الفصل 10 | من 51 فصل

رواية ليتني لم احبك الفصل العاشر 10 - بقلم شهد الشوري

المشاهدات
21
كلمة
5,104
وقت القراءة
26 د
التقدم في الرواية 20%
حجم الخط: 18

بتهدئة: أكمل، اهدى. جيانا هتفهمك كل حاجة براحة. أكمل بغضب وهو ينظر لابنته التي تنظر أرضًا، ملامح وجهها حزينة وخائفة: يكون أحسن ليها إنها تفهمني كل حاجة دلوقتي، وإلا... قاطعته قائلة وهي مازالت تخفض وجهها أرضًا لكن نبرة صوتها حزينة نادمة: كنت في سنة أولى لسه وشوفته في حفلة عيد ميلاد، ساعتها كنت أنت وماما مسافرين باريس في إجازة سوا. أخذت نفس عميق ثم بدأت تقص على والدها كل شيء بداية من أول لقاء حتى الآن. ***

حفلة عيد ميلاد أحد زملائها بالجامعة، وتدعى حبيبة، ابنة رجل أعمال كبير يدعى منصور المحمدي. كانت حفلة كبيرة تضم رجال أعمال كبار. حفلة فاخرة، الموسيقى العالية تنتشر بكل مكان. كانت تقف برفقة أصدقائها، وكانت من ضمنهم نادين وجيانا يضحكون سويًا. دخل للحفل بخطوات واثقة برفقة ابن عمه أيهم وأركان. فقد قام منصور بدعوتهم لحضور عيد ميلاد ابنته بسبب الشغل المشترك الذي سيدخلونه قريبًا.

ما إن دخلوا، وقعت أعين فريد على فتاة تضحك وتمزح مع بعض الفتيات. ألقى عليها نظرة من رأسها إلى قدمها. كانت ترتدي ملابس لا تليق بذلك الحفل. ملابس بسيطة لكنها لم تداري جمالها الفاتن. كانت ترتدي بنطال جينز أزرق وجاكيت جلد أسود أسفله تيشرت أبيض وحذاء أبيض أيضًا. بقى يحدق بها بشرود وهي تضحك وتتحرك بعفوية. كانت جميلة بحق. ليفيق من شروده على أركان الذي قال مشيرًا بعينيه على نفس الفتاة:

جيانا بنت أكمل النويري، المحامي، موجودة هنا. أيهم بتساؤل: أكمل مين؟ أجابه أركان قائلاً: أكمل اللي كان ماسك معظم شغل أبويا الله يرحمه زمان. وبعد لما اتوفى أنا سافرت، فهو ساب الشغل. أومأ أيهم برأسه. أما عن فريد، ظل يتابع بعينيه تلك الفتاة دون ملل وتعجب من نفسه كيف لفتاة لا يعرفها أن تسرق نظره هكذا. انتهى الحفل وبقى يتابعها بعينيه. كز أركان أيهم بيده قائلاً:

ماله مركز مع البت دي أوي من ساعة ما دخلنا الحفلة ومش شايل عينه منها. رفع كتفه بعدم معرفة. سبقهم وخرج خلفها عندما وجدها تغادر الحفل. وجدها تقف خارج الفيلا تبحث عن سيارة أجرة لكنها لم تجد. زفرت بضيق محدثة نفسها بضيق: تستاهلي يا جيانا، كان لازم يعني ترفضي تيجي مع السواق؟ اديكي مش لاقية تاكسي خالص. استمعت لصوت يأتي من خلفها قائلاً: تحبي أوصلك؟ "أفندم؟ عاد ما قال ببرود: تحبي أوصلك؟ أعطته ظهرها قائلة: شكرًا، مش عاوزة.

