تسلّل الضوء ببطء إلى غرفتهم معلنًا عن بدء يومٍ جديد، وارتفع صوت زقزقة العصافير وكأنما تزف البشرى إليهم. وبينما كانت هي تغط في نومٍ عميق، كان هو ينظر إليها بحبٍ وعشقٍ خالص قد تملّكه وبات ظاهرًا عليه وبشدة. بدأت تفيق من النوم رويدًا رويدًا، ليقترب هو منها أكثر ويضع يده فوق شعرها، وطفق يمسح عليه بحنو. ليجدها وقد فرّقت بين أهدابها ببطء، لتبتسم فور ما إن وقع بصرها عليه، فبادلها هو الابتسامة قائلًا:
"صباح الخير يا جميل، كل ده نوم؟! أومأت بابتسامة ولم تنطق، فقال: "طيب يلا قومي الضهر خلاص هيأذن... انتفضت فجأة وقالت: "الضهر؟! هو إحنا نمنا كل ده؟! ونور لسه نايمة؟! وبعدين إنت مش رايح الشغل؟! نهض بدوره وقال ضاحكًا: "على مهلك بس، أولًا أنا صحيت وفطرت نور، وزياد جه وفطر وقاعدين سوا في أوضتهم. ثانيًا بقا أنا خدت إجازة يومين كمان عشان أفضالك يا جميل." ابتسمت بلطف، فقال وهو يحتضن كفيها بين يديه:
"تعرفي إن النهارده صاحي نفسي مفتوحة كأني أول مرة أتجوّز بجد." ازدادت ابتسامتها اتساعًا، فتابع: "عايز أعمل حاجات كتير أوي، عندي حماس لكل حاجة جديدة... تعرفي؟! هزت رأسها باستفهام، فقال: "أنا خلاص مش شايل في قلبي من حد، عايز أبدأ صفحة جديدة، حاسس إن ربنا رضاني بيكي عن كل حاجة عشان كده عايز أبدأ من جديد." انتابها القلق حيال كلماته وقالت: "تبدأ من جديد إزاي مش فاهمه؟!
"لأ مش زي ما وصل لك، الموضوع ده منتهي بالنسبالي خلاص، اللي أقصدُه بالتحديد أبويـا." انبسطت أساريرها بفرح وقالت: "هتروحله؟! أومأ مؤكدًا ثم قال: "هنروحله كلنا." صفقت بيديها بحماس وقالت: "أيوة كده أهو ده الكلام." ابتسم لرؤية حماسها، ثم قال: "بصي يستي، معاكي أسبوع استغليني فيه زي ما تحبي! أي حاجة عايزة تعمليها أنا معاكي فيها ومن غير ما تاخدي موافقتي كمان، أنا هنفذلك كل اللي تطلبيه." نظرت إليه بابتسامةٍ عاشقة،
فضمها إليه وقال: "أنا عايز أعوضك عن كل حاجة يا غزل، إنتي استحملتي كتير عشاني وجه الوقت اللي تلاقي نتيجة صبرك عليا ده." أنهى حديثه وطبع قبلةً عميقة فوق جبينها، ليجدها قد احتضنته بقوةٍ وقالت: "أنا بحبك يا يحيي، بحبك وعندي استعداد أستنى وأصبر قد اللي استنيته مليون مرة، كفاية عليا إني معاك." أمسك بوجهها وأهداها قبلةً استكان لها جسدها وانهزمت لأمر شفاهـه، فنهض من الفراش وحثها قائلًا: "يلا عشان نلحق نجهز وننزل."
نهضت بحماس مماثل وبدأت بالاستعداد للذهاب إلى منزل العائلة بعد أن تناول الجميع طعام الإفطار وانصرفوا مغادرين. ~~~ كان "علي" قد فرغ للتو من صلاته، هرول إليه الصغير يحيي وجلس على قدمه، ليضمه الجد إليه بحب وبدأ بمداعبته، قبل أن يدلف عبدالقادر إلى الغرفة ملقيًا التحية ومن ثم جلس إلى جوار أبيه وقال: "حرمًا يابا." تهادى صوته بهدوء وقال: "جمعًا يبني إن شاء الله." حمحم عبدالقادر بترقب وأردف قائلًا: "لسه مصمم تروح يابا؟!
