الفصل 22 | من 25 فصل

رواية ليتني مت قبل هذا الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم نعمة حسن

المشاهدات
22
كلمة
5,287
وقت القراءة
27 د
التقدم في الرواية 88%
حجم الخط: 18

برز بها صوت غزل بإستنكار شديد. فأومأت صافيه وقالت: أيوة، معظم الرجالة بتحس بالغيرة قبل الحب، يعني ممكن يكون هو جواه حب ليكي بس مش عارف يظهره، إحنا بقا هنخليه يظهره! إبتسمت غزل بتهكم وقالت: هنظهره إزاي بقا يا شارلوك هولمز زمانك؟! ده بليد زي ما قولتي ولا هيتهز. راحت صافيه تدق بسبابتها فوق ذقنها بتفكير ثم نظرت إليها بحماس وقالت: قاسم صاحبه! نظرت إليها غزل بتعجب وإستفهام لتستطرد

صافيه وهي تشرح لها قائلة: جوزك مش مصاحب غير ده و مش هنعرف نستعين بحد غير ده بردو... قاطعتها غزل قائلة: وإنتي عيزانا نقول لقاسم إننا هنعمل على يحيي حوار عشان نخليه يغير عليا؟! لوت صافيه شفتيها بنزق وقالت: بصي متشيليش هم النقطة دي أنا هحلها، لازم قاسم يكون عنده علم باللي ناويين نعمله عشان يقدر يساعدنا و ميفهمش غلط أو يحصل لبس و يظنك بتتمايعي بجد ولا حاجة. أتمايع؟! نطقتها غزل بإستنكار وقالت: هي حصلت المياعة كمان؟

أومال هنخليه يتلحلح إزاي إنتي كمان، مياعة خفيفة كده مش هتأڤوري يعني.. بصي هاتيلي رقم قاسم إنتي بس و أنا هتصرف في الباقي. ماشي، سهلة. إنتي هتمشي إمتى؟! بكرة المفروض. تمام أوي، من هنا لبكرة متخليهوش يسمع صوتك، إقفلي موبايلك أحسن و لما يسألك إبقي قوليله فصل شحن، لازم تشغليه كده و تخليه يفكر فيكي و يقعد يقول يا ترى. ماشي، ربنا يسترها بقا و ملبسش في حيطة. عيب عليكي يبنتي ده شغل محترفين مش هواة.

قالتها صافيه بمرح و ضحكت لتشاركها غزل الضحك ثم قالت: هقوم أنا أنام بقا، تصبحي على خير. انصرفت صافيه إلي غرفتها بينما ظلت غزل تتقلب في مضجعها بتوتر وحيرة ...... وإشتياق أيضاً! على الجانب الآخر.. كان يحيي يجاهد كي ينعم بقسطٍ من الراحة بعد تلك المعاناة التي عاناها مع طفلته العنيدة على مدار اليوم.

أسبل أجفانه محاولاً الخلود إلى النوم ولكن قفزت صورتها بغتةً إلى عقلهِ ليفتح عيناه مجدداً وينهض قائماً ممسكاً بهاتفه في محاولة منه للإتصال بها ولكنه تعجب عندما وجد هاتفها مغلقاً! أعاد المحاولة مرةً ثانية و لكن دون جدوى ليعود إلى النوم سريعاً مستسلماً بعد يومٍ شاق.

بدأ الضوء يزحف ببطء نحو الغرفة ليفيق يحيي من نومه بتثاقل على غير عادته، ظل يلاطف طفلته حتى استيقظت ومنحته ابتسامةً حنونة وقبلة ودودة ليحملها ويخرج بها من الغرفة تجاه المطبخ وبدأ بإعداد طعام فطورها. بينما كان يحتسي قهوته حاول مراراً أن يتصل بغزل ولكن هاتفها ما زال مغلقاً. انتابهُ القلق وهمّ بالإتصال بوالدها ولكنَّه تراجع في آخر لحظة ليترك الهاتف من بين يده ثم نهض وبدل ملابسه واصطحب طفلته متجهاً نحو بيت غزل.

كانت قد استيقظت للتو من نومها وتتجه نحو المغسل ليرتفع رنين جرس الباب، رآها والدها تتجه نحو الباب فأشار لها بالتوقف قائلاً: أنا هفتح. دلفت إلى المغسل قبل أن يصل إلى مسامعها صوت يحيي فخرجت على الفور وقلبها يتلهف شوقاً لرؤيته ولكنها توقفت تسترجع ما أخبرتها به صافيه فعادت إلى المغسل مجدداً وتعمدت أن تستغرق وقتاً طويلاً بالداخل بدءً في تفعيل خطتها.

