حينما يجتاح الظلم تسكن إرادة الإنسان وتسقط في بئر الأهوال وتستغيث وما من مغيث للأسف. كما استغاث أدهم حين ألفقوا له السرقة ولكن ما من مجيب. بل والأشد من ذلك بالنسبة له أكثر من شدة القبض عليه ظلمًا. نظرات الحاج ناجي له وكأنه مصدق ما تم تلفيقه له من اتهام بالسرقة. وعتابه له.. أنه لما فعل هذا بعد ما فعله معه. أدهم.. والدموع في عينيه.. ويرفع بصره للسماء وكأنه يستغيث.
ويقول: يارب تكالبت عليّ الدنيا وأنت وحدك من تعلم حالي، فهل يا سيدي من فرج قريب. كما طرد أيمن مجدي قائلًا: يا مجدي.. اتفضل من غير مطرود.. أنا مش عايز أشوف وشكم هنا تاني أبدًا. بنظرة حزن وحسرة على حال أدهم ومجدي، نظر لهم عم عبده. وود لو أنه صرخ وقال الحقيقة.. ولكن نظرات أيمن إليه التهديدية جعلته يلتزم الصمت حتى لا يخسر عمله. حيث لا يوجد عائد مادي له يعينه على نوائب الدهر سوى هذا العمل.
وانطلقت سيارة الشرطة بأدهم إلى القسم للتحقيق معه فيما نُسب إليه. أما مجدي.. للأسف مكنش ليه مكان يروح ليه. فاتبهدل في الشوارع.. وكان ينام شوية في المسجد وشوية على الرصيف.. ووصل به الحال من شدة الجوع. أنه يأكل من الزبالة. لغاية ما يوم شافه راجل طيب عنده محل سوبر ماركت.. فقرب منه وطبطب عليه وقال له.. يا ابني.. شاب زيك إيه اللي يخليه ينام في الشارع ويأكل من الزبالة.
مش تشتغل أحسن ليه يا ابني وتصرف على نفسك وتاكل لقمة كويسة من عرق جبينك. ليه سايب نفسك كده؟ فانفجر مجدي من البكاء على ما وصل إليه بعد أن كان يعمل عملًا حلالًا ويسكن في الفيلا. فكيف انقلب به الحال إلى هذا الأمر مرة واحدة؟ الرجل الطيب وكان اسمه أحمد.. بس بس أنت شكلك حكايتك حكاية. فأخذه لبيته.. وأدخله إلى الحمام وأحضر له ملابس نظيفة. فاستحم مجدي بعد ليالٍ طويلة قضاها في الشارع بدون مأوى.
وارتدى الملابس وأخيرًا لاحت ابتسامة على وجهه بعد البكاء ليالٍ طويلة. حزنًا على أدهم أكثر من الحزن على النوم في الطريق. ثم خرج ليجد الرجل الطيب أحمد.. قد أحضر له طعامًا شهيًا. أحمد: اتفضل كل يا ابني. قال: أنت اسمك إيه صح؟ مجدي: أنا مجدي. أحمد بلطف: عاشت الأسماء يا مجدي. ثم قال: اتفضل متتكسفش كل لغاية ما تشبع. فأكل مجدي بشراهة.. بقاله كتير جدًا مأكلش أكل نضيف.
ولما انتهى مجدي من طعامه.. لم يجد شيئًا يشكر به صنيع الرجل إلا أن انحنى ليقبل قدمه. قائلًا: ربنا يبارك دنيا وآخرة. ولكن بشهامة الرجل الطيب.. رفض ورفعه وأخذه في حضنه.. وقال له: أنت ابني يا مجدي. ثم تابع بقوله: اقعد بس واحكي لي.. احكي لي بقى حكايتك. فحكاله مجدي حكايته من الولادة ودار الأيتام لغاية يومه هذا.. فتأثر الرجل جدًا.. لغاية ما نزلت الدموع من عينيه.
