في صباح اليوم التالي، اليوم الثالث لرهف في المشفى، انتظرته أن يأتي في ميعاده مثل كل يوم، لكنه تأخر. فكرت أن تدون بعض الحلول في النوتة التي أعطاها لها، عصرت مخها لكنها لم تستطع أن تحصل على أي حل. بعد برهة ليست بالطويلة، سمعت طرقا على باب الغرفة، علمت أنه الطارق، فارتدت حجابها على عجل وسمحت له بالدخول. دلف يرقها بابتسامة واسعة وهو يقول: _أنا آسف اتأخرت عليك، بس كان عندي حالة لازم أطمئن عليها. هتفت بخفوت:
_ولا يهمك يا دكتور. جلس قبالتها وقال بجدية: _جاهزة نبتدي جلستنا النهاردة؟ _مفيش مشكلة. _جميل، أنا فكرت في حل كويس جدا، وهو اللي هيحل لك كل مشاكلك. نظرت إليه رهف وانتظرته لكي يتحدث. ليتابع كلامه قائلاً: _إيه رأيك نقدم بلاغ بتهديد حسن ليكي إنه هيأذي أهلك، لو قلتي الحقيقة، وتحكي لهم على اللي حصل بالضبط، وهيكون معانا الدليل، إنه ملمسكيش، وإنك لسه بنت زي ما أنتِ. _إزاي هثبت ده؟
_بسيطة يا رهف، دكتورة نسا هتثبت ده بسهولة. ها، قلت إيه؟ ده أسلم حل، وكمان مش هيعرف بعدها يأذي أهلك، لأنه لو عمل ده الشرطة هتقبض عليه فوراً. ممكن كمان نطلب حماية أهلك لو انتِ عايزة. المهم لازم تعرفي إنه بعد البلاغ مش هيعرف يتعرض لأهلك أبداً. ازدردت رهف ريقها وبدأت تفكر في كلام آدم: _أنا خايفة أوي من اللي حضرتك بتقوله يا دكتور، خايفة ما نقدرش نثبت كلامنا وهو ممكن ينكر كل حاجة، وأهلي يتعرضوا للخطر.
_رهف، ممكن تثقي فيا وتسيبيلي الموضوع ده وأنا هتصرف؟ في هذه الأثناء، وصل عامر إلى المشفى وأصر هذه المرة أن يرى زوجته، فحاولت الممرضة أن تمنعه لكنها فشلت لأنه كان صعب التعامل جداً. دفش الممرضة ودخل الرواق بالقوة وهمّ ليقتحم باب الغرفة، لكنه استمع لرهف تقول: _طب وعامر، هاتصرف معاه إزاي... أنا مش عايزاه يعرف بأي حاجة. _عامر مش هيحس بأي حاجة. وهخلصك منه زي ما هنتخلص من حسن بالضبط.
في تلك اللحظة، اشتعلت أعين عامر بالشرر وظن أن رهف تخونه مع الطبيب، وبقوته الهوجاء، اندفع كالثور الهائج ليقضي على تلك الخائنة التي ظن أنها تود التخلص منه هي وحبيبها. دفع الباب بكل قوته وهجم عليها بدون رحمة، ينقض على حجابها ويقول بصوت عالٍ صارخاً بها: _انتي بتخونيني في المستشفى كمان يا زبالة. قالها وهو يلطمها على وجهها بقوة. لتصرخ هي من الألم، بينما يحاول آدم أن يحول بينها وبينه ليهتف بغضب:
_انت إيه اللي بتعمله ده وإزاي تدخل على المريض بالشكل ده؟ ابعد عنها يا أستاذ أنت وإلا هنادي الأمن فوراً. فما كان من عامر إلا أنه لكمه لكمة قوية أردته أرضاً ليتسرب الدم من أنفه ويهتف عامر: _حسابك معايا بعدين يا دكتور الغبرة. وقام بسحب رهف من فراشها عنوة ويجرها إلى الخارج وهو يهتف بشر وغضب:
_والله لأفضحك في كل حتة يا زبالة. بس قبل ما أعمل ده، هعرفك إزاي تخونيني كويس قوي، هخليكي تندمي على اليوم اللي اتولدتي فيه. وشرفي لأخليكي تتمني الموت ولا تطوليه.
