أسوأ شيء في تلك الحياة أن يعيش الإنسان كالبهائم لا يفكر سوى في غرائزه من طعام وشراب وشهوة. ولا يعنيه من أين يشبع تلك الغرائز. سواء كانت حلالاً أم حرام. فتلك نفس دنية نسيت أن هناك خالقاً مطلعاً عليها وسيجازيها على هذا سواء في الدنيا أو في الآخرة. وهذا ما فعله فتحي حين سولت له نفسه الدنية من أجل المال أن يخطف أطفالاً ليس لها ذنب في تلك الحياة إلا أن وجدوا أنفسهم بلا أهل، بلا أب وأم ونشأوا في دار رعاية الأيتام.
وهذا من أجل المتاجرة في أعضائهم التي تدر ربحاً كبيراً. ومن أجل ذلك تعرف على عواطف وأوهمها بالحب والزواج لكي يستغلها معه في تلك الجريمة. بل ولم تكن بداية الجرم الخطف فقط، بل تعدى عليها هي أيضاً لإشباع شهوته في سهرة حمراء بينه وبينها. أمطر عليها فيها بكلماته المعسولة، حتى صدقته وذابت في حبه وسكنت بين يديه سريعاً. فاستسلمت له بدون مقاومة.
وانقض فتحي عليها يلتهم الدم قبل اللحم وأشبعوا غرائزهم الدنية تلك الشهوة المحرمة التي كانت عواطف تحمل ذنبها لمن لا ذنب له بها. فما كان أدهم سوى نتيجة لمثل ما فعلته هي وليس هو السبب وكانت تعايره طوال الوقت بها. فها هي الآن تقع بهذا الذنب.. وصدق القول القائل: كما تدين تدان. تحدثت عواطف بدلال إلى فتحي، بعد عدة لقاءات لهم في الحرام قائلة: ما آن الأوان نبقى في النور ونتزوج أنا وأنت.
أحسن من ما نتقابل في الخفاء كده وكأننا عاملين عملة. عشان كمان حاسة الناس أكلت وشي وبيبان عليا وكأنهم عارفين.. إننا بنعمل إيه. سكت فتحي ولم يرد عليها واكتفى بتحريك وجهه بلا مبالاة مما قالت. فغضبت عواطف وانفعلت بقولها: إيه مش بترد عليا! ثم تابعت بقولها: ما سمعتنيش ولا إيه يا راجل. ولا شكلك مش بتحبني.. زي ما بتقول، وشكلي نزوة كده وخلاص بتقضيها معايا. نفى فتحي ما قالته، حتى لا تغضب منه.
وترفض ما هو مقبل عليه معها من خطف الأطفال. فابتسم وقال باصطناع: متقوليش كده يا بت. أنا بحبك فعلاً أوي. ونفسي فعلاً نتجوز ونتلم في بيت يضمنا أنا وأنت. وتبقي مدام فتحي. وأرجع من الشغل ألاقيكي عامله لي أكلة حلوة، ونقعد نتهامس مع بعض. بدل ما أنا وحداني كده. حركت عواطف شفتيها باستنكار قائلة: يا سلام! ومدام هو كده الموضوع، إيه يعني اللي مانعك من الجواز مني يعني. فتحى: هيكون إيه غير الفلوس. قلة الرزق. هجيب منين شقة؟
وفلوس تقدر تخليني أجوز وأصرف عليكي. ولو كمان خلفنا حتة عيل هنربيه إزاي؟ عواطف لتهون عليه الأمر: مش لازم تمليك يعني. نتجوز في إيجار جديد. وان كان على الفلوس، أهو أنا بشتغل في دار الأيتام وبقبض كويس. وانت أهو رزقي على باب الله واهي ماشية. ونجوز ونلم نفسنا، عشان محدش يكلم عليا في الداخلة والطالعة يا فتحي. فتحى بسخط: يعني هنعيش في فقر كده برضه. أنا زهقت من الفقر وعيشته ونفسي أعيش على وش الدنيا وأعيشك معايا يا طفطف.
