الفصل 7 | من 16 فصل

رواية ليتك كنت سندي الفصل السابع 7 - بقلم أسماء عبد الهادي

المشاهدات
19
كلمة
2,644
وقت القراءة
14 د
التقدم في الرواية 44%
حجم الخط: 18

انتفضت في مكانها ترتعد أوصالها عندما شاهدت أخيها يقتحم غرفتها غاضباً ويرمقها بنظرات مشتعلة. أخذت تبتعد وتبتعد إلى أن ألصقت جسدها بالحائط وعينها لا تحيد عن ذلك الذي يقترب منها بشرارة في عينيه. أقترب من الفراش ومال بجسده إليها... لتطلق شهقة خائفة مرتاعبة منه. فهي تعرف أخيها جيداً، طبعه حاد وصارم جداً، حتى في الأحوال العادية كان قاسياً معها. لم يفعل شيئاً سوى أنه حدق بها قليلاً...

حتى انهارت أعصابها خوفاً مما هو مقدم عليه. كان يلعب على أعصابها حتى تمنت أن يفعل ما يريده حتى ترتاح من ذلها هذا، حتى لو كان سيضربها فعلاً كالمرة السابقة. وبالفعل وجدته يهمس لها وهو ينزع حزامه للمرة الثانية ويقول: "لما انتي بتخافي كده؟ مخفتيش ليه قبل ما تعملي عملتك وتفكري في رد فعلنا لما نعرف؟ ولا كنتي مفكرة محدش هيكتشف دناءتك."

هزت رأسها تحاول أن تنفي ما قاله وهي تزدرد ريقها برعب حقيقي، فماهر لا يمزح وسيصيبها بذلك الحزام اللعين بلا شك، والذي سيكون كالسوط الذي يلفح جسدها بلا شفقة أو رحمة. حاولت جاهدة أن تخرج صوتها تمنعه من بطشه عليها لتحتمي ولو قليلاً من أذى ذلك السوط. "لا يا ماهر... قاطع كلامها وهو يحكم قبضته على فمها السفلي: "متجبيش اسمي على لسانك تاني.. وإن مكنتيش اتربيتي.. أنا هربيكي من جديد علشان تعرفي تلعبي بديلك تاني من ورانا."

ابتعدت هي عنه أكثر، فهي وقعت في قبضته لا محالة ولا أحد سينجدها منه. لكن إلى أين ستهرب منه هذه المسكينة؟ هل ستكسر الحائط وتعبر خلاله؟ سيطالها يده على كل الأحوال.

استغربت التي تجلس بالخارج تكاد تطير من الفرحة، أن ماهر دخل منذ فترة ولم تسمع صوت صراخ رهف. لكنها ما لبثت أن استمعت لصوت صرخات رهف الذي يصم الآذان ويبكي القلوب. لتشعر بالانتشاء والانتعاش هي وأمها، تلك القلوب التي تجردت من معاني الإنسانية وتعيش بين الناس بلا قلب. لم يتحمل أبوها صوت صراخ ابنته من داخل غرفته، فهب سريعاً لنجدتها من بين براثن أخيه. بينما سوسن تخفض رأسها بأسف، لكنها لم تتحرك من مكانها قط.

دلف الغرفة سريعاً وهدر بذلك الذي لم يتعب من ضرب أخته ولا حتى يشفق لمنظرها التي أصبحت عليه، فلا مكان في جسدها إلا وبه كدمات زرقاء إثر الضرب المبرح الذي تعرضت له. "كفاية يا ماهر.. إنت مفيش في قلبك رحمة يا بني!! ارحمها ده ربنا بيرحم." ليقول ماهر وهو يرمقها باشمئزاز: "هيا اللي جابته لنفسها الحقيرة دي.. وربي وما أعبد لمعيشها بقية عمرها في جحيم علشان تندم على اللي عملته." زفر فهمي بغضب ودفش ابنه لخارج الغرفة:

"اخرج يا بني اخرج... أنا لله وإنا إليه راجعون." واقترب من تلك التي تئن، كل خلية من جسدها تشكو ما يحدث لها. ليرمقها أبوها بحزن: "لا حول ولا قوة إلا بالله... إنتي اللي عملتيه في نفسك يابنتي." نظرت له رهف وهي تكاد لا تراه، فالرؤية أصبحت مشوشة من فرط ما تعرضت له من ضرب. ودت لو أخبرته أنها لم تفعل شيئاً، أنها كانت ضحية للعبة حقيرة حيكت ضدها وبعناية. لكنها لا تستطيع، وماذا ستقول؟ فكل شيء انتهى الآن.