اقترب منها وقد اغتاظ من برودها في الحديث معه هكذا عكس بقية الفتيات، لكن تمالك نفسه قائلاً بتعريف عن نفسه: فريد الزيني. عرفته بالطبع، ومن لا يعرف فريد الزيني رجل الأعمال المشهور بعلاقاته النسائية المتعددة. أومأت له برأسها ولم ترد عليه، مغلقة أي حديث بينهم. اندهش من عدم تأثيره عليها مثل باقي الفتيات لتغادر من أمامه راكبة التاكسي متوجهة لفيلا جدها. أركان وهو يقف بجانب فريد مرددًا:

جامدة البت دي بس صعبة أوي. ده كان فيه مرة كنت عند أبوها في المكتب ولقيتها مسكت محامي هناك تحت التدريب ومسحت بيه الأرض عشان بس عاكسها. فريد بغرور: مفيش حاجة تصعب على فريد الزيني. وحياتك، بكرة تجيلي برجليها. أركان برفعة حاجب: ده اعتبره تحدي يعني؟ فريد بتحدي وثقة: أكيد. وهطلع من كسبان. أركان بحماس: الرهان على إيه؟ فريد بابتسامة صغيرة: مليون منك لو أنا كسبت، ومليون مني لو أنا خسرت. أركان وهو يصدم كأسه بكأس فريد:

اتفقنا يا بن الزيني. أيهم بملل: أنا شايف إنكم كبرتوا الموضوع أوي. وبعدين تحدي إيه ورهان إيه؟ البت باين عليها من النوع اللي ملوش في الشمال. فككوا منها وقولوا هنسهر فين النهاردة. فريد ببرود:

بخصوص البت دي، انسى إني أفكر فيها. دخلت دماغي وعجبتني ولازم أحط بصمتي وبعدين أبقى أبعد. وبعدين ميغركش بالمنظر والهيئة والحركات، ممكن يكون كل ده تمثيل. أما بخصوص سهرة بالليل، هتكون في الفيلا عند أركان وهخلي سها تبعتلنا تلت بنات جامدين على هناك. أيهم وأركان بحماس: أوكي، يلا بينا. *** في اليوم التالي بشركة الزيني.

يجلس بمكتبه، يمسك بيده ذلك الملف الذي يحوي كل المعلومات التي تخصها. وقد طلب من أحد رجاله أن يأتي بها. ابتسامة جانبية علت ثغره وهو يقرأ بعينيه كل شيء عنها. ابنة محامي كبير، لديها أخوان، قاربت على العشرين من عمرها، بسنتها الأولى بالجامعة، تدرس الصحافة. مكتوب مواعيد خروجها والأماكن التي تتردد عليها. رجع بظهره للخلف وهو يردد: شكل التحدي المرة دي هيكون مسلي أوي.

مرت أيام يحاول التقرب منها، ولكنها بكل مرة تصده، رافضة كل محاولاته للتقرب منها أو إيقاعها بحبه. ليجد نفسه هو من يغرق بحبها يومًا بعد يوم. ونسي الرهان ونسي كل شيء. وكلما رآها ذاب بها أكثر. مختلفة عن كل الفتيات، جميلة، مجنونة، شرسة الطباع، بسيطة ومتواضعة رغم مكانتها الاجتماعية. بأحد الأيام خرجت من جامعتها لتجده مثل كل يوم ينتظرها، يستند بيده على سيارته. وتقدم منها عندما وجدها تخرج، لكن ما إن رأته مشت سريعًا

متجاهلة نداءه: استنى بس اسمعيني. التفتت للخلف فجأة ورفعت إصبعها بوجهه قائلة بشراسة: اسمع يا جدع أنت، بطل تمشي ورايا في كل مكان وبطل اسطواناتك دي. وخليك فاهم إني مش من البنات اللي هتضحك عليهم بكلمتين، فاهم؟ ابتسم ثم قال بغزل مفاجئ: عارف إنك مش زيهم. انتي مش زي حد أبدًا، انتي ست البنات. حاولت قدر الإمكان أن تخفي خجلها من غزله المفاجئ بها لتقول بغضب:

احترم نفسك أحسن لك، ياما والله مش هيحصل لك طيب. وبطل الشويتين دول عشان مش هيخلوا عليا، سامعة؟ أنهت ما قالت ثم أوقفت سيارة أجرة وذهبت من أمامه، تاركة إياه ينظر لأثرها بابتسامة وهو يردد: شكلك هتتعبيني معاكي يا جيانا.

