الفصل 14 | من 25 فصل

رواية ليتني مت قبل هذا الفصل الرابع عشر 14 - بقلم نعمة حسن

المشاهدات
15
كلمة
5,068
وقت القراءة
26 د
التقدم في الرواية 56%
حجم الخط: 18

رت كلمتها عندما رأته يقف أمامها لتتمتم بذهول وعدم تصديق، وقد شعرت بأن قلبها سيتوقف من شدة الصدمة، وقالت: يحيي؟! نظر إليها يحيي بذهول لا يقل عن ذهولها وتمتم: غزل؟! مش معقول!! في غضون ثوانٍ معدودة كانت قد طوّقت عنقه بكلتا يديها تحتضنه بكل ما أوتيت من قوة، وقد نسيت العالم بأكمله من حولها. تفاجأ قليلاً، ولكنّه ربت على ظهرها مبتسماً. لتبتعد هي عنه وقد نبهها عقلها على الفور بما فعلته، لتنظر إليه بأعين باكية وقالت

ودموعها تهطل على وجنتيها: يحيي؟! أنا مش مصدقة نفسي! اتسعت ابتسامته وقال: إزيك يا غزال؟ تراقص قلبها فرحاً فور أن استعادت لقبها القديم، لتضحك بقوة وقد فقدت السيطرة على جميع انفعالاتها، وقالت بصوت مهزوز: الحمد لله، انت إزيك؟ أومأ بهدوء وقال: الحمد لله.. انتي بقا السيتر يا ستي؟ هزت رأسها بحماس أن نعم، ليبتسم قائلاً: طب تعالي ادخلي. وأضاف مازحاً: جيتي لقضاكي! ضحكت بشدة ليقول: البرنس زيزو والبرنسيسة نور أمانتك لحد ما أرجع.

التقط جاكيت بدلته وهو يستعد للمغادرة، لتستوقفه قائلة: انت كنت فين كل المدة دي؟! نظر إليها مبتسماً بلطف وقال: بعدين هنبقى نتكلم لإني حالياً متأخر عن الشغل بسبب سيادتك، مخصوم منك خمسين قرش غرامة تأخير. ارتفعت ضحكاتها ليضحك بدوره، ثم قال: يلا ربنا معاكي ولو احتاجتوا حاجة كلموني على تليفون الشغل هتلاقي الرقم جنب التليفون. أومأت غزل بتأكيد وقالت: متقلقش.. تروح وترجع بالسلامة إن شاء الله. ابتسم ببشاشة وقال:

إن شاء الله.. يلا مع السلامة. ثم انحنى ليمنح كلّاً من طفليه قبلة حانية ودعهم بها وانصرف مغادراً لعمله. أغلقت الباب خلفه لتستند بظهرها عليه وهي تنظر أمامها بابتسامة حالمة ودموعها تهطل فوق وجنتيها بفرحة، لتسرع على الفور وتقوم بالاتصال بـ صافيه التي أجابت بهدوء قائلة: أيوة يا غزل، وصلتي يا حبيبتي؟ _عمتو أنا شفت يحيي!! هكذا أجابت غزل إجابة لا تمت للسؤال بصلة، لتتساءل صافيه بتعجب وقالت: بتقولي إيه؟ شوفتي يحيي؟

أومأت غزل برأسها وهي تمسح دموعها وقالت: أيوة شوفته، مش هتتخيلي فين؟ تساءلت صافيه بلهفة وقالت: شوفتيه فين؟! أجابت غزل وقالت: عنده في البيت! _إيه؟! عنده في البيت؟ عنده في البيت إزاي يعني؟ ابتسمت غزل وأردفت: هو يبقى الباشمهندس اللي عايز جليسة لأولاده. ارتفع حاجبا صافيه بتعجب وقالت: معقولة!! طيب أنا عايزة أكلمه.. ولا أقولك اديني العنوان وأنا جايه. قاطعتها غزل قائلة:

لا جايه فين استني، هو مشي أساساً راح شغله.. وبعدين بلاش تستعجلي إحنا مش عارفين هو دماغه فيها إيه دلوقتي. اقتنعت صافيه بحديثها فقالت: معاكي حق، طيب اقفلي دلوقتي لما أروح أقول لإبراهيم. _لااااا. صدح صوت غزل جهوراً وهي تنهي صافيه عن فعل ذلك، ثم قالت: لا يا عمتو اوعي تقولي لبابا أنا ما صدقت وصلت ليحيي. ثم استأنفت حديثها تقول بتوضيح أكثر:

انتي عارفة موقف بابا من يحيي إيه ومن قبل ما يرجع، ما بالك بقا لو عرف إني شغالة جليسة لأولاده وبقعد عنده في البيت كل الفترة دي وبشوفه وبيشوفني كل يوم. تساءلت صافيه بصوت خافت وقالت: يعني إيه؟! مش هتقوليله؟! _أيوه مش هقوله، أخوكي راسه ناشفة وانتِ عارفة، وأنا معنديش استعداد بعد ما لقيت يحيي أتحرم منه تاني!

= بس ده لو عرف إنك مخبيه عليه هيزعل منك زعل جامد يا غزل ومش بعيد يقاطعك فيها، أنا شايفه إن الصراحة أقصر الطرق لإقناعه بدل ما تخبي عليه ويعرف ويزعل منك. _لا إن شاء الله مش هيعرف، سيبيها بس لوقتها وبعدين ربنا يسهل. = ربنا يستر يا بنتي وتعدي على خير، وانتي بتعملي إيه دلوقتي؟ _أنا هقفل معاكي وأشوف زياد ونور بقا. تمتمت صافيه بصوت حنون وقالت: حبايبى وحشوني أوي، بالله عليكي صوريهم وابعثيلي الصورة أشوفهم. ابتسمت غزل وقالت:

حاضر يا عمتو، من عنيا. وأنهت المكالمة لتتقدم من زياد ونور اللذان كانا يلتفان حول الطاولة الصغيرة يتناولان فطورهما، ليبتسم زياد ابتسامة مشعة فور أن رآها وقال: غزل، وحشتيني. قال الأخيرة وهو يحتضنها بشدة، لتضمه إليها بشوق كبير وتشتم رائحته التي اشتاقتها وقالت: وانتوا كمان وحشتوني أوي يا زياد. وحملت الصغيرة تنهال عليها بالقبلات والأحضان، فقال زياد: إنتي جايه تعملي إيه عندنا؟ تصنعت الغضب وقالت:

إيه ده، هو انت مش عايزني ألعب معاكوا وأقعد معاكوا نرسم ونلون ونعمل كل الحاجات اللي بتحبها على ما بابا يرجع من الشغل؟ انبسطت أساريره فرحاً وقال: إيه ده بجد! يعني هتقعدي معانا حبة كتير ومش هنقعد لوحدنا تاني؟ أومأت بابتسامة وقالت: أيوووون، ويلا بينا نخلص فطارنا بقا عشان نبدأ نلعب سوا ونتسلى.

تحمّس زياد كثيراً وراح يلتهم ما تبقى بطبقه بشغف كبير، بينما كانت هي تتطلع نحوهما بحب كبير وهي تستعيض بهم عن ما فقدته في أبيهم من فراق وغياب طال كثيراً، آملة أن القادم لن يحمل لها في طياته سوى كل شيء جميل والذي سيكون بإمكانه أن يضمد جراحها ويجبر كسرها ويعيد إليها روحها. *** كانت تجلس بغرفتها تتطلع نحو الفراغ من أمامها، وسمحت لدموعها أخيراً بالفرار من بين محجريها بعد أن حاولت منعهم طويلاً حتى تبدو صامدة كل الوقت.

لم تكن تتخيل يوماً أن تكون تلك نهايتها وأن تفقد أولادها أيضاً وتبقى صفر اليدين. ازداد بكاؤها الحار بقهر لتتمتم في نفسها: اصبري يا يُسر لسه الحكاية منتهتش.. يحيي هيفضل ليكي طول العمر بس انتي شغلي دماغك وإلعبيها صح. أمسكت بهاتفها وقامت بالاتصال بصديقتها التي أجابتها قائلة: أيوة يا سوسو عاملة إيه يا حبيبتي؟ _الحمد لله يا إيمان انتي أخبارك إيه؟ = أنا كويسة الحمد لله.. طمنيني وصلتي لفين؟ ورجعتي لجوزك ولا لأ؟ ابتسمت يُسر

