الحلقة الخامسة عشرة ليست خطيئتى لا يوجد هناك قسوة أكثر من أن نسمع خبر وفاة من نحبهم، فيكون الخبر صدمة كبيرة لنا تؤثر في حياتنا ولا نستطيع أن نعود كما كنا من قبل. صحيح أن الموت حق على كل إنسان في الحياة، إلا أنه مفجع ويترك ألماً لا يمحى مع الزمن. ولا يبقى لدينا إلا ذكرياتنا معهم والدعاء لهم في قبورهم بالرحمة. عانى الحاج ناجي من عدم رؤية أدهم لفترة، لأنه كان بمثابة الابن بالنسبة له.
حيث رأى به ما كان يتمناه في ابنه أيمن، لكن للأسف أيمن خاب ظنه كثيراً. وكان يتمنى أن يرى به خيراً، لكن للأسف ترك أيمن والديه حتى في أصعب اللحظات التي يحتاج إليه فيها. وهي لحظات المرض والاحتضار. الحاج ناجي بحزن: "حتى وأنا تعبان وبموت يا أيمن، سايبني وبتسرمح مع صحابك. أقول إيه بس، ربنا يهديك يا ابني. مش عايز أدعي عليك." وعندما زاد على الحاج ناجي المرض كثيراً، فطلب من سائق سيارته أن يستدعي أدهم على وجه السرعة.
لأنه يشعر بدنو أجله. فاتصل السائق بأدهم، يبلغه بمرض الحاج ورغبته في رؤيته. أدهم بحزن: "لا حول ولا قوة إلا بالله. ربنا يطمني عليك يا حاج ناجي." ثم تابع بقوله: "أنا جاي حالا، مسافة السكة هكون عندك." ثم رفع يده بالدعاء: "يارب بارك في عمره، واشفيه عشان خاطري، أنا مقدرش أعيش من غير بركة دعائه." فلبى أدهم بدوره النداء على الفور. فتوجه أدهم إلى فيلا الحاج ناجي، وحمد الله أن أيمن لم يكن بداخل الفيلا.
حتى لا يمنعه من أن يذهب إلى الحاج ليطمئن عليه. فاستقبله السائق قائلاً: "بسرعة يا أدهم، الحاج مستنيك." أدهم: "هو تعبان أوي كده؟ السائق: "آه خلاص يا ابني، بيودع." فبكى أدهم. فقال السائق: "لا امسك نفسك شوية وأنت داخل عليه، وقوله كلمتين حلوين، يصبروه على وجعه وألمه وأجره عند الله." أدهم بحزن: "حاضر." ثم أسرع به إلى غرفة الحاج ناجي. تهلل وجه الحاج ناجي عند رؤية أدهم. قائلاً بصوت ضعيف: "أدهم ابني."
فأسرع إليه أدهم، مقبلاً يده قائلاً: "ألف سلامة عليك يا حاج." "إن شاء الله تقوم بالسلامة." الحاج ناجي متألماً: "خلاص يا أدهم." "أنا حاسس بنفسي عشان كده بعتلك ضروري." "قبل ما أقابل وجه كريم." أدهم: لم يتمالك نفسه من البكاء فقال: "بعد الشر عليك متقولش كده." "هتقوم وهتبقى زي الفل." الحاج ناجي: "أدهم أنت ابني اللي مخلفتهوش وربنا عوضني بيك." "عن أيمن اللي ربنا يهديه." "والله أنا خايف عليه من بعدي."
"وحاسس إنه هيضيع أكتر ماهو ضايع." "وهيضيع كل اللي عملته وتعبت فيه." "عشان كده بعتلك.. بس أوعدني إنك هتنفذ كل اللي هقوله." أدهم: "أنا تحت أمرك يا حاج، في كل حاجة تطلبها." الحاج ناجي: "الأمر لله يا ابني." "وعارف إنك شايل من أيمن وزعلان منه وواخد على خاطرك منه." "وإنك مش بتميل ليه غصب عنك من معاملته ليك." "بس لو لسه شايفني كويس معاك وبتحبني، اسمع اللي هقولهولك يا أدهم عشان خاطري." أدهم بإمتنان: "انت بتقول إيه يا حاج!!
"انت خيرك مغرقني، ويستحيل أنسى معروفك معايا طول عمري." "ولّي عملته معايا، هيفضل دين في رقبتي، ولا هقدر أسدده، لأنه كتير أوي والله يا حاج." ثم تابع بقوله: "وايمن لو عمل إيه هسامحه عشان خاطرك." "وهعمل كل اللي هتأمرني بيه لو كان إيه." الحاج ناجي بضعف: "ده عشمي فيك برضه يا أدهم." "وأنا معملتش حاجة، كله رزق ربنا، وإحنا مجرد وسيلة." "ونحمد ربنا إنه من علينا من فضله وكرمه." أدهم: "اللهم لك الحمد." ثم قال له الحاج ناجي:
"قرب كده واسمعني بسرعة مفيش وقت." "قبل ما أقابل رب كريم." فارتجف جسد أدهم. وبالفعل اقترب منه أدهم، وسمعه يتكلم بصوت ضعيف أرهقه المرض وكأنه ينازع الروح. الحاج ناجي: "امسك الورقة دي الأول يا أدهم." أدهم باستفهام: "ورقة إيه دي يا حاج." الحاج ناجي: "امسك بس الأول يا أدهم." فمسكها أدهم. فقال الحاج ناجي: "ده تنازل مني ليك بيع وشرا عن المحل اللي عطيتهولك." "وكمان عن الشقة اللي قاعد فيها."
