بابا دخل العناية المركزة. وكنت نايمة غيبة الحياة، والأجهزة هي اللي بتخليني متواصلة بعالمهم. بابا كان بيدخل بعيون مليانة دموع. وأول ما قرب مني السرير اللي نايمة عليه، باس رجلي، وبعدها باس إيدي اللي كانت كلها خراطيم متوصلة بالأجهزة. ودقات قلبي اللي كانت مالية الأوضة، كانت بتخليه يبكي بحرقة وندم. بابا قعد على الكرسي وهو ماسك إيدي. أنا كنت حاسة بيه.
«حببتي بنتي، حببتي وحشتيني، وحشتيني أوي. أظاهر إني كنت بحبك من زمان وأنا مش عارف، ولا الظاهر مكنتش بعرف أبين ده. أنا عرفت إني بحبك أوي من ساعة ما سبتينا ومشيتي. أنا معنتش طايق البيت، سبت البيت عشان انتي مش فيه. كان أقدر أرجع، بس من ساعة ما مشيتي وبقيت بحس بخنقة فيه. سامحيني، أنا عارف إني كنت أب وحش معاكي، ظلمتك كتير، سامحيني يابنتي.» في إسكندرية. «حضرتك بتقولي إيه؟
«أستاذة حياة خدت إجازة عشان في حالة حرجة وهي في العمليات دلوقتي.» «إزاي! مش معقول. ممكن أسألك سؤال من فضلك؟ «خير يا أستاذ أحمد، انت تعرف أستاذة حياة؟ «أستاذة حياة، اسمها الحقيقي ندي.» «حضرتك مين؟ «بالله عليكي، أنا أختي بدور عليها، وكل اللي عرفته عنها يقولي إنها أختي.» «حضرتك أستاذ أحمد اللي كان في الجيش؟ «أيوه، بالله عليكي هي أختي ندي.» «أيوه هي ندي.»
وهنا أحمد مستناش وجرى طلع من المركز وعمل مكالمة لواحد صاحبه وجارنا. وعرف اللي حصل ونزل على القاهرة. وعرف عنوان المستشفى. بابا كان بيتكلم وهو منهار، وكل كلامه وهو بيبوس إيدي. وأنا كل شوية أفوّق خمس دقايق وأغيب عن الوعي. «بابا، أنا بحبك أوي... سامحني يابابا.» وغبت عن الوعي.
«مسامحك ياضي عيني، ياقلبي اللي خدتيه معاكي. عارفة، أنا عرفت إني أب فاشل واستحق اللي حصلي عشان قصرت في حبي ليكي، محاولتش أحتويكي وأطمنك وأدعمك. لا، كنت بتنمر عليكي. حسيت بوجع لما صاحبي في الشغل حكالي حكايته.» فلاش باك. «مالك يا أبو أحمد؟ ديما ساكت من ساعة ما جيت الشغل هنا ومش مندمج معانا.» «لا والله مش قصدي حاجة، أو إني أضايقكم، بس فعلاً أنا بقيت كده من ساعة بنتي سابتنا ومشت.» «انت مزعل بنتك ليه؟
أوعى تزعلها. محدش يعرف قيمة الضنى إلا اللي اتحرم منها.» «انت معندكش أولاد؟ «كان عندي ابن جميل وحيدي، بس الله يرحمه راح عند اللي خلقه.» «الله يرحمه، كان تعبان ولا إيه؟ «لا، مات بسببي.» «إزاي! انت السبب؟ «ابني كان مليان شوية وكان بيحاول يخس ومكنش قادر. فشل كتير في الدايت، راح الجيم كتير ومافيش فايدة.» «تقصد إنه مات من لعب الجيم؟ «لا، مات من كلامي. ليه أنا اللي موته بكلامي وتنمري عليه.» «إزاي كده؟ فهمني.» «كنت
طول الوقت أجرحه بكلامي: خس شوية، انت بقيت عامل كده ليه؟ بقيت أضغط عليه بكلامي وهو بيحاول، بس معرفش، لغاية ما جاه اكتئاب بسبب أصحابه كمان. كنت أنا وأصحابه بنتنمر عليه. وفي يوم دخلت عليه وكانت أمه حطاله العشا وهو رافض ياكل، وأنا نزلت تجريح فيه كعادتي. الواد نام مقموص من الزعل والقهر. أنا اللي موته بكلامي وأفعالي اللي كانت بتبان ليه إني بتكسف منه. مات وماتت حياتي معاه.» «الله يرحمه.» باك.