بسخرية وقالت: هه.. أنهو واحد فيهم؟ _يحيي طبعاً يا بنتي ده انتي مش هتصدقي جوزي بيقوللي إيه امبارح.. كان سهران مع جماعة أصحابه في نايت كلاب على البحر لقيته جاي بيقوللي مش هتصدقي شفت مين هناك. = همممم؟؟ _بيقوللي شفت يحيي الهنداوي ومعاه واحد كده اتهيألي إنه هو سليمان أخوه بس لما ركزت لقيته قاسم عبدالرحمن صاحب شركة الاستيراد والتصدير اللي ابن عمته شغال أمن فيها. = بتقولي إيـه؟!

قالتها يُسر بلهفة وهي تجلس متأهبة بحماس للاستماع للمزيد، فقالت صديقتها: والله يا بنتي زي ما بقوللك كده.. وبيقوللي إن يحيي اتغير أوي وبقى حاجة كده هاي كلاس شبه رجال الأعمال بجد. تمتمت يُسر بذهول: معقولة! _أه والله يابنتي زي ما بقوللك كده.. يحيي بقى حاجة كبيرة اشبطي فيه بإيديكي وسنانك بقا. تنهدت يُسر بلوعة وقالت: بعد إيه بقا ما خلاص، كل اللي بينا انتهى.

= يا غبية انتي شغلي دماغك، طول ما بينكم ولاد يبقى مفيش حاجة انتهت وانتي من حقك حضانة ولادك ولو حرمتيه منهم هتلاقيه هو اللي بيلف حواليكي عشان عياله. اعتدلت يُسر بمجلسها وقد اتخذ الحديث مجرى جدياً أكثر وقالت باهتمام: تفتكري يا إيمان؟ قالت الأخرى ببساطة: أيوة طبعاً. عالعموم هقفل أنا عشان خارجة وهستناكي تبقي تطمنيني عليكي. أنهت يُسر المكالمة وألقت بالهاتف إلى الفراش بإهمال وراحت تتفكر وتتدبر كيف لها أن تحتل قلبه من جديد!

*** عند غَزل والتي كانت تجول وتصول بالمنزل تشتم رائحة عطر يحيي التي تفوح بكل أرجاء المنزل، تتلمّس أغراضه وتطوف يداها على ملابسه بخفة وهي تحتضن ثيابه عوضاً عنه، تتخيل أنه ها هنا ينام وهنا يجلس وهناك يأكل، تتأمل تفاصيل المنزل بأعين عاشقة منذ الصغر. قامت بفتح كل نوافذ البيت كي تسمح لأشعة الشمس أن تحتضن البيت وتغمره بالكامل، ثم بدأت في ترتيب الفوضى التي صنعاها نور وزياد، وبعد أن انتهت جلست إلى جوارهما وتساءلت بلطف:

هاا يا سكر منك ليها، تحبوا تاكلوا إيه على الغـدا. أجاب زياد بغتةً: أي حاجة غير مكرونة وبانيه، بابا كل يوم بيعملهم. ابتسمت وقالت: بلاش مكرونة وبانيه، انت نفسك تاكل إيه وأنا أعمله. راح الصغير يدق بإصبعه على ذقنه بتفكير ثم قال: اعملي رز وبطاطس لونها أحمر وكرات لحم. _كرات لحم؟! انت بتكلمني بالفصحى يا زياد فكرك مش هفهم؟! قالتها وهي تداعب الصغير وتدغدغه بقوة لينفجر ضاحكاً بقوة، قبل أن تتقدم منها نور وتقول: غزل، زغزغيني.

ضحكت غزل باتساع وحملتها محتضنة إياها بشدة وهي تقول: انت تتاكل يا جميل انت، هاتي بوسة كبيرة. أغرقت الصغيرة وجهها بالقبلات، لتقول غزل: يلا اقعدوا كملوا التلوين ده وأنا هدخل أعمل الأكل. ثم نظرت إلى زياد وقالت مصطنعة الجدية: هل تريد شيئاً إضافياً بجانب الأرز وكُرات اللحم يا سيدي المبجل؟

أومأ زياد نافياً بابتسامة، لتنصرف هي نحو المطبخ ثم بدأت في إعداد الطعام لهم، ليرتفع رنين هاتفها، فنظرت بالهاتف لتجد والدها يقوم بالاتصال بها، فأجابت بتوتر: أيوة يا بابا. _إيه يا غزل مبترديش لي؟! التليفون سخن في إيدي من كتر مانا عمال أكلمك بقالي ساعة. = معلش يا حبيبي والله أنا آسفة، كنت بس بجهز أكل للكتاكيت اللي أنا قاعدة معاهم. _أه.. وايه الأخبار؟ = كله فل الحمد لله.. هرجع الساعة 7 بإذن الله.

