الدنيا وأحوالها كلها حلم كاذب. الحب والمال والصحة والسعادة والمجد والناس، لا يخلد شيء من ذلك ولا يبقى، فكلها زائلة يوماً ما. وهذا انطبق على أبطال الرواية، أدهم وأيمن. حيث في الوقت الذي كان يزداد به أدهم نجاحاً، وقد من الله عليه بالكثير من الخيرات. كان أيمن قد سخط الله عليه بسبب إصراره على المعصية. فخسر كل شيء. وسبحان من له الدوام، القائل في كتابه العزيز:
(يُعِزُّ مَن يَشَاءُ وَيُذِلُّ مَن يَشَاءُ ۖ بِيَدِهِ الْخَيْرُ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) فبعد أن كان أدهم ذليلاً، أعزه الله. وبعد أن كان أيمن عزيزاً، أذله الله بسوء عمله.
حيث تدهورت حالته المادية بسبب غفلته وانغماسه في كل ما يغضب الله. ومصاحبة شياطين الإنس والجن الذين قضوا على الأخضر واليابس في أملاكه. حتى تمادى الأمر أنه رهن الفيلا والمصنع لأحد أصحابه، مقابل أن يمده بمزيد من المال، على وعد بالسداد قريباً. وإن لم يستطع السداد في الوقت المحدد، فسوف يضطر لبيع المصنع والفيلا لسداد أموال صديقه.
وسبحان الله، فأي هوان هذا وصل إليه ذلك الضائع. وهذا ما توقعه والده الحاج ناجي، فهو يتحقق في الواقع على يد أيمن للأسف. وسرعان ما تناقل الخبر إلى أدهم، فحزن حزناً شديداً. وردد: "لا حول ولا قوة إلا بالله. ليه بس كده يا أيمن؟ ده تعب ومجهود الحاج ناجي سنين طويلة. حرام والله يضيع كده بالساهل على إيد ابنه أيمن."
لذا قرر أن يشتري المصنع والفيلا حتى لا يشتريهما شخص آخر غريب. فهو يريد أن يكمل مسيرة الحاج ناجي، فهو يعتبره أباه حقاً. ولكن أدهم ليس معه المال الكافي للشراء. فاضطر إلى بيع المحل، ثم أخذ قرضاً من البنك ليستطيع شراء المصنع والفيلا.
وفعلاً لم يستطع أيمن سداد الدين، وتم عرض المصنع والفيلا للبيع. وحالف الحظ أيمن أن الثمن لم يكن مبالغاً فيه. وكان أيمن قد وكل محامياً ليدير عملية البيع. وأخفى عليه المحامي أن الذي سيشتري هو أدهم، لأنه يعلم جيداً أن الأمور بينهم ليست على ما يرام، ولكي لا يوقف البيع. وهو في شدة الحاجة للمال، كي لا يُسجن.
ولكنه بعد فترة من الوقت علم أنه هو. ولم يبالي، المهم أنه حصل على المال. فأعطى جزءاً لصاحبه، والآخر أيضاً قام بصرفه على ملذات الدنيا، حتى أنهكه بالكامل. وهنا بعد عنه كل الأصدقاء وتخلى عنه الجميع. وأصبح وحيداً، ليس لديه حتى ما يكفي جوعه للأسف. وبالفعل حصل أدهم على الفيلا والمصنع. فأي خير هذا ساقه الله إليه. فحمد وشكر الله كثيراً على نعمه عليه.
كما فرح العمال جداً أن أدهم هو من قام بشراء المصنع. لأنهم يحبونه من الأصل لطيبته وكرم أخلاقه، وتعاونوا معه على جعل المصنع أفضل مما كان. وفعلاً، مع الوقت، زاد الإنتاج واشتهر صيت أدهم وسط المجتمع. وبفضل الله تم سداد القرض. وأصبح أدهم في فترة قصيرة من أشهر رجال الأعمال. وتمنى الجميع مصاحبته بعد أن كان غير مرغوب به.
