الفصل التاسع خلص جاسر قراءة مذكرات فرح وقلبه بيتقطع، وقعد يعيط شوية زي الأطفال. عدى الزمان واتحطم على إيد واحدة ست، ما كانش متخيل إن في حد ممكن يحب حد للدرجة دي. لكن في لحظة، مسح عينيه وقام وقف بإصرار.
جاسر: ده مش وقت إني أقعد أعيط أو أزعل وأنهار. أنا حبيتها زي ما هي حبتني في الفترة دي، عشان كده مش ممكن أسيبها تضيع مني بالبساطة دي. أنا هعمل كل جهدي عشان أرجعها تاني، أياً يكن هي فين. ولازم أعمل ده بسرعة، لأني مش هقدر أستحمل بعدها عني كتير. خرج جاسر من الأوضة وهو ماسك مذكراتها بين إيديه كدافع ليه في مشواره. جاسر: قوم معايا يا فادي، إحنا هننزل سوهاج دلوقتي حالا. فادي: سوهاج؟ سوهاج إزاي بس؟
ده إنت لسه تعبان، طيب اصبر شوية لبكرة. جاسر: مفيش صبر. أنا وعدت والدة فرح إني هرجعها، وهرجعها بإذن الله. ولو هي عند رابح ابن عمها وهو مخبيها، مش هرجع إلا بيها، بس بعد ما أدفنه هناك الأول تحت بيته. فادي: طيب اجهز الحرس الأول يبقوا معانا. جاسر: لا، أنا وانت بس اللي هنروح. لو هو راجل بعمايله دي، يبقى هو لسه ما قابلش رجالة في حياته.
رحمة: بس أنا سألته على فرح، قال إنه ما يعرفش أي حاجة عنها، وسأل إيه اللي جرالها عشان بنسأل عنها هناك. فادي: ماهو يمكن يكون كذاب وبيعمل كده عشان نبطل ندور عليها عنده، وممكن يكون حابسها أصلاً زي ما كان حابس الحاجة نصرة. جاسر: لو بيكذب، هعرف أنا. مش صغير. يلا بسرعة يا فادي عشان نلحق نروح ونرجع قبل الليل. ولو هي هناك، هترجع معايا، بس بعد ما تحضر عزى ابن عمها.
وبعد نص الليل، عند رابح، كان قاعد في الكرسي بتاعه وحواليه رجّالته، وملامحه كلها غضب وهو بيزعق في الرجالة. رابح: كيف يعني مش لاقيينها؟ وناس مين دول اللي بتقولوا إنهم بيتجسسوا عنها كل يوم مطرح ما بتشتغل؟ وليه ما جبتوش جرارهم قبل ما تيجوا؟ هو أنا مشغل معايا رجالة ولا شوية نسوان؟ هنا رد عليه صوت تاني ما كانش متوقعه أبداً، وكان جاسر.
جاسر: أتمنى إنك تكون مشغل معاك نسوان صحيح، بس يبقى اللي مشغلهم راجل، حتى عشان شكلك كصعيدي وكده يعني. رابح: وتطلع مين جنابك عشان تدخل داري كده من غير إذن؟ آه، إنت جاي مع الأخ؟ يا مرحب، اتفضلوا، أهلاً وسهلاً. جاسر: فين فرح يا رابح؟ وديتها فين؟ وما فيش حد لاقيها ولا عارف طريقها. فادي: أنا لما كنت عندك آخر مرة، أنا ورحمة، قلنا إنك هتعرف تاخد اللي إنت عايزه بطريقتك. كنت تقصد إيه بالظبط وقتها؟ إنك هتخطفها مثلاً يا رابح؟
رابح: اهدوا يا رجالة واستنوا لحظة واحدة بس واسمعوا الكلام اللي هيتقال. يا سالم، جبت اللي طلبته منك ولا طلعت كيف البجر دول. سالم: الراجل اسمه جمال البنهاوي، وبنته اسمها أشكي. هم دول اللي واخدين الرجالة اللي بيتجسسوا على ست فرح وعايزين يخطفوها بأي شكل.
