الفصل 16 | من 51 فصل

رواية ليتني لم احبك الفصل السادس عشر 16 - بقلم شهد الشوري

المشاهدات
17
كلمة
4,113
وقت القراءة
21 د
التقدم في الرواية 31%
حجم الخط: 18

في صباح اليوم التالي بمنزل آسر، كان يدور بينه وبين سمير مشادة كلامية. سمير بغضب: -انت عاوز توصل لإيه؟ البنت ملهاش ذنب، تارك مع أبوها يبقى منك ليه متدخلهاش في النص بينكم. آسر ببرود يحسد عليه: -بتشتغل مع أبوها. سمير بصدمة: -انت إيه اللي عرفك وجبت الكلام ده منين؟ آسر ببرود: -سمعتها يوم حفلة مي صاحبة تيا، وهي بتتكلم مع أبوها في التليفون وبتقوله إنها مش راجعة الشغل وعشان زهقت. في سمير برأسه قائلاً:

-البت بسكوتة ومش ممكن تكون بتشتغل في القرف ده، وبعدين يمكن يكون شغل تاني. آسر بحدة: -متخرجة من طب بيطري، إيه هيبقى دخلها بشغل أبوها غير أكيد القرف اللي بيتاجر بيه؟ سمير بحدة: -اسألها بدل ما تظلمها يا آسر، وابعد عنها. البت متستهلش حاجة وحشة، احنا سألنا عليها وأخلاقها عالية، وبعدين دي صاحبة جيانا، أكيد لو مش تمام مكنتش جيانا هتقرب منها وتدخلها بيتها. آسر بحدة:

-ما يمكن كل ده تخطيط منها هي وأبوها، لما عرف إن احنا مسكنا القضية بتاعته زقها في طريق جيانا عشان كل أخبرنا تبقى عندها ونبقى تحت عينها. نظر له سمير بعدم تصديق ثم قال: -بلاش سوء الظن يا آسر، يا تسألها وتعرف إجابت سؤالك، يا تسكت وتبطل تفكر فيها كده من غير ما تتأكد. البت دي كويسة وأنا إحساسي بيقولي مدي وهمشي وراه. نظر له آسر بسخرية ليتابع سمير قائلاً:

-انت من جواك مصدق إنها بريئة وبعيدة عن كل القرف ده، بس انت كرهك لأبوها خلّاك عاوز تكرهها، عشان كده بتحط كل الشكوك دي جواك عشان تكرهها. عارف ليه؟ عشان بدأت تحس بمشاعر ناحيتها، وطول المهمة اللي فاتت كان عقلك مشغول بيها ومش بتفكر غير فيها، وصورتها اللي موجودة على تليفونك. تنهد ثم تابع بتخويّف:

-بلاش يا صاحبي تدخلها في النص بينك وبين أبوها، بلاش. انت قربت منها عشان تاخد معلومات عن أبوها من خلالها، وعشان شكك إنها بتشتغل معاه، بس هي لو زي ما بتقول دخلت وسطنا عمدًا هقولك على اسم أبوها، ليه ما هي أكيد مش هتبقى عايزاك تعرف. فكر بعقلك يا آسر وبلاش تظلم، وابعد عن البت، واحنا هنعرف نجيب الراجل ده،ولو حصل إيه بس بلاش ندخل البت في الموضوع، وبلاش انتقامك يعميك وتخطط لحاجة تانية. عشان أنا صاحبك ومتربين سوا وعارف إنك ناوي على حاجة تانية غير جمع المعلومات وغيره، وكنت ناوي تنتقم من البت......

بلاش ندخل الحريم وسط انتقام الرجالة يا صاحبي، انت عندك بردو اللي تخاف عليه، وأظن ما تحبش يحصلهم كده. قالها ثم غادر المكان تاركًا خلفه آسر يعيد ترتيب أفكاره بعد كلمات صديقه التي أعادتْه لرشده وكشفته أمام نفسه. نار انتقامه تعميه حقًا، ولا يعرف ما يفعل سوى أنه يريد الانتقام.............. بخطوات بطيئة كان يدخل للمدافن الخاصة بعائلته، متوجهًا بالأخص لمدفن والدته الحبيبة. اليوم ذكرى وفاتها التي لم ولم ينساها أبدًا.