وفي أحد الأيام، خرج أدهم من بيته وتوجه نحو سيارته ليبدأ طريقه نحو عمله الذي أثقل عليه في الآونة الأخيرة بعد أن فتح الله عليه من واسع كرمه. فسار بالسيارة حتى وقف عند إشارة المرور وأخذ يقضي هذه اللحظات بالاستغفار (استغفر الله، استغفر الله) ليتفاجأ بمن يطرق زجاج السيارة. ففتح أدهم الزجاج فوجده سائلاً يطلب إحساناً ليأكل، بعد أن أضنى الجوع معدته. فرق قلب أدهم له، وأخرج من محفظته ورقة بفئة مئتين جنيه. ثم ناولها له.
لتلتقي عيناه به، فتجمدت أطراف أدهم عندما عرف من هو، ودمعت عيناه. وإذ به يفتح باب السيارة مترجلاً منها ليمسك بيده، بين اندهاش الآخر من صنيعه تلك ولماذا يفعل هذا به، رغم ما فعله هو معه. هل تعلمون من هو؟ إنه أيمن بيه. يا لحال الدنيا. من رجل يتمتع بكل متاع الدنيا، لرجل يتسول من أجل لقمات يشبع بها جوعه. ولكن ابن الكرم والجود أدهم، لم يشمت فيه أو نظر إليه نظرة احتقار أو سبه. ولكن نزل من سيارته. ومسح على رأسه بحنو.
فنظرت أيمن إليه وبكى بكاءً شديداً، وكأنه يقول له: "هذا ما جنيته، وما فعلته في حقك. فانتقم الله لك." ثم أجلسه أدهم في السيارة. وسار به إلى شقته التي أهداه إليه الحاج ناجي. فهو ما زال فيها ولم ينتقل إلى الفيلا. حيث لم تستطع نفسه أن تعيش بها بعد أن كانت مقراً للحاج ناجي وابنه أيمن.
أدخل أدهم أيمن الحمام. فقد كان متسخاً جداً وذقنه طويلة. فيبدو أنه قضى أياماً طويلة في الشارع. وأحضر له أدهم ملابس جديدة، وحلق له ذقنه بيده. وأمره بالاغتسال بعدها. وهذا كله الثاني ينفذ بدون أن ينطق أي كلمة. فهو يشعر أنه مدين له بالاعتذار. حتى أنه لا يقدر أن يرفع عينه في عينيه. وأدهم يشعر بذلك. فلكي يخفف عنه من وطأة الشعور بالخزي، يربت على كتفه ليشعره بالحنان.
اغتسل أيمن وارتدى ملابسه الجديدة وخرج. فانكب على يدي أدهم يقبلها. فسحب أدهم يده سريعاً وقال: "حاش لله." أيمن بحزن: "انت ليه عملت معايا كده؟ وأنا عارف إني مستاهلش وياما آذيتك." أدهم بابتسامة: "عشان دي وصية والدك الله يرحمه. وعشان أنا مريت بنفس ظروفك دي كتير أنا ومجدي. وحاسس بيك. فمقدرتش أشوفك كده. وكان لازم أساعدك." أيمن باندهاش: "يعني انت مسامحني على كل اللي عملته فيك؟ أدهم: "أيوه طبعاً."
وقال: "ارحموا عزيز قوم ذل، والعزة لله." أيمن أخيراً يبتسم ويقول: "الحمدلله. أنا عشت أيام صعبة. وفكرت كتير أجيلك عشان تسامحني بس خفت من رد فعلك. وأنا مستعد دلوقتي أكون خدام ليك. فأرجوك شغلني عندك أي حاجة. وشوفلي أي مكان أبات فيه. أنا تعبت من النوم على الأرصفة. وأوعدك أكون إنسان كويس. أنا خلاص عرفت إن الله حق. وتوبت عن كل اللي عملته في حياتي."