"وفيه كمان شقة تانية كتبتها لمجدى، تعويضاً له عن الأيام اللي نام فيها في الشارع بعد ما طرده أيمن." أدهم بإمتنان: "بس يا حاج، ده كتير أوي." "والحاجات دي مش من حقي." "دي حق أيمن بيه، فسامحني مش هقدر أقبلهم." الحاج ناجي: "انت وعدتني تنفذ كل اللي أقولك عليه." "وده تعويض عن اللي عمله فيك أيمن." "وكمان هقولك الحقيقة، أنا حاسس إن أيمن هيضيع كل اللي أنا عملته بتصرفاته الهمجية وعدم حسن التصرف وعقله الطايش."
"فأنا لما أديك دول، يبقى بحافظ عليهم من الضياع، وإنهم في يد أمينة." "وكمان عايز أوصيك على أيمن، لو احتاجك إنك تقف جنبه. أرجوك." "متبعدش وترفض، وخليك جنبه، وحاول تنصحه بقدر الإمكان لعل وعسى ربنا يهديه." أدهم بحزن على حال الحاج: "حاضر عشان خاطرك يا حاج." "ومتقلقش خالص عليه، صدقني هحطه في عينيه الاتنين لو طلب مساعدتي." فنظر له الحاج ناجي بإمتنان. ثم شخص بصره وقد سكنت جوارحه، وثقل لسانه، فشعر أدهم أنه خلاص بيموت فعلاً.
فحاول يلقنه الشهادة والدموع تجري كالأنهر من عينيه. "أقول ورايا يا حاج... أشهد أن لا إله إلا الله." "وأن محمد رسول الله." الحاج واخر رمق وقد جحظت عيناه، وقال بصوت خافت مع رفع إصبع التشهد: "أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله." وخرت يده بجانبه ولقى وجه كريم، رحمه الله وغفر له وجزاه كل خير على حسن صنيعه مع أدهم. حزن طويلاً أدهم على فراق الحاج ناجي.
ودخل في مود اكتئاب طويل، وحاول معه مجدي بكل الطرق أن يخرجه من جو الحزن ولكن فشل جداً. حتى أنه رفض ينزل للمحل، ومكث في الشقة حزيناً. ولم يفق إلا على صوت هاتفه. وإذا بالمتصل، حبيبة القلب سارة، تردد أدهم في أنه يرد عليها، فقد وعد نفسه أن لا يتعلق بحب مصيره الفشل. فهو من ساعة لحظة فراقه معاها، حاول كل وقت الاتصال ويخرج اسمها ويضغط على زر الاتصال ليطمئن على حالها ويسمع صوتها.
ولكن في آخر وقت وقبل أن يرن ينهي المكالمة في الحال. وفعلاً لم يستطع أدهم الرد، وكان ينظر إلى الهاتف وهو يرن بآسف وانكسار قائلاً: "سامحيني غصب عني." "بس أنا فعلاً منفعكيش." "ولا أنفع لحد أصلاً." ثم انهمرت دموعه مرة أخرى، على حاله وعلى حزنه على فراق الحاج ناجي. وبعد أن انقطع رنين الهاتف، نظر له بحزن، ثم قام بإغلاق الهاتف. كي لا تعاود الاتصال به مرة أخرى، فيضعف إذا اتصلت مرة أخرى ويجيب على اتصالها.
سارة بقلق: "إيه ده مرة ميردش ومرة مغلق! "هو فيه إيه بالظبط؟ "ده وعدني إنه يطمني عليه." "معقول يكون نساني بالسرعة دي." "بس هو وحشني أوي." "ونفسي أشوفه وأسمع صوته." فلم تجد سارة مفر سوى الذهاب للمحل والاطمئنان عليه بنفسها. فارتدت التونك والطرحة التي أهداها إليها، وغادرت المنزل واستقلت سيارتها متجهة إلى أدهم. وبالفعل وصلت للمحل ودخلت ثم نظرت هنا وهناك فلم تجده، فعبست وزاد قلقها وتوّترت.
