كانت الأيام تمر ببطء شديد علي الجميع و أولهم يحيي الذي لا يزال شارداً و لا يعلم أنًي له الصبر علي ما أصابه. جلس قاسم إلي جانبه و هو يمد يده إليه بـِ فنجالاً من القهوة فنظر إليه يحيي مبتسماً و أخذه منه وهو يقول: شكراً يا قاسم تاعبك معايا. ربت قاسم علي فخذه وقال بإبتسامه: لا يا يحيي متقولش كده إنت زي أخويا و ربنا العالم أنا بعزك إزاي كإني أعرفك من سنين،مش شوية أيام.
اومأ يحيي مؤكداً علي حديثه لينظر قاسم أمامه و يتنهد مطلقاً العنان لخيالـهِ وقال: تعرف يا يحيي... نظر إليه يحيي بإهتمام ليستأنف حديثه و يقول: في ناس ممكن أول مرة تشوفها بس تحس إنها قريبه منك و روحها مألوفه بالنسبه ليك و لما تتعامل معاها بتتعامل بأريحية كإنك تعرفها من سنين..زيك كده. نظر إليه يحيي بإبتسامه ليستطرد حديثه قائلاً:
و في ناس ممكن تفضل معاشرها سنين طويله و روحكوا متتقابلش أبدأ و تبقي إنت كل ده بتحاول تتعود عليهم و تفهمهم عشان تكملوا سوا و في الآخر تفشل بردو..و تيجي تشوف في الآخر تلاقي نفسك غلطان و ضيعت سنين من عمرك هدر! أومأ يحيى مؤيداً لحديثه ثم نظر إليه وقال: ده إنت فيلسوف بقا و أنا مش عارف. إبتسم قاسم متهكماً و قال: الدنيا بتعلم ياامااا أوي و أنا كنت ناقص علام و قامت معايا بالواجب.
لم يجيبه يحيي و بالأساس لم يعرف بما يُجِبه فظل يتطلع نحوه بشرود ليقول وهو يرتشف أول رشفةٍ من قهوته: فتش عن المرأه!! نظر إليه قاسم بإستفهام ليكمل يحيي موضحاً: دي مقوله قالها الشاعر الفرنسي إلكسندر دوماس. ثم صمت لبرهة ليقول قاسم: قال إيه سي إلكسندر يا فيلسوف عصرك؟ نظر يحيي نحو الفراغ من أمامه و قال:
قالك لما تحصل أي مصيبه لراجل أو يتصرف بغباء يوقعه في ورطه و متلاقيش أسباب أو دوافع واضحه للتصرف ده يبقا فتّش عن المرأه..أكيد في واحده ست في حياته أيّاً كانت صلتها بيه إيه هتكون هي المسئولة بطريقة مباشرة أو غير مباشرة عن المصيبه دي. ضحك قاسم ساخراً من حاله و قال: والله صدق. ثم نظر إلي يحيي و من ثَمّ نظر إلي الفراغ من أمامه وقال:
أنا بقا يا سيدي حكايتي ملهاش مثيل..راجل متجوز و عايش حياتي فل الفل و مستقر إلي حد كبير جداً..لكن ربنا مرزقنيش بأولاد..كنت متجوز واحده أصغر مني بـ15 سنه.. قعدت معاها خمس سنين حب و دلع و سفر و تنطيط من البلد دي للبلد دي و كله زي الفل..فجأة لقيتها إتغيرت و بقت واحده تانيه..ليه معرفش..بدأت أتكلم معاها يا بنتي مالك،طب إيه اللي مزعلك مني و أنا أغيره،طب خدي الفلوس دي و روحي إعملي شوبينج إنتي صحتك بتيجي ع الشوبينج..هوب أنا عايزة أتطلق.
نظر إليه يحيي بإنتباه ليستكمل حديثه ويقول: أنا طبعاً إتصدمت و بقيت شبه المراهقين قدامها و قعدت أتحايل عليها..طب إيه السبب،طب نتفاهم،طب كاني ماني،ركبت دماغها و عايزة أطلق يعني عايزة أطلق..حاجه جوايا قالتلي إن الحكايه فيها إن..قولتلها طيب إستهدي بالله و نامي دلوقتي و بعدين نشوف الموضوع ده. توقف عن الحديث لينظر إلي يحيي قائلاً بتأثر: تعرف يا يحيي أنا كنت بعتبرها بنتي!