كان إبراهيم يجلس حاملاً نور على قدمه يلاطفها بقلبٍ حنون ونظر إلى يحيي قائلاً: عقبال ما أشيل عيالك انت وغزل يبني. تلجلج يحيي قليلاً ولكنه أخفى توتره وقال بابتسامة هادئة مع زمّة شفاه مقتضبة: بإذن الله يا عمي. ثم حمحم وهو يرنو ببصره سريعاً من حوله وقال: أومال غزل لسه نايمة ولا إيه؟ لأ صحيت.. يا غزل! ناداها والدها فخرجت من المغسل سريعاً واتجهت نحوهما بابتسامة لطيفة وقالت: صباح الخير.

مدت يدها تصافح زوجها وحملت نور تقبلها ثم جلست إلى جواره ووجهت حديثها إلى الصغيرة وقالت: وحشتيني أوي يا نور. وإنتي كمان على فكرة. باغتها يحيي بتلك الكلمات لتنظر إليه مبتسمة بهدوء دون أن تعقب فنظر إلى والدها وقال: بصراحة إحنا معرفناش نقعد من غير غزل.. البيت ممل وكئيب من غيرها. قال الأخيره وهو ينظر نحوها فابتسمت كالبلهاء رغماً عنها وقد تسلل الفرح إلى قلبها بفعل كلماته البسيطة جداً.

ابتسم إبراهيم قائلاً: فرصة تقضي معانا اليوم وبالليل ابقى خد مراتك وامشوا من غير مطرود. اعترض قائلاً: لا معلش خليها مرة تانية.... لا تانية ولا تالتة، خلينا نقضي اليوم سوا وبالليل لو عايزين تمشوا مش هتمسك فيكوا، إنما مش هتمشوا دلوقتي، مفيهاش جدال دي. تهادى صوت صافيه التي قالت بعد أن صافحته وجلست: طب إيه رأيكوا نقضي اليوم كلنا عالبحر، الجو النهارده جميل وفرصة يا إبراهيم تخرج معانا مرة من نفسنا.

قاطعها قائلاً: لاااا.. اعذروني أنا مليش في الجو ده.. عشان خاطري يا بابا! قالتها غزل بإستجداء ليبتسم قائلاً: نن عين أبوكي انتي، ماشي يستي عشان خاطرك. استعد الجميع وأولهم كانت صافيه التي قامت بالاتصال برقم قاسم والذي أعطته لها غزل ليلة أمس.

بينما كان قاسم جالساً بمكتبه، منهمكاً بعمله والذي تراكم مع غياب يحيي رن هاتفه برقم غير مسجل فتجاهله مرات عديدة حتى بعثت له صاحبة الرقم برسالة كان مضمونها "أنا صافيه عمة غزل لو فاكرني، كنت محتاجة أكلم حضرتك ضروري لو تسمح". فور أن قرأ الرسالة أسرع بالاتصال بها وهو يفكر ملياً بسبب الاتصال قبل أن يصله صوتها الشجيّ تقول: مساء الخير يا أستاذ قاسم، آسفة لو عطلتك عن شغلك.

تنحنح بلهفة وقال: مساء النور يا مدام صافيه، لا أبداً مفيش حاجة أنا بس مش برد على أرقام معرفهاش وأنا في الشغل. أضافت بهدوء: آه حصل خير، كنت محتاجة مساعدة حضرتك في موضوع شخصي شوية.. هو مش خاص بيا يعني هو خاص بيحيي وغزل. قطب حاجبيه بتعجب وتسائل: يحيي وغزل؟! خير في حاجة ولا إيه؟! تنهدت الصعداء وقالت: الحقيقة يا أستاذ قاسم هي حاجة خاصة جداً وإحنا لولا عارفين إنك أقرب حد ليه وهو بيعتبرك أخ ليك كمان مكناش كلمنا حضرتك...