_بإذن الله، تيجي بالسلامة، وخلي بالك من نفسك، أول ما أبوهم يرجع تنزلي فوراً. أومأت بابتسامة وقالت: حاضر والله متقلقش. _ربنا معاكي. = يااارب يا حبيبي، هقفل دلوقتي بقا عشان بعمل الأكل، يلا باي.

أنهت المكالمة وشرعت في إعداد الطعام بهمة لتنجزه سريعاً، وقامت بإطعام الصغار والذين تناولوا طعامهم بشهية مفتوحة مما أسعدها كثيراً، ومن بعدها بدأت في اللعب معهم قبل أن تشير عقارب الساعة إلى السادسة مساءً، ليرتجف قلبها بشدة منتظرة بلهفة عودة ساكنه.

أنهت ما بيدها سريعاً وقامت بتعطير المنزل وجلست برفقة أبناءه تنتظر عودته، لينفرج الباب ويظهر هو من خلفه متهالكاً بتعب، سرعان ما تحول إلى ارتياح ثم إلى بهجة عندما رأى آثار ما فعلته بالبيت، وانتشت جميع حواسه بمجرد ما إن دخل إلى البيت، فوقفت هي تستقبله بابتسامة رقيقة وقالت: حمدالله على السلامة. نظر إليها مبتسماً وقال: الله يسلمك يااارب.... بتر كلماته، ركض أطفاله نحوه ليحمل نور وينحني جاثياً على إحدى ركبتيه

وهو يحتضن زياد الذي قال: شوفت يا بابا غزل خلت البيت جميل إزاي. نظر يحيي إليه مبتسماً ثم إلى غزل التي كانت تتفحص ملامحه باشتياق، لينهض قائماً ويقترب منها مبتسماً بلطف وأردف قائلاً: شكراً يا غزل، ليه تعبتي نفسك. ارتبكت غزل من قربه الأول منها وحاولت تجنب النظر إليه، ولكن كل محاولاتها قد باءت بالفشل، فابتسمت ونظرت أرضاً بتوتر ثم قالت: لا مفيش أي تعب، تعبك راحة. ابتسم يحيي ببشاشة وباغتها قائلاً:

تصدقي يا غزال إنك كبرتي وإحلويتي! زي ما يكون فات سنين مش سنة واحدة. ابتسمت قبل أن تومأ برأسها بتأييد، ليتساءل قائلاً: لسه بردو منشفة راسك ومش عاوزة تتجوزي؟! تجهم وجهها فجأةً وقالت: لا منا اتجوزت! اتسعت عيناه بدهشة، فنظر إليها بضع ثوانٍ قبل أن يتمتم بذهول: اتخطبتي؟ بتهزري؟! هزت رأسها بنفي وقالت: لأ مش بهزر، اتخطبت بس... قاطعها قائلاً: لاا استني ده انتي تقعدي وتحكيلي كل حاجة بالتفصيل الممل. نظرت إلى الساعة

من خلفها وقالت بتوتر: لا معلش خليها مرة تانية لإن بابا مستنيني من بدري ومش عايزة أزعله مني من أول يوم. قال مبتسماً: صح عمي إبراهيم أخباره إيه؟! وصافيه؟! نطق بالأخيرة بتأثر، لتومأ هي بابتسامة وتقول: الحمد لله كويسين، على ما تغير هدومك هكون حضرتلك العشا بسرعة وبعدها همشي. _لا يا غزل.. أنا هعمل أنا الأكل متتعبيش نفسك. أومأت بموافقة وقالت: طيب اتفضل ادخل غير هدومك وأنا هجهز وأنزل.