..يمكن بحكم فرق السن بيننا و عشان مخلفناش،كنت حنين عليها جداً و بعاملها كإنها بنتي..المهم..يومها هي نامت و أنا فضلت صاحي مش جايلي نوم بسبب قرارها المفاجئ ده و بالصدفه يشاء ربنا إن تليفونها يرن الساعه 4 الفجر..مسكت التليفون عشان أشوف مين اللي بيتصل لقيت واحده صاحبتها..حسيت إن في حاجه مش طبيعيه ففتحت تليفونها لقيت مكالمات بينها و بين صاحبتها دي بالساعات..و بالصدفه البحته جاتلها رساله من صاحبتها دي و التليفون في إيديا بتقوللها فيها" إتكلمتوا في موضوع الطلاق ولا لسه عشان أبدأ أمهد لأهلي في موضوع جوازنا"!!
زمّ يحيي شفتيه بأسف ليقول الآخر: بالرغم من إني كنت حاسس بس إتفاجئت..و خصوصاً لما قرأت الشات بتاعهم و إتصدمت كإني بعرفها لأول مرة. "و عملت إيه؟! " تسائل يحيي ليجيبه قاسم قائلاً: ولا حاجه..واجهتها و هي إعترفت بكل صراحه إنها بتحب واحد من سنها و هو بيحبها و يعرفوا بعض من سنتين و إنها عايزة تطلق مني و تعيش حياتها. و أطلق تنهيدةٍ مهمومه وقال: يومها رميت عليها اليمين في الحال و سيبتلها البيت و مشيت يوم ما قابلتك علي البحر.
أومأ يحيي متذكراً فأكمل قاسم قائلاً: بالرغم من إني كنت بحس إنها زي بنتي بس إكتشفت وقتها إني كنت بحبها و حابب وجودها في حياتي و حسيت إني إتخنت فعلاً و رجولتي إتجرحت جدآ..مشيت يوميها مكسور مش عارف أعمل إيه و لا أروح فين لحد ما لقيتك قاعد و الباقي إنت عارفه بقا. أومأ يحيى متفهماً وقال: يعني إحنا الإتنين ضحابا المرأه!! و إنفجر ضاحكاً ليشاركه قاسم الضحك ثم قال:
يا سيدي محدش بيتعلم ببلاش و وجود ولادك معاك دي بالدنيا و إن شاء الله ربنا يعوضك فيهم خير. "يااارب.." تمتم يحيي داعياً ثم قال: النهاردة هقابل أخويا عبدالقادر و هاخد منه الفلوس و من بكرة إن شاء الله نتمم الشراكه و بالفلوس اللي تتبقي هشتري شقه صغيره نعيش فيها أنا و نور و زياد. نظر إليه قاسم بعتاب وقال: نعم؟! ليه هو إنتوا مضايقين هنا ولا إيه؟ إبتسم يحيي قائلاً:
بالعكس والله..بس معلش خلينا نستقر بقا و أظبط اموري بدري بدري. أومأ قاسم موافقاً وقال: ربنا ييسر لك الحال يا يحيي و أي حاجة فيها مصلحتك أنا معاك فيها. ربت يحيي علي فخذه وقال: تسلم يا قاسم،إبن أصول بصحيح..هقوم بقا ألحق أجهز عشان أقابل عبدالقادر . و إنصرف ليستعد لمقابلة أخيه الذي كان ينتظره في أحد المطاعم بناءً على رغبة يحيي فكان يصطحب ولده يحيي برفقته.
وصل يحيي إلي المكان الذي كان ينتظره به عبدالقادر ليبتسم ببشاشة تلقائياً فور أن رأي الصغير يحيي. دخل إلي المطعم ليحمل الصغير أولاً و يحتضنه مقبلاً إياه ثم ألقي تحبة السلام علي أخيه بإقتضاب و رسمية شديدة قائلاً: إزيك يا عبدالقادر؟ نظر إليه أخيه بحزن وقال: لسه زعلان مننا يا يحيي.. والله يا يحيي إحنا ما لينا ذنب.. كلنا إتحطينا قدام الأمر الواقع فجأه و جواز سليمان من يُسر مكانش متخطط له ولا حد يعلم بيه إلا قبلها علي طول.