مرت الأيام وهو يحاول التقرب منها بكل الطرق. ينتظرها أمام الجامعة، يهاتفها، لكنها لا تجيب، لا تستمع له، لا تعطي له بال. أو هكذا حاولت أن تظهر. فبحركاته تلك كان يرضي أنوثتها وكبريائها. لتبدأ تشعر أن الإعجاب الذي كانت تكنه له يتحول لشيء أكبر. هي لا تريده أن يحدث.

بأحد الأيام كانت تخرج من جامعتها برفقة صديقتها نادين وعلا، ذاهبون لأحد المطاعم ليتناولوا الغداء سويًا، غافلين عن ذلك الذي كان يتابعهم من بعيد، ينظر لكل حركة يقومون بها بشرود وابتسامة صغيرة ارتسمت على شفتيه. وقد نسى الرهان والاتفاقية. وهنا بالضبط شعر بأن السحر انقلب على الساحر. أراد أن يوقعها بغرامه ليحصل على ما يريد، ليجد نفسه ذاب في هواها، بل وأصبح يهيم بها عشقًا.

أثناء ما كانت تتحدث، وقعت عيناها عليه لتزفر بضيق وتُشيح بوجهها بعيدًا عنه. ليبتسم هو عندما رآها تنفخ بضيق طفولي. ليجدها تنهض فجأة بعد أن استأذنت مهم لتغادر تحت استغرابهم الشديد، فقد كانت فكرة الخروج فكرته. لتخرج من المطعم تمشي بسرعة عندما لاحظت خروجه خلفها. وأثناء سيرها يلتوي كاحلها لتقع أرضًا صارخة بألم: آه. اقترب منها سريعًا قائلاً بقلق وهو يتفحص قدمها: أنتي كويسة؟ بتوجعك؟ دفعت يده بعيدًا عنها وهي تقول بألم:

ابعد إيدك. زفر بضيق ثم قال: تستاهلي عشان تبقي تهربي مني تاني. نظرت له بغيظ ثم صاحت بغضب: وأهرب منك ليه؟ تطلع مين أنت؟ أعرف منين أصلًا؟ ابتسم بزاوية فمه ثم قال وهو ينظر لعيناها: بتهربي مني عشان خايفة تحبيني أكتر. وأنا مين؟ أعرفك بنفسي؟ فريد الزيني، عاشقك يا بنت النويري. ولازم تعرفيني كويس وتتعودي على وجودي، لأن من هنا ورايح هكون جزء حياتك. نظرت له ثم قالت بغضب مصطنع، محاولة عدم إظهار تلك الابتسامة

التي ظهرت على شفتيها: أنت شخص جريء ووقح أوي... ابعد إيدك. عندما جاءت لتقوم تأوهت بألم: آه. نظر لقدمها بقلق ثم قال: لازم نروح المستشفى. "ملكش دعوة." زفر بضيق ثم قال: هو أنتي لسانك طويل كده على طول؟ متعرفيش تتكلمي بلباقة وأدب أبدًا؟ نظرت له بغيظ ثم قالت: مع اللي زيك بس بتكلم كده. هدر بها بغضب: لمي لسانك أحسن لك. بتحدي ردت عليه قائلة: ولو ملمتهوش هتعمل إيه؟ انتي أصلاً إيه اللي موقفك معايا؟ نظر لها بغيظ ثم قال بنفاذ صبر:

أنتي رغاية ليه؟ اللي زيك أصلًا مينفعش معاهم الأدب، لازم الحاجة تكون بالعافية معاهم. بلحظة كان يحملها بخفة بين يديه ويسير باتجاه سيارته، لتصيح عليه هي بغضب: أنت بتعمل إيه يا بني آدم أنت؟ نزلني والله هصرخ وهقول خاطفني... نزلني يا زفت. أدخلها للسيارة عنوة ثم قال بغضب وتحذير: اتهدي بقى، وقسمًا بالله لو لسانك طول تاني هسكتك بطريقة مش هتعجبك، بس واثق إنها هتعجبني أوي.