أحمد: لا حول ولا قوة إلا بالله. ده أنت شوفت وصاحبك أهوال كتيرة. وإيه الناس الظالمة دي مش حاسين إن فيه ربنا وفيه يوم قيامة. حسبي الله ونعم الوكيل. بس متقلقش يا ابني أنا مش هسيبك للشارع تاني أبدًا. أنا عندي سوبر ماركت.. هتشتغل فيه وهسمح لك تبات فيه وهجيب لك فرشة تنام عليها وبطانية. مجدي بامتنان: أنا مش عارف أشكرك إزاي. ربنا يجازيك كل خير. ثم شرد مجدي في أدهم وحدث نفسه قائلًا: ويا ترى هو عامل إيه دلوقتي؟ وحالته إيه بس؟
وياريت كنت أقدر أعمل له حاجة.. بس مش بإيدي. أما عن عبده حارس الفيلا.. لم يستطع النوم ليالٍ طويلة.. وتكرر حلمه كثيرًا. وهو حلم بأن أدهم بيغرق وبينادي عليه ينقذه من الغرق وحس عم عبده بتأنيب الضمير. وحس أن الحلم ده إشارة له من ربنا.. أنه يتكلم وينقذ الإنسان البريء أدهم من الظلم الذي تعرض له. أدهم.. اتعذب وانضرب كتير في القسم عشان كان مصمم إنه مسرقش وإن فيه حد هو اللي حطله الشنطة دي أكيد في دولابه.
لكن محدش صدقه واتعرض لأسوأ أنواع الإهانة.. والذل في الحبس. الظابط: ها برده لسه مصمم يا أدهم إنك مش أنت اللي سرقت الشنطة. أدهم بضعف من كثرة الضرب: أيوا يا باشا. مش هقول حاجة معملتهاش. الظابط: طيب يا خفيف.. أبقت قوات الكلام ده في النيابة.. ولا أقولك كمان في المحكمة.. وشوف مين يصدقك. واتعرض أدهم على النيابة.. اللي أصر فيها على أقواله. فحولت قضيته للمحكمة واتحددت جلسة وحضر فيها الحاج ناجي وأيمن. وكيل النيابة
بكل قسوة أمام القضاة: أطلب من سيادتكم توقيع أقصى عقوبة على المتهم.. لسرقته وانتهاك الأمانة.. لرجل وثق به وكان بالنسبة له ابنًا بعد ابنه. القاضي لأدهم: هل لديك أقوال أخرى يا أدهم. أدهم: أشهد الله إن عمري ما إيدي لمست حرام أبدًا.. وإني مسرقتش الفلوس. وإن حد بيكرهني أكيد هو اللي حطلي الشنطة في الدولاب. وكيل النيابة بغلظة: لا تسمعوا لهذا الهراء.
فإنه ضبطت عنده شنطة الفلوس اللي سرقها وخبأها في دولابه ومفيش دليل واحد يثبت براءته مما ادعى وأطالب بأقصى العقوبة على المتهم. القاضي: حكمت المحكمة حضوريًا.. على المتهم أدهم بالسجن.. ولسه بيكمل.. فدخل فجأة عم عبده.. وقال بصوت عالٍ: استنى يا حضرة القاضي.. ارجوك. اضطرب أيمن وخاف. وبدأ ينظر لعم عبده نظرات توعد لعله يرجع في كلامه ولكن عم عبده اتكلم لم يعره اهتمام.
القاضي: عايز تقول إيه يا راجل أنت وإيه صلتك بالمتهم والقضية. عم عبده: أنا حارس فيلا الحاج ناجي. القاضي: طيب اقسم بالله أنك تقول الحقيقة. عم عبده: أقسم بالله يا باشا. القاضي: طيب اتفضل قول. عم عبده: يوم الجريمة يا باشا.. وقبل ما ييجي الحاج ناجي وأدهم. أنا شفت أيمن بيه.. وهو في أوضة أدهم وبيخبّي حاجة في دولابه. ولما شفتني وعرفت إني شوفته. هددني إنه يقطع لقمة عيشي فعشان كده سكت الفترة اللي فاتت.
بس مقدرتش أسكت أكتر من كده وأنا شايف شاب زي الورد مفيش في أخلاقه ولا إنسانيته زي أدهم بيضيع. أدهم بريء يا باشا. هنا اتقلبت المحكمة وعلت الأصوات. ونظر الحاج ناجي لأيمن.. وقال له.. الكلام ده صحيح يا أيمن!! أيمن بجلجلة واضطراب: ده كداب يا بابا اوعى تصدقه.