أومأ الأب بتأكيد وقال: "أيوة هروح طبعًا، مالك قلقان كده ليه؟! إنت في حاجة مخبيها عليا ولا إيه؟ "لأ أبدًا والله مفيش حاجة، أنا بس خايف يكون لسه شايل في قلبه ولا يقول لك كلمة تضايقك... قاطعه والده بحزم قائلًا: "لأاا من الناحية دي اطمن، يحيي ابني وأنا عارفه كويس، حتى لو في قلبه إيه مجرد ما يلاقيني داخل عليه هيصفي في الحال ولا كأن حاجة حصلت." ارتفع رنين جرس الباب، فقال عبدالقادر: "ثواني يابا أفتح وأجيلك...
كان يحيي يقف خلف الباب متأهبًا بشوق لرؤية والده، مع إحساس بالتوتر كان يشي بقلبه، قبل أن ينفرج الباب ويظهر يحيي وعائلته من خلفه، مما جعل عبدالقادر يصيح متعجبًا بفرحة: "يحيي!! أسرع يحيي يحتضنه بقوة، فضمه أخيه إليه بسعادة وقال: "نورت البيت يا يحيي... فور أن استمع "علي" إلى صوت يحيي وأولاده، هرول خارج الغرفة ليجده يتقدم منه بسرعة ويقبّل يديه، ثم احتضنه قائلًا: "إزيك يابا وإزي صحتك؟
انفرجت أساريره فرحًا واسترد عافيته بالكامل عندما رأى ابنه يتقدم منه مبتسمًا، ليفتح ذراعيه على مصرعيهما، يغمره باشتياقٍ بالغ ويربت على ظهره قائلًا: "إزيك إنت يا يحيي، أنا بقيت كويس لما شوفتك." هرع كلاً من زياد ونور يسرعان لاحتضان جدهما، ليحتضنهما وراح يشتم رائحتهما التي اشتاق إليها كثيرًا، قبل أن يتفاجأ بوجود غزل التي قالت: "إزيك يا عمو علي؟ نظر إليها بدهشة وفرحة في آنٍ واحد وقال: "غزل؟!
تقدمت منه واحتضنته، فضمها إليه قائلًا بعتاب: "توّك ما افتكرتي عمك علي يا جبانة؟! زمّت شفتيها بأسف، فوضع يحيي يده فوق كتفها وضمه إليها قليلاً وقال: "غزل كانت عايزة تيجي تشوفك من زمان يابا بس أنا اللي كنت متردد... نظر إليه أبيه بعتاب سرعان ما تحول إلى ابتسامة حانية وقال: "خلاص مش مهم اللي فات، المهم إنك الحمد لله رجعت بيتك من تاني." أومأ يحيي بتأييد ثم قال: "وهنقعد معاك يومين بحالهم كمان." فَرِح الأب وقال:
"تنوروا وتؤنسوا يبني والله، ده إن مشالتكوش الأرض أشيلكوا فوق دماغي." قبّل يحيي رأس والده ثم قال: "ربنا يخليك يابا ويديك الصحة... أومال فين زينب وسيف يا قدوره؟ تشدّق عبدالقادر قائلًا: "سيف بيذاكر وزينب هتنزل دلوقتي، أنا هطلع أبلغهم عشان ينزلوا يسلموا على غزل والعيال." انصرف عبدالقادر، بينما همس "علي" إلى يحيي وقال: "يُسر جت هنا من حوالي كم يوم." تجهم وجه يحيي في الحال ونظر إليه وقال: "كانت جاية عايزة إيه؟
تنهد علي وأجابه: "بتقول إن جوز أمها طردها ومكانتش لاقية مكان تبات فيه... "وبعدين؟ "كانت عايزة تبات في الشقة اللي فوق! بس أنا قولتلها ميصحش وعطيتها قرشين ومشيتها." أومأ يحيي وقال: "خير ما فعلت يا حج، مع إنها متستاهلش حتى الفلوس اللي خدتها." "معلش يبني كله عشان خاطر زياد ونور." هز يحيي رأسه بتأييد وقال: "أهو ده اللي مصبرني عليها إنها أمهم، لولا كده كان هيبقالي معاها تصرف تاني خالص."
