الفصل 8 | من 51 فصل

رواية ليتني لم احبك الفصل الثامن 8 - بقلم شهد الشوري

المشاهدات
17
كلمة
5,000
وقت القراءة
25 د
التقدم في الرواية 16%
حجم الخط: 18

توقف أمام بناية منزلها بعدما وصلوا أخيرًا للقاهرة. بصعوبة استطاع أن يجعلها تتوقف عن البكاء. قبل أن تصعد، قالت له بصوت متحشرج وامتنان: "شكرًا إنك فضلت معايا النهاردة يا سيف." سيف بابتسامة صغيرة: "مفيش كلمة شكر بينا يا ديما. واللي عملته كان اللي المفروض يتعمل. ارتاحي ومتفكريش في اللي حصل وركزي على مستقبلك."

أومأت له بابتسامة باهتة ثم صعدت للأعلى. ليتنهد هو بحزن ثم غادر متوجهًا لمنزله حيث يسكن بأحد الأحياء الهادئة والبسيطة برفقة والديه، فهو الابن الوحيد لوالديه. صعدت للأعلى حيث منزلها. وما دقت الباب وفتحت لها والدتها الباب. نظرت لابنتها بقلق وخوف بالغ وهي ترى ابنتها بحالة يرثى لها، وجهها وعيناها حمراء من كثرة البكاء. زينب بقلق: "مالك يا ديما؟ إيه اللي حصل؟ دخلت ديما للداخل وجلست على تلك الأريكة الموجودة بالصالة

ثم قالت وهي تنظر لوالدتها: "أنا روحت قصر الزيني." توسعت أعين زينب ونظرت لابنتها التي قالت بدموع أغرقت وجهها:

"عرفت اللي ما كنتيش عاوزاني أعرفه. كان عندك حق يا ماما، كان عندك حق. البعد عنهم راحة. عرفت اللي حصل زمان. عرفت إن أبويا اتخلى عني عشان ما كانش عنده الجرأة ولا الشجاعة إنه يدافع عن اللي حبها ويدافع عن وجود بنته جنبه. هو السبب وجدي السبب. أخويا بيكرهني وهو طلعني من حياته وجدتي ما كنتش عاوزاني أجي الدنيا. هو استسهل واختار اللي يريح دماغه. مراته كانت بتطردني من بيت المفروض إنه بيتي زي بيت ابنها. ابنها اللي هو أخويا طردني كمان وأبويا وقف ساكت مدافعش عني، فضل ساكت."

انهارت زينب تجلس على المقعد خلفها وهي ترى انهيار ابنتها وبكاءها الشديد لتقول بحزن وألم: "ليه عملتي كده يا ديما؟ ديما ببكاء وشهقات عالية: "كان لازم أبطل أديهم مبررات لبعدهم. كان لازم أعرف الحقيقة عشان أرتاح." زينب بحزن: "ودلوقتي ارتحتي؟ أومأت برأسها ثم قالت وهي تمسح دموعها بظهر يدها:

"على الأقل مش هفضل أدّي مبررات لناس ميستاهلوش. ارتاحت مرتحتش مش هتفرق معايا في حاجة. عندك البعد عنهم راحة وعيشتنا هنا أرحم بكتير من العيشة في قصر مع ناس زيهم. آخر رجل خطت القصر ده مرة ومش هتتكرر تاني. من هنا ورايح إحنا مش هنحتاج لهم."

جذبت زينب ابنتها لأحضانها لتتشبث ديما بها وتنهار باكية مرة أخرى. لتأخذها والدتها لغرفتها لتنام بأحضان والدتها الحنونة و بداخلها تصميم أن تكمل حياتها دون الحاجة لتلك العائلة، يكفي وجود والدتها بحياتها ولا تريد شيئًا آخر. ***

ارتمت على فراشها تنظر لسقف الغرفة بشرود وهي تزفر بضيق مما يحدث. فالمشاكل تأتي واحدة تلو الأخرى. عقلها مشوش، تشعر بالخبرة ولا تعرف ماذا تفعل. أغمضت عيناها وهي تتذكر المشاجرة الأخيرة بينها وبين جدها. **Flash Back** ما دخلت للغرفة خلف جدها حتى هدر بها بحدة: "فريد بيعمل إيه هنا يا جيانا؟ تنهدت بعمق قبل أن تقص عليه كل ما حدث وختمت حديثها قائلة بما أوجع قلبه عليها:

"قبل ما تلوم وتعاتب زي كل مرة سيرة الموضوع ده بتتفتح، أرجوك يا جدي أنا مش متحملة. كفاية سبع سنين لوم وعتاب. هتقولي زي كل مرة أنا حذرتك، هقولك كنت ساذجة وغبية، مفيش حد بيتعلم ببلاش وأديني اتعلمت."