أومأ يحيى وقال: مبقاش ييجي منه يا قدورة خلاص..اللي عايز أفهمه بس..إزاي تسمحوا له يفرط في واحده زي صافيه! نظر عبدالقادر إليه مستاءً وقال: صافيه إستحملت منه و منها كتير و جت علي نفسها كتير..لحد ما حد إبن حرام اتهمها إنها كانت عايزة تعمل عمل لـ يسر و سليمان صدق و طلقها. ضحك يحيي ساخراً بإستهجان و قال: و معقول معرفتوش مين الحد إبن الحرام ده؟ أومأ الآخر نافياً ليومأ يحيي قائلاً: علي العموم صافيه هي الكسبانه. نظر
إليه عبدالقادر بحزن و قال: أبويا بيسلم عليك يا يحيي. إهتز قلبه و إنفطر لإشتياقه لوالده فنظر إلي أخيه و تصنع عدم الإكتراث و قال: هو كويس؟ أومأ عبدالقادر موافقاً وقال: كويس بس عايز يشوفك. أجاب بإقتضاب وقال: إن شاء الله. ثم سحب حقيبة النقود من بين يدي أخيه و نهض واقفاً وقال: أنا همشي دلوقتي عشان العيال لوحدهم. إستوقفه أخيه قائلاً: طيب عرفني إنت قاعد فين أو علي الأقل هات رقم تليفونك عشان أطمن عليك و علي العيال.
"متقلقش يا عبدالقادر إحنا بخير..و لما أحب أشوفك هبقا اكلمك أنا من أي تليفون و أقول لك نتقابل فين." ثم غادر مسرعاً قبل ان يتبدل موقفه و ينهزم أمام الحنين! ~~~~~~~~~~~~~~~ تقبع خلف زجاج نافذتها تطالع الغادي و الراحل بشرود وهي تفكر بهِ و تحاول إختلاق ذريعةً لكي تذهب إلي منزل العائلة للتقصّي حول أخباره فإذ بالباب ينفرج بغتةً و تدخل والدتها وعلي وجهها ترتسم أمارات الضيق و الحزن بوفرة و وضوح فقالت لها:
مالك يا ماما فيكي إيه؟ نظرت إليها والدتها و قالت: مفيش يا حبيبتي أنا بس..... قاطعها دخول زوجها بعصبيه وقد كاد أن يقتلع الباب من أمامه من فرط عصبيته وقال بصوتٍ جهور: لا في يا حبيبتي منا مش فاتحها ملجأ للي ملوش ملجأ..أنا عندي كومة لحم مش عارف أصرف عليهم و إنتي يا ست يُسر عامله ودن من طين و ودن من عجين،هما مش دول اخواتك بردو؟ تسائل مستنكراً لتنظر إليه بملامح ممتعضه و تقول: في ايه عالمسا يا اسماعيل أفندي؟! أجابها ساخراً:
لا أفندي ولا باشا..الحكايه و ما فيها إن اللي عايز يقعد هنا يبقا يشارك في مصاريف البيت و مصاريف التيران دي..و بعدين إنتي لو شغلتي دماغك هتاكلي و تأكلينا الشهد بس إنتي مخك متربس شبه أمك. نظرت إليه بحنق وقالت: أشغل دماغي أعمل إيه يعني يا جوز أمي؟! أبيع مناديل في الإشارات ولا أنزل أشتغل رقاصه عشان أصرف عليكوا؟ أجابها ببرود وقال:
والله الشغل مش عيب ولا حرام.. وبعدين بدل ما تتريقي حضرتك شوفي جوزك و عيالك فين و إلزقي فيهم..حتي إنتي لسه مخلصتيش عدتك يعني لو عرفتي تلاقي مطرح جوزك فين و ضحكتي عليه بنظرة و إبتسامه هيردك ليه تاني. نظرت إليه بغيظ وقالت بحسرة: علي أساس إن أنا لو عارفه جوزي و عيالي فين كنت قعدت في بيتك؟! ليه غاويه رمرمه؟! نظر إليها فاغراً فاه و قال بصوتٍ غاضب: غاويه رمرمه؟!