ثم بكى أيمن طويلاً. ولم يتمالك أدهم نفسه أيضاً من البكاء، فرحاً بتوبة أيمن وشفقة عليه مما فعلت به الدنيا بسبب أفعاله. فقام أدهم وأمسك بيديه قائلاً: "يلا يا أيمن بينا." أيمن باستغراب: "على فين إن شاء الله؟ أدهم: "على المكان اللي هتبات فيه عشان تستريح. ومن بكرة إن شاء الله هتيجي تشتغل معانا في المصنع." تهلل أيمن من الفرح وقال: "أنا مش عارف أشكرك إزاي."
أدهم: "تشكرني بأننا نفتح صفحة جديدة مع بعض وننسى اللي فات كله وتبقى قد المسؤولية." أيمن: "أكيد يا أدهم." ثم ألقى بنفسه في حضن أدهم من فرط سعادته. وأحس أدهم بالسعادة لأنه أخيراً استطاع أن ينفذ وصية الحاج ناجي. الراجل الطيب اللي وقف جنبه لغاية ما بقى أدهم بيه. ركب أدهم السيارة ومعه أيمن. وفي الطريق يسأله أيمن: "هنروح فين؟ أدهم: "هنتعرف دلوقتي." أيمن باندهاش: "بس ده طريق الفيلا! أدهم بابتسامة: "أيوه."
أيمن باستغراب ولكنه صمت ومنتظر ما سيحدث بعد ذلك. وفعلاً وصلوا للفيلا. وهنا نظر أيمن لها وشرد في ذكرياته بها. وكيف كان عزيزاً، ذا شأن وسلطة وجاه ومال. أما الآن فهو وحيد وفقير ولا يملك شيئاً. فطأطأ رأسه خجلاً من المقارنة بين حاله الأسبق وما هو عليه الآن. وظن أيمن أن أدهم سيسكنه تلك الغرفة التي كانت في الحديقة، الذي سكن فيها أدهم من قبل. وهم أن يدخلها وهو يشكر الله، لأنها أفضل من الشارع بكثير.
ولكن سرعان ما أمسك يده أدهم ونظر له في عينيه قائلاً بثقة: "حاش لله. اتفضل يا أيمن بيه. مكانك فوق زي ما كنت بالظبط." وأشار له أدهم على الفيلا. لم يصدق أيمن نفسه، وأخذ ينظر إلى أدهم بعدم تصديق قائلاً: "معقولة هتخليني أرجع لمكاني تاني اللي عشت واتربيت فيه. وبعد كمان اللي حصل مني." أدهم يبتسم ويقول: "ده حقك على فكرة. وكمان من جمايل وعمايل والدك معايا الله يرحمه. وهكتبها باسمك كمان. إيه رأيك."
تهلل وجه أيمن بالفرح. وأخذه بالحضن. وقال له وهو يبكي: "تسمح لي أكون أخوك. ومنتفرقش من بعض. وأكون زي مجدي بالنسبة لك. وأوعدك أكون عند حسن ظنك." أدهم بفرحة: "أكيد. دي دعوة الحاج. والحمد لله استجابت. ألف حمد وشكر ليك يا رب." أدهم: "يلا هسيبك تستريح دلوقتي." ووضع يده في جيبه وطلع فلوس وعطاله. أدهم بحنية: "أكيد جعان. فاطلب دليفري. وإن شاء الله أشوفك على خير بكرة الصبح. وإحنا شغلنا بدري في المصنع. أوعى تتأخر."
أيمن بشغف: "إن شاء الله هتلاقيني أول واحد قدام المصنع."
وسابه أدهم. ووقف أيمن ينظر إلى جميع ركنات الفيلا ويستذكر طفولته وهو يلعب هنا وهناك. ثم يتذكر موت أمه فجأة وهو ما زال صغيراً يحتاجها. فبكى. وتذكر أن والده تركه للخدم يقومون برعايته وهو انشغل بالمصنع. وكان السبيل الوحيد للتعويض من جانب والده هو إغداقه بالكثير من المال وإرضاء جميع مطالبه. حتى تعود أنه ينال كل ما يريد بدون منازع. والدلال الزائد فسده، وأخرجه رجلاً لا يتحمل المسؤولية. ثم دخل لغرفة والده .. الحاج ناجي.