فاستسلمت للإغماء مرة أخرى، فعلى ما يبدو أنه ملاذها الوحيد. بعد يومين آخرين. وبطلتنا المسكينة تعاني من آلام قلبها قبل جسدها. ليته تستطيع أن تخبرهم، لكن ماذا عساها أن تقول؟ ظلت تعاني بُعد أهلها عنها ومقاطعتهم إياها. فقط يدخل والدها ليضع لها طعامها التي لا تقربه إلا لقيمات صغيرة تقتاتها لتبقيها على قيد الحياة.

عاد ماجد من عمله مبكراً ليومين، فهو لم يستطع الانتظار لعطلة الأسبوع. هو متشوق لرؤية أخته كثيراً، فهو لم يستطع أن يمنع ذلك الشعور الذي يجعله خائفاً على أخته وأن هناك شيء سيء حدث معها. دخل المنزل، فوجده في حالة سكون عجيب، وكأن البيت في حالة عزاء. فابتسم يحدث نفسه: "صحيح لازم البيت يكون هادي.. قطتي هي اللي كانت بتعمل ليه حس.. وحشتيني أوي يا قطتي." شاهد أمه في المطبخ تعد الطعام بسكون تام، فاقترب منها مداعباً كعادته:

"سوسو وحشتيني يا قمر." هتفت أمه بلوعة: "ماجد انت رجعت؟ استغرب ماجد وجه أمه المصدوم، فقال بلاوياً ثغره: "إيه يا سوسو ارجع تاني ولا إيه؟ هو ده الترحيب." هتفت بهدوء: "لا يا ابني... نورت البيت." هتف بمرح وحماس: "بقولك إيه ياسوسو أكلييني أنا جعان أنا عايز أروح لرهف بنت الـ... وحشتني أوي مكنتش أعرف إني بحبها أوي كده."

أدارت سوسن رأسها تجاه الموقد ومسحت تلك العبرات التي سقطت رغماً عنها حتى لا يلحظ ابنها ماجد. ومن ثم أمسكت بأحد الأطباق وبدأت في ملئها بالطعام لابنها وهمست بخفوت: "بالهنا والشفا يا ابني." نظر ماجد للطعام: "إيه ده أنا هاكل لوحدي! انتوا مش هتأكلوا؟ ردت سوسن بتوتر، فهي كل يوم تطهو الطعام ولا أحد يقربه، فالكل فقد شهيته بعد ما حدث: "إحنا سبقناك." رفع ماجد حاجبيه باستنكار: "سبقتونا إزاي يا ماما بس.. إذا كان انتي لسه بتطبخي."

أجابت بتلعثم: "كك.. كل انت يا ماجد.. وإحنا لو عايزين هنبقى ناكل بعدين." ترك ماجد طبقه ووقف قبالة أمه ممسكاً بيدها: "ماما.. في حاجة؟ .. انتوا مخبيين عني إيه... حاسس كده أن في حاجة غلط.. وصوتك مش طبيعي أبداً." تنهدت سوسن: "مفيش حاجة يا ماجد.. اقعد إتغدى تلاقيك على لحم بطنك من الصبح." بدأ القلق يتسرب إلى قلب ماجد، فأمه ليست طبيعية البتة، ومسحة الحزن والانكسار تلك التي يراها في عينيها لا تطمئنه، لذا قال بتوجس:

"ماما.. رهف كويسة؟؟ .. أرجوكي متخبيش عليا." تنهدت سوسن بقلة حيلة، فهو سيعرف عاجلاً أو آجلاً، لكنها كانت تخشى صدمته، فرهف كانت مقربة إليه كثيراً. كانت تخشى صدمته في أقرب الناس إلى قلبه. "رهف في أوضتها جوة يا ماجد." هتف ماجد بفرحة: "بجد يا ماما؟ مش تقولي كدا من الصبح.. بس هيه هنا ليه؟ أوعي تكون تعبانة وأنا معرفش.. ولا جاية زيارة عادية؟ ... أنا داخل أطمن عليها." هتفت أمه: "طب اتغدى الأول يا ماجد علشان خاطري."

هي تعلم أنه بعدما يعرف بالحقيقة المرة لن يلمس الطعام. لكنه اقترب من المائدة وأمسك بطبقه وأخذ ملعقتين، واحدة له والأخرى لأخته. "هدخل آكل مع رهف." لم تتحمل الأم ما يحدث، فجلست بتعب على أقرب كرسي أمامها وتمسكت رأسها بكلتا يديها بحزن. طرق الباب منادياً بشوق: "رورو... قطتي.. حمداً لله على السلامة.. رورو افتحي الباب وإلا هدخل كالعادة... لم يجد رداً. فقام بلي مقبض الباب لينفتح ويدلف هو يبحث بعينيه عنها بشوق.