طب عليا الطلاق من أمك بالتلاته لو مكنتيش من بكرة الصبح تنزلي تشوفي شغل و تصرفي معايا علي اخواتك لتمشي من البيت ده انتي و امك و اخواتك قبل منكوا و ابقوا وروني بقا هتروحوا فين. ألقي بكلماته المتوعده ثم خرج من الغرفه كالعاصفه ليتركها هي في أوجّ غضبها و يأسها. ~~~~~~~~~~~ بعد مرور أربعة أشهر كان يحيي قد إنتقل و بصحبته أطفاله للعيش في البيت الذي إشتراه مؤخراً و بدأت حياتهم تستقر إلي حدٍ ما.
كان يقف أمام مرآة غرفته الفخمـه يعدّل هندامه للمرة الأخيره قبل أن يغادر الى مقر الشركة التي أصبح شريكاً رسمياً بها مع قاسم. إنتهي من تجهيز حاله و بدأ بإعطاء الأوامر للصغار كعادته كل يوم قبل المغادره فقال: خلص فطار يا زياد إنت و أختك و إقعدوا إتفرجوا علي كارتون و متعملوش شقاوة و ممنوع تقفوا في شباك أو بلكونه. تأفف الصغير قائلاً: هو كل يوم نفس الحاجات يا بابا..إحنا بنزهق و نور بتقعد تعيط و مش ببقا عارف أعملها حاجه.
نظر إليه يحيي بضيق وقال وهو يمسح على رأسه: معلش يا زياد أنا هتصرف في الموضوع ده و هشوف حد يقعد معاكوا لحد ما أرجع من الشغل،بس من هنا لحد ما أشوف حد تسمع الكلام اللي بقوللك عليه. ثم عاد يكرر تعليماته قائلاً: إوعي يا زياد تقفوا في الشباك ولا تخرجوا البلكونه.. عشان خاطري. أومأ زياد موافقاً وقال: ماشي يا بابا حاضر.. وهاتلي و إنت جاي كل الحاجات اللي قولتلك عليها. جلس يحيي القرفصاء ونظر إليه بإبتسامة حنونة وقال:
من عنيا الاتنين حاضر.. يلا أنا همشي و خلي بالك من نور. أومأ الطفل بتأكيد ليغادر يحيي منصرفاً نحو الخارج متجهاً إلي الشركة. كان يجلس خلف مكتبه يحتسي قهوته و يدخن سيجارة ينفث معها كل ما يملأ صدره، وبيده الأخرى يقوم بتصفّح الأوراق الموجودة أمامه و يراجعها. توقف فجأة زافراً بقوة وهو يفرك مقدمة رأسه بتعب. قام بإطفاء السيجارة ثم إرتشف آخر رشفةً من فنجان قهوته، ليمسك بعدها بهاتفه ويقوم بالإتصال بالهاتف الموجود بالمنزل.
كرر الإتصال عدة مرات و أحدٌ لم يجيب. لينهض عن مقعده بتوتر و يحاول الإتصال مجدداً. ليصله صوت زياد الضاحك بشدة، فتنهد بارتياح وقال: إنت فين كل ده يا زياد؟ قلقتني عليكوا. قال زياد من بين ضحكاته المرتفعة: كنت بلعب أنا و نور استغماية و شافتني... وعاد ليضحك بقوة. فقال يحيي وهو يهز رأسه بيأس: طيب خلي بالك منها وأنا شوية و جاي مش هتأخر. _بس إحنا بقينا جعانين أوي يا بابا.. أدخل أعمل أكل لنور؟ قاطعه والده قائلاً:
لا إوعي تيجي جمب حاجة، أنا هاجي دلوقتي حالاً و أعمل لكوا اللي إنتوا عاوزينه.. تمام؟ _حاضر. أنهى الإتصال على الفور و إلتقط سترته من على ظهر المقعد وخرج من مكتبه ليلتقي بـ قاسم في طريقه. الذي نظر إليه متعجباً وقال: رايح فين يا يحيي؟! _معلش يا قاسم كمل إنت بقية الورق لإن زياد و نور جعانين و لازم أرجع البيت حالاً أعمل لهم أكل. = بس ده مش هينفع يا يحيي، إنت كده مقصر جامد في شغلك و مش عارف تركز. أومأ يحيى موافقاً وقال:
معاك حق، أنا مش عارف أعمل إيه.. كل ما أجيب واحدة تخدمهم و تقعد معاهم تزهق من طلباتهم و شقاوتهم و تقول لك: "أنا ست صحتي على قدي و عيالك أشقيا" و مش عارف إيه.. قال قاسم ببساطة: طيب هاتلهم "جليسة" تفضل معاهم الوقت اللي إنت تحدده و تمشي بعدها و دي هتبقى وظيفتها يعني هتتقبل منهم كل حاجة و هتقيم سلوكهم كمان و وتساعدك كتير. نظر إليه يحيي مستبشراً وقال:
تصدق فعلاً ده الحل الصحيح.. أنا هشوف الموضوع ده في أقرب وقت و إن شاء الله يتحل. أومأ قاسم وقال: ده هيريحك كتير و هيخليك تعرف تركز في شغلك و في نفس الوقت تبقى مطمن عليهم. أومأ يحيي بتأكيد ليضيف قائلاً: معاك حق.. أنا همشي دلوقتي و من بكرة بإذن الله هدور على "جليسة" تقعد معاهم.
إنصرف سريعاً ليعود إلى بيتهِ في أقل من نصف الساعة ليجد أطفاله في انتظاره. وبمجرد ما إن دلف إلى البيت حتى ركض كلاهما نحوه ليحملهما سوياً و يمنح كلاً منهما قبلةً عميقة. فقالت نور: بابا، نور جعانة. إحتضنها بقوة وقال: يا روح بابا يا نور.. شوية صغيرين خالص و هناكل. نظر إليه زياد وقال: عايز مكرونة و بانيه يا بابا. أومأ موافقاً وقال ضاحكاً: تصدق يا زيزو نفسى راحت له.. ما أكلتوش من إمبارح. و أضاف ساخراً:
هو أبوك بيعرف يعمل غيرهم يا سي زياد.. يلا خلي بالك من نور على ما أجهز الأكل. أعدّ الطعام لهم سريعاً قدر الإمكان و من ثمّ بدأ بترتيب الفوضى التي صنعوها. ليبدأ بعدها في إكمال عمله الذي لم ينجزه بالمكتب. و بعدها بدأ بالبحث عن مراكز توظيف جليسات. توصل إلى رقم قام بالإتصال به فأجابته مديرة المركز قائلة: أهلاً وسهلاً بحضرتك يا فندم! _أهلاً بحضرتك.. الحقيقة كنت عايز "جليسة" من عندكوا لمرافقة طفلين 3 و 5 سنين.
= تحت أمرك يا فندم و حضرتك تحب تحدد ساعات العمل؟! _آه ياريت يكون من 10 الصبح لـ 6 المغرب. = تمام.. هنحتاج من حضرتك العنوان و تسيبلنا رقم تليفون نتواصل مع حضرتك من خلاله و في خلال يومين بإذن الله هنرد عليك. _تمام بس ياريت مش أكتر من يومين. ثم أملاها عنوان منزله و رقم هاتفه وأنهى المكالمة. ليذهب و يقوم بتحضير طعام العشاء لأطفاله و من بعدها جلسوا ليتناولوا عشائهم سوياً. _بابا هي ماما مش هتيجي تقعد معانا ليه؟
تسائل زياد بعفوية و براءة. فقال يحيي بتخبط: ليه هو أنا مش كفاية يا زياد؟ نظر إليه الطفل بعدم استيعاب ليقول هو ببساطة: هو أنا مش بعمل لكوا كل اللي إنتوا عاوزينه يا زياد؟! و من بكرة واحدة هتيجي تقعد معاكم و تلعب معاكم و تخلي بالها منكم على ما أرجع من الشغل. أومأ الطفل بهدوء و كأنه لم يفهم شيئاً أو لم يصل للإجابة التي كان ينتظرها منه. ليعود يحيي و يقول بنبرة أكثر حناناً:
بص يا زيزو.. من هنا ورايح أنا و إنت و نور هنعيش مع بعض هنا... قاطعه الصغير متسائلاً: طيب و ماما؟ أشاح يحيي بوجهه للجانب وقال: مش هتبقى معانا. _هتفضل مع عمو سليمان و النونو فضل؟ نظر إليه يحيي بقوة وقال بإستنكار: فضل مين؟ أجاب زياد: النونو بتاع ماما و عمو سليمان.. عمو سليمان قالي إن ماما هتجيب لنا نونو إسمه فضل... إحمرّ وجهه وبرزت عروق وجهه الغاضبة بشدة ليصيح بعصبية بالغة وقال:
كمل أكلك يا زياد عشان تدخلوا تناموا يلاااا. نظر إليه ابنه شاحب الوجه و أدمعت عيناه مما أثار غضبه أكثر و جعله يلقي بملعقته من بين يده وينهض عن المائدة بغضبٍ جَمٌ. ثم ذهب إلى الشرفة و وقف يدخن سيجارة تلتها أخرى وأخرى كثيرات وهو مغمض العينين شارداً بها. وحدها هي من امتلكت قلبه واستطاعت الاستحواذ عليه. ووحدها من استطاعت النيل منه ومن قلبه ودمرت حياته. وحدها أيضاً من جعلته يتمنى الموت آلاف المرات.