تعمد أن يأتي وحده قبل أن يأتي والده، جلس على ركبتيه أمام قبر والدته، ثم وضع أزهار التوليب التي كانت تفضّلها دائمًا على قبرها، ثم رفع يده يقرأ لها الفاتحة ويدعو لها، مسح بوجه يده وهو يؤمّن على دعائه، خلع سترته يجلس على قبرها يحدثها بحزن وكأنها شخص موجود أمامه بالفعل:

-وحشتيني يا نور، إيه بقولك نور، ما أنا دايمًا بناديك كده عشان بابا يتضايق، كان بيغير عليكي أوي. نفسه يجيلك إنهاردة قبل بكرة، عايز يجيلك ويسيبني لوحدي عشان أبقى خسرتك وخسرته.... مشيتي وسيبتيني من غير ما أودّعك أو أحضنك لآخر مرة.... أنا وحش واللي بعمله في حياتي أوحش، عارف إنك زعلانة مني وإنك نفسي أتغيّر، بس لو كنتِ موجودة في حياتي كنت هكون أحسن بكتير.....

وحشتيني يا أمي، ووحشني دعوتك ليا كل صباح وخوفك وحنانك، أيهَم مفيش حاجة كسرتني ووجعتني غير موتك، وحشتيني أوي..... هتفضلي دايمًا أغلى حد في حياتي. تنهد بعمق ثم قال بابتسامة وهو يمسح دموعه التي تمرّدت ونزلت على وجنته بغزارة: -عارفة نفسي أجيب بنوتة شبهك وأسمّيها نور عشان كل ما أشوفها أحس بوجودك في حياتي وحواليا، وأناديها نور زي ما كنت بناديك. أرجع خصلات شعره التي تمرّدت على جبهته للوراء قائلاً بابتسامة وشرود:

-أنا عمري ما عرفت أخبّي عليكِ حاجة.... عارفة هي مختلفة عن كل اللي عرفتهم....

جميلة ورقيقة أوي وتدخل القلب علطول عنيها، جميلة تخطف قلب أي حد، محترمة وعفيفة. عارفة حاسس إني وقعت نفس وقعة فريد وحبيت معرفش إمتى وإزاي حصل رغم إني مش شوفتْها كتير ولا اتكلّمت معاها كتير، بس بحس ناحيتها بشعور مختلف، أول مرة أحسّه. بحس ناحيتها بالمسؤولية، إنها مسؤولة مني ولازم أحميها وأعدّلها حقّها دايمًا. محيّراني معاها، شوية تعاملني بلطف وشوية بغضب وعصبية بيخلّوها زي الطفلة الصغيرة.

أخذ نفسًا عميقًا قبل أن يضيف مكمّلاً بابتسامة: -عارفة أنا أقدر أكون معاها وقح وسافل ههههه زي عادتي، بس هي بتحوّرني أحترمها وأعامِلْها باحترام. مجرّد ما عيني تيجي في عينها مش بقدر أبعدْها عنها وكأن فيهم سحر بيشِدّني ليها. ضحك بخفوت وهو يحك عنقه من الخلف:

-من كام شهر بس كنت بسأل نفسي يا ترى هتيجي اللي تخلّيني أحبّها زي ما بابا بيحبّك، أما دلوقتي فأنا غرقان في حبّها ومن غير ما أحسّ غرقان، ومش عارف إذا كانت هي كمان بتحبّني ولا لأ، ويا ترى هي بعفّتها وبراءتها وجمالها ده كلّه تستاهل واحد زيي..... لا هي تستاهل الأحسن. ابتسم بشرود وبداخله تصميم كبير:

-بس وعد مني ليكِ وعهد عليّا، هفضّل أحارب وأجاهد لحد ما أكون الأحسن، ده لأني مش هقدر أسيبْها لغيري بعد ما حبّيتْها، ومش هقدر أخلّيها تكون معايا وأنا كده. لازم أكون جدير بيها وأستحقّها يا نور، لأنها تستاهل بجد..... كان نفسي في فرصة زي اللي جات لفريد زمان وضيّعْها عشان أمسك فيها بأيدي وسناني.... وأهي جاتلي ومش ناوي أضيّعْها من إيدي.... أبدًا. نهض واقفًا وهو ينفض بعض التراب العالق بملابسه،

قبل أن يلتقط سترته يمسكها بيديه قائلاً بابتسامة حزينة:

-كل شيء هيكون كويس مع الوقت، إلا حاجة واحدة بس عمرها ما هترجع ولا هتتعوّض، وهي وجودك يا أمي. لو كنت أعرف إنها آخر مرة هَشوفْك فيها كنت حضّنتْك وفضلت أقولك إد أيه أنتِ غالية وإني بحبّك، وإن عمري ما حد مهما كان هيقدر يعوّض حرماني من وجودك في حياتي. هتغيّر لأنها تستاهل، وعشان بعد عمر لما أجيلك أتقابل معاكِ في الجنّة وتكوني فخورة بيّا. أنتِ أعظم وأحن أم في الدنيا، وأنا فخور وأسعد واحد في الدنيا إنك أمي، ومتخافيش، عهدي اللي عاهدتْه دلوقتي هكون قده إن شاء الله.

دعا لها ثم غادر المقابر بحزن يغلف قلبه على أغلى من فقده بحياته، توجّه للشركة ليتابع عمله، وبداخله عزم وتصميم على أن يحصل على قلبها ويستحوذ عليه مثلما فعلتْ هي به بدون قصد.............. داخل شركة الزيني حيث مكتب تيا ورغدة ومي، كانت رغدة تعنّف مي قائلة: -انت عمالة تجري وراه وهو مش معبْرك، عارفة عاملة زي إيه بحركاتك دي.....

عاملة زي اللي بتعرّض نفسها على واحد وبتَرْخِصْ نفسها، هو لو كان عاوزك كان جيه لحد عندك وقالك، بلاش دلقتك عليه وبطلي تَرْخِصْي في نفسك بحركات كل يوم. ديمي بتأفّأف: -و حياة أبوكي يا رغدة فكك مني، أنا اللي في دماغي هعمله إيهَم، الزيني هيكون ليّا يعني هيكون، وهعمل أي حاجة عشان يكون ليّا. رغدة بحدة: -وهو هيبصّلك على أساس إيه؟

ده معروف عنه إنه مع واحدة كل يوم يعني بكتير، هتكوني في حضنه ليلة وخلاص وهيشوف غيرك، انتي اللي بتوهّمي نفسك بحاجات مش موجودة من الأساس، هو مش عاوزك، ولو انتي عايزاه اعرفي إنك هتكوني ليلة مش أكتر ولا أقل. زفرت مي بضيق وغادرت من أمام رغدة بغضب، فهي أرادت شيئًا وستنفّذْه، ستجعله يحبّها ويعشقها ويتزوّجْها أيضًا. أما عن تيا فكانت تجلس بجانبهم وتستمع لكل ما دار بينهم من حديث، وكلمات رغدة أحزنتْها بشدّة.

خرجت لتذهب للمرحاض لتغسل وجهها بالماء، لتتفاجأ بأيهم أمامها وقد وصل للشركة منذ دقائق، أشاحتْ بوجهها بعيدًا عنه لتكمّل طريقها نحو المرحاض، ليعترض طريقها قائلاً: -أنا ضايقتْك بمكالمَتي إمبارح؟ لم تجيبه وابتعدت لتذهب من الجهّة الأخرى، ليعترض طريقها ثانية قائلاً: -تيا. نهرته قائلة بحدّة:

-اللي بيحصل ده ميصحّش، وياريت زي ما أنا مش بشيل الألقاب بينا تلتزم انت كمان بكده. حضرتك هنا مدير وأنا هنا متدرّبة مش أكتر، لو كان بينا سابق معرفة تخلّيك تتخطّى حدودك معايا بالشكل ده، آخر مرّة تتصل برقمي وتعترض طريقي كده. كادتْ أن تذهب ليعترض طريقها مرّة أخرى قائلاً: -ميصحّش بردو تمشي وتسيبيني بعد ما قولتِ اللي قولتِيه من غير ما تديني فرصة نتكلّم، أنا آسف لو كنت اتجاوزتْ حدودي من غير قصد......