قال الأخيرة وعيناه ثبتت على شفتيها التي تتحرك بسرعة أثناء حديثها وتغريه بشدة لكي يقترب منها ويشبعها تقبيلًا. وصل إليها مغزى كلماته ورأت نظراته الوقحة، فصرخت عليه قائلة بحدة: أنت قليل الأدب... صحيح، هستنى إيه من واحد كل يوم في حضن واحدة؟ أكيد هيكون سافل وقليل الأدب ومش متربي. زفر بملل ثم انطلق بالسيارة وهو يردد: يا الله... يا بت اتلمي، همد إيدي عليكِ. ردت عليه بغضب وهي تحاول فتح الباب الذي أغلقه: تصدق خوفت...

نزلني حالًا بقولك، وافتح الزفت ده. رد عليها باستفزاز: تؤ... هنروح المستشفى الأول نطمن على رجليكي وبعدين هوصلك لحد بيتك. زفرت بضيق ثم قالت: متشكرة، مستغنية عن خدماتك... روحني ع البيت. قاطع حديثها رنين هاتفها وكان المتصل ابن خالتها يخبرها بضرورة مجيئها لمنزلهم مساءًا لأن والده يريدها بشيء هام: خلاص هاجي، متزنقش كتير. أنت الظاهر من كتر قعدتك مع هناء كتير بقيت رغاوي زيها.

استمرت المكالمة لثواني ثم أغلقت الهاتف لتجد ذلك الذي يجلس بجانبها يقول بنبرة حاول أن لا تبدو غاضبة: بتكلمي مين؟ زفرت بضيق ثم قالت بابتسامة صفراء: وأنت مالك. التفت لها ثم قال بغضب: ردي عليا أنا، أنا على أخري منك، أقسم بالله هتشوفي وش عمرك ما شوفتيه. اظبطي وردي واتكلمي عدل. زفر بضيق: أوف. قال بغضب مرة أخرى: انجزي، بتكلمي مين؟ لم تجيب. هدر بها بغضب: ما تردي. نظرت له ثم قالت بحدة وعناد: قلت ملكش دعوة.

نظر لها بغيظ ثم قال: تصدقي إنك بت مستفزة. ابتسمت ببرود ثم ردت مستفزة إياه: شكرًا... تحب تضيف حاجة تانية؟ توقف على جانب الطريق وأزال حزام الأمان، مقتربًا منها وهو يقول بمكر: الظاهر إنك فعلاً مش بيمشي معاكي الأدب ولازم قلة الأدب. خشيت منه، لكنها لم تظهر ذلك. هدر به غاضبة: أنت بتعمل إيه يا حيوان؟ والله لو قربت له هكسرلك دماغك. قرص وخدتها بيديه وهو يردد بغرور: اتكلمي على قدك يا شطورة، واعرفي إن ابن الزيني مش بيتهدد.

نظرت له بتحدي قائلة: واديك اتحددت أهو. نظر لعينيها مطولاً لترتبك وتشيح بوجهها بعيدًا عنه. ليعاود هو القيادة وعيناه لا تتوقف عن مراقبتها. بعد دقائق قليلة وصل للمستشفى ونزل من السيارة متوجهًا وفتح الباب وساعدها على النزول. كاد أن يحملها لتقول هي بغضب: أنت هتعمل إيه يا بابا أنت؟ استحلتها ولا إيه؟ قال عاوز يشلني تاني قال. زفر بضيق ونفاذ صبر ثم ساعدها على النزول جاعلاً إياها تستند على يده، وهو يردد بداخله:

يالله الصبر من عندك. دخل الاثنان للداخل ثم دخلوا للطبيب. وبعد أن فحصها قال بجدية: مفيش حاجة، التواء بسيط. كتبلها على كريمات تحط منها وإن شاء الله يومين وتخف بسرعة. أومأ له وشكره الاثنان وخرجوا من عنده ليسألها هو بحنان واهتمام: حاسة بوجع؟ نبرته الحنونة، عيناه التي تنظر لها باهتمام جعلتها تتخلى عن عنادها لترد بهدوء: لا.