أغمضت عيناها ثم جلست على الفراش. خلفها سبع سنوات لوم وعتاب من جدها. سبع سنوات مهما حاولت أن تتناسى ما حدث لا تستطيع. تلك الليلة لم تبكِ، لم تلم، لم تعاتب، فقط نظرت له ثم انفجرت ضاحكة. تتذكر نظراته لها جيدًا، كان ينظر لها باندهاش كأنه كان ينتظر انهيارها، صراخها، لكنها خالفت توقعاته. جلس بجانبها على الفراش ثم قال بهدوء: "مين قال إنك اتعلمتي؟ ها، قوليلي اتعلمتي إيه؟

بالعكس، أنا شايف حفيدتي بتطفي يوم بعد يوم. شايف عنيكي نظرة الحزن دايمًا فيها. وقفتي حياتك على كده، ضيعتي ٧ سنين من عمرك في شغل وبس. هو هيتجوز أهو ويكمل حياته." تنهد ثم حاوط وجنتيها بحنان وقال بهدوء:

"جيانا حبيبتي، لازم تعرفي قيمة نفسك. مش أي علاقة تنتهي تكتئبي وتضايقي. مش أي شخص يخرج من حياتك تعتبريه خسارة. في ناس ما كانتش تستاهل تدخل حياتك أصلاً وخروجهم من حياتنا بيبقى أكبر نعمة. خلي كلامي ده في بالك دايمًا. الحياة لسه قدامك طويلة وهتعيشيها وتشوفي كتير. محدش مين ما كان يستاهل تغيري من نفسك أو من شخصيتك أو تعملي أي حاجة مش حباها عشانه. حياتك هتعيشيها مرة واحدة وبس." تنهد ثم أكمل بابتسامة حنونة:

"أنا ما كنتش بعترض على تصرفاتك ولبسك وكل ده لأني كنت عارف إنك حابة ده، حابة نفسك كده. لكن لو غيرتي من نفسك عشان نظرة الناس ليكي وعشان ترضيهم، يبقى عمرك ما هترتاحي ولا عمرك هترضي الناس. عارفة ليه؟ لأن مهما عملتي مش هترضيهم. والناس دول مش هيعيشوا حياتك، لا، إنتي اللي هتعيشيها وبس. أوعي تغيري من نفسك عشان خاطر حد. اللي هيحبك هيحبك زي ما إنتي. إنتي لو حبيتي نفسك زي ما إنتي، الكل هيحبك كده." أومأت له ليتابع هو بهدوء:

"أنا جدك وشعري الأبيض ده مش من فراغ. أنا شفت كتير في حياتي وأعرف الكويس من الوحش. والولد ده زي ما قولتلك من الأول، لو كان بيحبك كان هيحافظ عليكي ويدخل البيت من بابه مش سرقة ومن الشباك. فهماني يا حبيبة جدو؟ اللي حصل زمان درس واتعلمي منه. صفحة واطويها وابدأي من جديد."

ارتمت بأحضانها تمنع نفسها بصعوبة من البكاء. ليته يعلم إنها لا تستطيع تجاوز الأمر هكذا، فقلبها الأحمق ما زال يحمل من مشاعر له تخلى عنها، خذلها، فعل الكثير، لكن كيف تنساه؟ هل يمكن لإنسان أن ينسى شخصًا أحبه يومًا؟ **Back** نظرت لسقف الغرفة ثم ذهبت لشرفة غرفتها تنظر للسماء بشرود. ولاحت على شفتيها ابتسامة صغيرة وهي تتذكر كيف اعترف لها بحبه قبل سنوات. كيف قال بعلو صوته بحب:

"آه بتاع بنات وفيّا كل العبر، بس بحبك أعمل إيه يعني؟ أنا مقدرش أغير الماضي بتاعي، بس أقدر أبني مستقبل وحاضر معاكي أثبتلك فيه كل يوم حبي وعشقي ليكي." ثم ركع على ركبتيه قائلاً بعشق وهو ينظر لعيناها: "مقدرش أسيبك تمشي وأبعد عنك بعد ما لقيت حظي في الدنيا. مقدرش أسيب سعادتي تمشي من بين إيديا من غير ما أعافر لحد ما أوصلها." استندت بيدها على سور الشرفة وهي متعجبة. كيف لشخص أن يزيف مشاعره بتلك الدرجة؟ كيف لشخص أن يكون هكذا؟

وكيف وقعت هي بذلك الفخ؟ ارتفع رنين هاتفها. أخرجته من جيبها لترد وقد كان الرقم مجهولاً لتقول بهدوء: "الـ... ولكن لا رد. كررت النداء مرة أخرى ولا تسمع شيئًا. لتتوقف عيناها على تلك السيارة التي تقف على بعد ما من بنايتهم. لكن هذا لا يهم. ما يهم هو ذلك الذي يستند بجسده عليها وينظر لها والهاتف على أذنه، ينظر لخصلات شعرها التي تتطاير بفعل الهواء. ظل الاثنان يناظران بعض هكذا لتفيق هي من شرودها وكادت أن تغلق الخط لينطق اسمها:

"جيانا." نظرت له وأنزلت الهاتف من على أذنها. ثم أغلقت الهاتف ودخلت للداخل وأغلقت عيناها تحاول النوم والهروب من تلك الذكريات التي تهاجم رأسها الآن. هيئته وهو يجلس هكذا على إطار السيارة من الأمام ذكرتها كيف كان يقف قديمًا ينتظرها حتى تخرج للشرفة وينظر لها بهيام. كيف كانوا يتحدثون بالهاتف حتى يذهب كلاهما في النوم.

نفضت تلك الذكريات عن رأسها وهي تنهّر نفسها بشدة. ثم أغمضت عيناها وذهبت في ثبات عميق هروبًا من ذلك الواقع الأليم. *** بأحد المخازن المهجورة التي لا يصدر منها سوى صوت صراخ يشق سكون الليل ناتج عن ركلات ولكمات قوية عنيفة. أما بالداخل نجد رجلان ملقيان على الأرض يتلوى الاثنان من الألم. ليصرخ أحدهم بغضب: "إنت مفكر إن اللي بتعمله ده هيعدي على خير؟ إنت متعرفش أنا مين. أنا... سراج الفيومي. أبويا هيوديك في ستين داهية."

ليقترب منه الآخر وضحك بسخرية ثم قال بشر: "طب وحياة أبوك اللي للأسف معرفش يربي له، هجيبه هنا وأرميه جنبك يا دلوعة أبوك." غضب سراج من إهانته بتلك الطريقة ليقول بخبث مستفزًا الآخر: "مش كنت تقول إن البنت تلزمك وعاجباك؟ كنا قسمنا مع بعض واتفقنا بدل اللي بيحصل ده." غضب تمكن من الآخر لينقض عليه ويمطر عليه العديد من الركلات واللكمات وسابه بأفظع الشتائم. ابتعد عنه يلهث بقوة من أثر ذلك المجهود. ثم ثق عليه

باشمئزاز وقال لأحد رجاله: "الكلبين دول يتربوا تلت أيام وارموهم. والواد ده تاخده من إيده ترميه قدام أبوه وتقوله إن عملت اللي هو فشل يعمله وربيت ابنه. ولو فتح بوقه ونطق بكلمة تجيبه هو وابنه هنا." ثم غادر المخزن والمكان بأكمله. يمسح بيده على وجهه عدة مرات يحاول أن يهدأ من نفسه بعدما اشتعلت تلك النيران بصدره بعدما استمع لكلمات ذلك الحقير. ***

أشرقت الشمس معلنة عن بداية يوم جديد وانتهاء ذلك اليوم الطويل والشاق عليهم جميعًا. تناول الجميع الإفطار وشاركهما مي ورغدة اللذان أتيا للاطمئنان على تيا وقامت بعزيمتهما على عيد مولودها غدًا. ثم غادرا. وطلب الجد الذي يقيم معهم بالمنزل من تيا أن تصعد لغرفته ترتاح. وذهب هو لمنزل آسر وسمير بالطابق الأسفل ليطمئن عليهما. ثم ذهبت رونزي لترد على هاتفها ليقترب رامي من جيانا قائلاً بحرج: "جيانا، أنا آسف." جيانا بجمود مصطنع:

"آسف على إيه؟ رامي بحرج: "مكنش قصدي أقول اللي قولته وأسف عشان بجحت في كلامي مع إنّي غلطان." نظرت له ثم قالت بعتاب: "زعّلتني منك أوي يا رامي. نظرتك ليا زي نظرة الناس، مسترجلة وعانس. طب هما غرب، لكن إنت أخويا. لما زعّقت فيك كان من خوفي عليك." أومأت لها ثم قبل جبينها وقال بأسف: "عارف والله. حق عليا. أنا بطلت السجاير ومعدش بشرب خالص وبعدت عن صحابي دول." نظرت له بشك ليقول سريعًا لا بابتسامة:

"آه والله العظيم زي ما بقولك، توبة خلاص." أومأت له بابتسامة حنونة ليحتضنها هو. نعم، يشاكسها دائمًا وربما يضايقها بكلماته دون قصد منه، لكنه يحبها كثيرًا. والدته الثانية التي دائمًا تقف بجانبه وتدعمه بحلمه بأن يلتحق بكلية الشرطة، والذي كان سيضيعه بتدمير صحته بالتدخين فقط لأنه استمع لكلمات رفاقه وجرب ذلك الشيء ومن حينها أقدم على التدخين إلى أن رأته شقيقته منذ عدة أيام. ***

بمكان نذهب إليه لأول مرة بأحد الأحياء الشعبية بتلك البناية المتهالكة بمنزل صغير ذو أثاث متهالك. يصدح صوت القرآن عبر التلفاز بينما تجلس سيدة على الأريكة في منتصف الثلاثون من عمرها، تمتلك جمال هادئ مثل شخصيتها تمامًا. تمكث بذلك المنزل بمفردها منذ سنوات. تمسك بالمسبحة بيدها وتذكر الله بصوت خفيض. لتسمع صوت طرق على الباب. ذهبت لتفتح بعدما ارتدت إسدالها. وما إن فتحت الباب ورأت الطارق قالت بهدوء:

"عاش من شافك يا حامد. ولا نقول حامد باشا بقى؟ تنهد ثم قال، دخل للداخل دون أن يستأذن بالدخول حتى. تركت الباب مفتوحًا واقتربت منه ليقول هو: "عايزة إيه يا نعمة؟ وجيتي سألتي عليا ليه؟ ابتسمت بهدوء ثم قالت: "كنت جاية أنصحك وأوعيك وأقولك إن الطريق اللي إنت ماشي فيه ده آخرته وحشة. ده إنت حتى في يوم من الأيام كنت جوزي وأبو ابني الله يرحمه." كز على أسنانه وقال بغضب: "طريق إيه وكلام فارغ إيه اللي بتتكلمي عنه؟

أنا شغلي كله سليم ومليش في الشغل الشمال ده." ابتسمت ثم قالت: "الكلام ده تضحك بيه على الناس مش على نعمة. نعمة اللي عارفاك وحفظاك أكتر من نفسك." نظر لها مطولاً لتتابع هي بعتاب: "ليه يا حامد؟ إيه اللي يخليك تمشي في الطريق ده؟ هتعمل إيه بفلوس حرام تتمتع بيها في دنيتك وتخسر بيها آخرتك؟ ذنبهم إيه الناس الغلابة اللي بيموتوا بسببك؟ ياخي افتكر حتى إن ابنك كان من ضمن الناس الغلابة دي اللي ذنب كل واحد فيهم هيبقى في رقبتك."

نظر لها ثم هدر بعنف: "اخرسي ومتفتحيش بوقك بكلمة. وإياكي ثم إياكي تهوبي ناحية القصر أو الشركة تاني." نظرت له مطولاً بصمت ليقول هو بغضب: "بتبصيلي كده ليه؟ ابتسمت بسخرية ثم قالت بحزن: "مستغربة من اللي شايفاه وبأسأل نفسي فين حامد اللي ما كانش يقدر يأذي نملة؟ فين حامد الطيب اللي كان عمره ما يقبل يصرف قرش حرام على نفسه وبيته." أشارت له بيدها ثم قالت:

"أنا شايفة قدامي دلوقتي واحد اتعود ع الحرام وبقى أسهل حاجة عنده الأذية. شايفة واحد غريب عني. مش إنت حامد ومستحيل تكون حامد اللي أنا عرفته وحبيته في يوم من الأيام واستأمنته على نفسي." ابتسم بسخرية ثم هدر بغضب: "فوقي بقى. الطيبة والأخلاق ما بتأكلش عيش. ما أنا كنت ماشي في حالي و جنب الحيط وكانت إيه النتيجة؟

