قاسي بجمود: أنزلي. نظرت لين له بغضب وكرة، وعيونها أصبحت مثل الدماء من كثرة بكائها. لين: أنا مش هتحرك خطوة واحدة من هنا، أنا عايزة أروح، أنت فاهم؟ أنا بكرهك. غضب بشدة لمجرد سماعه لتلك الكلمة، ولم يستطع التحكم في أعصابه، فشدها ليخرجها من السيارة بغضب. فتألمت. لين: آآه. رق قلبه ولعن اليهود لعدم تحكمه في غضبه فسبب في ألمها. حاوط وجهها وأردف بقلق وحنان: أنتِ كويسة؟ زقت يده بكره شديد: هبقى كويسة طول ما أنت بعيد عني.
أغمض عينيه بألم، فهو رأى الكره في عينيها تجاهه. كفى إنها في السابق كانت تهابه، واليوم أصبحت تمقته. يا الله على هذه التقدم المبهر يا قاسي، يا الله. آآه يا قلباً على ذالك العشق الذي كتب عليه أن يظل في الخفاء طيلة حياته، لينكويه بنار عشقها لحاله دون أن يشعر به أحد. ياآآه، ليتني كنت تراباً ولم أشهد هذه النظرة في عينيها يوماً.
أخذ شهيق وتنحى جانباً في صمت، وشاور بيده لكي تسير أمامه. هو ليس لديه القدرة على الحديث، فما يشعره في قلبه الآن فاق حد الألم. اقتربت منه ووقفت على طراطيف أصابعها لتهمس له، فأرتعش جسده من ملامسة أنفاسها الساخنة جانب وجهه. لم يظهر عليه شيء من الخارج، ولكن من داخله يشعر بأنه يذوب من ذالك الاقتراب الشديد، وقلبه الذي أصبح ينبض مثل مضخة الماء، يخاف إن تسمع ضرباته فينْكشف أمره.
لين بكره: دلوقتي ظهرت على حقيقتك، وعيونك بقت كاشفة حبك ليا. بمجرد ابتعادها عنه شعر بالفراغ يحيطه، كأنها جزء من روحه انخلع من مكانه. لم يركز في حديثها من الأساس، فكل ما كان يهمه أن يتحكم بانفعالات وجهه أمامها حتى لا تكتشف كم هو ضعيف أمامها. لم يكن بهذا الضعف من قبل أمام أحد، ولكن هي تختلف، فهي عشق الطفولة والصبا، حتى في شيخوخته لن يعشق غيرها مهما حدث.
أردفت بكره بعد ابتعادها: هخليك تندم على اليوم اللي فكرت فيه تلعب بشرفي عشان خطتك القذرة اللي شبهك، هستمتع وأنا بشوفك بتتعذب قدامي عشان بس تشوف مني نظرة حب. إلى هنا ويكفي، فهي تخطت حدودها. ظنت أن صمته ضعف منه، فلا وألف لا، هو يعشقها ولكنه يقدس كرامته وكبرياءه أكثر بكثير من عشقها. يمكنه أن يدعس على قلبه ويكسره إلى فتات، ولا أن يسمح لأحد أن يهين كرامته، حتى إن كان ذلك الشخص هي.
خنقها بيده ودفعها على السيارة بقوة، فتألمت، ولكن هذه المرة لم يهتم، فيبدو أن الرقة واللين لم تنفع معها أبداً. احتدمت عينيه وأردف بصرامة: كلامك دا تخليه لنفسك، مش عايز أسمعه، فاااااهمة؟ ابتعد عنها ضارباً السيارة بيده عندما وجدها تزرف الدموع. دموعها تحرقه، تكوي قلبه، ولكن يجب أن تتعلم كيف تحترمه، وإلا ستسوق فيها. لين: كح كح كح. أردفت بكره: أنت كده خوفتني صح؟ مسحت دموعها بقوة. لعلمك بقى، أنت لو قتلتني، قتل، كده مش هسكت.
ومش هبطل كلام لحد ما أكشفك على حقيقتك الوسخة. مسك كتفها وزقها من جديد على السيارة: أنتِ عايزة إيه ها؟ عايزة تثبتي لنفسك إيه؟ إني أنا اللي عملت كده عشان أخرب الجوازة، صح؟ كانت صوت أنفاسهم السريعة هي فقط التي تسمع في المكان، حينما توقف عن الحديث لينظر داخل عينيها الخضراء بحدة، التي قابلته بكره العالم أجمع. ضغط أكثر على يدها جعلها تئن من الألم، وأردف بحدة كأنه يعاقبها على تلك النظرات
التي تتهمه بأبشع الاتهام: أيوه، أنا اللي عملت كل دا عشان جوازك يخرب. جحظت عينيها من صراحته. ترك يدها وخبط على رأسها: طالما ده هيستريح لما أقولك إني أنا اللي عملت كده، يبقى أنا اللي عملت. زقته بغضب: أنت كده مفكر إني هصدق إنك معملتش حاجة؟ نغزته في صدره بإصبعه: يبقى غلطان، لأني أنا دلوقتي قادرة أشوف نظرات الحب في عيونك ليا. قد إيه كنت غبية لما فكرتك شخص كويس. بلع ريقه وأبعد نظره عنها.