عواطف برضا: هنعمل إيه نصبنا كده، واهو عيشة والسلام يا فتحي، كله محصل بعضه. المهم نتجوز ونتنهي أنا وأنت، وانت عندي بالدنيا. ابتسم فتحي بمكر قائلاً: قد كده بتحبيني يا طفطف. عواطف بخجل: آه طبعاً يا عيون عواطف. فتحى: وأنا بموت فيكي يا بت. بس عايز آخد رأيك في موضوع كده. عواطف: قول يا عيون عواطف. فتحى: بصي أنا عندي سبوبة حلوة أوي. هطلع منها بقرشين حلوين يعني. بس محتاج مساعدتك فيها يا طفطف.
عواطف: بس كده عينيا، بس قولي إيه هي؟ واقدر أساعدك إزاي؟ فتحى: هقولك. ولو وافقتي تساعديني. تبقى اتفتحت لنا ليلة القدر يا قمر. وساعتها هجبلك أحلى شقة ونتجوز ونتنهي زي ما انتي عايزة بالظبط. تهلل وجه عواطف فرحاً وقالت: اعتبريني موافقة بس قول إيه هي يلا، شغلتيني بجد. وعايزة أعرف. فتحى وهو يبتلع ريقه خوفاً من ردة فعلها أو رفضها: بصي أنا عندي صاحبي دكتور. وبيكون عنده حالات بتكون محتاجة يعني عشان تعيش قلب، كلى، عين كده.
وبيبقى عايزين يدفعوا دم قلبهم بس يلاقوا متبرعين، عشان يقدروا يعيشوا زي الناس. فالدكتور قصدي وقالي ينوبك ثواب. لو تعرف تدلني على متبرعين بالأعضاء دي، عشان الناس المريضة دي. وهديك أي مبلغ تطلبه. عواطف: كويس أوي. ياريت والله، بس لقيت متبرعين ولا لسه؟ فتحى: هو فيه أكيد ناس هتصدق فلوس وتتبرع. بس أنا بصراحة طماع حبتين، ومش عايز حد يقسمني في الفلوس. وأنا محتاج فلوس التبرع كلها لوحدي أوي عشان نقدر نتجوز يا قمر.
عواطف: طيب إزاي ده؟ فتحى: أنا هفهمك قصدي. أنا عايز حد مقطوع من شجرة كده. مالوش حد. أخده ولا مين شاف ولا مين درى. وناخد منه المطلوب. ونلم إحنا على الفلوس ونعيش حياتنا ونطلع على وش الدنيا بقه. عواطف: معقول برضه الكلام ده. بس يعني أنا هساعدك إزاي في الموضوع ده؟ فتحى: هقولك. إنتي مش شغالة في ملجأ الأيتام. وعندكوا عيال مالهاش حد يسأل عليها. عواطف: آه. فتحى: خلاص. هاتي لنا كده عيلين منهم ولا تلاتة.
وأهو ترتاحي من خدمتهم، ونسترزق عن طريقهم ونتنفع. عواطف بذعر: بس لو حد عرف هنروح في ستين داهية كده. فتحى مطمئناً لها: هيعرفوا إزاي؟ هو حد بيسأل عليهم. هما ولا ليهم أهل ولا تيه. ولا الحكومة بتدور على حد فيهم. عواطف: آه عندك حق. فتحى: خلاص بقت متخافيش من حاجة، طول ما انتي معايا. عواطف: تعيش يا فتحي. فتحى: ربنا يخليكي ليا. ثم تابع بقوله: عليكِ بس انتي يوم ما نتفق تجيبيهم. هتعمللهم بليل عصير وتدوبي فيه منوم.