قاطعَتْه تيا قائلة بحدّة وقد سيطرتْ عليها كلمات رغدة واقتنعتْ بها: -قصّر الكلام..... ياريت لا تكلّمني ولا ليك دعوة بيّا إلا بخصوص الشغل وبس، مفهوم؟ وضع يده بجيب بنطاله قائلاً بسخرية: -مش معنى إني بتكلّم معاكِ باحترام وبذوق إني حضرتك تتكلّمي بقلّة ذوق كده. ردّتْ عليه بصدمة وغضب: -أنا قليلة الذوق؟ أومأ لها قائلاً:

-أيوه قليلة الذوق، عشان أنا بتعامل معاكِ بلطف واحترام وانتِ دايمًا بتدي أوامر وتزعقي، أنا أقدر أوقف عند حدّك بس أنا ساكت عشان...... كاد أن يخبرها إنه يصمتْ لأنها تروق له وهي تتحدّث بعصبيّة مثل الأطفال، وانه أصبح يعشق المجيء لتلك الشركة فقط لوجودها بها، لكنها ردّتْ عليه بغضب: -ساكت عشان معندكش اللي تقوله بعد اللي عملتْه انت وابن عمّك في أختي واتراهنتُوا عليها....

أنا أصلاً غلطانة إني فضلتْ في الشركة دي بعد ما عرفتْ كل حاجة، آخر دقيقة ليّا فيها هي دلوقتي، عن إذنك يا محترم. قالتْها وكادتْ أن تذهب لتتفاجأ به يجذبْها من يدها للمصعد ومنه إلى مكتبِه تحت محاولتْها الفاشلة للتخلّص من يديه التي تمسك مرفقَها. دخل لمكتبِه وهو يدفعْها للداخل ودفع الباب بيده لكنه لم يغلِقْ بالكامل لأن سالي موجودة بمكتبِها. ترك يدها لتصرخ عليه بغضب: -انت إزاي تتجرّأ وتمسكني كده يا بني آدم انت؟

زفر بضيق قائلاً: -أوّلاً أنا آسف على إني مسكتْك كده، بس لو كنت طلبتْ منك مكنتيش هترضي نتكلّم سوا بهدوء. تنهد ثم قال غاضبًا: -ثانيًا أنا إمبارح كلّمتْك وقولتْلك إني مكنتش ليّا دعوة بالرهان ده وكنت رافضْه، وبعدين أختك وابن عمّي يتصرّفوا مع بعض براحتهم، ده دخلوا إيه بمعاملتْك معايا؟ كان يتحدّث ويقترب منها خطوة لتتراجعْ هي مثلَها للخلف ليصبح خلفَها الحائط وهو أمامَها ليقول بذات مغزى:

-يا إما كل اللي بتعملِيه ده بتداري بيه حاجة تانيّة. نظرتْ له قائلة بحدّة وتوتر: -حاجة إيه؟ نظر لداخل عينَيْها قائلاً بهدوء: -اللي أنا وانتِ عارفينَه كويس يا تيا، اللي بدأ يتحرّك جواكِ ورفضاه، ونفس الكلام معايا بس أنا مش رافضْه، عارفة ليه.... عشان ده أحسن حاجة حصلتْلك. كان يقف أمامَها مباشرة ينظر بداخل عينَيْها التي تهرب من عينَيْه بتوتر، تحاول تخرج الكلام من شفتَيْها تنهره على ما قال لكنها لم تستطعْ،