فابتسمت بسخرية: حتى شوف، مش قادر حتى تبص في عيني، لأن ده الحقيقة. قاسي اللي اسم مصر كلها بتنهز لمجرد سماع اسمه، ما هو إلا حقير. حب حبيبة أخوه، آآه.
ضربها كفاً لكي تصمت، فهي تعريه أمام نفسه. هو دائماً يعنف نفسه على حبها الذي يسري في دمه، ولكن لم يتخيل أبداً أن يكون الأمر مؤلماً هكذا عندما يواجه أحد بفعله القذرة. ولكن هذا ليس بيديه، فقد رزقه الله حبها دون وعي منه. هو كبر على حبها، لم يكن الأمر بيده يوماً. ليتنه غادر البلاد ذلك اليوم عندما علم بخطوبتهم ولم يستمع لأحد. لما كان اليوم مد يده عليها، ولا حتى كان سيرى نظرات الكره والقرف التي تقتل في صميم قلبه.
قاسي: اخرسي، مش عايز أسمع صوتك. شد ذراعها وتعمد جرحها كما هي تفعل منذ الصباح: شكل أمي كان عندها حق، وأنتِ مجرد واحدة... خنتِ أخويا وجاية دلوقتي تحطي كل الحق عليا. زق يدها بقرف: بس الحق عليا أنا إني حاولت أساعد واحدة بقت حامل قبل ما تتجوز، والله أعلم مين الفاعل، مهو محمد بردوا استحالة ينكر حاجة زي دي. شاور بإصبعه
أمام وجهها وأردف بحدة: على فكرة بقى، اللي ما تعرفهوش إن أبوكي اللي هو عمي، جه ليا وباس إيدي عشان أتزوجك، بس عشان يداري الفضيحة اللي عملتيها، وأنا عشان أداري فعلتك القذرة اتجوزتك، مش عشان سواد عيونك، لا، دا عشان بس سمعة العيلة. كانت تود الحديث، فأوقفها حينما وضع إصبعه على فمها: اشششش، لسه مخلصتش كلامي.
أكمل ببرود: غلطت لما فكرت إن البنت اللي اتربت على إيدنا استحالة تعمل كده، بس شكلك من النوع ده، عشان كده محمد سابك، لأنه عارف قد إيه أنتِ واحدة رخيصة. نظرت له بصدمة ودموعها لم تتوقف عن الزروف. أكمل بقسوة، غير مبالٍ بحالتها، فهو كل ما يتذكر كيف كانت تسمح لأخيه بالاقتراب منها، يزداد غضبه وغيرته الشديدة. ضغط على وجهها بيده الغليظة ليجعلها تنظر له: أصل البنت اللي تخلي راجل يلمسها من غير جواز، ممكن تعمل أكتر من كده.
زق وجهها بقرف وأكمل بقسوة أكبر: أما بالنسبة لحكاية إني بحبك ودايب في هواكي دي، تنسيها خالص. شملها بنظرة سخرية: أنتِ ما تجيش بربع جنيه حاجة في سوق النسوان. شاور بيده على جسدها: روحي شوفي نفسك في المراية، وأنتي هتعرفي إنك أصلاً مش عندك حاجة تخلي الرجالة تبص عليكي، أو حتى تقدري تغري عيل صغير. انكمشت في نفسها حينما فهمت إلى ماذا يرمي. أكمل بغرور: فما بالك أنا، اللي بتترمي تحت رجلي أجمل النساء.
غرز يده في خصلات شعره وأكمل بجمود، غير مهتم لوجهها الذي أصبح مثل البندورة بسبب حديثه، أو عيونها التي أصبحت بلون الدماء من كثرة بكائها. مش قاسي بن الغندور اللي عيلة زيك ولا راحت ولا جات تحرك فيا شعرة، لأنك بالنسبة ليا طفلة معندهاش أي حاجة تلفت نظري أو تبهرني.