بمجرد ما إن انصرف إلى غرفته، قامت هي بتحضير طعام العشاء له ووضعته على الطاولة، ليخرج من غرفته وقد اشتم رائحة الطعام ليقول: إيه ده انتي اللي عملتي الأكل ده؟ أومأت بابتسامة وقالت: أيوة بألف هنا. نظر إليها يحيي بتركيز ثم قال: يا ريت بعد إذنك متتكررش تاني يا غزل. تجهّم وجهها، ليستطرد حديثه قائلاً:

أنا مقدر إنك بتعتبري إننا واحد وأنا زي أخوكي وبتعملي كده بحب وود.. بس معلش بلاش ده يتكرر تاني.. انتي هنا ستيتر لزياد ونور بس يعني تقعدي معاهم وتلعبي وتتسلي على ما أرجع، إنما مش مطلوب منك أي حاجة تانية.. في واحدة مسئولة عن التنضيف بتيجي كل يومين والأكل إحنا بنطلبه جاهز يعني ملوش لزوم تتعبي نفسك. بالرغم من صحة كلامه، إلا أنها شعرت بالضيق بشدة واعترتها رغبة شديدة في البكاء، ولكنها تماسكت وقالت بنبرة صوت مهزوزة:

أنا متعبتش خالص لإني معملتش حاجة وكمان زياد كان بيساعدني وبيرتب معايا، وبالنسبة للأكل ده في حدود شغلي بردو لإن الطبيعي إني بقعد معاهم فترة مش قصيرة ومن واجبي أعمل لهم أكل وأخد بالي منهم في كل حاجة لحد ما انت ترجع.. ده اختصاص أي جليسة أطفال يعني أنا معملتش حاجة مخصوص أو زيادة، واللي عملت لهم ياكلوا منه انت كمان اكلت منه يعني أنا معملتش حاجة مخصوص عشانك. ثم قالت بهدوء: بس دي كل الحكاية. ابتسم بتقدير وأضاف مبتسماً:

منتحرمش منك يا غزل، تحبي أوصلك؟ رسمت ابتسامة مقتضبة على شفاها وقالت: لا ميرسي أنا طالبة أوبر.. يلا عن إذنك. قبّلت الصغار وودعتهم ثم انصرفت مغادرة البيت، بينما جلس هو ليتناول طعامه بنهم شارداً بالأيام التي دائماً ما كانت تقضيها غزل في بيت العائلة برفقتهم جميعاً قبل أن يتبدل الحال ويفترق كلٌّ منهم لطريقٍ مختلف. ***

كان "علـي" يجلس حزيناً شارداً لا يفعل شيئاً سوى أنه يرجو من الله أن يطمئن قلبه على أولاده ويقرّ عينه بعودتهما إليه. دخل عبدالقادر إلى غرفة والده ليجده ممدداً في فراشه بحزن شديد فقال: إزيك يابا؟! دون أن ينظر إليه أجابه: أنا كويس يا قدوره، اخواتك اللي مش كويسين، أنا قلبي حاسس بيهم ومش مطمن! زفر عبدالقادر بتعب وهو يجلس إلى جوار أبيه وقال:

سليمان مش عارف أوصل له، عملت البدع، سألت في كل الأماكن اللي كان متعود يقعد فيها، اصحابه اللي كان بيسهر معاهم، المصانع اللي كان بيستلم منها بضاعة، مسيبتش حتة إلا وسألت فيها حتى المستشفيات، الاقسـام، فص ملح وداب! أسند الأب رأسه إلى السرير من خلفه بحزن وقال: يااارب انت قادر على كل شيء. نظر إليه ابنه بشفقة من حالته المتدهورة وقال: بس يحيي بخير الحمد لله.. تحب تشوفه يابا؟ نظر إليه والده بلهفة وقال:

وحد يكره يملّي عينه بشوفة ضناه! وصلني بيه أوام.. انت تعرف طريقه. _أنا آخر مرة كلمني عشان موضوع الفلوس عرفت إنه بيتكلم من تليفون في الشارع، واحد معرفه جابلي عنوان الكشك اللي فيه التليفون، هروح هناك وأسأل وبإذن الله واثق إني هوصل له، ولو ربنا وفق ووصلتله هقولله إن صحتك تعبانة وطالب تشوفه وهو مش هيتأخر، أنا متأكد. = المهم يرضى ييجي. قالها الأب بيأس ليطمئنه عبدالقادر قائلاً:

لا أنا واثق إن يحيي لسه من جواه يحيي بتاع زمان، المعدن الأصيل ميتغش أبدأ يابا مهما شاف ولا جار عليه الزمن، ويحيي معدنه أصيل ولسه بيحبك زيادة عن أي واحد فينا. قال الأخيرة مبتسماً ثم عاد ليقول: مش ده كلامك يابا؟! طول عمرك تقول يحيي بيحبني أكتر واحد فيكوا، انتوا ولاد زاهيـه. هز الأب رأسه بحزن شديد وغمغم قائلاً: الله يرحمـها. _الله يرحمها ويرحم أموات المسلمين أجمعين.. أنا هخرج بقا أشوف المشوار ده ودعواتك ربنا ييسر.

خرج عبدالقادر ليستقل سيارته وينطلق بها نحو رحلته القصيرة في البحث عن يحيي راجياً من الله أن تكلل بالنجاح تلك المرة. وصل إلى المكان الموجود به ذلك الدكان الخشبي الصغير وتوقف أمامه بسيارته ثم نزل ليتقدم من صاحبه وقال ببشاشة: السلام عليكم يا زوق، لو سمحت والله كنت عايز أعرف لو تعرف سكان المنطقة هنا كنت عايزك تدلني على واحد اسمه يحيي الهنداوي. تمتم الرجل بتفكير وقال:

الصراحة مش واخد بالي.. بس ممكن بمرة تيجي لعم سلامه اللي واقف أمن الكومباوند اللي جمبنا هو اللي يعرف سكان المنطقة هنا نفر نفر وهيساعدك إن شاء الله. لينصرف عبدالقادر محملاً بالخيبة عائداً نحو بيته. _في صباح يوم جديد كانت تجلس بغرفتها تتمدد بفراشها بأريحية وهي تحاول الوصول إلى يحيي وأطفالها كذلك.

مرت الأيام والأسابيع وهي لا تعلم شيئاً عن صغارها، فكأنما قد انشقت الأرض وابتلعتهما برفقة والدهما الذي يخفيهما عنها ولا تعلم للوصول إليهم سبيلاً، بعد أن صبرت ونفذ صبرها لم تجد بُدّاً من الاتصال بصديقتها إيمان والتي تنقذها دائماً في مثل تلك العثرات. تنحنحت بتحفظ وقالت: ألو.. أيوة يا مون عاملة إيه؟! _حبيبتي يا سوسو أنا كنت لسه هكلمك. = القلوب عند بعضها، أخبارك إيه؟ _أنا كويسة الحمد لله انتي عاملة إيه طمنيني؟ تنهدت يُسر

بضيق وقالت: الأخبار زي الزفت، ويبقي الوضع على ما هو عليه.. الأستاذ يحيي مختفي بالولاد ومش عارفة أوصله. ضحكت صديقتها بقوة وقالت: ما هو انتي لو شغلتي دماغك كنتي هترتاحي بس انتي مقفلة مخك وعايزة يحيي يجي لحد عندك وانتي قاعدة معززة مكرمة. تمتمت يُسر بحنق وقالت: ما تخلصي بقا يا إيمان من غير لت وعجن كتير، أعمل إيه يعني؟

_بصي يا ستي، أنا هجيبلك عنوان الشركة بتاعة قاسم عبدالرحمن وانتي وحظك بقا.. تروحي وتسألي عليه هناك ولو لقيتيه خير ملقيتيهوش تاخدي منهم عنوان البيت أو الشركة بتاعته! قالت يُسر بتعجب: الشركة بتاعته؟!! = اومال انتي فاكرة إيه.. الشركة بقت شركات يا ماما، يحيي وقاسم عبدالرحمن عاملين بيزنس عالي جداً وكل واحد ماسك منصب رئيس مجلس إدارة في شركة لوحده، يعني لو عرفتي تشبكي يحيي الهنداوي دلوقتي تبقى بضالك في القفص يا جميل.