قاطعها بتوتر قائلاً: خير يا مدام صافيه، أنا مش فاهم حاجة.!! بص بصراحة يحيي من النوع التقيل شوية.. بترت كلماتها لا تجد ما تقوله ثم استكملت وقالت: بص من الآخر.. إحنا عايزين نحركه، يعني عايزينه ينتبه لحب مراته، يواجه نفسه بالحب اللي جواه ويعترف بيه... قاطعها قائلاً بمرح: عايزينه يتلحلح يعني! إسم الله علييييييك. ألقتها بمرح مشابه ليضحك كثيراً ثم قال: فهمت قصدك، وطبعاً أنا اللي هخليه يتلحلح! لو مفيش عندك مانع طبعاً.

مفيش مانع أكيد بس إيه المقابل؟! نعم؟! تسائلت بحدة ليضحك بقوة قائلاً: يستي بهزر مالك قفشتي ليه كده.. عالعموم أنا تحت أمركوا ومستعد أعمل أي حاجة تطلبوها مني. شكراً جداً ليك.. طيب إحنا خارجين دلوقتي هنقضي اليوم عالبحر كلنا.. يضايقك لو تيجي تقعد معانا شوية؟! لا أبداً بالعكس.. إنتي بس عرفيني هتقعدوا فين وأنا هتصرف وأجي. تمام لما نروح ونقعد هقوللك إحنا فين، بس طبعاً مش محتاجة أقوللك إن يحيي ميعرفش حاجة بالمكالمة دي.

مفهوم مفهوم متقلقيش.. هستنى منك رسالة بمكانكوا والباقي سهل إن شاءالله. أنهت الاتصال وبدأت بالاستعداد ثم انصرفوا جميعاً منطلقين بسيارة يحيي تجاه البحر. جلسوا جميعاً حول طاولةٍ أمام البحر مباشرةً وبدأوا بترتيب أغراضهم وطعامهم فأرسلت صافيه برسالة إلى قاسم وضحت له فيها مكانهم بالتفصيل فبعث لها رسالة كان مفادها أنه في طريقه إليهم.

كانت غزل تجلس بجانب يحيي شاردةً أمامها تصب كل انتباهها ومشاعرها للبحر فإنتبهت على صوت يحيي هامساً إليها: كلمتك امبارح كتير والنهاردة بس تليفونك كان مقفول! أومأت بموافقة وقالت: أنا كنت قافلاه. قطب حاجبيه متعجباً وقال: إنتي اللي كنتي قافلاه؟! أنا تخيلت إنه فصل شحن مجاش في بالي إنك قفلتيه. نظرت أمامها مجدداً وقالت بهدوء ينافي

العاصفة الموجودة بداخلها: كنت عايزة أفصل من كل حاجة حواليا، كنت حاسة إني متلخبطة ومحتاجة أبعد عن كل حاجة! حتى أنا؟! تسائل بترقب فلم يحصل سوى على إيماءة موافقة مقتضبة مما أصابه بالذهول فآثر الصمت وراح ينظر أمامه بهدوء مماثل. إيه ده؟! مش ده قاسم عبدالرحمن صاحبك يا يحيي؟! قالتها صافيه وهي تشير باتجاه قاسم الذي كان يسير على بعد خطوات منهم فأومأ يحيي بتأكيد وقال: أيوة هو، ثواني أشوفه وجاي.

قال إبراهيم بلطف: لأ يبني ميصحش، نادي له يتغدى معانا طالما إحنا اللي شفناه. ناداه يحيي ودعاه للجلوس برفقتهم فتقدم منهم وصافح الجميع باحترام ثم قال: سبحان الله لينا نصيب نشوف بعض، أنا كنت جاي أتغدى هنا وماشي، أصلي ساعات بحب أقعد عالبحر لوحدي بعيد عن زحمة الشغل والاجتماعات وكده. ثم نظر إلى إبراهيم وتابع: تلاقيني بحب أهرب كل فترة كده وأغير جو، أو بمعنى أدق بجدد نشاط يعني.

أومأ إبراهيم بلطف وقال: طب اتفضل اقعد، إحنا كنا بنجهز الأكل ولك نصيب تاكل معانا. لا معلش اعذرني، مرة تانية. لااا والله ما يحصل، اقعد دي اللمة مفيش أحسن منها وخصوصاً لمة البحر والجو العظيم ده. نظر الجميع إليه بتعجب وقالت غزل: ده على أساس إننا مكناش بنتخايل عليك عشان تنزل معانا؟! غمزها بمرح ليضحكوا جميعهم بألفة ومن ثم بدأتا غزل وصافيه تقومان بإعداد الطعام وسط جو ملئ بالمرح والبهجة.