نزل بعينَيْه إلى شفتَيْها التي تحاول إخراج الكلمات دون جدوى، ورغبة ملحّة بداخلِه تدفَعْه لتقبيلِها بقوّة الآن لكنه تراجع سريعًا ناهرًا نفْسَه على تفكيرِه، فهي بريئة ونقيّة لا يحبْ أن يدنِسْها. ابتسم وهو يردّد بداخلِه: حسنًا فلْيَنْتَظِرْ حتّى تصبح ملكَه. رفعتْ عينَيْها تنظر لعينَيْه التي قادرة على أن تَآْسِرَ قلوب الجميع من شدّة جمالِها،

ليتوه كلٌّ منهُم بعينِ الأخْرَى ليقول هو بتفهُّم لخوفِها وبنبرة صادقة لامستْ قلبَها الذي تعالى نبضُه بشدّة: -تيا... خوفَك اللي جواكِ ده شيلِيه، أنا مش فريد عشان تخافي على نفسِك منّي، أنا ممكن أكون وحش مع الكل ومع أي حدّ بس معاكِ انتِ لا، لأنك غاليّة وهتفضّلي غاليّة دايمًا، ولا في يوم هقدر أؤذيكِ. نظر لداخل عينَيْه مشدّدًا على كل كلمة تخرج من شفتَيْه قائلاً بكل صدق وحبّ: -أنا بحبّك يا تيا.

توسّعتْ عينَاهَا بصدمة مما قال، ليعيد عليها ما قالَه بتأكيد وجبْ صادق، لم يكن يعلم أنّه سيشعر بِهِ يومًا تجاه أي فتاة: -بِحُبِّكْ. لم تجِبْ ولم تتفوَّهْ بأي كلمة، فقط بَقَتْ تنظر له بصدمة وصدرُها يعلو وينخفض بانفعال، أما عنه بقى ينظر داخل عينَيْها وإلى تفاصيل وجهِها بكل حبّ، ليتفاجأ بها تمشي نحو الباب ثم غادرتْ المكتب سريعًا وهي غير مصدّقة ما تفوَّهْ بِهِ منذ لحظات،

خرجتْ من الشركة سريعًا ثم إلى منزلِها لتظلَّ بغرفتِها طيلة اليوم مصدومة مما حدثْ ولا تستوعبْ ما قال حتّى الآن، غافلة عن أعين كانت ترى وتسمع كل شيء منذ أن جذبْها من يدها إلى مكتبِه حتّى خروجِها، ليشتعل الحقد والغلّ بقلبِها ولا تنوي على خيرٍ أبدًا. أما عنه جلس على المقعد الذي بجانبِه يلومْ نفْسَه على تسرُّعِه وإخبارِها بماهيّة مشاعرِه تجاهَها، لن يجازفْ ويذهب لوالدِها الآن ويتقدَّم لخطبتِها والزواج منها،

فبالطبع سيرفضْه فورًا وبدون تفكير بسبب ماضيِه المشؤوم وخاصّة ما حدثْ مع ابنتِه الأولى وما فعلَه فريد بِهَا، لكنه سيفعلْ المستحيل حتّى تصبح له، لقد وقعْ صريعًا في هواها وانتهى الأمر................... وقف طاويًا المصلّى يضعْهُ فوق الأريكة الموجودة بالغرفة، وارتدى ملابسَه يستعدّ لمغادرة المنزل للذهاب لعمَلِه، وقف أمام المرايَة يُهْنِدِمْ ملابسَه ليقف قليلاً، ولأوّل مرّة ينظر لذاتِه برِضاّ،

لقد سلَكَ الطريق الصحيح ويَاليته فعلْ ذلك من قبل، راحة شديدة يشعرُ بِهَا ولم يجربْها من قبل، والفضل يعودُ لزوجة والدِه التي علَّمَتْهُ كيف يصلّي. ضحك بخفوت وهو يتذكَّر ما فعلَتْهُ بينَهُ وبين ديما منذ فترة: -هتحفظوا قرآن سوا، واللي هيسمع حلو وأحسن من التاني هعمَلْهُ كيك بالشيكولاتة. ضحك بخفوت، تعاملَهُ كطفل صغير مثْلَهُ مثلْ ديما، ساعدَتْهُ كثيرًا ولن ينسى فضلَها في ذلك،

