الفصل 9 | من 21 فصل

رواية لين القاسي الفصل التاسع 9 - بقلم اماني المغربي

المشاهدات
17
كلمة
1,798
وقت القراءة
9 د
التقدم في الرواية 43%
حجم الخط: 18

فتح الباب بعصبية. "أنا مش قولت مش هدور على حد." انصدم. "أنتي! أرتمت على صدره مغشي عليها. تجمد في مكانه للحظات يحاول استيعاب ما يحدث. نظر إلى وجهها المرهق وتنهد بضيق وحملها متوجهاً إلى الفراش. "ياترى إيه حكايتك يا ست تاليا ومين الناس اللي كل شوية بيجروا وراكي دول؟ وضعها على الفراش وجاء ليبتعد. شبك شعرها في زرار قميصه. "أوووف."

حاول إزالتهم ولكنه لم يستطع، فقرر أن يقترب أكثر لعلّه يستطيع إزالتهم دون أن يضطر لقطعهم. رفع عينه ليقع نظره على وجهها، ليتطلع إلى ملامحها بتعمق. ولأول مرة يستطيع أن يرى كم هي جميلة. فملامح وجهها ليست بالكبيرة ولا الصغيرة. فعينها الواسعة لم يرَ في جمالهم قط. لقد لف العلم أجمعه ولم يرَ مثل رسمة عينيها تلك. كان الله أبدع في خلقهم لأجلها فقط.

رفع إصبعه لإزالة تلك الخصلة المتمردة على وجهها مثل شخصيتها. لمس خدها لإزاحتها. برغم تعبها وإرهاقها الواضح، لم تفقد حيويتها وحمرة وجهها. كم تبدو بريئة وهي نائمة. ابتسم بسخرية عند تلك النقطة. فكيف يكون ذلك الوجه البريء لصاحبة الأفكار الشيطانية؟

انتهى من إزالة شعرها العالق في قميصه. فهي والبراءة لن يجتمعا أبداً. فهي تمتلك عقلاً شيطانياً. لم يرَ فتاة مثلها أبداً. تمتلك من الخبث والبراءة في آن واحد. لا يعرف كيف لصفتين متضادتين أن تجتمعا مع تلك المجنونة. فهي تمتلك جميع الصفات التي يكرهها: الثرثرة، اختلاق الأكاذيب، الجنون، تهورها، وما خفي أعظم. لم يمر يوم على معرفته بها وعلم كل تلك الصفات. فماذا لو جلس معها أكثر من ذلك؟ بتأكيد سيجد ما هو أفضع بكثير.

بَدَأَ الجو يتغير، فيبدو أن هناك عاصفة آتية في الطريق. لا أحد يعلم أن تلك العاصفة أتت لتعلن عن بداية لظهور عشق مجهول لا يدري صاحبه بوجوده، وشرارة حب ستُزرع في قلب عاشقين دون أن يدري كلاهما. انطفأت الأنوار في فيلا قاسي مع ازدياد صوت الرعد والبرق في السماء، كأن السماء ترقص فرحاً لتلاقي أرواح العشاق واجتماعهم قبل علمهم بذلك. لِتصرخ لين خوفاً من الظلمة وصوت البرق، فهي تخاف الاثنين حد الجنون.

ليتسابق قاسي إلى غرفتها مع الزمن ليستطيع أن يبث لها الأمان الذي تحتاجه. فهو يعلم مدى خوفها الشديد من الأمطار والرعد والبرق والأماكن المظلمة. صرخت باسمه باكية. "قاااااسي! جسدها تجمد مكانه، فهي عند خوفها لا تستطيع الحركة. تلتصق رجلاها بقوة في مكانها. لا تملك سوى البكاء والصراخ باسمه، كأنه طوق نجاتها الوحيد الذي لا تستطيع العيش دونه.