تحامل آدم على نفسه ليقوم، ليلحق بتلك المسكينة التي يبطش بها ذلك الأهوج الأرعن الذي لم يسمح لنفسه حتى أن يفهم ما الأمر بشكل صحيح أو يتأكد من ظنونه. أشفق على تلك المسكينة رهف كيف تعيش مع ذلك الآخرق الغبي في بيت واحد. ركض خلفهم وهو يستمع لصرخات رهف ترجو عامر أن يتركها، وأن لا شيء مما يظنه صحيح.
لكن عامر كان الشر مسيطراً به ومتمكناً منه، فلم يستمع لحرف واحد مما قالته، بل ظل يجرها للخارج، غير آبه لصرخاتها وتوسلاتها، غير آبه بأن من بالمشفى جميعاً ينظرون إليه. لحق به آدم وأوقفه، بينما كان يوقف سيارة أجرة ليُدخل بها رهف عنوة. أمسك آدم بيده بغضب لتسقط رهف على الأرض تبكي بحرقة. هتف آدم والغضب متمكن منه وهو أيضاً على ما يحدث لرهف: _مش هسمحلك تاخدها بالشكل ده أبداً. _وريني إزاي هتمنعني.
تشابك الاثنان في عراك عنيف جداً، لكنه كان لصالح عامر في النهاية، فأنّى لآدم من قوة أمام ذلك الأهوج الهمجي. سقط آدم هذه المرة على الأرض ولم يستطع الحراك وهو يرى رهف تدخل السيارة رغماً عنها وهي تصيح بآدم لينقذها من براثن ذلك المتوحش. لم يعجب الحال سائق الأجرة، فهتف بعامر قائلاً: _ما ينفعش كده يا أستاذ. _ما حدش له دعوة بمراتي. _بس مش كده يا أستاذ، بالهداوة. نهره عامر وقال بغضب: _تعرف تسوق وانت ساكت.
فما كان من السائق إلا أن أدار وجهه للأمام وتمتم بهمهمات من غير مسموعة. صاح عامر في رهف ليجعلها تكف عن الصراخ، فما كان منها إلا أن انزوت في ركن السيارة تنتفض برعب مما سيحدث لها. حاول رجال الأمن إفاقة آدم الذي على ما يبدو أنه فقد الوعي لثوانٍ معدودة إثر ضربات عامر الشديدة والطائشة، ليهب من مكانه بسرعة كصريع يبحث عن رهف، ليجد أن السيارة اختفت عن ناظريه تماماً، فدار حول نفسه كالمجنون، لا يعرف كيف يتصرف أو كيف ينقذ رهف.
عاد إلى داخل المشفى بسرعة يبحث عن الملف الخاص بـ رهف ليعرف عنوان منزل عامر، إلى أن وجد مبتغاه، لكنه لم يعرف ماذا يفعل بعد، فحتماً لم يسمح له عامر بالدخول، وعلى أي أساس سيدخل. فكر سريعاً ماذا يفعل، فقرر الاستعانة بأخو رهف، فهو الذي يستطيع أن ينقذها مما هي فيه. لكن المشكلة أنه لا يعرف عنواناً له. فقرر أن يذهب إلى الحي فهو يعرفه ويسأل عن منزل ماجد. كل هذا وهو يتحرك بسرعة كبيرة لكي ينقذ البائسة.
