عندما يريد الله شيئًا يقول له كن فيكون. فسبحان الله الذي أبْدَل قلب أيمن القاسي العاصي إلى تائب حنون. فقد كان يكره تمامًا من تربى في دار الأيتام ويعتبرهم أقل منه في الخلق. ولكن المفاجأة التي طلب على إثرها أدهم قبل أن يغادر بالعروسين إلى عش الزوجية، هو طلبه من أدهم أن يتزوج بإحدى فتيات الدار. حيث قال لأدهم: "ممكن طلب قبل ما تمشي يا أدهم." أدهم: "أمرني يا أخويا، تحت أمرك طبعًا."
أيمن بدموع الامتنان له: "الأمر لله يا أحن وأجدع أخ في العالم." ثم تابع بقوله: أيمن بخجل: "إيه رأيك يا أدهم لو نخلي الفرحة فرحتين." أدهم باستفهام: "إزاي فهمني؟ أيمن: "أنا عايز أخطب صاحبة العروسة اللي جنبها دي على طول." اندهش أدهم قائلاً: "أيمن أنت متأكد! عشان بس إحنا ناس حساسة أوي، ولو ارتبطت بيها وسبتها ممكن تموت من القهر."
أيمن: "لاااا أنا متأكد يا صاحبي، صدقني. أيمن بتاع زمان خلاص مات، واللي قدامك ده شخص تاني. مش شايف في عينيه إلا كل حاجة حلوة وخير." ابتسم أدهم قائلاً: "اللهم لك الحمد." أيمن: "الحمد لله." ثم تابع بقوله: "مش عارف والله يا أدهم أنا أول ما شفتها حسيت إني مرتحلها أوي، وشوفت في وشها براءة مشوفتهاش في أي واحدة عرفتها قبل كده." أدهم: "عشان هنا صدقني بنات عفيفات اتربوا على الطهر." أيمن: "عندك حق."
"فياريت يا أيمن تروح تكلم المسئولة قبل ما نمشي حتى عشان يكون فيه ربط كلام كده، عقبال ما أجهز نفسي، وتسألها برضه فربما معجبهاش." أكد ثانيًا أدهم على أيمن قبل أن يتحدث مع مديرة الدار: "يعني فعلاً أكلمها متأكد يا أيمن بيه، إنك عايز تجوز واحدة اتربت في دار أيتام وملهاش أهل ولا أصل ولا فصل."
أيمن: "صدقني يا أدهم أنا اتغيرت فعلاً وشفت كل الأمور بنظرة تانية، وإني مش المال أو الجاه أو النسب هو اللي بيعمل للإنسان قيمة. ما أنت زي ما شايف وعارف أنا قدامك. كنت ابن أشهر رجال الأعمال وعندي فلوس متتعدش وكل متاع الدنيا كان عندي.. وحصل إيه في الآخر.. كله ضاع.. عشان كنت إنسان مش شايف إلا نفسي وبس، وكل الناس عندي كانوا في نظري أقل ولكن الحمد لله ربنا نور بصيرتي وبعتك ليا في الوقت المناسب.. وفعلاً حاسس إن البنت دي هتكون سبب سعادتي."
أدهم بابتسامة: "حاضر يا سيدي." ثم قال مداعبًا: "مش عارف كبرتوني انت ومجدي.. وعملتوني أبوكم.. بخطب لكم.. وأجوزكم.. بس تراعي ربنا في البنات.. مش عايز واحدة فيهم تيجي تشتكي.. وإلا وديني هملص ودانكم.. فاهمني." أيمن بضحك: "حاضر.. يا أبييه. بس يلا قوم كلمها بسرعة." أدهم: "مستعجل أوي يعني.. آهو قايم."