تذكر ضحكتها، ابتسامتها المشرقة، عيناها اللامعة التي طالما بات يتأملهما، شفتاها المرسومتان بدقة وعناية اللتان طالما تذوق شهدهما وغرق بهما. تذكر كل حركاتها وسكناتها، ضحكاتها ودمعاتها، حديثها وصمتها. تذكر كل تفصيلةٍ كان يدقق النظر بها يومًا ولم يكن يعلم أنها ستصبح يومًا مجرد ذكرى. ~~~~~~~~~~~
بين بكاءٍ ونحيب كان يتبدل حالها. من سيء إلى أسوأ كانت تمر أيامها. فقدت لذة الحياة منذ أن رحل الجميع من حولها وأولهم كان هو. ومن بعد أن بدأت تصمد وتواجه مجددًا سددت لها الحياة ضربة قاسية أودت بها. مرّ أكثر من أربعة أشهر على وفاة أكرم ووالدته، ومثلهم على عودة يحيي الذي لا تعرف عنه سوى أنه على قيد الحياة.
كانت تنفرد بآلامها وتجلس بغرفتها وحيدة قبل أن تستمع إلى طرقات على باب غرفتها. فأذنت بالدخول لتجد والدها وعمتها يتقدمان نحوها. ومن ثم جلسا إلى جوارها. فبادر والدها بالحديث قائلاً: مالك يا غزالة؟! شاردة لوحدك ليه؟ ابتسمت لتشبيه والدها وقالت: مفيش يا بابا أنا كويسة الحمد لله. ربت على ذراعها بحنان وقال: المحامي بتاع أكرم الله يرحمه كان بيكلمني دلوقتي و بيقول لي إنه هييجي بكرة يتكلم معاكي عشان موضوع الورث وكده.
قالت بهدوء: ورث إيه؟ أنا مش عايزة حاجة يا بابا. قال والدها متفهماً: يا حبيبتي جوزك الله يرحمه مكانش ليه حد.. وكل اللي يملكه ده من حقك.. لكن دي حريتك الشخصية لو مش عايزة حاجة ممكن تتبرعي بالفلوس دي للجمعيات الخيرية أو تفتحي بيها مشروع خيري يكون صدقة جارية على روحه وروح والدته الله يرحمها... اللي تشوفيه إنتي. ابتسمت وقالت: معاك حق يا بابا أنا هعمل كده فعلاً. أومأ موافقاً ثم قال:
بإذن الله لما المحامي ييجي خليه يفهمك إيه اللي المفروض يتعمل و يساعدك هو في الموضوع ده. برز صوت صافية تقول بهدوء: زينب كانت بتكلمني من شوية. ارتسم الفرح والسرور على محياها وقالت بلهفة: في أخبار عن يحيي؟ نظر إليها والدها بيأس لتنكمش ملامح وجهها وهي تحاول مداراة لهفتها. لتكمل صافية حديثها وتقول: يحيي راحلهم البيت.