نظر والده إلى غزل وأشار برأسه ثم همس متسائلًا: "غزل عامله معاك إيه؟ ألقى يحيي نظرةً خاطفة عليها ليجدها تبتسم إليه، فقال بصوتٍ تسمعه: "عمك علي بيسألني عليكي... بيقول لي عاملة إيه معاك." شاكسته فقالت: "وقولتله إيه؟ ابتسم بحب صادق ثم قال: "قولتلها إنك روحي، وهدية من ربنا ليا." تراقص قلبها فرحًا بين أضلاعها لغزله الصادق والصريح بها أمام والده، فابتسمت ابتسامة مشرقة، ليقول "علي" ممازحًا:
"سيدي يا سيدي، انفضلي يا ست غزل جوزك بقا بيقول شعر بسببك." ابتسمت غزل بخجل والتزمت الصمت، قبل أن تدلف زينب إلى الغرفة التي يجلسون بها محدثةً ضجة كبيرة كعادتها، فقالت: "وأنا أقول البيت نور ليه؟! أتاري أبو اليحي ومدامته هنا." ضحكت غزل باتساع وقفت تصافحها بألفة، فقالت زينب: "إيه ده يا بت يا غزولة الحلاوة دي.. هو الجواز بيحلي كده؟ تداخل صوت يحيي قائلًا: "لأ لو سمحتي أنا غزالتي حلوة من يومها... "بقاا كده؟!
طب يلا يا غزال هانم نعمل الغدا سوا." ذهبت غزل وزينب لإعداد الغداء، فقالت زينب: "صافيه عاملة إيه يبت، يا سلام لو نتجمع تاني... لم يصل حديثها إلى مسامع غزل الشاردة بالمكان من حولها، تتذكر كيف كان الحال قبل عامين فقط وكيف أضحى اليوم!! "سرحانة في إيه؟! تساءلت زينب، فقالت غزل بعدما تنهدت: "فاكرة آخر مرة اتجمعنا فيها هنا يا زينب؟! "من سنتين بالظبط." أومأت زينب بموافقة وقالت: "كنا أول يوم رمضان لما يحيي عمل الحادثة."
هزت غزل رأسها بهدوء وقد أجفل قلبها لتلك الذكرى وقالت: "كل حاجة اتغيرت، مين كان يصدق إني هتجوز يحيي في يوم من الأيام! غمزتها زينب وقالت: "مفيش حاجة جاية في السكة يبت؟ قطبت غزل حاجبيها بتعجب وقالت: "حاجة زي إيه؟! لوت زينب شفتيها بتهكم وقالت: "هتكون حاجة زي إيه يعني؟! أقصد محملتيش؟ انتفض قلبها عندما استمعت إلى تلك الكلمة وشردت بعيدًا... هل لها أن تحمل بقطعةٍ منه؟ نسخه مصغرة منه!! يا الله! ...
لقد راقها ذلك الخاطر كثيرًا وأصبح قلبها شغوفًا به. "بردو سرحت تاني؟! انتبهت غزل على صوت زينب، فقالت: "تفتكري يحيي ممكن يكون مستعد لموضوع إننا نخلف ده دلوقتي؟ قطبت زينب حاجبيها بتعجب وقالت: "وإيه يا عين أمك اللي يخليه مش مستعد؟ رفعت كتفيها بجهل وقالت: "مش عارفه، بس يمكن هو مش من جواه مش حابب! "لأ يا حبيبتي يحيى بيحبك، والواحد لما بيحب مراته بيكون نفسه يخلف منها دستة عيال." "مش عارفة بقا مفكرتش في الموضوع ده قبل كده."