أدهم فعلاً كلم المسئولة، والتي بدورها كلمت منى. فطأطأت رأسها خجلاً بالموافقة. وسبحان الرزاق ستخرج من دار أيتام لتعيش في فيلا. كرم ربنا كبير وخزائنه واسعة بس نقول يارب. وبقت الفرحة فرحتين في دار أيتام الفتيات.. زواج كرمة وخطوبة منى. وأخذ أدهم يدعو الله أن يكلل فرحته هو أيضًا بموافقة والد سارة على زواجهم.
وصل أدهم العروسين عش الزوجية. وكانت كرمه تشعر بالحرج الشديد وبدأ جسدها يرتجف. وشعر مجدي بتوترها، فاطبق على يديها بحنو، ثم رفع يدها وقبلها قائلاً: "حبيبتي. عايزة أفهمك حاجة، إنك من أول ما دخلتي البيت ده معايا، فده معناه إننا أصبحنا روح واحدة في جسدين. يعني انتي بالنسبيالي هتكوني كل حياتي. أب وأم وأخت وزوجة وبنت. فهتلاقيني في حنان كل ده، وهعملك بما يرضي الله عز وجل. فمتخافيش ومتتوتريش، لأن بالحب هيكون كل شيء سهل وبسيط."
فابتسمت كرمه، فضمها مجدي وأخذها لعالم الأحلام. وفي الصباح طاروا لشرم ليقضوا أسبوع عسل لم يحلم به من قبل. ولكنّه بفضل الله يهبه لمن يشاء. فقد صبر مجدي كثيرًا على الابتلاء وأكرمه الله في النهاية.
أما أدهم فتابع الشغل مع أيمن بجد وحرص. وأيمن بالفعل كان بمثابة الأخ والسند مثل مجدي. وربنا أكرم أدهم وكان كل يوم عن يوم يزيد الإنتاج واشتهر بسمعته الطيبة في سوق رجال الأعمال لأخلاقه الطيبة وابتسامته التي تجعل كل من يراه يحبه، بجانب أمانته وحب الخير للجميع. مجدى قضى أسبوع كان الأجمل في حياته.
كرمه وهي تتعلق بعنق مجدي: "ياه مش مصدقة إن خلاص ده آخر يوم لينا في أسبوع العسل. كان نفسي نفضل وقت أطول. أنا عمري ما شوفت الجمال ده كله إلا معاك يا حبيبي." فبادرها مجدي بقبلة على جبينها بحنو قائلاً: "وأنا كمان يا روحي والله. دي أول مرة أستمتع بحياتي فيها معاكي. بس غصب عني، مقدرش أسيب أدهم لوحده أكتر من كده." كرمه: "للدرجاتي بتحب أدهم وبتخاف عليه." مجدى: "فعلاً والله. ده كمان وحشني جدا."
فداعبته كرمه بقولها: "لا ده كده أنا أغير." مجدى: "لا غيري من أي حاجة إلا أدهم. إحنا روح واحدة، زي ما تقولي كده توأم." كرمه: "ربنا يخليكم لبعض، وطبعًا أنا أحترم العلاقة اللي بينكم. ده شيء جميل ونادر في الزمن ده." مجدى: "وعشان الكلمتين الحلوين دول. أوعدك يا ستي كل فترة، أخطف أسبوع عسل تاني. عشان حياتنا هتكون بفضل الله كلها عسل في عسل، طول ما فيها كرمه." فابتسمت كرمه قائلة: "متحرمش منك أبدًا."