«هنا افتكرت معاملتي معاكي، سامحيني يابنتي، سامحيني.» «كلكم أكيد بتقولوا إني لخبطت حياتهم وقلبتها، بس اللي حصل عكس كده.» «بابا، دا أستاذ خالد اللي ندي أختي كانت بتشتغل عنده.» «أهلاً يابني. نادين حكتلي على اللي حصل.» «والله يا عمي أنا حاولت أجمع الشمل تاني. آنسة ندي تستاهل كل خير بجد، إنسانة محترمة ومؤدبة، ودا اللي خلاني أدور عليكوا عشان بعدها عنكم كانت تعبها.» وهنا خالد بدأ يحكي.
في القاهرة، وعند ماما كانت في حالة تشنج. كانت بتحاول تقوم وبتحاول تتكلم، وكانت بتشاور على الباب. وجارتنا مش قادرة تسيطر عليها. واتصلت بالدكتور، واللي جه وشافها وطلب تتنقل المستشفى فوراً. «الو، نادين، الحقيني يابنتي، أمك تعبانة أوي وجبتهالها الدكتور وطلب تتنقل المستشفى فوراً.» «حاضر، هتصرف حالا.» نادين قفلت المكالمة. في طلعة بابا من عندي وهو منهار من العياط. «بابا، الحقني، ماما تعبانة ولازم ننقلها المستشفى فوراً.»
وفعلاً تم نقلها في نفس المستشفى اللي كنت فيها. وكانت في العناية المركزة زيي. ياترى قلب الأم بيحس بأولادها؟ تحسوا إنها كانت عايزة تيجي عندي؟ أكيد دي حكمة ربنا. الدكاترة كل شوية يطمنوهم على ماما، وإنها خدت مهدئ لأنها طول الوقت لو صاحية تزوم وتشاور كأنها عايزة حاجة. وفجأة وصل أحمد المستشفى. واللي اتصدم بوجود بابا ونادين. واللي نادين جرت عليه وحضنته. «أحمد، أخويا، ندي، ندي أختنا هتموت يا أحمد. ندي عوزاك يا أحمد.»
«حببتي ندي هتكون بخير، ادعيلها يا نادين.» وهنا أحمد قرب من بابا وحضنه جامد. وهنا بابا انهار في حضن أحمد. «أختك يا أحمد، أختك، هتروحي مني. آآآه.» «أهدي يابابا، ندي لو شافت كل الحب واللهفة هتكون كويسة.» وهنا أحمد طلب يدخل العناية عشان يشوفني. في إسكندرية. «دادة حليمة، هو إيه اللي بيحصل بالظبط؟ تعملي إجازة لحياة من غير ما أعرف، ولا كأني موجودة.» «والله يا مس ميادة، أستاذ خالد كلمني وطلب كده.» «مكلمنيش ليه؟
«والله اسأليه، هو عنده الإجابة.» «إيه اللي مخبياه يا دادة؟ «وإنتي عارفة لما أحط حاجة في دماغي.» «والله يابنتي مافيش حاجة.» «طب غوري من وشي.» المستشفى. أحمد دخل العناية وقعد جنبي ومسك إيدي.
«آآآه، أخيراً لقيتك. ويوم ما ألاقيكي تكوني كده. ندي، قومي ياندي، وأنا هجبلك كل يوم العسلية بالمكسرات اللي بتحبيها. وهنخرج ونتفسح زي ما كنتي بتحبي. ندي، أوعي تسيبني وتمشي. انتي الحاجة الحلوة في البيت اللي ملقتهاش، فسبته عشان أدور عليكي.» وهنا فوقت ثواني. «أحمد، وحشتني أوي.» وهنا بدأت صفارة جهاز القلب تصفر. وهنا اتفزع أحمد. «ندي... ندي... ندي...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!