رابح: أنا ما أعرفش حاجة يا بشوات عن مكان فرح، بس لو في حد يعرف، هيبقى جمال البنهاوي وبنته. اللي إني بعت رجّالتي يعلموهم الأدب. ولو فرح حداهم يرجعوها. أكيد في حاجة بينكم خليتهم عايزين يأذوا فرح، بس صدقوني، فرح أنا ما شفتهاش من وقت طويل ولا أعرف مكانها. لاقيها يا أستاذ وحلال عليك، لأنه واضح إنك بتحبها، وأنا خلاص من النهاردة فرح أختي وبس.
جاسر: كده إنت براءة، وهبعتلك على الفرح عشان تيجي تحضر وتشرفنا، وشكراً على الواجب يا رابح. خرج جاسر وفادي من عند رابح، وفادي حاسس بغضب شديد من تصرف جاسر هناك وخروجه بدون أي رد فعل. فادي: أنا عايز أعرف إنت إزاي خرجت كده ببساطة؟ إيه، صدقت كلامه والشوية اللي عملهم قدامك دول ولا إيه؟
جاسر: أيوه صدقته. لو في حاجة اتعلمتها من الدنيا يا فادي، فهي إن بصة واحدة في وش اللي قدامي كفاية عشان أعرف هو صادق ولا كذاب. ورابح ما بيكذبش، هو فعلاً ما يعرفش فرح فين. ولو كان يعرف، أنا كنت هعرف على طول. فرح مش عنده. فادي: طيب وجمال البنهاوي وبنته أشكي إيه دخلهم في اختفاء فرح؟ دول كمان؟ فجأة اسمهم ظهر، أنا ما جاش في بالي خالص إني أدور وراهم. جاسر: أقولك على حاجة؟
حتى جمال البنهاوي وبنته ما يعرفوش فين فرح، ولا حتى قبلوها. هم تقريباً كانوا عايزين يضغطوا عليا بيها لما حسوا إن في حاجة بيني وبينها من رجّالتهم اللي بيراقبونا، وكانوا عاوزين يضغطوا عليا بيها عشان الصفقة وتخيلوا إن في حاجة بتربطنا، فكانوا عايزين يعملوا فيها حاجة عشان أخضع لهم وبس. أغبية، بس هما ما يعرفوش عنها حاجة حالياً. صدقني، ومع ذلك أنا عايزك تقرص ودانهم. ابعت لهم حاجة كده هدية من هدايا ولاد الشافعي، حاجة سبيشيال، عشان يعرفوا بعد كده هما بيتعاملوا مع مين. ويا ريت شركتهم اللي طالعة زي قلتها في السوق دي ما يبقالهاش وجود.
فادي: اعتبره حصل. بس دلوقتي إحنا لسه زي ما إحنا، ما نعرفش فرح فين، ولا عندنا أي معلومة عنها. يعني كأنك يا أبو زيد ما غزيت. وجينا وراجعين على الفاضي. جاسر: أنا عارف أنا هعمل إيه وهعرف مكانها إزاي. إنت بس تنفذ اللي أنا طلبته منك، وقول لرحمة تطمن والدة فرح إني عرفت مكانها، وشهر ولا اتنين وهجيبهالها، وهاجي. ولو قالتلك ليه المدة دي كلها، قولها أصل فرح تعبانة شوية. فادي بتعجب: تعبانة إيه وشهرين إيه؟
هو إنت فعلاً عرفت هي فين ولا بتقول كده وخلاص؟ أصل إنت كده تبقى بتعشمهم على الفاضي، وهما مش ناقصين والله يا جاسر. جاسر: اعمل بس زي ما بقول لك يا فادي. وأنا هتصرف. أنا مش هغمض عيني لما أعرف مكانها في خلال يومين إن شاء الله بالظبط، وهتشوف. أنا شاكك في حاجة وهمشي وراها. وفي المستشفى، في مكتب سامح، تاني يوم كان قاعد بيراجع شوية ورق قدامه، لما جاله اتصال من رانيا ورد عليها.