سارة بتوتر إلى مجدي: "لو سمحت هو فين أدهم." مجدى باستغراب واعجاب مما تحولت إليه سارة من لبس فاضح إلى ساتر وسبحان الله فقد زادها رقة وجمالاً. مجدى بترحيب مصطنع: "أهلاً آنسة سارة." سارة بترقب: "أهلاً بيك.. هو فين أدهم." أحس مجدي فعلاً بلهفتها في السؤال والتغير السريع في نوع ارتداء الملابس. إنها فعلاً تميل لأدهم. وهو يعلم أيضاً أنه يبادلها نفس الشعور. فرأف لحاله وحالها وقال:
"صراحة، أدهم فوق في الشقة مش راضي ينزل منها بقاله كام يوم حزين ومكتئب على موت الحج ناجي." سارة بإندهاش: "إيه ده والده مات..! مجدى بحزن: "لا مش والده." "بس في مقام والده وكان بيحبه أوي." سارة: "وللدرجاتي حزين أوي كده ومش بيشوف شغله." مجدى: "أيوه وأكتر." "وأدهم كمان من النوع الحساس أوي وكمان بيقدر الجميل جداً، ومش بينساه." ازداد إعجاب سارة بأدهم كثيراً ورأت فيه إنسان فيه كل المواصفات اللي بتتمناها كل بنت.
فهو راجل وذو مروءة وأخلاق عالية. سارة بخجل: "طيب لو سمحت.. أنا عايزة أشوفه." مجدى باستغراب: "بس هو رافض ينزل." سارة بلهفة: أنا ممكن أطلعله طمن عليه بنفسي.. لو أمكن. مجدى باستنكار: إزاي يعني تطلعي لواحدة قاعد لوحده! ميصحش يا آنسة. سارة بإحراج: سوري مش قصدي. أنا مكنتش هدخل، كنت هطمن بس عليه من على باب الشقة. مجدى ندم إنه كلمها بالطريقة دي لأنه أحس من عينيها بصدق محبتها لأدهم. فقال: طيب تعالي معايا. وصعد بيها إلى أدهم.
أدهم يسمع طرق على الباب. فيقوم ليفتح الباب وكان مجدى يتصدر الباب ومن خلفه سارة. أدهم بغضب: أنا قولتلك مش نازل يعني مش نازل يا مجدى.. فرجعت تاني ليه؟ فتنحنى مجدى وغمز بعينه لأدهم ثم ابتعد قليلا.. ليجد أدهم نفسه أمام سارة. التي اخفضت طرفها من كثرة الخجل ونطقت بصوت مكتوم: إزيك يا أدهم.. أنا قولت مبتسألش قولت أسأل أنا. اتسعت عين أدهم من تلك المفاجأة.. فردد: سااااارة! سارة بحرج:
أنا آسفة إني جيت في معاد غير مناسب.. بس يعني! فقاطعها أدهم: لا متقوليش كده. متتصوريش أنا فرحان قد إيه إنك جيتي وشوفتك تاني. فأحمرت وجنتا سارة وقالت: يعني انت مش زعلان إني جيت لحد هنا؟ أدهم بنظرة شوق: أبداً.. بس أكيد مش هقدر أقولك اتفضلي فمعلش بستأذنك. انزلي مع مجدى المحل.. وأنا ثواني هغير هدومي وهكون عندك تحت. تهلل وجه سارة بالفرح.. وقد تسلل إلى قلبها لأول مرة الإحساس بالسعادة.
وكذلك أدهم.. الذي كان من فرط السعادة استبدل ملابسه في ثوانٍ معدودة. ونزل ليقابل من امتلكت قلبه بوجهها المشرق وابتسامتها الساحرة. وعندما رأته سارة متجه إليها. بادارته بابتسامة جعلت قلبه يدق بعنف. ويداه ترتجف.. ولم يشعر بنفسه.. إلا ويضم يديها ويجرى بها للخارج. وطاروا كالعصافير.. يهمسان لبعضهما البعض إلى أن استقروا في كافيه. أدهم بحنان: تشربي إيه؟ سارة: اللي تشرب منه أي حاجة. أدهم للنادل: من فضلك.. اتنين نسكافيه.
ونظر لسارة كأنه يقول لها.. هل يعجبك ما طلبت. سارة بتأكيد: تمام.. أنا كمان محتاجة.. أوي. أدهم بحرج: سارة.. تعرفي إن دي أول مرة.. أخرج فيها مع بنت. ومش عارف إزاي؟ بس عندي شعور غريب وإحساس بالارتياح وأنا معاكي. سارة بابتسامة: عايز تفهمني إن عمرك معرفتش بنات قبل كده.. معقولة. أدهم بنبرة صوت مخنوقة: أنا اللي زيي وفي ظروفي.
ملهمش أو بمعنى أصح بياخدوا الطريق من أوله وميبصوش أحسن ليقعوا.. في اللي ميقدروش عليه.. ولا يقدروا يكملوه. سارة باستغراب: ليه انت كل بنت تتمناك. من الشكل وسيم.. وأخلاق عالية.. وشغل برضه كويس.. يبقى ليه؟ مفيش حاجة ناقصاك! أدهم والدموع في عينيه: ناقصني أهم حاجة! وأهم حاجة في حياة كل إنسان. ناقصني السند.. اللي بيعتمد عليه أي طفل أول ما يتولد. سارة بترقب: أنا مش فاهمة حاجة خالص. ممكن تحكيلي قصدك إيه؟ وللحكاية بقية.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!