بادر قاسم بالحديث قائلاً: بقالك يومين يا يحيي بيه اجازة ورامي الحمل كله عليا لحد ما اتنفخت، حتى معنديش وقت أنام. برز صوت يحيي قائلاً: أنا عارف والله، من بكرة بإذن الله هتابع الشغل وأشوف الاجتماعات المتأجلة. أومأ قاسم موافقاً وقال: ماشي يسيدي براحتك، عالعموم معذور، المدام حلوة بقا وخدالك مننا!

ألقاها ببساطة ليسعل يحيي بغتةً وقد توقف الطعام بحلقهِ وراح يتطلع نحوه يتفحص مدى جدية حديثه ليجده وقد شرع في تناول طعامه مرة أخرى مسلطاً بصره بالطبق من أمامه وكأن شيئاً لم يكن. تغاضى عن ما حدث واستأنف تناول طعامه تحت نظرات إبراهيم الثاقبة المتفحصة والتي تلتقط وتراقب كل انفعالاته وتدرسها وتحللها بعين خبيرة بينما كان هو منشغلاً بالنظر إلى قاسم بمنتهى التحفز والانتباه. أكيد غزل هي اللي عاملة الأكل ده!

قالها قاسم بابتسامة متسعة وهو ينظر إلى غزل التي ابتسمت بتوتر ولطف في آن واحد وقالت: الحقيقة مش أنا لوحدي، أنا وعمتو. قال وهو لا يحيد ببصره عنها: واضح إن نفسك في الأكل هايل، لازم يحيي يعزمني في بيتكوا وآكل من إيديكي تاني. زفر يحيي بضيق وألقى بالملعقة من بين يديه بحدة التفت لها الجميع فابتلعت غزل لعابها بقلق وهي ترى ملامح الغضب قد تسللت إلى محياه بوضوح.

كان إبراهيم يجلس صامتاً، ما عليه سوى أنه يراقب انفعالات الجميع من حوله بتريث وهدوء ولا يعقب! اختلس قاسم النظر إلى يحيي ليجد عيناه وقد اتقدت وتجمرت بلهيب الغضب فعلم أنه أصاب الهدف بنجاح ولكن مهلاً؛ لا بد أن يثبت كفاءته فيما وكل إليه! أخرج علبة سجائره الخاصة وقدمها نحو إبراهيم الذي أومأ نافياً وقال: لا النوع ده شديد على صدري، أنا معايا السجاير بتاعتي. قدمها نحو يحيي الذي رفض بفظاظة قائلاً: مش عايز.

بدأ بتدخين السيجارة بصمت ثم تسائل قائلاً: فين زياد صح؟! أجابت غزل تلقائياً ببراءة: زياد المدرسة بتاعته عاملين كامبينج وهو كان متحمس جداً إنه يشارك معاهم لأول مرة وكده.. فـ يحيي وافق إنه يروح معاهم، بقاله يومين أهو. أومأ بابتسامة ثم قال: الأنشطة اللي من النوع ده مفيدة جداً لتعزيز ثقة الطفل بنفسه وبتعلمه إنه يتعود يكون انسان مسؤول كمان. أومأت الأخري بتأكيد وقالت: دي حقيقة. عمرك خيمتي قبل كده؟! تسائل وهو

ينظر إليها باهتمام فقالت: مرة واحدة أيام ثانوي، كان أسبوع في نويبع تبع المدرسة بتاعتي.... ونظرت إلى والدها وقالت بضحك: فاكر يا بابا أيامها لما كنت رافض إني أروح معاهم المخيم وفضلت أتحايل عليك أنا وعمتو؟! أومأ ضاحكاً ثم قال: كنت حاسس إنك ولا اللي رايح الجيش.. مكنتش هوافق أبداً لولا قعدتي تعيطي وصعبتي عليا. أضافت بحماس صادق وهي

تسترجع ذكريات ذلك اليوم: ويومها اشتريتلي الصاعق المنحوس ده ومن وقتها ملازمني في الرايحة والجايه. أومأ موافقاً وقال: كنت خايف عليكي... ونظر إلى يحيي وقال: يومها هي جت الصبح تقوللي فريق من المدرسة رايحين يعملوا تخييم في نويبع وعايزة أجرب وأطلع معاهم.. في البداية كنت متردد وشبه موافق، جيتلك بالليل -كنا يوم خميس