سامح: الو، أيوه يا حياتي، أنا في المكتب بخلص شوية ورق وجاي على طول. هتحتاجي حاجة وأنا جاي؟ رانيا: آه، هحتاج شوية أكل للتلاجة، وغيار الجروح بتاعي خلص برضه، وهتجيب المطلوب بقى بتاع كل يوم، ما إنت عارف. سامح: أكيد مش هنسى حاجة ومش هتأخر إن شاء الله. أنا هي نص ساعة وهنزل على طول، هجيب الحاجات وأرجع، مش هتأخر عليكي. رانيا: طيب، مش هتقولي وحشتيني زي كل يوم ولا هنقفل كده؟ سامح: هههه، لا هقول و...
وفي اللحظة دي، اتفتح الباب ودخل جاسر قبل ما سامح يكمل كلامه. جاسر: عايز أتكلم معاك شوية يا دكتور سامح، بعد إذنك لو ينفع يعني. سامح: طيب يا رانيا، هكلمك تاني. عندي كشف، سلام يا حبيبتي دلوقتي... اتفضل يا أستاذ جاسر، أهلاً وسهلاً، أنا تحت أمرك. جاسر: الأمر لله يا دكتور سامح. أنا كنت عايز أسألك عن فرح، بس مش أكتر. سامح بتوتر: مالها فرح؟
كلنا قالبين عليها الدنيا بقالنا أكتر من شهرين ونص ومش عارفين هي فين، والله حتى البوليس لحد دلوقتي مش عارف هي فين. جاسر: آه، ما أنا عارف. بس إنت مش شايف إنها حاجة غريبة يعني، إنك تبقى زميلها في الشغل وصديقها المقرب، وما بتدوروش عليها زينا ولا قلقان؟ هو إنت تعرف حاجة عن سبب اختفائها مثلاً؟ وهي اللي مطمناك كده؟
سامح: أبداً، أنا زيي زيكم. وبعدين أنا كنت بدور معاهم كل يوم، وممكن تسألهم وتتأكد من كلامي، بس الموضوع بصراحة أصبح صعب، وسبناه في إيد البوليس. جاسر: فهمت. أنا أسف جداً يا دكتور لو عطّلتك، ومتشكر على وقتك الغالي. سامح: لا شكر على واجب، في أي وقت أنا موجود. وخلي بالك من صحتك.
بعد كل الفترة دي من غياب فرح، كان اليأس اتملك منهم كلهم، إلا رحمة وجاسر. وكل فرد كان مستني رجوع فرح. سامح، بعد ما فاقت رانيا من الغيبوبة، اتجوزها وحبها بجد. بعد ما خرج من المستشفى، اشترى كل المطلوب ورجع البيت. فتحت له بابتسامتها المعتادة، وقفلت الباب وراه. رانيا: ها يا حبيبي، جبت كل المطلوب؟ أوعى تكون نسيت حاجة زي عادتك. سامح: أبداً يا حياتي، ما نسيتش أي حاجة. وراجعي بنفسك الطلبات.
رانيا: طيب، هو لسه ما فيش جديد خالص، وما حدش كلمك؟ الموضوع بدأ يقلق. سامح: أبداً، بس أنا بحاول برضه مش ساكت. ما تقلقيش، إن شاء الله خير. وهم بيتكلموا، خبط الباب، وبص لها سامح بسؤال، وسابها وراح فتح الباب عشان يتصدم بجاسر قدامه. جاسر: إيه يا دكتور؟ هتسيبني واقف قدام الباب كده كتير، ولا هتقول لي اتفضل وتدخلني؟ سامح: لا طبعاً، اتفضل يا أستاذ جاسر. بس هو في إيه؟ إنت مراقبني؟
جاسر بغضب: بصراحة، آه مراقبك. عشان شاكك فيك. هتقولي بقى فين فرح، ولا أدخل أدور بنفسي عليها؟ ... انطق بقى، حرام عليك. أنا بقالي أكتر من شهرين بموت، عارف يعني إيه بموت؟ سامح بحزن: كان غصب عني يا جاسر، والله إنت مش فاهم حاجة. جاسر: سيبني أفهم اللي أفهمه. أنا متأكد إنها هنا، ومش هستناك تقولي مكانها. وسع من قدامي، وأنا هدور بنفسي عليها وهلاقيها.