وهي ما أن تراه حتى تنكمش أكثر في نفسها، تضم ساقيها ببعضهما وتحيطهما بذراعيها وتنظر له بخوف من أن يفعل بها ما فعله ماهر توأمه. استغرب ماجد ما تفعله، فهي بالعادة تقابله بعناق وقبلة على وجنته وتطالبه بالحلوى أو قطع الشوكولاتة السوداء التي تحبها. فأقترب منها متسائلاً: "رهف حبيبتي... انتي كويسة؟! كانت كلما يقترب تبتعد هي أكثر وتبكي بصمت. أقترب منها حتى استطاع أن يلحظ وجهها المليء بالكدمات الزرقاء والمتورم للغاية.

فمد يده نحوها بصدمة بعد أن وضع الطعام جانباً: "رهف مين اللي عمل فيكي كدا؟ ظنت أنه سيضربها لذا وضعت يدها على وجهها تتخفى منه. بسط ماجد يده تجاه أخته يزيح يدها التي تخفي وجهها وهو يقول بغضب شديد: "رهف انطقي مين اللي عمل فيكي كده!!! .. حسن!!! أقسم بجلالة الله لو كان هو ما هيطلع عليه نهار." لكن رهف لم تجبه واكتفت بزرف المزيد والمزيد من الدمعات. لتضمها ماجد إلى صدره بوجع يخرج آهات مؤلمة من صدره على حالة أخته.

"رهف قوليلي مين اللي بهدلك بالشكل ده؟! لم ترحم رهف قلبه، لذا تركها سريعاً ونادى على أمه بصوت غاضب: "ماما." ذهب إليها باحثاً عنها ليجدها في المطبخ حيث تركها. فاقترب منها بغضب: "مين اللي عمل كده في رهف... حسن مش كده.. مفيش غيره اللي ممكن يمد إيده على أختي في غيابي." لم تجد أمه ما تقوله، ففضلت الصمت هي الأخرى.

ظن هو أن صمتها تأكيداً لكلامه، فهم بالانطلاق بشرارة تتأجج داخله في نية للانتقام من المدعو حسن، والذي بهدل أخته لهذا الحد. "وربي لأقتله بعد ما أعرفه إزاي يمد إيده على أختي." ليقف ماهر الذي خرج من غرفته للتو إثر صوت صياحه، أمامه ويرمقه بعدم اكتراث: "أنا اللي ضربت أختك مش حسن." ليزداد غضب ماجد كثيراً وبسرعة شديدة كان قد وجه لكمة قوية في وجه أخيه: "انت يا متخلف... إزاي جالك قلب تعمل في أختك الصغيرة كدا...

والله ما سايبك النهاردة." اعتدل ماهر في وقفته وأمسك فكه الذي ضربه منه أخوه. بينما أمسكه ماجد ثانية من ملابسه: "أنا هعرفك إزاي تمد ايدك على قطتي." ليضحك ماهر بسخرية واشمئزاز: "قطتك طلعت عندها حوافر وبتخربش كمان." ترك ماجد ملابس أخيه ونظر له بعدم فهم: "يعني إيه؟ لوى ماهر شفتيه بتهكم:

"روح اسألها إزاي قدرت تخدعنا كلنا بالشكل ده.. إزاي استغفلتنا كلنا ودارت على حل شعرها لحد ما باعت شرفها بالرخيص. قطتك طلعت بتمثل علينا أنها الحمل الوديع وفي الآخر طلعت... طلعت حقيرة ولا تسوى." اغارت أعين ماجد لا تستطيع أن يصدق ما يسمعه. فأمسك بتلابيب أخيه مرة أخرى: "انت اتجننت انت ازاي تقول على أختك كدا!!! أبعد ماهر يد أخيه بهدوء: "تفسر بإيه أن جوزها يطردها ليلة فرحها بكم ساعة.

ضحك بألم ومرارة ثم أردف: ده أنا المفروض كنت قتلتها من يومها." زاد توتر ماجد وأصبح يتصبب عرقاً بغزارة، ورأسه يتحرك ليعبر عن رفضه لما يسمعه، فليس هذه أخته رهف قطته الوديعة التي رباها بيده. "لا.. انت بتهرج صح... رهف استحالة تعمل حاجة زي كدا... استحالة تفرط في نفسها.. دي رهف خجولة لأقصى درجة." "عرفت أنها قدرت تخدعنا كلنا بكل سهولة.. وإننا كنا مختومين على قفانا!! " قالها وهو يعقد ذراعيه أمام صدره ويهتف بتهكم وغضب.