هيقوموا يناموا في سابع نومة. وساعتها بقا تفتحي لي الباب الوراني هدخل أنا وراجل معايا. ونشيلهم هيلة بيلة ولا من شاف ولا مين درى. وبس كده، الأمر سهل أوي. ولو حد سألِك عليهم بعد كده. قولي هربوا وخلاص، انتي ملكيش فيه. ها قولتي إيه؟ ولا نفضل نتقابل في السر كده على طول. بس ساعتها متفضليش تقولي لي كلام الناس وابصر إيه. ما انتي أهو مش عايزة نتلم في الحلال. عواطف بإندهاش: إيه بتقول إيه مش عايزة! لا عايزة وعايزة طبعاً.
فجال على خاطرها أدهم وصديقه مجدي. فقالت بسعادة: و أنا عندي طلبك اللي انت عايزه بالظبط. ثم حدثت نفسها بغلظة: يا ريت أخلص من الواد أدهم ده ابن ستين في سبعين. وصاحبه كمان مجدي عشان ما يسألش عنه. فتحى فرحاً: يعني خلاص موافقة يا طفطف. عواطف: طبعاً وأنا أقدر أرفضلك طلب يا قلب عواطف. ثم ضحكت عواطف.. ضحكة خبيثة. فغمز لها فتحى: إحنا هنقضي الليلة كلام ولا إيه. أنا جعان. عواطف: بس كده هقوم أحضرلك أحلى أكل من إيديه الاتنين.
فتحى: تسلم إيديكي الحلوين مقدماً يا روح فتحي. ثم أحضرت الطعام بالفعل. وأكل فتحي وعواطف وملئوا بطونهم ثم أشبعوا شهواتهم الحيوانية. وانتصر عليهم الشيطان واستسلموا له بكامل إرادتهم. فأصبحوا كالدمية يحركهم كيف يشاء. ونسوا أن الله عز وجل مطلع عليهم. فقد ستر الله عليهم أمرهم، مرة واثنتين وثلاثة ولكن أبوا إلا الحرام والانغماس في الرذيلة بل وتمادوا في ما هو أشد منه وهو الاتجار بأعضاء البشر.
ولكن لكل طريق نهاية بالتأكيد ولكل ظالم يوم. كان أدهم في الدار حزين جداً بعدما فقد الأمل في الالتحاق بالثانوي العام. ثم بعدها يلتحق بالجامعة، كما وعد الحج حسن قبل مماته. ولكن أجبرته إدارة الدار على الالتحاق بالثانوي الفني. متعللة أنه ليس لديها القدرة على مصاريف التعليم العالي. فانهدش أدهم من عدم قدرتهم وهو يعلم أن الشيخ حسن قد ترك له مبلغاً من المال يؤهله للدراسة في الثانوي العام.
لذا سألهم أدهم عن المال الذي تركه له الشيخ قبل وفاته. فأجابت: إدارة الدار: أن ليس هناك أي أموال تأتي لنا من ليلى كما كانت تفعل من قبل. فبعد أن تزوجت بفترة انقطع عنا أخبارها ولا نعرف لها عنوان أو رقم تليفون لنسألها عن ما يخصك من أموال. أدهم بحزن: يعني إيه؟ معقول تكون ليلى طمعت في الفلوس. يا خسارة يا ليلى، كنت فاكرك أمي اللي ربنا عوضني بيكي. فخرج أدهم لغرفته وهو يبكي.
أدهم بحزن: ليه يا ليلى مش كفاية سبتينى كمان أخدتي فلوسي وما سألتيش فيه. لا كده حرام أنا مستاهلش كل ده منك يا دنيا. يا ريتني متولدت وياريت أمي كانت قتلتني بدل ما تسبني للدنيا والناس الغدارة دي. أنا تعبت ومش قادر أستحمل. فحاول مجدى أن يهون عليه الأمر فقال: ليه بس يا أدهم؟ حرام عليك نفسك كده. قولتلك اجمد. وليه أصلا تزعل من الأساس؟ كل ده عشان دخلونا تعليم فني، وإيه يعني يا عم!