-بفتح mbc2 على فيلم السهرة لقيت الفيلم بتاع شوية العيال اللي راحوا يقضوا أسبوع في مخيم قال إيه في الغابة وماتوا واحد ورا التاني.. يومها أنا شيلت فيشة التلفزيون من هنا وجري على أوضتها من هنا قولتلها اصرفي نظر خالص. كان يسرد ما حدث وسط نوبةٍ من الضحك تسيطر عليه لينفجر الجميع ضاحكاً ما عدا يحيي الذي اغتصب ابتسامةً على شفتيه وأومأ بوجه مقتضب وملامح متجهمة بدت واضحة وملفتة للكل.

اعتراه ضيق شديد وألمه به الغضب من كل حدب وصوب، فراح يهز قدميه بعصبية مفرطة كان يحاول إخفائها بكل ما أوتي من قوة فأخرج علبة السجائر خاصته وأشعل واحدة وبدأ بتدخينها بنهم وهو ينقل بصره بين قاسم وغزل بقوة. أضاف قاسم جرعة أخرى من غلظتهِ وقال: هاا مكملتيش يا غزل.... ليقاطعه يحيي بحدة هادراً: هو مفيش في القعدة غير غزل ولا إيه؟! ألقاها بحدة وصوت جهور ليقول قاسم متصنعاً التعجب: نعم؟! مش فاهم تقصد إيه؟! نهض واقفاً

بضيق وقال: مقصدش حاجة، عن إذنك يا عمي إبراهيم أنا هستأذن عشان الجو بدأ يبرد ونور عندها حساسية صدر.. لو خلصتوا قعدتكوا اتفضلوا أروحكوا.. قال إبراهيم بتفهم: لا يبني الله يصلح حالك، إحنا هنفضل شوية اتفضل انت من غير مطرود... أومأ مقتضباً ونظر إلى غزل بحدة وعينان يفيض منهم الشر وتسائل: هتيجي معايا ولا هتخليكي؟! قبل أن تنطق قال والدها: قومي مع جوزك يا غزل واستاذ قاسم هيوصلنا. أومأت بهدوء ونهضت ليقف قاسم مبتسماً بسماجة

ويقول وهو يمد يده إليها: مع السلامه يا غزل، ابقي خلينا نشوفك. ضغط على أحرف اسمها متعمداً إثارة غيظ ذاك الذي كان على وشك الانفجار فأومأت غزل دون أن تتفوه وثافحت والدها وصافيه وانصرفت مع زوجها بصمت في طريقهم نحو السيارة. استقلت السيارة برفقته وهي تصطك ببعضها من فرط الوجل، كانت تنتظر انفجاره وثورته بترقب وقلق ولكنَّه لم ينبس بكلمة واحدة. بينما كانت تحمل نور على

قدميها نظرت إليه وقالت: يا حرام، نور راحت في النوم قبل ما تاخد شاور. سدد إليها نظرة واحدة كانت كافية لبث الرعب في نفسها مما جعلها تزدرد ريقها بتوتر وقد علمت بأن الليلة لن تمر مرور الكرام! توقفت السيارة أمام المبنى لتتوقف معها نبضات قلبها وهي تستعد لاقتراب أجلها.

ترجل من السيارة بهدوء وفتح الباب المجاور لها ليلتقط نور من بين يديها ثم ابتعد لتنزل هي بدورها وهي تتلاشى نظراته الغاضبة التي تكاد تفتك بها ثم صعدت برفقته إلى بيتهما. دلف إلى الشقة ودلفت بعده فذهب إلى غرفة نور ووضعها على فراشها ثم نظر إليها حيث كانت تقف على بعد خطوات منه وقال بنبرة متحفظة لا تنم عن الخير أبداً: تعالـي!

قالها باقتضاب ودلف إلى غرفته فشعرت وكأن الأرض تميد بها، تقدمت من الغرفة ودلفت لتجده يدير ظهره إليها وقد بدأ بحل أزرار قميصه فقالت: محتاج حاجة؟! أنا هدخل آخد شاور وأنام، تصبح على خير. ألقتهم تباعاً وهمت بالخروج من الغرفة ليستوقفها قائلاً: استني! نظرت إليه باستفهام ليمد النظر إليها بغموض قبل أن يقترب منها بخطوات متزنة هادئة أزادت من وطأة قلقها وتوقف أمامها مباشرةً وقال: ممكن أفهم إيه اللي كان بيحصل من شوية ده؟!