بتلقائية شديدة ودون وعي منها امتدت يدها لتضعها فوق صدرها موضع قلبها تحاول تهدئة ضربات قلبها المتلاحقة وقالت بصوتٍ مهزوز: وبعدين؟ _بتقول لي كان زعلان جداً و واخد موقف منهم كلهم حتى أبوه مش قابل يكلمه و خد عياله و حاجتهم و مشي. أومأت غزل برأسها تستحثها بحماس عينيها على استئناف حديثها. فقالت: و بتقول إنه طلق يسر. اتسعت ابتسامتها وانشرح قلبها فتساقطت العبرات من عيناها لا إرادياً وتمتمت في نفسها تحمد الله.
قال إبراهيم متحفزاً: وبعدين؟ أجابت صافية قائلة: و بتقول كمان إنه صفّى فلوس المحل بتاعه و طلب منهم الفلوس اللي كان عاطيها لـ سليمان أيام الشقة بتاعة القاهرة اللي كان باعها و خسر فيها دي. أومأ إبراهيم متفهماً وقال: يحيى هينتقم من أخوه و مراته.. قلبه اسودّ من الصدمة والقهرة وبقى إنسان تاني. _حقه يعمل أكتر من كده! نطقتها غزل باندفاع لينظر إليها أبوها ويقول:
البني آدم لو ساب نفسه للانتقام يبنتي يبقى كده بيظلم نفسه.. بيتحول بالتدريج من شخص طيب وهادي ونضيف لشخص تاني أسود ومليان كره وغل وحقد على اللي حواليه وتيجي تبص تلاقي نفسك مش طايقة تعاشريه ولا تتكلمي معاه عشر دقايق على بعض حتى. شردت غزل بحديثه بينما نهض هو واقفاً وقال: أنا هدخل أنام و خليكوا انتوا قاعدين.. تصبحوا على خير. كان متجهاً نحو غرفته قبل أن يستوقفه رنين هاتف غزل. فتسائل: مين يا غزل؟ أجابته وهي تجيب الاتصال:
ده تليفون من الشغل. _ألو.. أيوه يا أستاذة رضوى إزيك؟ = الحمد لله يا غزل إنتي أخبارك إيه؟ _بخير والحمد لله.. أؤمريني؟ = بصي يا غزل.. في واحد محتاج جليسة لطفلين عندهم 5 و 3 سنين.. كلمت إسراء و لبنى قالولي كلمي غزل هي نفسها من زمان ترافق أطفال في السن ده فقولت أكلمك و أشوف لو مستعدة للشغل في الفترة دي أو لا. نظرت غزل إلى أبيها الذي هز رأسه مستفهماً. فقالت: تمام يا أستاذة رضوى هشوف رأي بابا و أرد عليكي.
أنهت الاتصال فقال والدها: في إيه يا غزل؟ قالت وهي تعلم جوابه: أستاذة رضوى بتقول لي إن في واحد محتاج جليسة لطفلين و هي رشحتني ليه يعني.... قاطعها قائلاً: لأ طبعاً مينفعش خروج اليومين دول. نظرت إليه صافية وقالت: ليه يا إبراهيم مهي كملت عدتها خلاص. وبعدين إنت مش شايف نفسيتها تحت الصفر إزاي؟ نظر إلى صافيه محذراً وقال: صاااااااافيه.. مش عايز كلام كتير في الموضوع ده.. قلت لأ يبقى لأ.