اقتحم الغرفة بخوف شديد. تنفس الصعداء عندما وجدها تقف في منتصف الغرفة سليمة. أسرع لها ليأخذها داخل أحضانه لتتشبث به كالغريق الذي يتشبث بقشة. لمس على شعرها ليهدئها بحنان. "ما تخافيش، أنا معاكي دلوقتي." دفنت رأسها في صدره بخوف. "لا لا، أنا خايفة، خايفة كتير." "اششش، أنا معاكي دلوقتي، ما تخافيش، ما فيش حاجة هتحصل." حضنته بكل ما أوتيت من قوة، ماسحة وجهها في صدره مثل القطط. "خليهم ينوروا المكان، أنا خايفة."

حملها قاسي لتتعلق في عنقه دون وعي، لتلتقي نظراتهم تحت أشعة القمر التي تسللت إلى غرفتها، ليظن من يراهم بأنهم عاشقين على وشك أداء طقوس العشاق. "للأسف، في عطل حصل في محول النور ومش هنعرف نصلحه غير لما الجو يروق." عندما وضعها على الفراش، نهضت سريعاً تتشبث في أحضانه كالطفل الصغير الذي يتعلق بوالدته. "ما تسيبنيش."

جلس جوارها ليحاوطها ليدخلها أكثر داخل أحضانه، يتمنى أن يتوقف الزمان عند تلك اللحظة. فالحظة التي تخرج من أحضانه كان روحه هي التي تخرج، لا هي. "ما تخافيش، مش هسيبك." ابتسم بعشق جارف، سامحاً لنفسه بأن يلمس ويتطلع إلى شعرها الذي حُرم منه تلك السنين. كما أصبح أطول وأثقل من ذي قبل. كم يعشق تلك الخصلات الذهبية التي تشبه سلاسل الذهب.

نظر لها وجدها قد غطت في نوم عميق. ابتسم بسخرية على ذلك الحظ. هي تنام داخل أحضانه بارتياحية وهو سيؤرقه النوم طوال الليل بسبب اقترابها منه بهذا الشكل. "ياااه رباه، ارحم قلب عبدك الضعيف من ذلك العذاب، فهو أصبح كالمعلق في الهواء، لا طائل سماء ولا طائل أرض."

هي زوجته، حلاله، ومع ذلك لا يستطيع أن ينعم بقربها. كم كان يحلم ليالي بتلك اللحظة التي ستكون له بإرادتها، تعشقه مثلما يعشقها. كان يظنها مجرد تراتيل أحلام، ولكن أصبح الحلم حقيقة الآن، حتى لو لم يكن مكتملاً. فماذا يريد أكثر من ذلك الآن؟ لا وألف ألف لا. لا يريد غير هذه اللحظة التي يستنشق بها عبيره الذي تمنى يوماً أن يعرف رائحته.

أخذ شهيقاً كبيراً ليستطيع أن يدخل قدراً كبيراً من رائحة اللافندر التي تفوح منها. كم يعشق هذه الرائحة. كيف سيستطيع النوم بعد ذلك دون أن يستنشق من ذلك العبير؟

دفنت رأسها أكثر في أحضانه مما جعل نبضات قلبه في تزايد. يخاف بأن تستيقظ من صوت ضربات قلبه، فيُحرم من حضنها الدافئ. ضمها أكثر لحضنه وابتسم بسعادة. نظر نظرة أخيرة لها، لعلّه يحفظ بتلك الصورة في مخيلته للأبد، وهي متشبثة به كأنها مصدر أمانها الوحيد. غفت عينه وهو يتطلع إلى ملامحها التي بات مدمناً بها. كان يجلس يتطلع إلى تلك النائمة بهدوء، التي لا تشعر بشيء حولها، لا رعد ولا حتى تساقط الأمطار الذي أصبح أغزر.