أحسنا، وأومأ لها وساعدها على المشي ونزلوا للأسفل حيث سيارته. وأوصلها للفيلا بعد ذلك توجهه لعمله وعقله لا يكف عن التفكير بها أبدًا. أما عنها دخلت للداخل تفكر به، تتساءل هل هو صادق أم مجرد خدعة فقط؟

مع ذلك لا تنكر دقات قلبها المتعالية عندما تتذكر قوله لها "أنا عاشقك يا بنت النويري". ابتسمت عندما تذكرت صوته وهو يقولها لها. لا تعرف ولكن يبدو أنها وقعت بحبه أو لا. هو مجرد إعجاب لا تعرف. لم تختبر تلك المشاعر من قبل، لا تعرف ماذا يجب أن تفعل. بعد تفكير طويل قررت أن تتركها للأيام وتحاول بقدر الإمكان الابتعاد عنه.

مر أسبوع ولم تخرج من المنزل، وقد أصر جدها أن تبقى حتى تتعافى كليًا، بعدها يمكنها الذهاب لجامعتها. ظاهريًا أظهرت اعتراضها، أما بداخلها ترى أن ذلك هو الحل الأنسب لكي تبتعد عنه، لعله يمل ويذهب ويتركها تتابع حياتها مثلما كانت من قبل. أما عنه، حاول بشتى الطرق الوصول لها. لم تأت لجامعتها، لا تجيب على الهاتف. لأول مرة يشعر بتلك اللهفة والشوق لرؤية أحد.

بعد مرور أسبوع قررت أن تخرج من المنزل، وقد تعافت قدمها. ستذهب للمكتبة لتشتري بعض الروايات والكتب لها، غافلة عن تلك السيارة التي تراقبها من بعيد، ولم تكن سوى لأحد رجاله الذي كلفه بمراقبتها، وعندما تخرج من المنزل يخبروه سريعًا.

عندما خرجت من المكتبة كانت تتفحص الكتب بعينيها ولم تنتبه للدرج الذي أمامها. كادت أن تسقط لتجد يد أحاطت بخصرها سريعًا تساعدها على التوازن، لتسقط الكتب أرضًا. رفعت عيناها لترى من أمسكها لتتفاجأ به هو، من تهربت منه تلك الأيام الماضية. تقابلت الأعين بنظرات طويلة، نظرات مليئة بالحيرة والتخبط والخوف، ولكن يطغى على كل ذلك شعور الاشتياق المتبادل.

ابتعدت عنه سريعًا لينحني هو يلتقط الكتب التي وقعت بيديه ويعطيها لها. أخذتهم منه ثم شكرته ومشيت سريعًا بعيدًا عنه، ليذهب خلفها، يمسك يدها سريعًا، يلفها له ثم قال: أظن أن احنا لازم نتكلم، والمرة دي من غير غضب أو عناد، وإلا إيه رأيك؟

كادت أن تعترض، لكن بداخلها تريد ذلك، تريد أن تسمعه، لتجد نفسها تومئ برأسها بهدوء. واللحظة التالية كانت يده تجذب برفق باتجاه سيارته، لينطلق بها. وخلف سيارته كانت سيارة أيهم ومعه أركان، الذي خرجوا خلفه سريعًا عندما وجدوه يخرج بتلك السرعة، فتتبعوه خشية عليه، ليتفاجئوا بما حدث. يتابعون ما يحدث بتعجب، ليقول أركان بصدمة: هو الرهان اتقلب بجد ولا إيه؟ شكل ابن عمك حبها. أيهم بضحك:

ياريت والله يكون بيحبها. البت تستاهل، باين عليها جدعة وملهاش في الشمال، وشكلها كده هتربيه من أول وجديد. ضحك أركان وتوجه الاثنان للشركة من جديد، غير مصدقين أن فريد وقع بالحب. توقف بسيارته على الشاطئ وظلوا بها، لتقول هي بدون تفكير: أنت عاوز مني إيه؟ التفت لها ثم قال بابتسامة: ما أنا قولتلك، عاشقك يا بنت النويري. أدارت وجهها ثم قالت بسخرية غير مصدقة: عشق مرة واحدة... هو كان قالك إنها هبلة عشان أصدق الكلام ده؟