نظرت غزل إلى والدها بحزن شديد مما جعله يزفر مستغفراً ثم قال: إنتي بتبصيلي كده ليه؟ نظرت إليه قائلة: مفيش يا بابا. اقترب منها وجلس إلى جوارها مجدداً وقال: يا غزل أنا خايف عليكي.. إنتي دلوقتي بقيتي أرملة يا بنتي يعني الحال اتغير.. إنتي مش صغيرة وعارفة الناس في مجتمعنا بقت مريضة إزاي.. أنا مش عايز حد يضايقك بكلمة. نظرت إلى والدها بضيق وقالت: لحد إمتى يا بابا هتفضل خايف عليا؟ لحد ما أموت. أجابها ببساطة لتتنهد
قائلة والدموع تملأ عيناها: بعد الشر عنك.. يا بابا اسمعني لو سمحت.. أنا محتاجة أرجع الشغل جداً الفترة دي.. تعبت من القعدة وزهقت وعندي طاقة محتاجة أستغلها. نظر إليها بتفحص وقال: تضمنيلي إن محدش يضايقك؟ أجابت بمنطقية شديدة: لأ طبعاً مقدرش أضمن لك حاجة زي دي.. لازم هتعرض لمضايقات ومواقف تزعلني، أنا مش هعيش لوحدي، أنا لازم هختلط ببشر وهقابل منهم الكويس والوحش وفي كلتا الحالتين أنا هستفيد. أضافت صافيه بالمزيد
تحاول إقناعه وقالت: غزل معاها حق يا إبراهيم.. التعامل مع الناس هو اللي هيقويها ويخليها تعرف تميز بين المعادن اللي قدامها ومتنخدعش في حد بسهولة. نظر إليهم ينقل بصره بينهما وقال: خلاص اتفقتوا عليا إنتوا الإتنين؟! اعملوا اللي إنتوا عايزينه. نظرت غزل إلى صافيه بفرحة شديدة واحتضنتها ومن بعدها احتضنت والدها بقوة وقالت: متحرمش منك أبداً يا بابا.. ربت على ظهرها وقال:
ولا أتحرم منك يا حبيبة أبوكي.. يلا نامي وإنتي مبسوطة بقى و قومي بكرة روحي شغلك وافرحي.. أهم حاجة ترجعي غزل بتاعة زمان اللي كلها شقاوة ودلع. أومأت بموافقة وعلى الفور قامت بإبلاغ مديرة المركز بموافقتها فأعطتها العنوان الذي ستذهب إليه في الصباح لتخلد إلى النوم سريعاً وهي تمني نفسها ببداية جديدة. استيقظت غزل بنشاط وهمة قد استعادتهما مجدداً بعد أن فقدت كل شيء حتى شغفها بالحياة منذ الأحداث المتوالية مؤخراً.
استعدت وتأنقت وارتدت أحلى ثيابها وخرجت من بيتها قاصدة ذلك العنوان الذي أعطته لها مديرة المركز فاستقلت سيارة أجرة واتجهت نحوه. في طريقها تلقت اتصال هاتفي من والدها الذي لم يهدأ له بال فهزت رأسها بيأس وأجابت قائلة: أيوة يا بابا. أيوة يا غزل وصلتي ولا لسه؟ ابتسمت بعدم تصديق وقالت: يا بابا يا حبيبي ما حضرتك لسه قافل معايا من خمس دقايق وقولتلك لسه في الطريق. تأفف قائلاً: مش عارف أنا المشوار ده مش مرتاح له ليه!
ابتسمت بلطف وقالت: يا حبيبي متقلقش أنا مبسوطة ومرتاحة والدنيا زي الفل الحمد لله.. يلا أنا وصلت أهو.. شوية وهكلمك أطمنك عملت إيه. ماشي وخلي بالك من نفسك وقبل ما تدخلي اتأكدي تاني إن الصاعق معاكي. أجابته بتلهف وعدم تركيز: حاضر حاضر متقلقش.. يلا باي. قال حانقاً: طبعاً مش فاضيالي.. مستعجلة حضرتك. ضربت جبهتها بيأس وقالت:
يا بابا يا حبيبي أنا وصلت متأخرة عن الميعاد اللي كان المفروض أوصل فيه.. يعني شكلي زبالة من أول يوم وإنت عارف الانطباعات الأولى تدوم وأنا مش عايزة الباشمهندس ياخد عني انطباع إني مش ملتزمة في مواعيدي من أولها. تنهد والدها بصوت مسموع وقال: طيب يا ست غزل اتفضلي.. لما نشوف آخرتها إيه. آخرتها فل إن شاء الله.. يلا أنا طالعة على السلم أهو.. هكلمك بعدين.
أنهت المكالمة وهي تضع هاتفها بحقيبتها وباليد الأخرى تطرق الباب لينفرج فوراً قبل أن تنظر إلى الواقف أمامها وتقول: صباح الخي... بترت كلمتها عندما رأته يقف أمامها لتتمتم بذهول وعدم تصديق وقد شعرت بأن قلبها سيتوقف من شدة الصدمة وقالت: يحيي؟!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!