عندما رأَتْهُ بأحد الأيّام يجلس بالشرفة يفتح هاتفَهُ على صورتِهِ برفقة جيانا، قبلاً شجَّعَتْهُ على أن يحكي لَهَا ويبوحْ بما في قلبِهِ لعلَّها تساعدَهُ، ليفعلْ ذلك بالفعل ويبوحْ لَهَا بما في قلبِهِ لتقولْ لَهُ ما لم يستطعْ أن ينسَاهُ: -بص يا بني، ربُّنا لما بيلاقي عبْدَهُ بعد عنَهُ وبيعصِيَهُ بيدِيهِ فرصة واتنين وتلاتة وأربعة....

عشان يتصلّح حالَهُ، ولما يلاقِيَهُ مستمِرٌّ في معصيَتِهِ لازم بيدِيهِ ضربة تفوِّقْهُ من اللي فيه، وانت فوقتْ وناوي التوبة وربُّنا غفورٌ رحيم وبيغفر للي تابَ توبة نصوحة...... انت بدأتْ صح بس ناقصَكْ حاجة، الصلاة يا بني، أوّل حاجة بيتحاسَبْ عليها العبد يوم القيامة، والصلاة لو صَلُحَتْ صَلَحَ سائرُ العمل، لو فسدَتْ فسدَ سائرُ العمل..... الصلاة تنْهَى عن الفحشاء والمنكَر....

الصلاة تُرِيحْكَ من هموم الدنيا وتُنُورْلَكَ طريقَكَ وتمْحُو ذنوبَكَ..... اعْبُدْ ربُّنا وقرُبْ منَهُ هتلاقي حالَكَ اتِصْلَحْ وهترْتَاحْ، القُرْبُ من ربِّنا حلوَتْنَهْ. تنهَّدَتْ ثم قالَتْ بابتسامَة:

-بخصوص البنت اللي انت بتحبّها، لو لقيتْ سعادتَها مع غيرِكْ سيبْها تعيش حياتَها يا بني، أما لو حسّيتْ إنّها لسه بتحبّكْ وميالَة ليكْ حارِبْ عشانَها وعشان ترجِعْ ثقتَها فيكْ تاني، بس المرّة دي بالأفعال يا بن محمد، متعْمِلْشْ زي أبوكْ ما عملْ زمان....

اللي قالْ إنّ الحبْ بيكون من النظرة الأولى غلطان، اللي يحبّ لازم يجي من الموقِفْ الأوّل لأنّ المواقِفْ هي دليلُ الحبْ مش النظرة، أبوكْ ياما قالْ ووعدْ بس عمْرَهْ ما نفَذْ..... حارِبْ عشان حبِّكْ يا بني، لو هيكون فيَهْ سعادتَكْ انت وهي حارِبْ ورجِعْ ثقتَها فيكْ من تاني، وادْعِ ربُّنا في كلّ صلاة إنّها تكون من نصيبِكْ، واشْكُرْهُ إنّكْ رجَعْتْ وفَوْقْتْ من غفوَتْكْ قبل فواتِ الأوان.

أخذَ نفسًا عميقًا وهو يردِّدْ بداخِلِهِ ذلك الدعاء الذي يردِّدْهُ على لسانِهِ منذ فترة: -يا رب اجْعَلْهَا من نصيبي. يخرُجْ من المنزل بعدما ودَّعَهُمْ متوجِّهًا لعمَلِهِ بفرع شركة الزيني بالقاهرة، ليتوقَّفْ بسيارتِهِ فجْأَةً عندما لمحْها، هيَ الَّتِي اشْتَاقْهَا وذاقْ ألمْ فِرَاقْهَا لسنِينَ وحتّى الآن، تَرَدَّدْ من أن ينزِلْ ويتوجَّهْ لَهَا _أمْ يكْمِلْ طريقَهُ ويترُكْهَا بحالِهَا ويغادِرْ.....