هو إيه؟! قطبت حاجبيها وتصنعت البلاهة ليقضم هو شفتيه وراح يجول بعيناه في جميع أنحاء الغرفة قبل أن ينظر إليها مجدداً ويقول: هو إيه؟! هو إنتي هتستعبطي ولا إيه؟! عبس وصاح بعصبية مفرطة متسائلاً بصرامة بينما اضطربت هي وراحت تتلمس الخلاص من هذا المأزق بينما يحدق هو بها تحديق الموتى! سيطر عليها الاضطراب الشديد فقالت: أستعبط إيه أنا مش فاهمة بجد هو في إيه؟! هو أنا عملت حاجة ضايقتك؟! نفرت عروقه وقال بغضب: حاجة؟! حاجة واحدة؟!

إنتي كل اللي عملتيه عك في عك أصلاً.. إنتي الظاهر ناسيه إنك متجوزة أساساً. نظرت إليه بحيرة من أمره وقالت: لأ مش ناسيه إني متجوزة أكيد، بس ممكن أفهم إيه اللي عملته بالتحديد خلاك مضايق مني أوي كده. مضايق؟! أنا مش طايقك أساساً دلوقتي. ألقاها بغضب لتتسع عيناها بحزن وقالت: عادي يا يحيي وإيه الجديد؟! أنا هدخل أنام.. تصبح على خير. تحركت إنشاً واحداً ليمسك بذراعها يمنعها من المغادرة وقال: رايحة فين؟! هو أنا مش بكلمك؟!

ولا أنا مش مالي عينك؟! يوووه يا يحيي في إيه بقا؟! هو تلاكيك وخلاص؟! قالتها بنفاذ صبر وهي تنزع يدها من بين قبضته ثم نظرت إليه وانفجرت بغضب تقول: على فكرة أنا مش ناقصة تعب أعصاب ولا حرقة دم، لو هتقول بوضوح إيه اللي مضايقك هسمعك، مش هتتكلم يبقا سيبني أنام. دلوقتي عايزة تنامي؟!

تسائل بتهكم وأضاف: أومال من نص ساعة بس كنتي مفرفشة عالآخر وعمالة تضحكي وتهزري وتحكي ذكريات طفولتك كمان إنتي والهباب اللي اسمه قاسم ولا إنتي مراعية الخروف اللي قاعد ولا كإنك متجوزة أساساً. ارتفع حاجباها بتعجب مصطنع وقالت: هو ده اللي مضايقك؟!

أنا مستغرباك بصراحة.. فيها إيه لما اتكلمنا وضحكنا وهزرنا شوية، حضرتك لو لاحظت إحنا كنا قاعدين عالبحر مش قاعدين في meeting يعني الطبيعي واللي بيحصل في الأوقات اللي زي دي إن الناس تضحك وتهزر مع بعضها.. وبعدين هو إحنا كنا قاعدين نحب في بعض ما كنا بنتكلم كلام عادي جداً وقدامكوا كلكوا. أشهر سبابته بوجهها وقال بتحذير: غزل اتكلمي كويس وخلي ليلتك تعدي على خير.

وأضاف بسخرية قائلاً: وبعدين إنتي ليه أصلاً تتكلمي معاه ولا تهزري؟! هو إنتي مليكيش راجل؟! ده أنا بسحب الكلمة منك بطلوع الروح.. نفسك اتفتحت للكلام ساعة ما جه هو بس! نظرت إليه شزراً ولم تجب ليمسح وجهه بغضب وتمتم مستغفراً وقال: هتخليني أقول كلام ميتقال!! بقوللك إيه يا غزل ادخلي نامي، إنتي قلة الكلام معاكي أحسن. هنا احتلت واغتاظت وعبست وزمرت لتنفجر به بحدة وقد فاض الكيل

بها فقالت بدموع مختنقة: وبردو زي كل مرة، عالز انت اللي تتحكم في كل حاجة، انت اللي تبدأ الحوار وانت اللي تنهيه، وأنا عليا أسمعك وبس ولما تزهق من الكلام تقوللي قلة الكلام معاكي أحسن. طالعها بصمت لتتابع قائلة: تعرف يا يحيي؟! كل حاجة قلتها معاكي أحسن مش الكلام بس، انت بتجبر نفسك عليا ليه ومستحملني ليه أنا مش عارفه!!