بعد سؤال أكثر من شخص، استطاع التوصل إلى بيت ماجد، فذهب إليه على الفور وتمنى أن يكون هناك هو أو أخيه لكي ينقذ أحدهما رهف. صعد إلى شقته وطرق الباب لتفتح له سوسن ليقول وهو في عجلة من أمره: _لو سمحت ممكن أكلم ماجد ضروري. _حاضر يا ابني لحظة واحدة. أخذ آدم ينقر الأرض بقدمه إلى أن حضر ماجد: _أهلاً وسهلاً، اتفضل حضرتك. فقال آدم على الفور: _لو سمحت يا أستاذ ماجد، ممكن تيجي معايا بسرعة. ضيق ماجد ما بين حاجبيه وقال باستغراب:
_في حاجة حضرتك؟ وأنت مين؟ سحبه آدم كي يجعله يتحرك خلفه بسرعة وهو يقول: _بسرعة، مفيش وقت، الموضوع متعلق بـ رهف أختك. عندما استمع ماجد أن الأمر متعلق بأخته، سار خلفه دون تردد. لحق بهم ذلك الذي استمع لما يقولون عن غير قصد. أمسك باب السيارة وهو يفتحه هاتفا: _استنوا، أنا جاي معاكم. نظر له آدم باستفهام لعدم معرفة هويته. ليردد ماهر وهو يتخذ مقعداً جوار أخيه: _أنا ماهر أخو ماجد. أومأ له آدم بعينيه وقاد سيارته بسرعة وهو يقول:
_عامر اتهجم على رهف في المستشفى وأخذها بالقوة وناوي إنه يضربها. ده كان عامل زي الطور، ما حدش كان عارف يوقفه. هتف ماجد بذهول: _إيه!!!!! ليقول ماهر باستغراب: _وإيه اللي ودّى رهف المستشفى أصلاً؟ زفر آدم بحزن على رهف: _رهف محجوزة عندي بتتعالج في المستشفى بقى لها ثلاثة أيام. وصل بالسيارة إلى أسفل منزل عامر وقال وهو يترجل منها: _مافيش وقت للشرح أكتر من كده، أرجوكم ننقذ رهف أول وبعدين هحكيلكم على كل حاجة.
وأثناء صعودهم السلم، استمعوا لصرخات رهف المدوية والجيران ملتمون أمام باب المنزل لينظروا ما الأمر. لم يمهل ماجد نفسه ثانية واحدة بعد وانطلق كالسهم يبحث عن أخته. فتحت لهم أم عامر الباب بوجه يبدو عليه الخوف الشديد وهتفت برجاء: _ارجوك يا ابني ألحقها، ممكن يموتها. فانطلق ماجد بسرعة نحو الغرفة التي يأتي منها الصوت وحاول فتحها بالقوة فلم يفلح، فساعده أخوه في ذلك إلى أن فتحاه.
ل يبصر ماجد أخته مكبلة اليدين والقدمين بأحد أطراف السرير، وعامر يضربها بعصا غليظة في يده. انفطر قلب ماجد على حالة أخته وهرول نحوها سريعاً يفك قيودها، يأخذها بين يديه بحنان ويقول بصوت منفطر مكلوم: _رهف. ما إن أبصرته رهف حتى لمعت عيناها بفرحة لوجود أخيها لأنقاذها وهتفت بخفوت باسمه: _ما..جد. ثم غابت عن الوعي من شدة الضربات التي تلقتها على يد عامر. حاول ماجد رجها بشدة كي تستيقظ لكنها لم تستجيب له، فصرخ عالياً باسمها:
_رهااااااف. بينما كان ماهر يقف بصمت وآدم ينتظر بالخارج لا يستطيع الدخول وقلبه كاد أن يخرج في مكانه من خوفه على رهف. هب ماجد من مكانه يلفح عامر بنظرات كالجحيم، ثم أمسكه من تلابيب ملابسه يصيح فيه حدة وغضب: _عملت فيها كده ليه؟ عملت لك إيه عشان تعمل فيها كل ده؟ نظر ماهر إلى عامر منتظراً إجابته، ليهتف عامر وبدا وكأنه حقق نصراً عظيماً وقال:
_دي تستاهل أكتر من كده، أنا دافعت عن شرفي اللي الحقيرة دي كانت عايزة تدنسه في التراب، الهانم زبطها مع الدكتور، وعاملة فيها عيانة وهي مقضياها. فغر ماهر فاه من الصدمة وأحس بالخزي مما فعلته أخته. بينما لم يصدق ماجد حرفاً واحداً مما قاله عامر وقام بلكمه بقوة في وجهه وهو يصيح بغضب: _انت كداب. رهف اختي ما تعملش حاجة زي كده. ل يضحك عامر بقوة وبدا وكأنه لم يتأثر باللكمة:
_اللي تعملها مرة تعملها عشرة، مش جديدة عليها، بس وشرفي لأفضحها في كل حتة. لم يشعر ماجد بنفسه إلا وهو يكيل الضربات لعامر بكل قوته، حتى أوقفه ماهر وهو يقول: _كفاية، هيموت في إيدك. ليتركه ماجد على مضض وهو يتفل عليه: _اتفو عليك، وربي ما أنا سايبك على اللي عملته في اختي. لينهره ماهر ويقول بضيق: _طب شوف أختك الأول، عملت فينا إيه وفضحتنا إزاي، بعدين اتكلملي. ليتذكر ماجد أخته الغائبة عن الوعي فيحملها بسرعة ليغادر المنزل.
غير مبالٍ بهمهمات الناس والتي ازدادت بخروجه حاملاً أخته ال فاقدة الوعي والواضح على وجهها آثار الاعتداء الوحشي. ليقف عامر خلفه ويهتف بصوت عالٍ يبدو على وجهه أمارات الشر ونظراته الشيطانية: _روحي وانتِ طالق يا حقيرة. أنا ما يشرفنيش أتزوج واحدة سافلة زيك والحمد لله إن ربنا كشفك على حقيقتك. رغم إحساس ماهر بالخزي مما فعلته أخته، لكنه اغتاظ من كلمات عامر فقال له بتحذير: _وربي لو كنت بتتبلى عليها، ما هرحمك يا عامر.
ليقول عامر بسخرية: _روح لم اختك يا كابتن. غلت الدماء في عروق ماهر ورمق عامر بشرارات قبل أن ينطلق ليلحق بأخيه. جلس ماهر بجوار الطبيب في السيارة بينما كان ماجد بالخلف يحتضن أخته بين ذراعيه. ليهتف ماهر بصرامة: _قول الحقيقة يا دكتور، كل حاجة انكشفت خلاص. نظره آدم لرهف من خلال مرآة السيارة أمامه ثم قال بألم:
_كل اللي قاله عامر مش صحيح، رهف كانت مريضة نفسية بتتعالج عندي وهو دخل علينا أثناء الجلسة وقال أنها بتخونه معايا وحصل اللي حضراتكم شفتوه دلوقتي. ليهتف ماهر بعدم اقتناع: _وإيه اللي خلاه يشك في كده؟ المفروض إنه عارف أنها بتتعالج عندك؟ _مكنش يعرف. رهف ما كانتش عايزة تشوفه وطلبت مني أمنع أي زيارات ليها. ليهتف ماجد بوجع: _ياااااه، اختي كانت تعبانة للدرجة دي واحنا مش حاسين. ليهدر فيه أخوه بغضب:
_استنى بس، أنت هتعوم على عومة، هتصدق التخاريف اللي هو بيقولها دي. أغمض آدم عينيه بألم: _صدقني أنت ما تعرفش الحقيقة، ولو عرفت الحقيقة لكونت هتبوس إيدين أختك علشان تسامحك. لدر ماهر بنفاذ صبر: _حقيقة إيه؟ ما تقول بقى وتخلص. _للأسف مش هقدر أعمل ده لأني أديت وعد لرهف إني مش هقول حاجة. ليصيح ماهر بغضب: _يعني إيه الكلام ده؟ ما أنا لازم أتأكد أختي كانت خاينة ولا لأ. ليهتف آدم بتهكم وهو يترجل من السيارة:
_هو أنت كنت اتأكدت في المرة الأولى أنها خاينة؟ من فضلك يا كابتن ماهر خليني ألحق الغلبانة دي قبل ما يجرى لها حاجة. نبقى نتكلم بعدين زي ما تحب. بعد حوالي ساعة قضوها في الانتظار خارج غرفة العمليات، خرج آدم وهو يزيل الكمامة عن فمه ويزفر بأسى مخلوط بالحزن ويقول لأخوتها: _منه لله، ما سابش في جسمها حتة سليمة. رهف عندها كسور في كل منطقة في جسمها. لله الأمر من قبل ومن بعد. عن إذنكم.