تنهد بضيق. فهو به الذي يكفي ويفيض، لا ينقصه تلك الفتاة غريبة الأطوار التي تقتحم حياته بدون سابق إنذار. أغمض عينه بألم لتذكره ما حصل في الماضي. "لي تعملي كدا؟ وكأن القدر يلعب معه، فبمجرد أن خطرت لين على باله، صرخت تاليا كأن تلك إشارة لا يعلمها أحد غير كاتب الأقدار، يخبره بأن تلك المجنونة هي قدره، وأن الليلة هي ليلة تلاقي أرواحهم دون شعورهم.

أسرع سريعا لها ليرا ما حدث لها. ليجدها مازالت نائمة، ولكن عما يبدو تراودها الكوابيس. بدأت تتحرك عشوائية على الفراش. "عااا، حريق، طفوا الحريق بسرعة." بكت في نصف كلامها غير المرتب. "عااا، أنقذوا ماما، يا ماااامااا، عااا، أنا عاوزة ماما." حركت رأسها بانزعاج وجسدها يعرق بشدة، كأنهم في عز الصيف لا الشتاء، وتتنفس بصعوبة شديدة. ضرب محمد وجهها بلطف. "انتي اصحي، اصحي تاليا، اصحي." انهمرت دموعها على وجهها.

"مااااما، مااما، النار، ماا، النار." لِتزداد أصوات الأمطار والرعد. تنهدت مفزوعة. "مااااامااااا." نظرت حولها لعلها تجدها في مكان ما، تتنفس بصعوبة. لتقع نظرها على محمد الذي يتطلع عليها بنظرات كلها حيرة. لِتَرتمي في حضنه وتبكي. ليَتجمد جسده ويده من فعلتها. في كل مرة تدهشه تصرفاتها ولا يعرف ماذا يفعل. ظل هكذا فترة من الوقت، هي تتشبث به وتبكي بحرقة، وهو كالصنم، لم يحاول حتى رفع يده ليواسيها.

غفت على صدره من جديد حينا أنهكها التعب، كالبكاء. عندما شعر بانتظام تنفسها، أزاحها من عليه لِيجعلها تستلقي على الفراش، لتتشبث به ولا تتركه، كالطفل الذي يتعلق داخل أحضان والدته. تنفس بعمق، مخرجاً زفيراً وشهيقاً. فهذا ما ينقصه، أن يقضي بقية الليلة مستلقياً فوقها بذلك المنظر، كأنه عاشق يتطلع إلى ملامح معشوقته.

كلما حاول أن يبعد يدها من على ملابسه، تتشبث به أكثر، كأنها أحكمت عليه بالغراء. لثاني مرة تجبره الظروف أن يتطلع إلى ملامحها، الذي بات يحفظها عن ظهر قلب. يستغرب حاله، كيف استطاع بهذه السرعة بأن يحفظ ملامحها بتلك السهولة. يتذكر أنه كان دائم الشجار مع لين لأنه لا يستطيع أن يرسمها من مخيلته دون وجود صورة لها. كانت تعاتبه بأنه يجب أن تكون صورتها محفورة داخل قلبه ويستطيع رسمها دون الحاجة إلى مساعدة. ليخبرها أنه لا يمتلك تلك القدرة على حفظ الوجه. ولكن لأنّه متأكد بأنه يمكن أن يرسم تاليا دون الحاجة إلى صورة. فهو استطاع بسرعة البرق بأن يدقق في كل تفاصيل وجهها، حتى أنّه لاحظ ذلك المثلث الذي على هيئة نقاط الموجود تحت عنقها.