"طيب يلا خلينا نخلص الأكل وبعدين نبقا نكمل كلامنا." ~~~~~ منذ عودتهم بالأمس، وهي تتلاشى رؤيته لأنها تعلم أنه سيتساءل عن ما حدث بالأمس. خرجت من غرفتها تذهب نحو الشرفة، ليناديها قائلًا: "صافيه، تعالي." أصابها الوجل، فتقدمت منه وجلست أمامه وقالت: "في حاجة يا إبراهيم؟ نظر إليها بضيق وقال: "بقا مش عارفه؟! "عارفة إيه؟ قالتها بريبة، فقال:
"اللي حصل امبارح ده والبايخ اللي اسمه قاسم اللي اشترك معاكوا في التمثيلية الهبلة اللي عملتوها دي.. إوعوا تكونوا انتي ولا هي فاهمين إني قاعد كده زي الأطرش في الزفة ومش فاهم إيه اللي داير كويس أوي." "لأ العفو يا خويا أنا مقولتش كده.. بس أصل... "أصل إيه وفصل إيه، أنا لولا عارف إن كل ده من تخطيطك الفاشل انتي وهي كنت هزأت قاسم ده وعرفته إنه ميصحش." قالت صافيه بحنق:
"ليه بس يا إبراهيم ما الخطة نجحت وبقوا سمن على عسل الحمدلله.." "تقصدي إيه؟ تراجعت بحديثها وقالت: "لأ مش قصدي حاجة يعني بس... "بس إيه؟! متتلاعبيش يا صافيه وتعالي دوغري.. هما كانوا متخانقين؟! "لأ أبداً هما كويسين، بس يعني يحيي زي ما انت عارف طبعه تقيل حبتين وإحنا كنا عاوزينه ياخد خطوة بقا... جحظت عيناه بذهول وتمتم بحزن قائلًا: "طبعه تقيل؟! وانتوا كنتوا بتعملوا كل ده عشان تجبروه يتكلم ولا يصارحها بمشاعره؟!
للدرجادي بنتي قبلت تهين كرامتها بالشكل ده؟! تنهدت صافيه وقالت: "ومين بس قال إن كرامتها اتهانت ولا اتمست حتى... قاطعها هادرًا بغضب: "أومال تسمي ده إيه؟! ولما هو مش معبرها ولا بيديها ريق حلو مكملة معاه ليه؟! تسيبه وبكره يجيلها سيد أبوه اللي يتمنى لها الرضا ترضي." "بس بنتك مش عايزة غيره يا إبراهيم، هتعمل إيه بسيد أبوه وهي مبتحبوش! تساءلت بحدة مماثلة ليقول: "وهي كده لما ترمي نفسها عليه هتبقى مرتاحة؟!
إنتي مخك ضارب إنتي وهي باين عليكوا." زفرت مطولًا ثم قالت: "يا إبراهيم افهمني، مش عيب ولا حرام إن الواحدة تحاول مرة واتنين وتلاتة عشان بيتها وجوزها وخصوصاً لو بتحبه زي غزل كده، وبعدين يحيي يستاهل لإنه إنسان نضيف وبيتقي الله فيها، هو كل المشكلة إنه كان محتاج بس قرصة ودن صغيرة، إنذار، لفت نظر، كان عايز يحس بالحب اللي هو نفسه مكانش يعرف إنه جواه، وإحنا خلينا نتبه! ضحك بتهكم وقال:
"ويا ترى بقا اعترف لها بالحب الأفلاطوني اللي مكانش يعرف إنه جواه؟! "أيوة اعترف وبصم بالعشرة كمان، يا إبراهيم مش كل الرجالة زي بعض، في راجل واضح وفي راجل كتوم ومحتاج اللي يلفت نظره زي يحيى كده... وبعدين يعني هو مش المفروض الأب بينصح بنته إنها تستحمل وتعيش عشان خاطر بيتها ولا إنت غير الناس؟ "لأ أنا معنديش الكلام ده، أنا أهم حاجة عندي كرامة بنتي واللي يمسها ميلزمنيش مدى الحياة." ابتسمت صافيه لحديثه العاطفي