ابتسمت يُسر بغرور وأضافت وبريق الخبث يلمع بعينيها: يحيي ده أنا مشكلاه على إيديا من سنين يا ماما، بعرف إزاي أوديه وإزاي أجيبه، هو يحن بس والباقي كله سهل. = سيدي يا سيدي، طيب يا ستي ربنا معاكي ونشرب الشربات قريب. _هتشربي متقلقيش، عالعموم شكراً يا مون، هستنى منك رسالة بالعنوان ولو حصل جديد هقوللك. على الفور أنهت المكالمة فأرسلت لها صديقتها عنوان الشركة، فقامت بالاتصال بأحدهم قائلة:

أيوة يا زكريا.. عايزاك معايا في مشوار ضروري دلوقتي ولك عندي حلاوة كبيرة أوي. وافقها الشاب دون جدال لتهم مسرعة وتبدل ملابسها بأحسن الثياب عندها وتعتزم طريقها نحو الشركة. *** كان يحيي يجلس منهمكاً بين أوراقه يتابعها بتركيز، لتدلف سكرتيرته الخاصة إلى المكتب بعد إذن لها بالدخول فقالت: باشمهندس يحيي، في واحدة بره عايزة تدخل لحضرتك. دون أن يرفع ناظريه أجابها متسائلاً: واحدة مين؟ _بتقول مدام حضرتك! انتبه لها مسرعاً

وقال بلهفة فشل في إخفائها: دخليها بسرعة. أومأت بموافقة وانصرفت، ليستوقفها قائلاً: ولا أقولك.. متدخليهاش غير لما أقولك. أومأت مجدداً وقالت: تحت أمرك. خرجت من الغرفة وأبلغتها بأن تنتظر قليلاً، لتجلس بتوتر وهي تهز قدميها بقلق وخوف وقالت: إنتي قولتي له إن مراته اللي عايزاه. أومأت الأخرى بتأكيد وقالت: أيوة حضرتك بلغته وقاللي تنتظري لما أبلغك تدخلي.

انقبض قلبها وقد تيقنت بأن القادم لن يكون يسيراً عليها، بينما كان يجلس هو بالداخل وقد اعتدل بمجلسه بأريحية وأخرج غليونه الفاخر وبدأ بتدخينه، ثم ضغط الزر الموجود أمامه على المكتب قائلاً باقتضاب: دخليها!

ارتفعت دقات قلبه بشدة كطبول حرب قد قرعت معلنةً عن ساعة النزال، ليأخذ شهيقاً عميقاً ملأ به رئتيه وزفره ببطء محاولاً تهدئة انفعالاته المتزايدة، قبل أن يستمع إلى طرقات على باب المكتب فأذن بالدخول، لينفرج الباب وتدلف هي محاولة تصنع القوة والثبات كعادتها، ولكن قواها قد خارت فور أن رأته يجلس أمامها. دون أن ينظر إليها أشار لها بالجلوس، وهو لا يزال يطالع الأوراق الموجودة أمامه على المكتب متصنعاً عدم الاكتراث لأمر وجودها.

طال انتظارها وهو لا يزال يتفحص الأوراق الخاصة به، لتحمحم بنعومة لتلفت انتباهه، فنظر نحوها بطرف عينه ليجدها تنظر نحوه نظرات ثاقبة، فرفع وجهه لينظر إليها قائلاً ببرود مصطنع: جايه ليه يا يُسر؟ ابتلعت ريقها بتوتر وقالت: إيه الكلام ده يا يحيي! .. بقا دي مقابلة تقابلني بيها بعد كل الوقت ده؟ رفع كتفيه بعدم اكتراث وقال ساخراً: أومال عايزاني أقابلك إزاي؟! بالأحضان؟! تنفست الصعداء وقالت: وحشتني يا يحيي!

ابتسم متهكماً وتجاهل كلماتها، ثم ضغط زر المكتب لتدلف السكرتيرة فقال: هاتيلي قهوة يا هند وشوفي المدام تشرب إيه. نظرت إليها يُسر بترفع وقالت: وأنا قهوة زي يحيي! أومأت السكرتيرة وخرجت من المكتب، فعادت هي لتنظر نحوه بتعجب حيث كان يتعمد تجاهلها، لتعود قائلة: يحيي!! انت مش سامعني؟! بقوللك وحشتني.