كاذب، هو كاذب، يعلم ذلك. لا أحد غيرها يستطيع أن يهز كيانه بمجرد نظرة من عينيها التي تشبه المراعي الخضراء. توقع صريعاً، يعشقها وتفعل به الأفاعيل، فما بالك عندما تقترب منه. شد يدها وزقها أمامه: من النهاردة هتتعاملي زيي زي أي جماد. جوه لحد ما أعرف أنتِ خنتِ أخويا مع مين، وإلا ما كانش سابك ليلة فرحك، ولا إيه؟
لم تعد تتحمل كلماته الجارحة وطعنها في شرفها وتقليل من أنوثتها. هي من الأساس تتألم وتتوجع من الداخل. هو يذكرها بأن الجميع تخلى عنها إلا هو. هو فقد من رضي بها، ولكن هي مظلومة. هي تكره الجميع، تكرههم. شعرت بأن الأرض تدور بها، وضعت يدها على رأسها. كادت بالسقوط لولا يد قاسي التي لحقتها. تقسم أنها رأت لهفته عليها في عينيه، وسمعت كلمة "حبيبتي" تقترن باسمها. مسكها قاسي برعب: لين حبيبتي، أنتِ كويسة؟
أنا آسف يا عمري، مش كان قصدي حاجة من اللي قولته، أنا بس كنت عصبي، لين. ظل يضرب وجهها برقة لكي تفيق. كان يحدثها وهي لم تستمع غير "حبيبتي" وفقدت الوعي. وقع قلبه محله عندما وجدها على وشك السقوط، فلحقها قبل أن يلمس جسدها الأرض، وحملها وظل يلعن الكفرة واليهود. يبدو أنه بالغ في رد فعله وعنف نفسه بشدة. يجب أن يتعلم كيفية التحكم بأعصابه أمامها، لأن على ما يبدو أن الرحلة طويلة، والتي لا يعرف إلى أين ستقوده بعد.
عقد حاجبيه باستغراب من تغير شكل المكان. فبعد أن كان أقل ما يقال عنه مقلب نوفايت، أصبح يلمع مثل القصور، والرائحة الطعام الشهية التي تملئ المكان. ولج إلى الداخل، ظناً منه أن تلك الفتاة فعلت كل ذلك لتشكره على ما فعله معها البارحة قبل مغادرتها كما طلب منها. انصدم عند وجدها مازالت هنا نائمة. ضيق عينيه بضيق، فلماذا لم تغادر إلى الآن؟ أهو ينقصه نصيبه جديدة في حياته؟
أيكفي ما يعيشه الآن وتأتي تلك التي ظهرت له من العدم وتزيد الأمر عليه؟ لماذا لم تسمع كلامه وتخرج من حياته بسرعة كما دخلت فجأة؟ نظر حوله بضيق، فهي تغط في النوم كأنها في بيت والدها، لا على بالها شيء، وهو يشيط غضباً. جلب جردلاً من الماء وصبّه فوقها. نهضت مفزوعة: عاااااا، بسرعة طفوا الحريق، بسرعة، الحريق هيموتنا! نظرت حولها ثم غطت وجهها متنهدة براحة، فليس هناك أي حريق. اعتدلت في جلستها ونظرت بحدة إلى محمد: أنت مجنون؟
في حد يصحّي حد كده؟ محمد ببرود: ده على أساس إنك في بيت أبوكي نايمة براحتك. وقفت أمامه: الله مطولك يا روح لي، الغلط دلوقتي يا بني. محمد بحدة: ممكن أفهم أنتِ ليه هنا لحد دلوقتي؟ مش غورتي ذي ما طلبت منك؟ لوت شفتيها بضيق وشاورت بيدها بطريقة عشوائية: إيه غوري دي يا عم الملافظ سعد؟ شد ذراعها بحدة. بت انتي أنا ما ناقصكش، أنا فيا اللي مكفيني، ف زي الشاطرة كدا خدي بعضك وغوري من وشي، لأن عفاريت الدنيا بتتطط فوق راسي.
أردفت بمرح: طب ما تخليهم يتنططوا في حتة بعيد عن راسك عشان متصدعش. رفع إصبعه أمام وجهها بغضب، فهو اكتفى من تلك المجنونة: انتي لو ممشيتيش من قدامي حالا هخليهم يتنططوا على وشك. أخفضت يده وابتسمت ببلاهة: استهدي بالله بس يا أستاذ نرفوز أفندي، أعصابك مش كدا. احتدت عينه فبلعت ريقها، فهي يجب أن تُسيّسه حتى يسمح لها بالبقاء معه. ضحكت تاليا وقرصت ذقنه: احم، قصدي يا معسل إنت، هي أمك كانت بتاكلك إيه وانت صغير؟ عيل نحل يا خواتي.
لوي ذراعها خلف ظهرها فبدأت تتلوى تحت يده من الألم، همس في أذنها بفحيح أفعى: ثانية واحدة بس ها، ثانية واحدة هغمض عيني وأفتحها وملكيش قدامي، فاااااهمة. زقه بغضب لتنظر له بغضب أكبر ممسكة يده التي كاد أن يكسرها. محمد بغضب: يااااااله! دبدبت في الأرض بعصبية وخرجت من الغرفة وهي تكاد أن تبكي، أين ستذهب الآن في ذلك الوقت، وماذا إن وجدها هؤلاء الحُقراء، فالبتأكيد هي ميتة لا محالة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!