العم عبده: لا يا أيمن بيه.. أنت متعرفش إن في كل حتة في الفيلا والجنينة فيها كاميرا مراقبة وخليت الباش مهندس جوز بنتي ينزلها على الموبايل عشان عارف إنك هتنكر كلامي ده.. فعملت حسابي. القاضي: لو سمحت هات الدليل اللي معاك. عم عبده: اتفضل وشوف بنفسك يا سيادة القاضي. وفعلاً.. شاف القاضي الفيديو. فتهلل وجه أدهم بالفرح.. وسجد شاكرًا لله لظهور الحق. الحاج ناجي: صحيح الكلام ده يا أيمن!!
أيمن بندم: اعمل إيه غصب عني ما أنت فضلتُه عليّ ومسكته كل حاجة. وحسيت إني مبقاليش مكان في قلبك وديما تقلل مني وتهيني فكنت عايز أبعده عن طريقي بأي طريقة. الحاج ناجي: وملقتش حاجة غير بالظلم يا ابني. متعرفش إن الظلم يا ابني ظلمات يوم القيامة. القاضي: بعد ظهور الدليل في القضية حكمنا ببراءة المتهم أدهم مما نُسب إليه وحكمنا على المدعو أيمن ناجي بالسجن سنتين للاحتياط والادعاء الكاذب. وبالفعل تم القبض على أيمن.
الذي استغاث بوالده.. لكن الحاج ناجي نظر له بحزن وحسرة. وقال: يمكن السجن يا ابني يربيك وتتعلم منه اللي فشلت أنا فيه. واتحبس أيمن.. عشان يجني اللي زرعه من ظلم تجاه أيمن. وزي ما قالوا: ولابد من يوم مكتوب.. تترد فيه المظالم. أبيض على كل مظلوم.. وأسود على كل ظالم. وأخيرًا.. خرج أدهم.. وقابله الحاج ناجي وحاول يرجعه لشغله والفيلا. ولكن أدهم رفض.. وقال: مش هقدر أرجع بعد ما صورتي اتشوهت بين الناس.
الحاج ناجي: بس خلاص يا أدهم.. ثبتت براءتك يا ابني. وأنا بعتذر لك عن كل اللي حصل ونبدأ صفحة جديدة. أدهم بحزن: صعب يا حاج. والله كان نفسي. بس وضعي بقى محرج جدًا مع أيمن بيه ومش هينفع أستمر معاه. الحاج ناجي: معلش سامحه ده عيل طايش من يومه. أدهم: مسامحه عشان خاطر المعروف اللي عملته معايا. بس خليك جنبه وقوم له محامي شاطر وأنا هتنازل عن حقي. أيمن بيه مش وش سجون ولا هيستحمل العيشة جوه.. أنا جربت.. وربنا ما يكتبها على حد.
الحاج ناجي: أنت طيب وشهم قوي يا أدهم وياريت كان أيمن في ربع أخلاقك دي. لكن للأسف أنا السبب، دلعته زيادة عن اللزوم عشان ابني الوحيد. وكل طلباته كانت مجابة وسبته يعمل اللي هو عايزه، وده غلط مني. كان لازم أعلمه الصح من الغلط وأعلمه الاعتماد على نفسه. ومش كل طلباته تبقى مجابة، عشان كده اتعلم الأنانية للأسف. أدهم: معلش، يمكن اللي حصل له دلوقتي يكون خير ويتعلم منه.