أطربه سماعها لاستجدائاتها بإلحاح، ليستمر في تدخين غليونه وهو يتلاشى النظر داخل عينيها التي طالما بات يتطلع نحوهما بشغف لم يعد له مكان الآن، ثم رفع قدمه ليضعها على المكتب من أمامه يصوبها نحوها بكل عنجهية وغرور وأردف بقوة قائلاً: يحيي بتاع زمان انسيه يا يُسر، اعتبري إنه لسه تحت التراب. نظرت إليه بصدمة وقالت:

صدقني يا يحيي أنا اتغصبت على الوضع ده، سليمان منه لله فضل يجري ورايا ويزن على دماغي ويهددني بالعيال لحد ما وافقت اتجوزه. ابتسم باقتضاب ساخر وارتكز بكلتا يديه على المكتب من أمامه وهو يقترب بجذعه منها أكثر وقال بصوت هامس وكأنما يخبرها سراً: وفضل باشا جه إزاي؟! بالزن والتهديد بردو؟! ابتلعت لعابها بتوتر وأضافت: صدقني والله هو اللي غصب عليا وأنا مكنتش موافقة نهائي بس معرفتش أوقفه.. كان سكران يومها ومكانش في وعيه....

قاطعها بإشارة من يده، ثم رفع الهاتف وأجرى اتصالاً بأحد الموظفين استغرق حوالي عشر دقائق كانت كفيلة بإصابتها بالتوتر والانزعاج، ثم أنهاه عندما دلفت السكرتيرة إلى المكتب، تقدم القهوة لهما وخرجت، فنظر هو إلى يُسر وقال: من غير كلام كتير يا يُسر.. اللي انتي جاية عشانه مش هيحصل! زرفت الدمعات وانتحبت سريعاً ثم قالت: أنا عارفة إن موقفي ملوش تبرير.. بس عشان خاطري يا يحيي أنا محتاجالك.. أنا مش بنام الليل من كتر التفكير فيك.

راقها حديثها كثيراً، ليسدد نحوها نظرات متلاعبه، ثم أردف قائلاً: وأنا موجود.. في أي وقت تحبي تشوفيني فيه تعالي البيت نقضي يوم حلو سوا وتروحي. وهمس بخبث صدمها: ولا من شاف ولا من دري! قطبت حاجبيها بتعجب ودهشة وقالت: إيه اللي انت بتقوله ده يا يحيي؟! عايزنا نمشي في الحرام بعد ما كنا متجوزين؟!! _كنا. نطقها وهو ينفث دخان غليونه الكثيف ليصنع غمامة أمامها، فقالت: بس ده مينفعش يا يحيي؟!

أنا عايزة نرجع في الحلال ونربي عيالنا سوا. قال متهكماً: جري إيه يا مدام يُسر، انتي ناسيه إنك دلوقتي بقيتي طليقتي وخلصتي عدتك. و أضاف ساخراً: ولا صح أنا نسيت.. الموضوع بقا بالنسبة لك عادي. ضغط على أعصابها بشدة لتنفجر باكية، فنظر هو نحوها ببرود وقال: من غير شحتفة ودموع تماسيح، عايزاني أرجعلك فعلاً يبقى تنفذي اللي قولتهولك عليه!

ومافيش جواز بعدها كمان، عايزة تكتفي بإنك تبقي زي أي واحدة في حياتي بشوقك، مش عايزة يبقى خير وبركة. صَدَمها تعنّته الجديد عليه كلياً، لتتململ بجلستها ونهضت من مقعدها لتقف أمامه وأضافت بنبرة باكية: إنت بتتكلم إزاي يا يحيـي؟! ده حرام! رفع كتفيه بعدم اكتراث وقال بجمود: ده اللي عندي. نظرت إليه مطولاً وقالت: طيب حتى نتجوز عرفي!

نظر إليها بترفع وأشار لها بإصبعه لتقترب منه، فانحنت بجزعها لمستواه، فإذ به ينفث دخان سيجارته بوجهها وأردف ساخراً: جواز لأ يا يُسر، كان فـي و خِلِص! ثبتت ناظريها نحوه بقهرٍ صادق استشعرته، ليتجاهلها هو ونهض من على مقعده ليدور حول المكتب ويقول: وعلى فكرة انتي متملكيش رفاهية التفكير، يعني مفيش عندك فرصة تفكري، عايز أسمع جوابك حالاً.. موافقة ولا لأ؟!!!!!!!!!!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...