اختَارَ المغادِرَةْ لكنْ بعدَ أنْ تَأَمَّلْهَا لوقْتٍ ليَشْبَعْ قلبَهُ المُشْتَاقْ لَهَا، وكَأَنَّهُ لَمْ يَتَّصِلْ بِهَا مِنْ وَقْتٍ لِآخَرْ مِنْ هَاتِفْ غَيْرِ هَاتِفِهِ لِيَسْتَمِعْ لِصَوْتِهَا، لَقَدْ عَادَ لِوَسِيلَتِهِ الْقَدِيمَةْ عِنْدَمَا كَانَ بِالْمَانْيَا بَعِيدًا عَنْهَا، كَانَ مِنْ وَقْتٍ لِآخَرْ يَتَّصِلْ بِهَا وَيَسْتَمِعْ لِصَوْتِهَا إِلَى أَنْ جَاءَ يَوْمْ وَقَامَتْ بِتَغْيِيرْ هَاتِفِهَا،

انْطَلَقْ بِسِيَارَتِهِ سَرِيعًا قَبْلَ أَنْ يَضْرِبْ بِقَرَارِهِ عَرْضَ الْحَائِطْ وَيَنْزِلْ مِنْ سِيَارَتِهِ وَيَتْوَجَّهْ إِلَيْهَا الْآنْ........... مَرَّ يَوْمَانِ لَمْ يَتْغَيَّرْ بِهِمَا الْكَثِيرْ سِوَى عَلَاقَةْ سَمِيرْ وَهَايْدِي الَّتِي تَتَطَوَّرْ يَوْمًا بَعْدَ يَوْمْ، وَآسِرْ الَّذِي أَصْبَحَ يَتْحَاشَى لِقَاءْ رُونْزِيْبْ. بِمَنْزِلْ أَكْمَلْ النَّوِيرِي لَيْلًا،

كَانَتْ تِيَا حَبِيسَةْ غُرْفَتِهَا طُوَالَ الْيَوْمَيْنِ وَلَمْ تَخْرُجْ مِنْهَا سِوَى لِلضَّرُورَةْ، بِالْيَوْمِ الثَّالِثْ دَخَلْ أَكْمَلْ لِغُرْفَتِهَا، طَرَقَ الْبَابْ لَكِنَّهَا لَمْ تُجِبْ لِيَدْخُلْ وَيَجِدْهَا تُنْهِي صَلَاتَهَا، تَقَدَّمْ مِنْهَا يَجْلِسْ بِجَانِبِهَا عَلَى الْأَرْضْ قَائِلًا بِابْتِسَامَةْ حَنُونَةْ: -حَرَامْ. رَدَّتْ عَلَيْهِ بِابْتِسَامَةْ: -جَمْعًا إِنْ شَاءَ اللَّهْ.

ابْتَسَمَ لَهَا ثُمَّ قَالَ بِحَنَانْ: -بِنُوتِي الْقَمَرْ مَالَهَا..... إِنَّارْ. عَارِفَةْ إِنِّي انْشَغَلْتْ مَعْ جِيَانَا الْأَيَّامْ الْلِي فَاتَتْ وَأَهْمَلْتْكْ حَقِّكْ عَلَيَّ. نَفَتْ بِرَأْسِهَا قَائِلَةْ: -مَتْقُولْشْ كِدَهْ يَا بَابَا، أَنَا عَارِفَةْ سَبَبْ انْشِغَالَكْ مَعْ جِيَانَا إِيهْ، وَبَعْدِينْ أَنَا مَا مَلِي مَا أَنَا كْوِيسَةْ أَهْ. هَوْتْ.