ما هو خلينا نخلص ونتعلم صنعة تنفعنا ونشتغل بيها ونطلع من هنا بدري بدري كده ونشوف حياتنا بقى بره السور ده. ده كأننا محبوسين يا عم. ولو عايز تكمل للجامعة ممكن تكمل لو اجتهدت في الثانوي وجبت مجموع كويس. وساعتها هتشتغل وتقدر تصرف على نفسك. فليه الزعل ده كله؟ مش مستاهلة وفوق لنفسك يا أدهم. وزعلان على ليلى ليه؟ إذا كان أمهاتنا اللي جابونا الدنيا باعونا وسبونا للكلاب. واهو عشنا والسلام. فمنتظر إيه من ليلى؟
ويدوبك كانت مربية. فزيها زي أي وحدة ست بتحب نفسها ويولع غيرها. تصور، أنا بقيت بكره الصنف ده خالص ولو بإيدي أولع فيهم كلهم. في اللحظة دي كانت عواطف بتصنت على أدهم وفرحانة فيه وسمعته وهو بيبكي ويكلم نفسه. فقالت في نفسها وهي بتضحك: أنا هريحك خالص من الدنيا يا أدهم، بس كده متزعلش نفسك. وهريحك كمان يا مجدي. بقى كده بتكرهنا يا زفت إنت. وكان معاها المنوم اللي جبهولها فتحي.
فذهبت للمطبخ وأعدت كوبين اثنين من العصير ووضعت فيه المنوم وقلبته جيداً. ثم ذهبت به إلى غرفة أدهم ومجدي. وهي تقول: إيه يا شباب؟ عمالين إيه؟ بتذكروا ولا إيه؟ يلا شدوا حيلكم بقى عشان نفرح بنجاحكم. وأنا عملتلكم كوبايتين عصير عشان تفرفشكم كده. ويروق دمكم وتعرفوا تذكروا كويس. يلا بالهنا والشفا. بص أدهم لمجدي باستغراب، لأنه مش متعود على الحنية من عواطف أبداً كده.
وعايز يقوله: دي بتكرهنا أوي وعلى طول تشتمنا في الريحة والجاية. تابعت عواطف حديثها قائلة: يلا اشربوا قدامي بالمرة. عشان آخد الكوبيات أغسلها. أدهم: متتعبيش نفسك، أنا هبقى أغسلها وروحي انتي. عواطف بتردد: لا إزاي؟ مضيعوش وقت عشان تذاكروا. اشربوا وأنا هغسلها. أدهم في نفسه: من امتى الحنية دي يا عواطف. وفعلاً شرب أدهم ومجدي العصير. وأخذت الكوبيات عواطف بسرعة وطلعت تتصل بفتحي عشان ييجي بسرعة زي ما اتفقوا.
أدهم ومجدي بعد ما شربوا العصير حسوا بدوخة جامدة وبصوا لبعض بقلق وخوف. أدهم بشك: أنا قلبي كان حاسس إن كان العصير ده فيه حاجة. ماهو مش معقولة أن عواطف قلبها هيحن علينا فجأة كده. فتحي: أيوه. أنا راسي هتتفرتك ودايخ أوي وعايز أنام. أدهم وهو يتثائب: آه وأنا... وقبل ما يكمل حديثه. كان الاثنين قد خلدوا إلى النوم من أثر المخدر المنوم. وهنا كانت عواطف ذهبت لفتح الباب لفتحي وصديقه.
فدخل الاثنان إلى الدار على أطراف أصابعهم كي لا يشعر بهم أحد. وكانت السيارة في الخارج في انتظارهم. وبالفعل استطاع الاثنان أن يحملوا الولدين للسيارة. وأسرعوا بهم إلى مكان ناءٍ في أطراف المدينة. يستغلها أطباء ليس لهم ضمير رغم أنهم أقسموا اليمين. في عمل عمليات نقل الأعضاء البشرية. والمجازفة بحياة الأبرياء بدون ذنب. مقابل المال. فأي خزى هذا؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!