أجفل ماجد مكانه بعدم استيعاب ما حدث لأخته وعدم استيعاب الأمر برمته. حاول ماجد أن يستوقفه، فأشار له آدم بيده وهتف بغضب: _لو سمحت أنا مش فاضي أتكلم في حاجة دلوقتي. بس لازم تعرفوا إني هقاضي زوجها اللي اسمه عامر ده على اللي عمله. ولو حصل لرهف أي مضاعفات. أنا هحملكم المسؤولية كاملة. قال كلماته الغاضبة وهم ليعود مرة أخرى لغرفة العناية التي ترقد بها رهف. حاول ماهر أن يرد عليه بغضب لكن ماجد منعه:
_سيبه يلحق أختك يا ماهر. الظاهر إننا اللي ضيعناها فعلاً. هتف ماهر باستنكار: _أنت بتقول إيه أنت كمان؟ دي هي اللي ضيعت نفسها وضيعتنا. والدكتور اللي عمال يهبد في الفاضي ومحدش فاهم منه حاجة وممكن هو كمان متورط مع أختك. ليلكمه ماجد في وجهه هادراً بغضب: _كفااااية بقا. كفاااية. شكنا فيها هي السبب. تقدر تجيبلي دليل واحد على أن أختك عملت حاجة غلط؟ ليهتف ماهر بسخرية: _أمال حسن رماها ليه؟ ها، انطق. قال ماجد وقد
بدأ يعيد الموضوع في رأسه: _مش يمكن حد اعتدى عليها قبل الفرح؟ يعني ممكن تكون ضحية وإحنا ظالمنها. في ألف سبب للي حصل بس إحنا كلنا اخترنا السبب ده من غير ما نتحقق منه. اخترنا نظلمها وندعي عليها بالجُرم. بدل ما نقف جنبها وندعمها ونفهم منها بالراحة إيه سبب اللي حصل. ليقول ماهر بحنق: _ما أنت حاولت معاها كتير أنت وأبوك، النتيجة إيه؟ متكلمتش. _أنت قلتها متكلمتش. يعني ممكن متكونش عملت ده؟
ممكن تكون خايفة من تهديد علشان كده سكتت؟
فأحنا أخدنا سكوتها ده على أنها بتقر على اللي عملته علشان إحنا عايزين نصدق ده. محدش فينا وثق فيها رغم إننا عارفين أخلاقها كويس أوي. دلوقتي بس عرفت معنى نظراتها ليا. كانت نظرات كلها لوم وعتاب إني مش واثق فيها. إني صدقت إن قطتي البريئة ممكن تتخلى عن شرفها وهيه أبعد ما يكون عن ده. عرفت نظرات الخذلان اللي كانت في عينيها. رهف كانت منتظرة إننا نثق فيها ننفي أي كلمة وحشة اتقالت في حقها. لكننا للأسف شجعنا الناس إنها تتكلم أكتر في حقها بشكنا فيها.