ترك ماجد مكانه وقال متوجهاً لغرفة أخته ثانية: "لا أكيد في حاجة غلط.. أكيد." دلف إلى غرفة أخته والتي وقع قلبها في أرجلها، فهي تأكدت أنهم بالخارج قد قصوا له ما حدث وسيأتي الآن لينقض عليها هو الآخر. صاح ينتظر جوابها... ينتظر أن تنفي ما يقوله أخيه: "رهف قوليلي اللي بيقولوه برا ده محصلش.. قوليلي أن في حاجة غلط."

لم ترد على استجواباته، فهي في أشد حالتها رعباً الآن، فهي تعلم كم أن ماجد رحيم، لكنه إذا غضب ستحول ليصبح أشرس من ماهر بمراحل. أقترب منها يمسك ذراعيها يرجه بين يديه: "اتكلمي يا رهف.. اللي بيقوله ماهر ده مش صح.. انتي مبعتيش نفسك يا رهف مش كده؟ لتتهز رهف رأسها ببكاء ملتاع. ليتحدث هو بفرحة بين دموعه التي بدأت تسقط بحسرة:

"ايوة قولي إنك مخنتيش ثقتي فيكي يا رهف.. ده أنا اللي مربيكي.. قولي إنك مفرطتيش في نفسك.. قوليها ريحيني." لم يجد منها سوى الصمت. ليرجها أكثر بين يديه فيظهر الرعب جلياً على قسمات وجهها. فيقول هو لتهدئتها: "متخافيش مش هعمل فيكي حاجة بس بالله عليكى قولي الحقيقة... إيه اللي حصل وخلى جوزك يسيبك ليلة فرحك؟ طأطأت رأسها لأسفل وهي تصرخ: "مفيش... مفيش... سيبوني في حالي بقاسيبني في حالي يا ماجد وإمش." لتتحطم ملامح ماجد ويهدر

بها بصوت رج أرجاء المنزل: "يعني إيه أمشي... فهميني في إيه؟؟ وايه اللي بيحصل.. هتسبينا كدا راسنا تودي وتجيب... هتسبينا كده مش عارفين انتي مذنبة ولا ضحية؟ لتنكمش هي على نفسها ثانية وتتحلى بالصمت الذي جعل غضب ماجد يفور. ليصدح بأخته: "رهف.. ردي عليا.. أنا مش عارف أصدق أنك تعملي كدا... ردي اتكلمي!!! خبأت هي رأسها لتدفنه بين يديها وبدأت شهقاتها تعلو شيئاً فشيئاً. كاد عقله يطير في تلك اللحظة حتى شعر أنه سيصاب بالجنون.

وقف في منتصف الغرفة ينظر لأخته بعدم تصديق. وفي لحظة غضب مد يده ليبطش بها لكنه تراجع في اللحظة الأخيرة وغادر الغرفة مصفداً الباب خلفه بقوة أفزعتها في مكانها. وما أن رحل... حتى انهارت في البكاء وهي تناديه بخفوت... "ماجد متسبنيش خليك جنبي يا ماجد." خرج من غرفتها لا يدري أهو في حلم أو كابوس مزعج أم أنه فعلاً واقع مرير لم يتوقع أن يعيشه. ليقول له أخيه بوجع: "صدقتني لما قلتلك أن أختك تستاهل القتل كمان...

ثم أردف بشر: منها لله ضيعت نفسها وضيعتنا معاها. أبوك من يومها راقد في البيت ومراحش شغله... هيخرج يقابل الناس يقولهم إيه وإحنا سيرتنا بقت على كل لسان... بعد ما كان الناس كلها تحلف بتربيتنا وأخلاقنا... دلوقتي ناقص يزقلونا بالطوب. وضيعت كمان مستقبلي... أنا مش عارف هرجع النادي إزاي.. وهقابل حسن بأنهي وش.. ولا هألعب إزاي والكل يبص عليا باستحقار بسبب اللي عملته اختي!!!

.. ده أنا بقيت لما أخطي عتبة الباب ده بغطي وشي مكسوف من الناس.. هقولهم إيه.. اختي معرفناش نربيها واستغفلتنا كلنا وباعت شرفها!!! وضع ماجد يده على أذنه لا يريد سماع المزيد: "بس ..كفاية... كفاية يا ماهر حرام عليك.. أنا مش قادر أصدق رهف تعمل كدا." "لازم تصدق لأن ده بقى واقع وبنعيشه وهيفضل العار ملاحقنا طول العمر." لم يتحمل ماجد ما يسمعه فانطلق مغادراً البيت بل المكان بأكمله وعاد أدراجه مرة أخرى لمكان عمله.

بعد عدة أيام ولا جديد يحدث سوى أن ماهر يحاول التواصل مع حسن بشتى الطرق لكن لا سبيل لذلك، فحسن قد أغلق الأبواب على نفسه ولا أحد يعرف أين هو.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...