تَنَهَّدَ ثُمَّ قَالَ وَهُوَ يَرْبِتْ عَلَى وَحْنَتِهَا بِحَنَانْ: -مِشْ كْوِيسَةْ خَالِصْ، حَابِسَةْ نَفْسَكْ فِي أَوْضَتَكْ لِيهْ وَمِشْ بِتْرُوحِي جَامْعَتَكْ أَوْ التَّدْرِيبْ بِتَاعَكْ لِيهْ وَمِشْ بِتْتْكَلْمِي مَعْ حَدْ وَعَلْطُولْ سَرْحَانَةْ..... مَالَكْ يَا حَبِيْبَةْ بَابَا، حَدْ زَعَلَكْ قْوْلِيلِي وَاللَّهْ لَهْ هَخَلِّيهْ يَشُوفْ النُّجُومْ فِي عِزْ الضَّهْرْ.

ضَحِكَتْ بِخَفُوتْ ثُمَّ أَبْعَدَتْ عَيْنَيْهَا عَنْهُ قَائِلَةْ بِحُزْنْ: -أَنَا مِشْ عَاوِزَةْ أَكْدِبْ عَلَيْكْ وَفِي نَفْسِ الْوَقْتْ مِشْ عَاوِزَةْ أَقْوْلَكْ عَنِ السَّبَبْ، يِنْفِعْ نَأْجِلْهَا لِوَقْتْ مَا أَكُونْ جَاهِزَةْ؟ أَوْمَأْ لَهَا بِابْتِسَامَةْ لَمْ تُخْفِ الْقَلَقْ الَّذِي نَهَشْ قَلْبَهْ مَا أَنْ أَخْرَجَتْ ابْنَتُهُ تِلْكَ الْكَلِمَاتْ مِنْ بَيْنْ شَفَتَيْهَا وَالْحُزْنْ يَسِيْطِرْ عَلَيْهَا،

لِيَقُوْلْ لَهَا بِحَنَانْ: -أَنَا قُلْتْ لِأَخْتَكْ الْكَلَامْ دِهْ قْبْلْ كِدَهْ وَهَقْوْلُهْ لِيَكْي يَا تِيَا، مُحْدُشْ هَيْخَافْ عَلَيْكْ أَكْثَرْ مِنْ أَبُوْكْي، أَوْعْي تَخْبِي حَاجَةْ عَنِّي شَاكَةْ إِنَّهَا مُمْكِنْ تَضُرَّكْ، تَعَالَيْلِي وَأَنْصَحَكْ وَهَيْفَضَلْ سِرْ بَيْنَا زَيْ مَا أَنْتْي عَاوِزَةْ، أَنَا عُمْرِي مَا هَضَرَّكْ..... مَاشِي يَا حَبِيْبْتِي.

أَوْمَأَتْ لَهْ بِابْتِسَامَةْ لَمْ تُخْفِ حُزْنْ عَيْنَيْهَا الَّذِي رَآْهُ هُوَ بِوُضُوحْ، لِيَغَادِرْ الْغُرْفَةْ وَيَتْرُكْهَا تُفَكِّرْ بِمَا عَلَيْهَا أَنْ تَفْعَلَهْ، سَتَذْهَبْ غَدًا وَتُخْبِرْ شَهَابْ الْمُدِيرْ الْمَالِي بِأَنَّهَا تَرْغَبْ بِتَرْكْ التَّدْرِيبْ فِي الشَّرِكَةْ وَسَتَكْتَفِي بِجَامْعَتِهَا فَقَطْ الْآنْ وَتَبْتَعِدْ عَنْهُ، هَذَا هُوَ الصَّحِيْحْ.............

صَبَاحًا بِقَصْرْ الزَّيْنِيْ بِبَهْوِ الْقَصْرْ، كَانَ صَلَاحْ يَجْلِسْ يَنْظُرْ لِلشَّابْ الْجَالِسْ أَمَامَهْ يَنْتَظِرْ مَا يُرِيدْ قِيْلَهْ، لِيُفَاجِئَهْ بِطَلَبِهْ عِنْدَمَا قَالَ بِجَدِّيَّةْ: -حَضْرَتَكْ أَنَا بِطْلُبْ إِيدْ الْأَنْسَةْ هَايْدِي لِلْجَوَازْ !!! ................

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...