سألها بهدوء: ومصدقيش ليه؟ التفتت له ثم قالت بسخرية وبعض الحدة: عشان أنا مش غبية وبسهولة أصدق إن فريد الزيني اللي سيرته زي الجنيه الدهب مرة واحدة بقى بيحبني. وفكرك يعني لو، ولو مية خط تحت لو، فعلاً بتحبني هقبل بيك؟ رفع حاجبه ثم قال بغرور: ومتقبليش ليه؟ في كتير يتمنوا. تنهدت بضيق ثم قالت بجدية: أنا بقى مش من الكثير دول، لأن ببساطة أنا مش بايعه نفسي يا بن الزيني.

في مثل بيقول: اللي فيه داء عمره ما بيبطله. يعني مهما كنت بتحبني زي ما أنت بتقول، طبعك واللي اتعودت عليه هيغلبك. جاءها رده السريع: هتغير عشانك. نظرت له ثم قالت بهدوء: غلط. لو هتتغير يبقى عشان نفسك. لو اتغيرت عشاني معنى كده إنك هتتغير لفترة مؤقتة، وهي لحد ما توصلي. الواحد بيتغير عشان هو بيبقى عاوز كده، مش عشان حد. أغمض عينيه ثم فتحها قائلاً: جيانا... أنا بحبك.

تجد رد لترد به عليه، تخشاه وتخشى القرب منه. قلبها يخبرها أن قربها منه لن يأتي لها سوى بالألم. بداخله مخاوف كثيرة منه ومن القادم، ومن قلبها الذي يبدو أن على وشك الوقوع بحبه إذا لم يكن وقع بالفعل. تنهدت بعمق ثم قالت دون النظر له: أنا عاوزة أروح. "جياااانا." ردت عليه بنبرة يغلب عليها الرجاء: لو سمحت ابعد عني. ولو كنت حابب تتسلى، في بنات كتير ينفعوا لكده، بس أنا لأ. أنا مش منهم ومش ناوية... ابعد عني ومتخلنيش أشوفك.

ثم نزلت من السيارة وتركته بدوامة من الأفكار. تلك الحيرة والخوف الذي يقرأه بعينيها، هو نفسه يعيشها. هو يخشى من الفشل بها، أما هي تخشى أن تجرح وتتألم.

أغمض عينيه بألم، وما إن فتحها وقعت عينيه على طفل صغير يلهو برفقة والديه بسعادة. ابتسم بمرارة. ربما لو كان عاش حياة يسودها التفاهم والود بين والديه بدلاً من المشاكل والمشاحرات المستمرة، لما وصل إلى ما هو إليه الآن. لما أصبح يخشى الارتباط والزواج، لما أصبح يخشى الفشل وأن يكون نسخة من والده ويفشل أن يكون أبًا جيدًا، وأن يأتي بزوجة تفشل أن تكون أم لأبنائه مستقبلاً. لما أصبح يمضي من أحضان أنثى لأنثى ليفرغ غضبه وحزنه بهم.

ليته يستطيع أن يصرح لأحد بمشاعره ومخاوفه تلك، لكنه يخشى مشاعر الشفقة من أحد. لقد عاش طفولته ومراهقته بين أب يسعى لإرضاء رغباته ويفعل ما يجعله سعيدًا فقط، وبين أم لا تبالي سوى بنفسها فقط، ليلاً ونهارًا. لا تتحدث معه سوى عن علاقات أبيه المتعددة أو عن زوجة أبيه التي أخذته منها بسبب إغوائها لهم. لم يستمع لهم سوى وهم يتشاجرون، والأغلب يكون بسبب تلك المرأة زينب زوجة والده التي أصبح يكرهها من كثرة شجارهم عليها. لم يهتموا

به، لم يكونوا معه بحياته التي قضاها فقط بين شجارهم وصراخهم، ولم يرى الحنان منهم أبدًا. لقد نسوا وجوده ولم يهتموا به.