قال كلماته ونظر لآدم الذي كان يستمع لما قاله بغيظ، فهو تأخر في فهم الحقيقة كثيراً، لذا هتف بغضب: _أخيراً فهمت. أخيراً فهمتوا. يا ريتكم كنتم فهمتوا ده من زمان بدل تسرعكم في الحكم عليها ورميها بالباطل. يا ريتكم كنتم السند والحماية ليها. مكانش ده كله حصلها وما خفي عنكم كان أعظم. ليقترب ماجد من آدم والدموع تترقرق في عينيه بندم على شكه في أخته وتخليه عنها، بينما وقف ماهر محله لا يستطيع أن يصدق أيهما الصدق:
_أرجوك يا دكتور احكيلي الحقيقة. إيه اللي حصل لأختي وأنا معرفوش. أنا دلوقتي بس أيقنت إني كنت مغيب. إني غلطت في حق أختي. إني مستاهلش إني أكون أخ. بس بالله عليك قولي علشان أقدر أصلح اللي عملته. كاد آدم أن يخبره بالحقيقة، لكنه أراد أن يعاقبه على ما اقترفه في حق أخته بألا يعرف الآن، فقال: _مش دلوقتي. في الوقت المناسب لما كلكم تثقوا في رهف.
قالها وهو ينظر لماهر الذي يقف بتخبط ولا يعي شيئاً، وتركهم ورحل مغادراً المشفى بأكمله. علمت سناء بما حدث من الجيران. فأهل البلدة جميعهم لم يعد لهم حديث سوى رهف وما فعلته. فانطلقت لاختها لتعلم منها التفاصيل أكثر. لتهتف سوسن بنحيب وهي تحرك جسدها للأمام وللخلف:
_والله ما أنا عارفة يا سناء يا ختي ولا بقيت فاهمة حاجة. البت حالفة لتموتنا ناقصين عمر بعمايلها السودا دي اللي محدش عارفها زابط ولا رابط. يا ميلة بختك في بنتك يا سوسن. يا ريتك ما خلفتي بنت يا سوسن. هتفضلي شايلة العار للممات يا سوسن. وضعت يدها على رأسها وبدأت بالنواح لتندب حظها. همت أختها لتخفف عنها فهي قاب قوسين أو أدنى من الجنون: _بس يا اختي متعمليش في نفسك كدا. ليجرالك حاجة.
لتنفض سوسن وكأنما أصابها مس من الجنون فعلاً: _ابعدي متحطيش إيدك عليا. محدش يكلمني. أنا لازم أغسل عاري بإيدي. لطمت سناء على صدرها بصياح: _يالهوتي. انتي عايزة تودي نفسك في داهية يا سوسن. لتنهض سوسن من مكانها لتتجه للمطبخ عاقدة العزم على فعل ما نوت عليه.
استغلت ملك فرصة غياب أمها عن المنزل وقررت الهرب لخالها في الإسكندرية تلجأ إليه عله يقنع أمها العدول عن فكرة الزواج بماهر. فهي كلما تفكر في أمر زواجها من ماهر تشعر وكأنها ستزف للموت لا لإقامة حياة سعيدة. فتحت خزانة أمها والتي تعرف أنها تحتفظ فيها بالمال وأخذت ما ظنت أنه سيكفيها للسفر وأرتدت ملابسها وخرجت من المنزل هاربة قبل أن تعود أمها.
عاد ماهر للمنزل عاقداً النية على أن يجمع ملابسه ويرحل ولا يعود لهذا البيت أبداً. فهذا البيت أصبح أشبه كاللعنة عليهم جميعاً. لذا قرر أن يفر منه متخليا عن الجميع دون رجعة. بمجرد أن دخل من المنزل سمع صرخات خالته سناء. فزفر بضيق ظاناً أنها علمت بما حدث وما فعلته أخته. فقرر تجاهل ما يحدث ويذهب لغرفته لكي يجمع ملابسه.
