نزل سريعا إلي أسفل ولكنه قابل قاسي في الطريق. قاسي بجمود وهو ينظر إلي ذالك المسدس الذي يحمله بين يديه: انت هتعمل إيه؟ محمد بغضب ودموعه على خده: هقتلها زي ما قتلتني في أجمل يوم في حياتي، الخاينة الكدابة. بكى بصوت مرتفع: طب هي لو بتحب حد تاني، ليه مش قالت لي؟ ليه تعمل فيا كدا؟ ليه؟ والله العظيم أنا بحبها، بحبها.
شده قاسي داخل أحضانه، فهو تأكد الآن أن أخاه صادق كصدق ألين، وأن هناك شيء مفقود في الحكاية، وهو من سيكتشفها ويصلح كل شيء بينهم. كم كان أنانياً حينما فكر في نفسه، ونسي أن أخاه يعشقها كما هو الآخر يعشقها. فهم الثلاثة قد تربوا سوياً، وكل منهم نشأ على حب الصبية ذات العيون الخضراء. ولكن حينما توفي والده، أصبح من طفل ذي اثني عشر عاماً لشاب يتحمل مسؤولية عائلته. كلما يكبر تزداد مسؤوليته ويقسو قلبه لرؤية تقاربها مع أخيه الذي يبلغ نفس سنها. فكان يعيش معها كل تفاصيل حياتها وهو يشاهدهم من بعيد فقط.
ولأول مرة يسمح لدموعه أن تظهر للعلن. فهو سيساعد أخاه لكي يعود لها. يعلم أن ذلك سيقتله، ولكن ما باليد حيلة. هو ليس لديه أغلى من الاثنين. قاسي: لين بتقول الحقيقة. ابتعد محمد كالمجنون بعد أن كان يبكي كالأطفال على حاله: حقيقة إزاي يا قاسم؟ وإن أقسم بالله ما قربت منها. أكمل بدموع: يعني أنا لو قربت منها، هكذب ليه؟ ما هي مراتي، حتى لو مش كانت مراتي، فأنا بحبها.
حاوط قاسي وجهه بيده: اسمعني يا محمد، أنتو الاتنين بتقولوا الحقيقة. محمد بتوهان: طب إزاي؟ إزاي أنا وهي بنقول الحقيقة؟ انت عاوز تجنني يا قاسي؟ قاسي بحنان: اسمعني يا محمد، أنا مش عارف إزاي أنتو الاتنين بتقولوا الحقيقة، بس دا شيء أنا متأكد منه، لأننا إحنا اللي مربيين لين وعارفينها كويس وعارفين أخلاقها إزاي. وبعدين لو هي مش بتحبك، اتجوزتك ليه؟
كانت ممكن ترفضك وتتجوز اللي بتحبه. وأنا عارف كمان إنك عمرك ما تنكر حاجة زي دي، خاصة إنك بتحبها واستحالة تسوء سمعتها وهي مراتك. محمد بحزن: أنا مش بقيت فاهم حاجة، حاسس إني تايه وضايع. حضنه قاسي: بكرة كل حاجة هتنكشف، صدقني. بكرة كل حاجة هتنكشف. إحنا هنعمل تحليل الأبوة بكرة عشان نشوف الحقيقة. ابتعد عنه محمد: بس أنا متأكد إنه مش ابني. ابتسم قاسي: وأنا متأكد إنه ابنك. واكيد فيه حلقة مفقودة وهعرفها.
قال ذلك وهو يراجع تصرفات والدته. بالتأكيد هناك شيء تخفيه. هو يعلم، بل الكل يعلم إنها لا تحب لين إطلاقاً، وهي الوحيدة التي كانت معارضة هذا الزواج. احتدمت ملامح وجهه. قابض على يده بغضب. فإذا كانت لوالدته يد فيما حصل، لن يترك الأمر يعدي بسهولة.
في ظلمات الليل، سمع الجميع صرخات لين تأتي من غرفتها. هرول الجميع باتجاهها ليروا ما يحدث. فلم ينم أحد منهم من كثرة التفكير وانتظار بزوغ الشمس لاكتشاف الحقيقة. يعترف الجميع لولا قاسي، لكانت لين الآن تحت التراب تواجه رب كريم. كان قاسي أسرعهم إلى غرفتها لخوفه الشديد عليها. وجدها واقعة على الأرض بجوار سريرها، ودمائها تملأ سريرها وملابسها. قلبه وقع في محله. هرول سريعاً إليها متناسياً الجميع: لين.
تبعه الجميع مصدومين من المنظر. حملها قاسي بسرعة، شاخطاً في الجميع أن يبتعدوا عنه، ففتاة تموت أمامه. أسرع الجميع خلفه، خاصة محمد الذي وقع قلبه هو الآخر. فمهما حدث، هي ما زالت معشوقته. محمد: اقعد أنت معاها يا قاسي وأنا هسوق. أومأ له بالموافقة، فلا وقت للجدال الآن. أسرعوا جميعاً خلفهم بقلق، ما عدا أم الصبيين التي كانت فرحة بما حدث. فالآن لن يستطيع أحد أن يكتشف الحقيقة. قاسي: طمني يا دكتور، لين عاملة إيه؟
د: هي كويسة، بس للأسف هي أجهضت. ربنا يعوض عليكم. إنتوا باين عليكم لسه متجوزين قريب، وإن شاء الله ربنا يرزقكم بالذرية الصالحة والعمر قدامكم طويل. عن إذنكم. أغمض عينه بضيق. فالطريقة الوحيدة الذي كان سيثبت بها براءتها قد ضاعت. ولكن هو لن يترك الموضوع هكذا. فلابد له أن يجد الجزء المفقود من الحكاية. أم محمد: أكيد هي خدت حاجة عشان تجهض نفسها قبل ما تتكشف وتبان على حقيقتها. ما هي شايفة اللي هيقف معاها ويصدقها.
نظر لها قاسي بغضب: ماما. وضعت يدها على فمها: أهو كتمت. أصل اللي يقول الحقيقة دلوقتي لازم يكتم. أبعد قاسي نظره عنها بضيق ودخل إلى الغرفة لكي يطمئن عليها. فهي من تهمه من كل ذلك. لاحظت الأم مغادرة محمد المكان، فقررت ضرب الحديد وهو ساخن، فلحقت به. تمثيل الحزن: شفت ي محمد؟
طول عمري أقولك إن البت دي ما تنفعكش، بس أنت ولا هنا. أهي راحت خانتك وغلطت مع واحد، وكانت عاوزة ترمي البلوة عليك. ولما حست إنها هتنكشف والكل يعرف أنها كدابة، خاصة أخوك، أجهضت نفسها عشان عارفة إن قاسي مصدقها. شفت البت الماكرة. صرخ بوجهها محمد: كفاية، كفاية الله يخليكي. أنا اللي فيا مكفيني، كفاية. وتركها وغادر.
ابتسمت بإنتصار. فهي تعلم جيداً ما تأثير كلماتها على ابنها. ولكن ما يشغل تفكيرها، كيف ستجعل قاسي يصدق أنها عديمة أخلاق. لا تعلم كيف يثق بها إلى ذلك الحد، كأنه يعلم الحقيقة. وجدها نائمة لا حول ولا قوة لها. سمح لنفسه أن يتطلع إلى ملامحها الذي يحفظها عن ظهر قلب، وشعرها الذي حُرم من رؤيته. تنهد بحزن واخفض نظره سريعاً مستغفراً ربه. استغفر الله العظيم وأتوب إليه. لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!