انت مهما حاولت هتفشل يا يحيي، لا عارف تحبني ولا تفهمني ولا تسمعني ولا تشاركني حتى أي حاجة بحبها، وزيادة فوق كل ده عايزني اخرس خالص في وجودك وغيابك، ممنوع أتكلم مع حد ولا أهزر ولا أضحك بس عشان شكلك قدامه. شكلي قدامه؟! هو ده اللي وصلك وفهمتيه؟! تسائل بذهول لتتسائل هي بأمل: أومال انت قصدك إيه يا يحيي؟! هم بقول شئ ما ليبتر كلماته ويقول: مش قصدي حاجة.

تراجعت آمالها وخابت ظنونها الحالمة ونظرت إليه بيأس وخذلان ثم طفقت عيناها تبكي من جديد بحسرة ونظرت إليه بثبات وقالت: طلقني يا يحيي! فرغ فاه بصدمة وقال: إيه؟! اطلقك؟! أيوة طلقني، اعمل فيا معروف وطلقني، طلقني عشان أنا تعبت، حاولت أكتر من مرة واتنازلت أكتر من مرة وفشلت، جيت على كرامتي عشانك واستحملت كتير وكله عالفااضي، طلقني عشان أنا لو فضلت معاك هموت بالبطئ وأنا مستاهلش كده. كل ده جواكي مني يا غزل؟! تسائل بذهول

شديد فأومأت بقوة وقالت: إحنا عمرنا ما هنتلاقي ما طريق واحد يا يحيي، أنا في الشرق وانت في الغرب بالرغم من وجودنا في نفس المكان، انت عمرك ما هتحبني ولا هتحس بيا صدقني.... اقترب منها خطوةً وقال: إنتي مش فاهمة حاجة..... تراجع عن تتمة حديثه لتكمل هي قائلة: طبيعي إني أبقى مش فاهمة، انت مش عايز تفهمني، مش عايز تتعب نفسك وتتكلم معايا... مش عارف يا غزل..

قالها بقلة حيلة وأضاف: مش عارف أتكلم، أنا بطبعي بعرفش أتكلم، يمكن في قلبي كتير بس مش عارف أخرجه بالكلام... ولا هتعرف.. لإنك مش عايز أساساً، متكدبش على نفسك يا يحيي انت مبتحاولش أصلاً عشان إذا كنت تنجح أو تفشل!! عارف ليه؟! نظر إليها بإستفهام فقالت: عشان عمرك ما حبتني، ولا هتحبني. ألقتها باقتضاب ثم قطعت المسافة بينهما وقالت وهي

تنظر إلى داخل عينيه وتقول: انت لحد ما تموت هتفضل تحبها هي، أما أنا للأسف مهما أحاول كله عبث!! أغلق عيناه بألم وضيق لتقول: ساكت ليه؟! كلامي غلط؟! قوللي و واجهني مش هزعل؟! صارحني باللي في قلبك؟! حاول تنكر حتى.. أو اثبتلي إنك بطلت تحبها!! يجيبها ليحتد صوتها وقالت: ساكت ليه؟! هو أنا بكلم نفسي؟! انطق قول أي حاجة أنا تعبت!! بقي يلتزم الصمت فقالت بإستسلام: أقوللك؟!

خليك ساكت، أنا حتى مبقيتش عايزة اسمعك، أنا متنازلة عن حقي فيك يا يحيي وخلاص جه الوقت اللي لازم أعترف فيه إني حاولت وفشلت، سكوتك مش هيغير حاجة ولا كلامك حتى.... رفعت عيناها إلى عينيه وهي تلقي بنظراتها الأخيرة وكأنها الوداع ليقول: غزل أنا..... صمت لبرهة فقالت: إنت إيه يا يحيي؟!

زفر مطولاً لتبتسم بسخرية على غبائها وتقدمت من الباب خطوتين لتجده وقد جذبها من ذراعها بغتةً وأحاط خصرها بكلتا يداه حتى كاد يعتصرها لينقض على شفتيها بهجومٍ عاتٍ وهو يضمها إليه بقوة مغمضاً عيناه وكإنه مغيباً عن الواقع الآن!! كنتِ تريدين إثباتاً.. ها أنا أثبت لكِ! كنتِ تبحثين عن تفسيراً.. ها أنا أقدمه إليكِ! كنتِ تودين توضيحاً.. ها أنا أشرح لكِ بكل تمهل وتروي!