بعد أن جمع حاجياته في حقيبة صغيرة وخرج من باب الغرفة، لمح أمه تخرج من المطبخ ويعتلي وجهها أمارات الشر حاملة في يدها سكيناً وسناء خلفها تحاول أخذها منها لكنها لم تفلح. فعلم ما تحاول أمه فعله، فخاف عليها واقترب منها: _هاتي السكينة دي يا ماما. لتخفي سوسن السكين خلف ظهرها حتى لا يأخذها: _لا، أنا لازم أغسل عاري بإيدي. طالما رجالة البيت مش عارفين يعملوا ده. لتنقلب أعين ماهر بنظرات مميتة:
_معاكي حق يا ماما. عارنا كان لازم يتغسل من زمان. بس متقلقيش. أنا بنفسي اللي هعمل ده. فهو قد قرر أن يتخلص من أخته التي لم تجلب لبيتهم الهادئ سوى الهم والعار. ومن ثم يبتعد عن البيت نهائياً دون رجعة. ابتسمت سوسن بشيطانية وأعطته السكين ليأخذها ويخبئها في ملابسه وينطلق للمشفى. بينما تلطم سناء على خدها خوفاً على عريس ابنتها الذي سيضيع نفسه هباءاً. أما سوسن فجلست بهدوء بوجه خال من الملامح وكأنها ارتاحت لما سيفعله ابنها.
في المشفى مساءً، تحديداً في غرفة مكتب آدم. ألح ماجد وأبيه الذين جاءوا إليه ليطلعهم على الحقيقة كاملة، فهم لن يستطيعوا الانتظار أكثر، فهم أحق من يعلم بما حدث لابنتهما. اضطر آدم أن يقص عليهم الحقيقة كاملة بعدما رأى حبهم الصادق لرهف في عينيهم.
تخشبوا محلهم من الصدمة ولم يستطع أن ينطق أي منهم من هول ما سمعوا وما تعرضت له رهف من أجل حمايتهم، فجلسوا فاغرين فيهم وكأن على رؤوسهم الطير. فقط تهطل الدموع أسفاً على ما مرت به ابنتهم وحدها دون سند أو ونيس. لكن ما قطع صدمتهم ليفجعهم بصدمة أخرى أشد وطأة مما سمعوا.
دخول ماهر عليهم حاملاً في يده سكيناً تقطر بالدماء ويصيح بهستيرية، فيبدو أنه استمع لما قاله آدم ليعرف حقيقة ما حدث مع أخته وأنها فعلت كل هذا من أجله. خوفاً عليه هو وعلى مستقبله في حين أنه لم يفكر بها يوماً ولا ما يهمها. تحملت أن يخوض الناس في عرضها. ولا ترى مكروهاً يصيبه. _رهف عملت كل ده علشاني؟ خايفة عليا وعلى مستقبلي؟ ضحت بحياتها ومستقبلها علشاني أنا. علشان مين؟
علشان أخوها اللي عمري ما وقفت جنبها في يوم من الأيام. عمري ما كنت بعطيها ريق حلو. طول عمري كنت جاف وحاد معاها. اللي ضربتها وذلتها وبهدلتها. اللي كنت مستعد أقتلها لو مست مستقبلي بسوء. ثم نظر للسكين في يده وبدأ يضحك بجنون: _السكينة أهي. فكرت لما أقتلها هغسل عاري وهقتل واحدة متستحقش إلا الموت. لكني اكتشفت إني... إني قتلت البراءة والطيبة والطهر اللي لو اتجمعوا واتوزعوا على بنات العالم كلها هيغطي ويفيض. لاااااا... رهف...
لا. انتفض الجميع من مقعدهم بتصريحه ورؤيتهم السكين في يد ماهر والتي كانت تقطر دماً. ليقترب منه ماجد يضربه. غير مصدق ما فعله: _انت عملت إيه؟ انطق عملت إيه. لا رهف انت مقتلتهاش صح. ليجثو ماهر على ركبتيه بندم شديد على ما فعله في أخته. ليصيح ماجد وبعدها آدم ووالدها بقوة تحمل من الوجع والندم والأنين والحزن ما يُسمِع الكرة الأرضية بأكملها من شدة الألم والحسرة: _لاااااااااااااااااااااااااااااااااا.
_ررررهف لاااااااااااااااااا.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!