وحضرتك احتويه وحسسه بحبك وقربك منه، ومش كل شوية تعاتبه. وإن شاء الله يبقى أحسن إنسان في الدنيا. الحاج ناجي: يا رب يا أدهم. أدهم: هو فين مجدي يا حاج؟ ليه مجاش معاك؟ الحاج ناجي: (باحراج وخجل) مش عارف والله للأسف. أيمن ابني طرده يوم ما خدوك، ومعرفش راح فين. أدهم: (اتصدم وكان هيقع من طوله، ومسكه الحاج وقعده) قال: قد إيه كنت بتحبه. أدهم: (بإنكسار)
مجدي ده مش مجرد صديق. ده كل حياتي وكل اللي طلعت بيهم من الدنيا ومعرفش غيره فيها. يا ترى إنت فين دلوقتي يا مجدي؟ ثم تابع بقوله: أدهم: بعد إذنك يا حاج أنا همشي. الحاج ناجي: هتروح فين بس؟ وأنا عارف إن ملكش حد ولا مكان تروح فيه. أدهم: أرض الله واسعة وربنا كريم. الحاج ناجي: لا يا أدهم مش هسيبك. ولو مش عايز المصنع والفيلا، أنا عندي بديل ليهم. أدهم: (باندهاش) إيه هو البديل ده يا حاج؟
الحاج ناجي: أنا عندي محل بتاعي على قد كده. بس كان وش الخير عليه. وإن شاء الله برده يكون وش الخير عليك. كان أول حاجة امتلكها وفي مكان حلو ومناسب، بس قفلته من فترة كبيرة لانشغالي بالمصنع. بس مفرطتش فيه لأنه غالي عليا وكان وش الخير بالنسبالي زي ما قلتلك، وإن شاء الله يكون وش الخير ليك ويعوضك عن اللي شفته. وأنا عليه هأموله بضاعة من المصنع. أدهم: بس أنا مش معايا فلوس أشتري المحل ولا أدفع تمن البضاعة.
ولا هقبل آخد حاجة مش من حقي. الحاج ناجي: أنا عارف إنك حاسس يا أدهم. ومش هتقبل أقولك إنه هدية مني ليك بالبضاعة. فالحل إنك تعتبره إيجار. ومن الرزق اللي هيطلعلك منه. تبقى تديني منه، ومش طالب إيجار كتير. وحكاله مبلغ رمزي جداً. أما السكن يا أدهم، فأنا الحمد لله عندي عمارة. هوصفلك العنوان. وهكلم لك الحارس بتاعها، فهو معاه مفتاح للشقة اللي فاضية فيها. وهتعجبك أوي إن شاء الله. أدهم: (بإمتنان)
بس يا حاج ده كتير عليا ومش هقدر أوفي جميلك عليا كده. الحاج ناجي: جمايل إيه بس! ده أنا اللي مديلك بحياتي مرة. والله عمله فيك ابني أيمن مرة. أدهم: لا يا حاج متقولش كده. حضرتك غالي عليا جداً، وأيمن مهما عمل فهو زي أخويا. الحاج ناجي: ربنا يبارك لك يا ابني. ثم تابع بقوله: الحاج ناجي: ودلوقتي هخلي السواق يوصلك للشقة. انت الأول واطمن عليك وبعدين يروحني. ووصل فعلاً أدهم للشقة وكانت مجهزة من كل شيء، أجهزة وفرش نضيف.
فدخل بقدمه اليمين، وسجد لله سجدة شكر طويلة، يحمده على استجابة دعاه، وستره ونجاته من كل محنة اتعرض لها في حياته. وقضى أدهم الليلة يفكر في مجدي، وإزاي هيوصله عشان يشاركه حياته الجديدة. زي ما هو متعود يكون معاه في كل حاجة على الحلوة والمرة. وجه النهار، وراح أدهم يشوف المحل اللي وصفهوله الحاج وعطاله مفاتيحه. واتفاجأ إنه في مكان جميل والحركة فيه حلوة، يعني هيشتغل بأمر الله.
وشوية وجت عربية محملة من كل أنواع الملابس حريمي وأطفال مختلفة للخروج. فحمل أدهم الملابس، وساعده واحد من العمال اللي يعرفهم في المصنع في تنضيف المحل. ورص البضاعة في الرفوف وفي الشمعات المعلقة. وتلبيس الموديل اللي في الفترينة. وكان على آخر النهار، كله تمام ومظبوط بفضل الله. ولا يتبقى سوى الإعلان عن موعد الافتتاح للمحل. بس أدهم كان متردد يقدم على الخطوة دي بدون صديق عمره مجدي. أدهم: يا رب ألاقيك يا مجدي.
متعرفش أنا محتاج لك قد إيه يا صاحبي وأخويا وأبويا. يا ترى هيلاقيه ولا هيحصل إيه تاني؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!