رفعها عن الأرض بحب وهو يقربها نحوه أكثر وكأنما يؤكد لها أنه لا يعشق سواها. أحاطها بتملك وهو يبثها عشقه المكنون طويلاً بقلبه وقد أصبح كل شيئاً على مرأى ومسمع منها الآن فلا طاقة ولا حاجة له بأن يخفي عنها حبه بعد الآن. أحاطت عنقه بيديها تتشبث به كما يتشبث الغريق بطوق نجاته وظلت موصدة العينين بخجل عذري تود الفرار من بين يديه ولكن عشقها بات أقوى! فرق بين جفنيه ينظر إليها بعشق خالص ثم ابتعد قليلاً وقال

وهو يسند جبينه على جبينها: أنا بحبك يا غزل! فتحت عينيها على مصرعيهما ونظرت إليه بأعين دامعة فقال بتأكيد: بحبك والله العظيم.

انهمرت دموعها بكثرة فأضاف قائلاً: أنا آسف على كل حاجة خليتك تحسي بيها غصب عني، صدقيني أنا في كل مرة كنت ببقى عايز أعترفلك إني بحبك كنت بلاقي لساني اتعقد ومش عارف أتكلم، جايز مكنتش عايز أعترفلك بحبي غير لما اتأكد إني بطلت أحبها وخرجتها من جوايا الأول.. كنت متأكد إن واحدة في نضافتك وبراءتك تستاهل قلب مفيش فيه غيرها هي وبس، أنا كل ذرة فيا بقت مرهونة بيكي يا غزل.

ابتسمت باتساع بين دمعاتها واحتضنته بقوة ليطبق يداه عليها بشدة ورفعها عن الأرض مجدداً وتقدم بها نحو الفراش بهدوء وهو ينظر داخل عينيها بثبات. اضطرب قلبها وازدادت خفقاته بقوة لما رأته يقرب منها أكثر يطلب منها المزيد. كان يتودد إليها بقبلاته الحانية التي لم يكن بها سوى الحب فقط! تارةً يقبلها وتارةً أخرى يغمرها بقوة وهو يزيد من برهنته لها بأن بعالمه لا يوجد سواها.. وبين التارتين يذوب قلبها ذوباناً!

أفصح لها عن كل مكنوناته وصرح لها بأنه بات متيماً بها، بالقول والفعل وكلاهما لم يكن كافياً بالنسبة له. قبل عيناها واحدة تلو الأخرى ومنح جبينها قبلة عميقة وقال: إنتي أحلى حاجة حصلت في حياتي.

اهتز قلبها بين أضلعها وأحست بأن الإغماء سيداهمها حالاً ولكنَّه طمأن قلبها العاشق عندما ضمها إلى صدره بحنان وراح يفرق القبلات على وجهها بحب حتى بات الوصول إليها يسيراً وتهاوى الوصال بين قلبيهما معلنين بأنهما مرهونان ببعضهما إلى الأبد. امتزجت نبضات قلبيهما وتوحدت أنفاسهما واختلطت رجفاتهما عندما أضحى المبتغى حقيقة ليبتعد بغتةً يحلق بها بدهشة جعلته يرتعش بعدم تصديق ونظر إليها وتمتم قائلاً وسط: إزاي؟! زفرت

بقوة خائرة ولم تجيب فقال: ده بجد؟! أومأت بشبح ابتسامة زحف إلى شفتيها لتجده وقد اتسعت ابتسامته وازدادت اتساعاً حتى تحولت إلى ضحكات عالية وهو يعيد النظر إليها بسعادة وذهول في آن واحد وراح يغمغم قائلاً: أنا مش مصدق نفسي!! إنتي عملتي كده عشاني؟! للدرجة دي بتحبيني؟! أومأت بابتسامة حانية ليحتضنها بقوة وهو يكاد يجزم أنه لم يشعر بمعنى للحب من قبل سوى الآن!! والآن فقط..

استقر قلبها وقرت عيناها بما كانت تنتظر، احتضنته لا تود الابتعاد ثانية بعد الآن ليتشبث هو بها وهو يؤكد لها أنها لن ترى سوى كل حب ودفء من الآن فصاعداً ليبدأا ليلتهما سوياً وهو لا يزال يثبت ويبرهن ويوضح لها بأنها باتت تستحوذ على قلبه بالكامل ومن سواها؟!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...