وبالفعل عادوا مرة أخرى إلى القاهرة واستقبله أدهم بترحيب حار وعانقه بحب قائلاً: "وحشتني يا حبيب أخوك." مجدى: "وانت كمان يا صاحبي. وقولي إيه أخبارك والمصنع تمام." أدهم: "الحمد لله تمام. وقولي أخبار شهر العسل إيه؟ وكرمه؟ فمكث مجدي يحكي له على الأيام الجميلة التي عاشها مع كرمه، وأنها فعلاً نعم الزوجة الصالحة. وتمنى له السعادة مع سارة قريبًا وسأله: "ها نويت إمتى إن شاء الله تروح تتقدم لسارة؟
أدهم بقلق ظاهر عليه: "إن شاء الله بكرة بعد العشا." مجدى: "ومالك كده.. باين على وشك القلق؟ أنت بقيت أدهم باشا ومحدش يقدر يقولك لأ." أدهم: "ولما يسألني فين أهلك هقوله إيه؟ مجدى: "هتقوله الحقيقة. وافق يبقى الحمد لله.. موفقش البنات ملية البلد يا عمنا متزعلش نفسك." أدهم: "بس أنا قلبي اختار سارة ومش عايز غيرها." مجدى: "يبقى تحارب عشان خاطرها ولو موفقش مرة.. تحاول تاني وتالت لغاية ربنا يكرمك." أدهم: "الله المستعان."
وفي الميعاد كانت سارة مترقبة وصول أدهم وتعد الثواني قبل الدقائق لوصوله. حتى أن والداها في بادئ الأمر عنده شغف لمقابلة رجل الأعمال أدهم المشهور، لعله بزواجه من ابنته سارة يكون فاتحة خير للمشاركة معه في أعماله وصفقاته. فوالد سارة لا يشغل دماغه سوى العمل فوق كل شيء آخر. ووصل أدهم، واستقبله والد سارة بترحيب أشعر أدهم بالسعادة والتفاؤل.
في البداية، تحدث مع والد سارة في ظروف العمل والإنتاج. وأدهم يرد بكلمات ثقيلة فهو لم يأت للكلام في العمل. وانقذته سارة عندما دخلت عقب الخادمة بأكواب من العصير. ويظهر على وجهها الخجل. فسلمت عليه ورأته هو أيضًا يكسو وجهه الحمرة. فلم تستطع التحدث معه ولا هو استطاع أن ينظر إليها أو يكلمها فالأمر محرج حقًا ولم يخرجهما من الخجل
إلا صوت الوالد وهو يقول: "شرفتنا يا أدهم.. يا ابني.. بس مش الواجب.. إنك كنت تجيب معاك والدك ووالدتك.. عشان نتعرف بيهم ويشوفوا عروسة ابنهم." هنا اضطرب أدهم وتصبب عرقًا وغار قلبه في الأرض وتمنى أنه لم يولد حتى لا يسأل يومًا عن هذا السؤال. نظر أدهم إلى سارة التي طأطأت رأسها فهي لم تخبر والدها بحقيقة الأمر بعد، لعله عندما يشاهد أدهم يغنّيه شخصه عن عائلته. أدهم بتوتر:
"يا عمي عشان أكون صريح معاك. أنا مليش أهل ولا أعرف مين أبويا وأمي ومش عارف هما لسه عايشين ولا ميتين وياريت أعرف بس للأسف معرفش عنهم حاجة." والد سارة: "عني إيه ملكش أهل ولا تعرفهم، أمال اتربيت إزاي؟ أدهم: "أنا اتربيت في دار رعاية أيتام." والد سارة بتجهم: "دار أيتام.. ملجأ يعني!!
أدهم بعزة: "أيوه. بس مش مهم اتربيت إزاي المهم أنا إيه دلوقتي. ووصلت لإيه دلوقتي من فضل الله ثم مجهودي. فأنا عندي شركة للملابس ورصيد في البنك وسيارة أحدث موديل يحلم بهم أي شاب تربى بين والديه. غير سمعتي اللي أكيد وصلت لحضرتك قبل ما أجي."
والد سارة بغضب: "يعني أنت لقيط.. يعني ابن حراااام وتربية ملاجئ وعايز أجوزك بنتي أنا إزاي.. أنت اتجننت أكيد. أنت لو عندك ملك الدنيا كله.. برده هتفضل في نظري.. مجرد لقيط.. ملكش أصل ولا فصل. وأظاهر إني ضيعت وقتي على الفاضي." سارة... يا بابا مش مهم أبوه مين ولا أمه مين، المهم هو مين وبيعمل إيه. والد سارة: اسكتي انتي خالص، وحسابك معايا بعدين. اتفضل حضرتك، معنديش بنات للجواز.