بلع ريقه عندما تطلع إلى تلك الحسنة الموجودة بجوار شفتيها الممتلئة بعض الشيء. تلك الحسنة تستفزه من أول يوم رآها. رفع يده ليلمسها، ولكنه توقف فجأة، معنفاً نفسه على ما كان سيفعله. هو لم يكن يوماً هكذا، فماذا يحصل له بحق الجحيم؟ نزع يدها بعنف، لتنقطع أزرار قميصه، ليلعن كل الكفار واليهود، ويلعن اليوم الذي قابلها فيه. أيكفيه أنها تنام بارتياحية على الفراش دافئة، بينما هو جسده مثلج ومتعب؟

لتأتي هي وتقطع قميصه الوحيد النظيف. هو لديه حساسية من ملابس الشتاء، لذلك طول الوقت يلبس صيفي. هو حقاً لا يهتم ببرودة الجو، لأن جسده دائماً دافئ بسبب عمله الصعب. ولكن اليوم لا يعرف ما به، منذ أن رآها شعر بأن حياتها انقلبت رأساً على عقب. أصبح لا يفكر إلا بها.

وقع نظره مجدداً على تلك الحسنة التي تتدلى من شفتيها، كأنها قطرة ندى على وشك السقوط من ورقة شجر. لا يعرف لما تستفزه. يريد لمسها ليتحقق من ثباتها. لأول مرة يرى في حياته حسنة بهذا الشكل الغريب. لما يستغرب؟ فهي كلها غريب، تجذبه بشكل يضايقه. يريد أن يغوص داخل عقلها ليعرف فيما تفكر، أو ما هي قصتها.

أغمض عينيه يستغفر الله من الشيطان الرجيم، وتوجه إلى الحمام، لعلّه يهدئ تلك النيران التي شبت بجسده، وهو يلعن بكل لغات العالم، فهو أصبح لا يتحكم في جسده ولا في تصرفاته عندما تحضر تلك المجنونة غريبة الأطوار، التي ستجننه معها إذا بقيت هنا أكثر من ذلك. طخخخ. "مرفت بغضب... إزاي تخلوها تهرب منكم إزاي؟ ...... يا مدام، ما البت هي اللي عاملة زي العفريت، كل ما نحط إيدنا عليها تختفي. طخخخخ مسكتُه من هدومه. عشان أغبياء!

لما واحدة مفعوصة زي دي تقدر تهرب من شحطة زيكم. مسكت وجهه بغضب. وعلمت عليكم بالشكل ده، تبقوا حمير. زقت وجهه بقرف. مرفت: بس وحياة أغلى حاجة عندي، لأجيبها تحت رجلي وأخليها تدفع التمن غالي. غور من وشي، أنت لسه واقف؟ سامر أتى من خلفها بعد أن غادر ذلك الرجل وحاوط خصرها. الجميل زعلان لي؟ مرفت: الزفت تاليا، بعد ما خلاص قدرنا نعرف مكانها والرجالة خطفوها، قدرت تهرب تاني.

دفن رأسه في عنقها وتمتم بصوت غير مسموع. طول عمرها جامدة، بنت الآية. لفت له. بتقول إيه؟ اقترب منها ثم ابتعد بعد ذلك واضعًا جبهته على جبهتها. بقول إنك وحشاني، وحشاني خالص. أما تاليا دي، سيبها عليا، أنا كفيل إني أخليها تيجي راقعة لك. تأففت بملل. أنت عارف يا روحي إننا لو ما مسكنهاش خلال الشهر ده، كل خططنا هتروح هدر وكل الهلومة اللي إحنا عايشين فيها دي هتضيع. لمس خدها وأردف بخبث. هجبها لك، بس ما تنسيش إنك هتجوزيها لي.

عقدت حاجبيها. ومالك ملهوف على جوازك منها كده لي؟ شدها من خصرها لتصدم في صدره وهمس في أذنها. مش دي خططتنا يا روحي عشان ناخد كل ثروتها؟ مرفت بضعف. بس أنا حاسة إنك ملهوف عليها لأنها من نفس سنك. وأنا... قطع حديثها عندما اقترب منها. إشششش، أنا عيني ما بتشوفش غيرك، ومهما كبرتي هفضل أشوفك بنت العشرين سنة. حملها مقربها منه. تعالي بقا أوريكي ابنك ما بيشوفش غيرك. مرفت: هيهيههي. سامر: هههه، أموت أنا وأعيد السنة.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...