمنى أن تشعر به وتبادله لو حتى ربع حبه لها. يعرف بأن ذلك حقارة منه، ولكن الله وحده يعرف أنه منذ ارتباطها بأخيه بشكل رسمي لم يحاول رفع عينه بها، حيث كان يطحن نفسه في العمل ليل نهار حتى لا يفكر بها، ولكن ليس الأمر بيده.
فلا تسأل محب لماذا يحب، فإن الله يقذف الحب في قلوبنا. وها هي الآن أصبحت زوجته، ملكه هو فقط. وبرغم ذلك هو غير سعيد، بل يتألم. لا يستطيع أن يبني سعادته على تعاسة أخيه الصغير. كيف سينظر في عينيه ويخبره أنه تزوج بحبيبته؟ كيف؟ هو قرر أنه سيعمل المستحيل لكي يكشف حقيقة الأمر ويعود كل شيء كما كان، حتى لو كلفه ذلك حياته. سيدهس على قلبه وروحه ليراهم سعداء فقط.
في الجانب الآخر عند والدته، كانت تكسر كل شيء في الشقة بغضب شديد. فكل ما فعلته راح هباءً منثورًا بزواج بنت الأجنبية من قاسي. انتهى كل شيء، لأن قاسي غير محمد، لا تستطيع أن تؤثر عليه. قالت الأم بغضب: "مش هسيبك تتهني بحياتك يا بنت داليدا، اللي على جثتي هدمر حياتك زي ما أمك دمرت حياتي." لتتذكر ما حدث قبل شهرين. **فلاش باك** أم محمد: "ممكن يا لين يا بنتي تطلعي تجيبيلي... من أوضة محمد؟
لين: "حاضر، بس يا مرات عمي بابا قالي ما ينفعش أطلع عندكوا لوحدي." أم محمد: "لي يا حبيبتي؟ دا انتي حتى بقيتي مرات ابني. على العموم ما تخافيش، زي ما انتي عارفة قاسي في الشغل مش بيرجع دلوقتي ومحمد طلع يسهر مع صحابه، فاطلعي ومش تخافي محدش هياكلك يعني." ابتسمت لها لين بحب: "حاضر." حضنتها بشر: "ربنا يخليكي يا حبيبتي لشبابك." أكملت في سرها: "وياخدك زي ما أخد أمك عشان نرتاح."
ابتسمت بخبث عندما تابعتها وهي تصعد درجات السلم، وابتسامتها تزداد شرًا كلما اقتربت من باب شقتهم. فمحمد قد أتى منذ قليل لأنه يشعر ببعض الصداع وصعد ليرتاح دون أن يخبر أحد لكي لا يقلق أحد عليه. فاستغلت فرصة عدم عودة قاسي الليلة لانشغاله في صفقة عمل جديدة، ووالدها مسافر يقضي بعض الأعمال في الخارج ولن يعود قبل أمس غد.
فخطرت في بالها تلك الفكرة الخبيثة بأن تضع حبوب هلوسة في قهوة محمد، تجعله يظن ما يحدث حوله مجرد حلم. هي كانت تخطط منذ زمن لكي تبعد ابنها عن تلك الحرباية. وفي الوقت المناسب نفذت خطتها، والخطة نجحت كما خططت، ليس كما أرادت، ولكن نجحت. هي كانت تريد أن يحصل بينهم شيء، وبطبع محمد لن يتذكر شيئًا مما حدث. وفي ليلة زفافهم سيكتشف أنها ليست عذراء، وبالتالي سيجن جنونه ويهينها ويجعلها عبرة لمن كان، خاصة
أن محمد ينطبق عليه مثل: "أحذر الحليم إذا غضب"، فهو في غضبه لا يستعمل عقله وممكن يتهور ويقضي عليها نهائيًا. وهكذا كانت ستتخلص منها وتشفي غليلها من أمها. ولكن حدث عكس ما أرادت، حيث أغمي عليها قبل صعودها إلى المسرح، واكتشف الجميع أنها حامل قبل الزواج. كان كل شيء يمشي كما تريد، هي تريد أن تدمرها وترىها تعيسة. وحدث ما حدث.
مسحت وجهها بعصبية: "محمد والجميع، الجميع." عدا قاسي، الذي ظنته أول من سيشرب من دمها لصرامته الشديدة مع الجميع، ولكن خالف ظنها، وهو الوحيد الذي وقف يدافع عنها بكل قوته. لا تعرف من أين أتى بتلك الثقة، ولأول مرة ترى في عينيه حبًا لتلك الفتاة التي لا تكره في حياتها أكثر منها. هي والدتها، أبناؤها الاثنين عاشقين للبنت الأجنبية.
وهذا ما يثير حنقها أكثر وأكثر. فالآن من سابع المستحيل أن تستطيع أن تؤذيها طالما هي في حماية قاسي. ولكن هيهات، لن تكون اسمها جمالات إلا إذا جعلت ابنها البكري يكره أن يرى وجهها، حتى لو اتجهت لطريق السحر والشعوذة. أما بخصوص كيف جعلتها تجهض، كان ذلك أسهل شيء. فهي سمعت قاسي يطلب من أحدهم أن يعمل لها كوب ماء بسكر لكي تهدأ أعصابها، فاستغلت الأمر ووضعت بعض نقاط من الدواء الذي يسرع في عملية الإجهاض.
وهذا ما حدث، أجهضت، وابنها الصغير تركها ليتدبس بها ابنها الأكبر.
عند محمد، كان يتجول في الشوارع تائهًا، ضائعًا، يبتسم بسخرية على هذا القدر. فمن يراه قبل خمس شهور لا يمكن أن يصدق أن هذا محمد ابن الغندور الذي كان يعيش حياة راغدة، لم يحمل الهم يومًا في المستقبل. فكان كل ما يطلبه مجاب، لوى فمه بسخرية. فهو الآن يجلس في غرفة فوق السطوح، في مكان أقل ما يقال عليه تحت المستوى الذي تعود العيش فيه بكثير. بدأ يعاقب نفسه لعلّه ينسى ذلك الألم الذي يتغلغل بداخله كسم قاتم. بدأ يعمل من مطلع الشمس حتى غروبها في جميع الأعمال الشاقة، ثم يأتي الليل ليرمي جسده على السرير المهترئ ويغط في نوم حتى اليوم التالي، لتصبح جميع ليالي حياته مثل بعضها.
تنهد بتعب. في اليوم أنهى عمله بوقت مبكر، فقرر أن يتجول في الشوارع حتى يهلكه التعب ويذهب للنوم. لا يريد أن يجلس مع أفكاره لوحده حتى لا يجن، فيعصر رأسه كي يتذكر: أهو حقًا لمسها، أم هذا مجرد افتراء منها لكي تنقذ عشيقها؟ فهي في الأيام الأخيرة كانت متغيرة معه كثيرًا. في وسط أفكاره، خبطت به فتاة يبدو عليها التعب والإجهاد، وكمدات تملأ وجهها. تشبثت بملابسه، نظرت في عينيه وهي تشعر بأن الأرض تلف بها. همست بضعف: "أرجوك أنقذني."
لتسقط على الأرض مغميًا عليها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!