جريت سارة لأوضتها وهي تبكي ورمت نفسها على السرير. خرج أدهم هائمًا من عندهم والحزن يملأ قلبه. والعبرة في عينيه ويكاد يختنق، فيحاول فك رباط عنقه لكي يتنفس ولكن دون فائدة، وكأن الهواء نفذ من حوليه. ويقول: ما ذنبي إن لم يكن لدي أم ولا أب مثل باقي الناس. أنا كنت نتيجة لحظة عابرة بين أب وأم في الحرام. لحظة واحدة كانت كفيلة بضياعي والنبذ من مجتمع لا يرحم.
فما ذنبي أن أمي لم ترحمني ولم ترق لي وكنت قطعة حمراء وألقت بي في الشارع. وانهمرت الدموع من أدهم وكانت كالسيل. وجرى إلى سيارته ليحتمي بها من أعين الناس، ولكن لم يستطع القيادة. اتصل أدهم بمدير أعماله وصديقه من أيام الطفولة في ملجأ الأيتام. "الو مجدي، أنا محتاجك ضروري دلوقتي، تعالى. أنا في عربيتي على ناصية شارع سارة بس تعبان ومش قادر أسوق، فتعالى أنا هستناك." "سلامتك يا صاحبي، أنا جايلك حالا."
وركب مجدي التاكسي ووصل عند أدهم الذي شاور له من العربية ليأتيه ويركب مكانه. وفعلاً ركب مجدي. "ايه اللي حصل؟ "أدهم لو سمحت يا مجدي، أنا مش قادر أتكلم دلوقتي. فممكن نأجل كلامنا لبعدين وأنا هبقى أحكيلك كل اللي حصل." "قال: ولو إني حاسس بيك وعارف، بس هسكت دلوقتي وهسيبك تستريح." ووصله مجدي للبيت وطلعه بنفسه للشقة ودخله ونيمه على السرير. "مجدى: تحتاج أي حاجة أجبهالك؟ "أدهم: لو سمحت ناولني من الدرج برشام المهدئ."
"مجدى: انت لسه بتاخده؟ حرام عليك صحتك، ده هيأثر عليك فيما بعد." "أدهم: لو مخدتهوش مش بقدر أنام، فمعلش ناوليهولي، عايز أنام أرجوك وهاتلي كوباية ميه." "مجدى: حاضر." وعطاله المهدئ مع الميه. واخدهم أدهم وقله: "اتفضل انت شوف أشغالك ومعلش تعبتك معايا." "مجدى: انت بتقول إيه بس؟ وتعب إيه؟ انت أخويا وصاحبي، بس انت صعبان عليا ومش عايز أسيبك." "أدهم: لا متقلقش، أنا هنام شوية ولما أصحى هكون كويس بأمر الله." الموبيل بيرن.
"مجدى: دي سارة، أرد؟ "أدهم: لا متردش واقفل الموبيل خالص، مش عايز أسمعه يرن خالص." "بس كده هتقلق عليك أكتر." "أدهم: لو سمحت اعمل اللي بقولك عليه، ومعلش سيبني أستريح." "مجدى: زي ما تحب." وخرج مجدي وهو حزين على صاحبه وقال: "مهما اجتهدنا وحققنا ذاتنا في المجتمع وقدرنا نبني وسطهم قدر من الاحترام، ولكن يبقى ماضينا ونشأتنا وصمة عار تتعبنا في كل مكان." نام أدهم على أثر المهدئ.
وهاجمته الأحلام منذ أن كان طفلاً صغيراً في دار الأيتام.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!