وبكى وطلب له الرحمة. ثم هتف قائلا: سامحني يا بابا.. وأنا خلاص اتغيرت وهكون زي ما كنت بتتمنى وهشتغل وهعتمد على نفسي وهكون راجل بجد زي ما كنت بتتمنى وأكتر. ومن كتر البكاء.. نام أيمن نوم عميق.. حرم منه منذ فترة كبيرة. عاد أدهم للبيت. فوجد مجدي في انتظاره. مجدى: بقلق.. اتأخرت ليه كده أنا قلقت عليك جداً. أدهم: بابتسامة.. اقعد يا مجدي أنا هحكيلك حاجة مش هتصدقها. وبدأ أدهم يحكي إيه اللي حصله مع أيمن.
ومجدي مش مصدق.. اللي وصل ليه أيمن. للدرجاتي. وشكر صنيع أدهم معاه. ولكن... أدهم: إيه مالك ما كنت كويس من شوية؟ وبتقول كويس وخير وكده. مجدي: عارف.. بس خايف يا أدهم لما ترجعه المصنع. يرجع لأساليب زمان تاني ويعمل حاجة ويخسرنا. وإحنا مصدقنا نقف على رجلينا وبقى لينا صيت كويس بين رجال الأعمال. أدهم: لا مظنش.. أنا حسيت فعلًا بندمه. وأنه هيكون كويس معانا فعلًا وهيشتغل. مجدي: بس يا أخويا. المثل بيقول حرص ولا تخون برضه.
أدهم: أكيد هحطه تحت النظر وهنجرب وإن شاء الله يكون زي ما قال عند حسن ظني. مجدي: يا ريت والله عشان حتى خاطر أبوه الحاج.. ألف رحمة ونور عليه. مجدي: بمداعبة.. وأنت عامل إيه يا روميو.. مع ست الكل جولييت. أدهم: بضحك.. بقيت كده يا مجدي بكرة أضحك عليك برضه لما تقع أنت كمان. مجدي: لا يا عمنا.. أنا مليش في وجع القلب ده. أنا هدخل في طريق مستقيم على طول.. حتى كنت هقولك على حاجة هتفرحك.
أدهم: قول يا عم بسرعة نفسي أفرح من قلبي بعد سنين الهم والحزن دي كلها. مجدي: قول أنت الأول عامل إيه مع سارة وبعدين هحكيلك. أدهم: بنظرة شاردة وهائمة.. سارة.. متتصورش أنا بحبها قد إيه يا مجدي. وبرضه خايف من الحب ده بس للأسف مش بإيدي خلاص.. وقعت فيها ومش قادر أستغنى عنها أبدًا. ولازم أكلمها كل يوم وأشوفها كل فترة. مجدي: طيب وآخرة الحب إيه يا صاحبي. مفكرتش في كده؟ أدهم: بتلقائية.. الجواز طبعًا.
هي خلصت حاليًا.. بتمتحن آخر ترم. ووعدتها إني هروح أطلبها من باباها. بعد ما تخلص بس قلقان جدًا من المقابلة. وخايف من رد فعل والدها لما يعرف ظروفي ومش عارف ساعتها لو رفض هعمل إيه؟ مجدي: بقلق.. يا سيدي متسبقش الأحداث. وخير إن شاء الله.. أنت دلوقتي بقيت بفضل الله أدهم بيه صاحب مصنع الملابس. ورصيد في البنك.. فـ أي حد يتمناك. أدهم: تفتكر يا مجدي! بس ظروف نشأتنا حاسس إنها هتأثر برضه. مجدي: إن شاء الله خير.. قول يا رب.
أدهم: يارب. أدهم: بترقب.. وأنت يلا احكيلي وفرحني كنت عايز تقول لي إيه يا خلبوص أنت. ما أنا عارف كويس.. تحت الساهي دواهي. مجدي: بسعادة.. أنا قررت.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!