وقالت وهي تربت على يده: "متقلقش يا حبيبي كرامة بنتك متصانة صدقني، وهي مرتاحة ومبسوطة مع جوزها، يعني ما عليك سوى إنك تدعيلها ربنا يسعدهم ويألف بين قلوبهم." "يااارب اللهم آمين... تعرفي؟! "نفسي أشيل عيالها أوي." "يا حبيبي، ربنا يديك الصحة وطولة العمر وتشيل عيالها وعيال عيالها كمان." "يااارب يا صافيه، عقبال ما أطمن عليكي إنتي كمان." ابتسمت صافيه بهدوء وآثرت الصمت شاردة بخيالها بعيدًا. ~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
حلّ المساء وانصرف كُلا إلى غرفته، الأب بمضجعه الخاص، ونور وزياد بغرفة خاصة بهم، ويحيي وغزل بغرفة أخرى. خرجت غزل من المغسّل لتجد يحيي يفتح النافذة ويقف خلفها يدخن سيجارةٍ، قبل أن يلقيها من النافذة ويغلقها، متقدمًا بخطوات ثابتة نحوها. وقف أمامها مبتسمًا، ثم أمسك بالمنشفة وبدأ يجفف لها شعرها تحت وطأة تعجبها الشديد، طفق يصفف لها شعرها وهو يقف خلفها أمام المرآة وينظر لها بحبٍ خالص.
رآها تبتسم بسعادة، فمال يهدي وجنتها قبلةً شغوفة كان لها أشد الأثر في نفسها، ثم أمسك بيدها وأدارها له وقال: "عنيكي فيها كلام، عايزة تقولي إيه؟ التزمت الصمت قليلًا ثم قالت: "بتحبني بجد يا يحيي؟ مسح على ذراعيها بلطف وقال: "تعرفي يا غزل؟! هزت رأسها بتساؤل ليقول:
"في حاجات كده ممكن تكون قدامنا من سنين وإحنا مش واخدين بالنا منها، وجودها وعدمها بيكون واحد، بس مبنحسش بقيمتها غير لما نجرب نخسرها أو نتحرم منها، وقتها بنحس بالخوف والضياع، ده بالظبط اللي حصل معايا... مكنتش حاسس إني بحبك أو بحبك بس الحب العادي، لكن أول ما لقيتك هتضيعي مني وقتها قلبي اتخلع من مكانه، اتأكدت إنك بالنسبة لي حتة من روحي، مقدرش أستغني عنك ولا يعدي يوم مشوفكيش فيه."
أثر قلبها بحديثه الحاني واحتضنها بقوة مردفًا: "لما عرفتك بس ندمت على اللي راح من عمري من غيرك، بقيت أقول يا خسارة العمر اللي ضاع مع ناس غلط." ضمته إليها بقوة لتجده بغتةً يحملها بين ذراعيه ويقول وهو يسير بها في الغرفة ذهابًا وجيئةً: "ودلوقتي بقا يستي بفكر في موضوع شاغل بالي من امبارح." ضحكت قائلة: "موضوع إيه؟ قال بجدية مصطنعة: "ابدأ، بس بصراحة عمي إبراهيم صعبان عليا وبفكر أجيبله حفيد صغير كده يسلي بعد ما صافيه تتجوز!
اضطرب قلبها بشدة ونظرت إليه تستشف مدى جدية حديثه، فقالت: "إنت بتهزر ولا بتتكلم بجد؟ "بهزر؟! تساءل حانقًا وأضاف: "بصي المواضيع اللي زي دي بتبقى محتاجة مواجهة على طول، الكلام الكتير ده ملوش لازمة." ابتسمت بخجل عندما فهمت مقصده، لتجده وقد أطفأ الضوء وقال: "عايزك تطلعي ورقة وقلم وتسجلي اللحظة التاريخية دي، تسع شهور من تاريخ الساعة وتسلميني 'علي' الصغير." _بعد مرور أسبوع...