لم يكن يتوقع بمخيلاته أنه سيقع بالحب. تلك الفتاة أراد أن يوقعها بفخه ليقع هو في عشقها دون أن يشعر. تعجبه كثيرًا، لكنه يخشى الفشل ويخشى جرحها أيضًا، لكنه لا يقوى على الابتعاد. أحبها وانتهى. انطلق بسيارته متوجهًا لعمله مرة أخرى، وعقله شاردًا بها فقط. ***

مرت ثلاثة أيام وهو يتجنبها، فقط يراقبها من بعيد عندما تخرج من جامعتها ويكلف رجاله بمراقبتها. أما عنها، حاولت إلهاء نفسها بعدم التفكير به، لكنها بكل مرة تفشل. لا تعرف لما أحبته وكيف أحبته، لكنها تذكرت تلك الجملة التي يقولها جدها دائمًا، وقد عرفت معناها للتو وتأكدت: "الحب مش بيكون حب لما تحب حد عشان فلوس أو جمال أو مال. الحب بيجي فجأة كده، بيجي من غير سبب... الحب قدر."

ذهبت اليوم لجامعتها. كانت تخرج من المحاضرة بعدما انتهت برفقة نادين، التي قالت لها: يا بنتي، نفسي أعرف طالما هو عجبك كده وحبيتيه، بتهربي منه ليه؟ جيانا بكذب وحدة: إيه؟ حبيتيه وبتهرب منه؟ جبتي الكلام ده منين؟ أنا أصلاً مش بطيقه، وأنا اللي قولتله يبعد عني. نادين برفعة حاجب: عليا أنا بردو يا جيجي؟ ده انتي هتموتي وتشوفي، وعنيكي عمالة تدور عليه في كل مكان. جيانا بضيق: بلاش هبل، هو أي كلام وخلاص. ويلا بقى خلينا نروح.

نادين بيأس: عندية ومستحيل تعترفي. زفرت جيانا بضيق وأسرعت بخطواتها وخرجت الجامعة لتلحق بها نادين سريعًا، ليتفاجأ الاثنان بفريد يقف أمامهم، يستند على سيارته، وقد كان بانتظار خروجهما. ما إن رأته جيانا، أسرعت بخطواتها بعيدًا عنه، لتجد يد نادين تمسكها وتشُدها سريعًا باتجاه فريد. وقبل أن تستوعب جيانا ما فعلته، وجدت نادين تصدمها أكثر بسؤالها لفريد: أنت بجد بتحبها؟ أومأت لها فريد باستغراب من سؤالها، لتُقال هي بابتسامة ومرح:

يبقى متسبهاش تهرب منك. هي عندية ومش هتعرف بمشاعرها بسهولة. اللي هي بتعمله دلوقتي اسمه هروب. متسبهاش تهرب منك. ثم تابعت وهي تلوح بيدها لجيانا بمرح: يلا باي يا جيجي. كادت أن تذهب، ليمسك يدها قائلاً بمشاكسة: رايحة فين؟ هي مش قالت متسبهاش تهرب منك؟ عايزاني أكسر كلامها؟ أبداً والله ما يحصل.

رفعت حاجبها ونظرت له بغيظ، لتتفاجأ به يسحبها ويجعلها تركب السيارة وهو بجانبها، متوجهًا لمكان بعيد هادئ خالٍ من الناس. بعد وقت توقفت السيارة ونزل هو منها أولاً، لتنزل هي خلفه تقول بحدة: أنا مش قولتلك مش عاوزة أشوفك؟ إيه مش بتزهق؟ ابتسم وأجابها بنفي وتصميم: لا مش بزهق، وعمري ما هزهق. قولتلك بحبك. صاحت عليه بغيظ: أنت عاوز توصل لإيه باللي بتعمله ده؟ مفكر إنك لما تطاردني في كل حتة وتفضل تقولي بحبك، إنك كده هتوصل لقلبي؟

اقترب منها ثم مال على أذنها وهمس بعشق: أنا مش عاوز أوصل لقلبك، لآني متأكد إني وصلتله خلاص. عنيكي اللي بتهرب مني دلوقتي وإنتي بتتكلمي، هروبك مني ده كله خوف من إنك تعرفي في حبي أكتر وأكتر زي ما أنا غرقِت في حبك. واللي حصل حصل... اللي عاوزة حاليًا أن تفضلي جنبي وتقولي الكلمة اللي نفسي أسمعها منك. سألته بتلقائية: كلمة إيه؟ ابتعد عنها وقال بحب وهو ينظر لعيناها: بحبك...