وفعلاً، زاح جاسر سامح من سكة هو ورانيا، ودخل في الشقة يدور ويفتح كل باب ويقفله، لحد ما فتح الباب اللي خلاه واقف مصدوم من الصدمة، وعينيه اتملت بالدموع لما شاف فرح ممددة على سرير في أوضة مجهزة زي العناية المركزة، وشها أصفر، وملامحها بهتانه، وعينيها مليانة دموع، وكأنها بتلعن حظها اللي خلاه يشوفها بالمنظر ده. جاسر بصدمة: إنتي فرح؟ وبالحالة دي ليه؟ هو إيه اللي حصل؟
وأنا مش عارف، أنا مش فاهم أي حاجة. ردي عليا، حصل لك إيه يا قلبي؟ وصلتِ للحالة دي إزاي؟ فتحت فرح بقها بكل تعب، وعينيها مليانة دموع. فرح: ليه يا جاسر جيت تدور عليا؟ ليه؟ حرام عليك، أنا ما صدقت إن كل حاجة هتخلص على خير. جاسر: حرام عليا أنا؟ أنا اللي حرام عليا؟ أنا حالا عايز أفهم إيه اللي بيحصل هنا بالظبط، وإلا مش هيحصل خير. إنت بتعمل فيها إيه يا دكتور يا محترم؟ سامح: فرح خدت قلبك يا جاسر، وأدّت لك قلبها عشان إنت تعيش.
فرح: اسكت يا سامح، أرجوك ما تنطقش بولا كلمة. جاسر بصدمة: خدت قلبي إزاي دي؟ قالت لي إنها لقت متبرع. لا لا، إنت أكيد كذاب. مش ممكن أكون أنا السبب في حالتها اللي هي فيها دي؟ مش ممكن أكون السبب في وشها الدبلان، وضحكتها اللي اختفت، والمنظر اللي هي فيه ده. يعني إيه يا فرح؟ أصل لو هو كلامه صح، يبقى إنتي خدعتيني. خدعتيني يا فرح وضحكتي عليا عشان أنا أعيش وإنتي تقضي عمرك كده؟ مين اللي سمح لك إنك تعملي كده؟
مين اللي أدالك الحق إنك تخليني أعمل حاجة أنا عمري ما كنت أوافق عليها أبداً؟ فرح: اسمعني عشان خاطري يا جاسر، اديني فرصة أشرح لك. جاسر: تشرحيلي إيه؟ في إيه لسه تاني تشرحيه؟ أنا مش مصدق ولا متصور اللي إنتي عملتيه. سامح: عشان هي ما كانتش بتفكر بعقلها يا جاسر. اسمعها الأول هتقول لك إيه.
جاسر: أنا مش عايز أسمع صوتك، مش عايزك تتكلم. إنت كنت شايفنا وإحنا قالبين الدنيا عليها وهنموت من القلق، وما هانش عليك تعرفنا مكانها. إنت إزاي أصلاً سمحت لها إنها تعمل حاجة زي دي؟ كان عقلك فين؟ بلاش عقلك، ضميرك فين كدكتور، لما تاخد زهرة شبابها وصحتها وتديهالي؟ فرح: أنا كان لازم أعمل كده يا جاسر، صدقني. جاسر: مفيش حاجة تبرر لك اللي إنتي عملتيه. سامح: لا، في. جاسر: لا، ما فيش. وقلت لك ما تتكلمش.
فرح بتعب: أرجوك يا جاسر اسمعني، اديني فرصة أقول لك إيه اللي حصل. جاسر: مفيش فرصة يا فرح. أنا مش عارف إنتِ إزاي عملتي كده. أنا ماشي، وخلي في علمك إني مش مسامحك على الحالة اللي إنتي فيها دي، واللي إنتي فاكرة إنك ساعدتيني بيها، ومخلّياني دلوقتي كاره نفسي وكاره الدنيا باللي فيها. أنا مش مصدق إزاي تعملي فيا كده بعد ما اديتيني أمل في الدنيا. سامح بغضب: هو في إيه؟ إنت ليه مش عايز تسمع حد غير نفسك؟
جاسر: ومش هسمع حد، وبالذات إنتِ. أنا مش قادر أستوعب لحد دلوقتي اللي إنتي عملتيه، عشان كده أنا ماشي ومش هتشوفي وشي تاني أبداً.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!