ابني. ابني اللي مات قدام عيني وبيتي اتهد. الزمن ده مينفعش فيه غير كده. من أربع سنين وأنا أقسمت إني لازم أجيب فلوس بأي طريقة كانت. معاك قرش تسوى، معاكش يبقى متسواش." نظرت له بحسرة ثم قالت: "امشي يا حامد امشي. ومش هقولك غير اتقي ربنا. ربنا. بلاش تخسر آخرتك. توب وارجع لربنا عشان خاطر يوم ما تقابل ابنك يوم الحساب تعرف تحط عينك في عينه." نظر لها ثم غادر المنزل بغضب شديد. وأخذت هي تدعو له باكية:

"ربنا يهديك يا حامد. ربنا يهديك." ***

بشركة الزيني للحديد والصلب. يجلس فريد خلف مكتبه يباشر عمله بتركيز شديد. يحاول إلهاء نفسه عن التفكير بها لكن دون جدوى. تذكر أمر الحادث الذي قال جده إنها تعرضت له. غادر مكتبه متوجهًا لمكتب ابن عمه أيهم. وما ذهب لهناك لم يجد السكرتيرة بمكتبها. فدخل للداخل دون أن يطرق الباب. وما إن دخل قلب عينيه بملل ما إن رأى أيهم يجلس على مقعده خلف مكتبه وعلى قدميه تجلس سكرتيرته سالي في وضع مشين وغير لائق. ما إن فتح الباب ابتعدت عنه سالي تضبط هيئتها ثم خرجت للخارج مغلقة الباب خلفها. لينظر لها فريد باشمئزاز وذهب وجلس على المقعد الموجود أمام المكتب.

ثم هدر بابن عمه بغضب: "مش هتبطل القرف ده بقى؟ وبعدين هي حبكت في المكتب؟ لا وكمان مع الزفتة سالي اللي بره." أيهم بسخرية وهو يرجع بجسده للخلف: "اللي بيته من إزاز يا بن عمي." فريد بحدة: "قصدك إيه؟ أيهم بسخرية: "قصدي إنك تبطل كل ما تشوفني تديني في نصايح. الأولى تقولها لنفسك. وبعدين إيه اللي مضايقك في اللي بعمله؟

ما إنت عملته زمان وسالي دي إنت مجربها قبلي من زمان وعلى كرسي مكتبك اللي بعيد عن هنا بكام متر يا حبيب قلب البنات." نظر له فريد بغضب ليقول فريد بحدة. ليتابع الآخر بلا مبالاة: "المهم كنت عاوزني في إيه؟ فريد بتساؤل: "حادثة إيه اللي حصلت مع جيانا دي؟ وجدك كان بيقول عليها... أيهم وهو يرفع كتفيه لأعلى:

"معرفش. كل اللي أعرفه إن جدك من كام شهر كان راجع الشركة وقالنا إنه لقى بنت واقعة جنب عربيتها اللي مخبوطة في الشجرة وكانت باين عليها إنها مضروبة ونقلها المستشفى. وكمان قالنا إنه حالتها كانت خطيرة. معرفش الباقي بقى. ولا كنت أعرف إنها جيانا."

شعر بانقباض بقلبه أثر سماعه لما يقوله وهو يتخيل كم المعاناة التي عاشتها وتمنى لو كان موجودًا حينها ليحميها ويتوعد بداخله لمن فعل بها هذا سيذيقه كافة أنواع العذاب لتكون الموت رحمة له. نظر لابن عمه ثم قال: "الراجل اللي اسمه حامد صفوان ده تجيبلي كل حاجة عنه المعروفة واللي مش معروفة. عايز أعرف عنه كل حاجة من يوم ما اتولد لحد دلوقتي." أومأ له أيهم ثم قال: "اعتبره حصل."

أومأ له فريد ليدق الباب مرة قبل أن يدخل الطارق من الباب والذي لم يكن سوى جمال الزيني. وما إن دخل وقف الاثنان مرحبين به. ليقول أيهم بتساؤل: "بقاله فترة مجتش الشركة يعني يا بابا. إيه سر الزيارة؟ جمال بابتسامة حزينة: "كنت بزور قبر نور. وقولت أعدي ع الشركة أشوف الوضع."