نفسي أسمعك بتقولي بحبك من قلبك زي ما قلبي من كل قلبه اعترف لنفسه ولكي إن غرق وداب في حبك. ردت عليه بحدة نابعة من خوفها من أن تنفضح مشاعرها: وأنا مش عاوزة كده. أقترب منها ورفع وجهها بيدها ثم سألها بحنان: أومال عاوزة إيه؟ أبعدت يده ثم قالت بحدة: عايزاك تبعد عني وبس. لانت نبرتها ثم سألته بحزن: أنت طلعت لي منين؟ أجابها مبتسمًا بهدوء:

أنتي اللي طلعتيلي وظهرتي قدامي وكأن ربنا بعتك ليا عشان تنوري حياتي وتكوني سبب في إني أتغير. صاحت عليه بغضب معترفة بما في قلبها: أنا مش عاوزاك... مينفعش أحبك ومينفعش إحنا الاتنين نكون لبعض. مسك يدها يهزها برفق مجبراً إياها على النظر لعينيه: ليه... ليه مينفعش؟ إيه اللي مينفعش يا جيانا؟ لم تجيب، ليتابع هو بحزن:

أنا عارف إن الماضي الأسود بتاعي ده كله كافي إنه يخليكي تفكري مية مرة قبل ما تقربي مني، بس مش بإيدي صدقيني. لو كنت أعرف إنك هتظهري في حياتي وإني في يوم من الأيام هحب واحدة للدرجة دي، كنت فضلت مستنيها عشان أكون ليها هي بس من غير ما أي واحدة تشاركها فيا. أبعدت يده قائلة بتعب وحزن: فريد مش هينفع... افهم بقى. ليرد عليها بحزن: عايزاني أفهم إيه؟ إننا منفعتش لبعض؟ أنا بحبك ومتأكد إنك بتحبيني، ده مش كفاية.

أغمض عينيه ثم فتحها متابعًا بحزن وقلة حيلة: آه أنا بتاع بنات وفيّ كل العبر، بس بحبك. أعمل إيه يعني؟ أنا مقدرش أغير الماضي بتاعي، بس أقدر أبني مستقبل وحاضر معاكي أثبتلك فيه كل يوم حبي وعشقي ليكِ. أقترب منها محاوطاً وجهها بيديه قائلاً بحب: مقدرش أسيبك تمشي وأبعد عنك بعد ما لقيت حظي في الدنيا. مقدرش أسيب سعادتي تمشي من بين إيديا من غير ما أعافر لحد ما أوصلها.

نظرت لعينيه لعلها تجد فيهم الكذب، لكنها لم تجد إلا كل صدق. ليقول هو مشجعاً إياها: قوليها، ووعد مني عمري ما أخليكي تندمي في يوم عليها. قوليها يا جيانا. طال صمتها تفكر كثيرًا، تحبه، لكن ذلك الشعور بالخوف لم يتلاشى بداخلها حتى الآن، لكنها ستقولها وستترك الباقي للأيام. دفعته بعيدًا عنها وأعطته ظهرها قائلة بخجل: بحبك... خلاص ارتحت كده. ابتسم بسعادة وهو يرى وجهها الذي تحول للون الأحمر القاني، ثم قال: فوق ما تتصوري...

كده يتبقى الدور عليا أنا. وبلحظة كان يحملها من خصرها ويدور بها صارخًا بحب لم يكن يعلم أنه سيشعر به يومًا ما: بـحـبـــــك. ضحكت قائلة بصراخ هي الأخرى: مجنون. أنزلها، وضع يده على وجنتها قائلاً بعشق: أعاهدكِ أن تكونِ وحدكِ في حياتي، وأن تكونِ ملكة على هذا القلب الذي لم يقع بغرام أحدًا سواكِ، وأن تبقى ابتسامتي مع وجودكِ فقط بحياتي.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...