أيهم. ومأ له بابتسامة لم تصل إلى عينيه التي امتلأت بالحزن بتلك اللحظة خصوصًا عند ذكر اسم والدته المتوفاة والتي أخذها الموت بلحظة من بينهم. ماتت دون أن يودعها، ماتت بدون سابق إنذار، ماتت دون أن يشبع من حنانها ويكتفي. حزن فريد على حال عمه وابن عمه الذي يعرف إنه ربما لا يظهر حزنه وتأثره كثيرًا، لكنه يعرف إن بداخله ينهار حزنًا على وفاة والدته والتي كانت له كل شيء. وحد نفسه يسأله بتلقائية: "كنت بتحبها للدرجة دي يا عمي؟

ابتسم جمال ثم قال بحنين وصوت عاشق يتألم من ألم الفراق الذي لا يضاهي أي ألم بالعالم: "الحب ده أنا عديته من زمان. عارف كلام الحب والغرام كله مش ممكن يوصف مقدار حبي ليها واللي بحسه ناحيتها. بحبها لدرجة بتمنى الموت كله لحظة عشان أكون جنبها." فريد بتساؤل وتلقائية: "إزاي عرفت إنك بتحبها؟ ابتسم جمال ثم شرد بعالم آخر وهو يردد بعشق:

"كانت مجنونة، عارف. كانت كتلة شقاوة وجنون ماشية على الأرض. أول مرة شفتها كنت بزور واحد صاحبي كان ساكن في منطقة شعبية. لقيتها واقفة في الشارع بتلعب كورة مع الأولاد الصغيرين. ساعتها فضلت أضحك عليها جامد وقعدت تتريق عليا واتحدتني إن ألعب وفعلاً لعبنا ومن ساعتها بقيت أروح كل يوم لصاحبي ده أراقبها من بعيد وساعات أتكلم معاها. لقيت نفسي بتشد ليها، ببقى نفسي أشوفها طول الوقت وتفضل تحت عيني طول الوقت. بحس إنها ملكي بتاعتي مش

مسموح إنها تكون لحد تاني أبدًا. بتسحرني بجنانها وشقاوتها. كانت قادرة إنها تخلي عيني عليها طول الوقت من غير ما تاخد بالها. قدرت تاخد قلبي وتكون ليا النبض اللي بيخليه يدق. نور مكنتش حبيبة بس لأ، دي كانت الأم والصديقة والأخت. ببساطة كده هي كانت ليا الكون كله. مكنش ينفع ما أحبهاش ومقدرش في يوم من الأيام أتخيل نفسي مع واحدة تانية غيرها ولا أقدر أتخيلها مع غيري لأن ببساطة أنا وهي ما ينفعش نكون غير مع بعض ولبعض."

ابتسم أيهم بحب وهو يتساءل: هل بيوم من الأيام سيجد حبًا مثل حب والده؟ هل سيجد من تجعله أسير نظرة من عينيها؟ هل سيجد تلك الاستثنائية التي يعشقها من بين الفتيات؟

أما عن فريد، شرد بعقله بمكان آخر. لو أخذ يعلم مقدار ما يشعر به من خوف، لو هي تعلم كم يحبها بل يهيم بها عشقًا. خاف عليها وخاف مما سيحدث مستقبلاً. بداخله مخاوف كثيرة يريد التخلص منها. يعنف نفسه ألف مرة على إقدامه على فكرة الزواج من أخرى ظنًا بأنه سيستطيع أن ينساها، ولكن العكس وجد القدر يضعها أمامه ليغرق بعشقها أكثر وأكثر. جمال بابتسامة:

"شكلك بتحب يا بن محمد. عارف إنك شبه أبوك في كل حاجة حتى التصرفات. كأني شايف أبوك في شبابه بحيرته وتوهانه." نظر له فريد ليومأ له جمال قائلاً: "بس ياريت متكونش زيه في الحب. قبل ما تقول كلمة بحبك اتأكد إنك هتوفي بكل وعود. الكلمة دي لما تقولها كون قدها. أبوك قالها زمان بس مكنش قدها." نظر له فريد بصدمة ليتابع جمال بابتسامة:

"لو محتار تفضل مع مين، اختار اللي بتحبها. لأن صدقني حياتك كلها كوم وإنك تعيش لحظة حب جنب حبيبتك كوم تاني. الحب يا بني أكبر سعادة ممكن تعيشها واللحظة منها ما بتتعوضش أبدًا." قالها ثم غادر المكان بأكمله ليترك كل واحدًا منهم بدوامته الخاصة. ***

في قصر الزيني. بغرفة دولت كانت تأخذ الغرفة تنهيدة وعودة وعقلها مشغول بتلك التي أتت لمنزلها بالأمس واسمه يتردد بأذنها "جيانا أكمل النويري". استهلت عيناها بحقد وغِل لم ينقص أو يقل أبدًا بمرور تلك السنوات. ماذا ستفعل الآن بتلك الورطة؟ ابن أكثر شخص تكرهه على الإطلاق. دخل منزلها بل وهي رفيقة زوجة ابنها فيما بعد. ماذا ستفعل؟

أفاقت من شرودها على صوت غلق الباب بعد دخول زوجها محمد. الذي منذ الأمس وملامح وجهه يتبين عليها الحزن الشديد أثر كلمات ابنته له والتي كانت معها حق بكل كلمة قالتها. لم يكن شجاعًا كفاية ليدافع عن سعادته بالحياة. هو لم يهتم لأنه ببساطة كان أناني جدًا. اختار الأسهل وفعله حتى يريح نفسه. فهو يعطي نفسه رتبة الأب الفاشل بجدارة. أب لاثنان لكنه لا يعرف عنهم شيئًا. لم يجلس معهم ويتناقشون. لا يعرف ما يفضلون وما يكرهون. هو ببساطة شديدة كان مجرد اسم خلف أبنائه بشهادة الميلاد.

نظرت له دولت ثم قالت: "إنت من امبارح وانت قالب وشك كده. حصل إيه يعني لكل ده؟ نظر لها بكره شديد واشمئزاز من نفسه قبلها لأنه بيوم من الأيام وافق على الزواج من واحدة مثلها. هدر بها بعنف: "ابعدي عن وشي الساعة دي يكون أفضل ليكي أحسن ما أعمل حاجة مش هتعجبك أبدًا. غوري من وشي يلا."

قالها بصراخ لتنظر له بحقد وغضب ثم خرجت من الغرفة تغلق الباب بقوة خلفها. ليزفر هو بضيق مقررًا شيئًا ما عزم على تنفيذه بأقرب وقت ممكن. فما هو يا ترى؟ على الناحية الأخرى بغرفة هايدي كانت تستعد للذهاب لشركة الزيني وبداخلها تصميم كبري ونصًا الليلة بأن تنفذ خطتها مهما كان ولن تدع تلك الزيجة تكتمل أبدًا. ففريد ملكها فقط. لكن ما كادت أن تخطو خطوة واحدة خارج القصر حتى سمعت صوت يأتي من خلفها يقول بصرامة: "رايحة على فين؟

التفتت للقائل ولم يكن سوى جدها صلاح. لترد عليه ببرود: "خارجة يا جدو." رد عليها بصرامة ولهجة لا تقبل النقاش: "اطلعي أوضتك. مفيش خروج. وبعد كده مفيش خروج لوحدك أبدًا وخصوصًا بالمسخرة اللي إنتي لابساها دي." نظر لجدها بغضب، سرعان ما خطرت ببالها فكرة خبيثة مثلها. ستفعلها وليحدث ما يحدث. ستفعلها مهما كانت الخسائر. اصطنعت البكاء الشديد وجلست على الأريكة تخفي وجهها بيدها. ليقول صلاح بتوجس: "بتعيطي ليه؟ هايدي بملامح يظهر

عليها الخوف والانكسار: "أنا واقعة في مصيبة يا جدو." "مصيبة إيه؟ انطقي! " قالها بقلق ويشعر إن ما ستقوله ليس بهين أبدًا. ردت عليه وهي بحزن مزيف أتقنته بجدارة: "فريد يا جدو. ضحك عليا واستغلني وبعدها رايح يتجوز واتخلى عني ومش راضي يتجوزني ويصلح غلطته." *** بمنزل آسر النويري. كان يجلس على الأريكة ببهو منزله يمسك بيده عدة أوراق وقلم يرسم أسماء موصلة ببعضها في دوائر وهو يردد بتوعد: "مجدي القاسم. حامد صفوان."

عيناه تنظر لذلك الملف بيده وبداخله ينوي على الانتقام فقط مهما كان الثمن.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...