كانت صافيه تستعد لزيارة غزل، قبل أن يرتفع رنين هاتفها معلنًا عن قدوم اتصال من "قاسم". تلعثمت قليلًا ثم أمسكت بالهاتف وأجابت بهدوء قائلة: "ألو؟ "ألو، مساء الخير يا مدام صافيه." "مساء النور يا أستاذ قاسم، إزي حضرتك؟ "أنا كويس الحمدلله، بس لو نرفع التكليف هبقى أحسن." ابتسمت بود وقالت: "لأ ميصحش... قاطعها قائلًا: "بصي قبل أي حاجة، أنا كنت حابب نتقابل ونتكلم معاكي شوية لو مش هيضايقك." زمت شفتيها بحيرة وقالت:
"والله مش عارفة.. أصل إبراهيم طباعه صعبة شوية ومش عارفة إذا كان هيوافق ولا إيه! "من الناحية دي متقلقيش، أنا كلمته قبل ما أكلمك واستأذنت منه نتقابل في مكان عام وهو وافق، أينعم طلع عيني على ما اقتنع بس أهم حاجة المحصلة." قطبت جبينها بتعجب وقالت: "معقولة؟! وافق فعلاً؟! "أيوة وافق لما صارحته بالموضوع اللي عايز أكلمك فيه، أتمنى إنتي كمان توافقي." تنهدت صعداء وقالت: "تمام ماشي مفيش مشكلة، تحب نتقابل فين؟
"أنا هاجيلك آخدك متشغليش بالك إنتي.. ربع ساعة وأكون عندك." أنهت المكالمة بتعجب ثم بدأت بالاستعداد للخروج برفقته. اصطحبها إلى مطعم خاص بالمأكولات البحرية والأسماك يدعى "إسكندرية ماريا". دلفت إلى المطعم برفقته، لتجده يتطلع نحوه ثم قال: "أول مرة أجي هنا بس واضح إن المكان جامد فعلًا زي ما بيحكوا عنه."
"إسكندرية ماريا من أحلى مطاعم السمك والسي فود في إسكندرية، جيت هنا كتير قبل كده أنا وإبراهيم وغزل، إبراهيم بيحب ييجي هنا عشان على معرفة بأصحاب المحل، أصحاب المحل صعايدة وناس ذوق جدًا.. وبالمناسبة كمان ليهم كافتيريا جنبنا هنا اسمها ست الحسن." هز رأسه باهتمام وقال: "ده إنتي مهتمة بقـا."
"يعني إلى حدٍ ما، أصل أنا من النوع اللي مبحبش التغيير كل شوية، لما برتاح لمكان بحب أروحه دايما، كذلك في معاملاتي مع البشر، مبحبش دايرة معارفي تبقى كبيرة أوي عشان مضطرش أتصادم مع ناس ملهاش لازمة." وأكملت بسخرية: "مع إني اكتشفت إني غلط يعني بس مع ذلك مش عارفة أتغير."
"شئتي أم أبيتي هاضطري تتعاملي مع ناس وتعرفي ناس، منهم الكويس ومنهم الوحش، ولو مجربتيش الوحش مش هتعرفي الحلو، عشان كده الاختلاط ضروري جدًا بس بقدر، يعني لا تفتحيها على البحري ولا تعيشي في أمؤم." هزت رأسها بتأييد وقالت: "مبقاش ييجي منه خلاص بقا، العمر فات وخلاص اللي كان كان، حتى مبقاش في فرصة نصلح الغلط اللي غلطناه." تعجب نظرتها السوداوية وقال: "ليه كده؟!
إنتي لسه شابة وجميلة وقلبك كله حياة، عايزة تدفني نفسك بالحياة ليه؟ زفرت مطولًا وقالت: "تفتكر؟! أومأ بتأكيد وقال: "أنا متأكد، صافيه أنا هكلمك بصراحة، أنا معجب بيكي جدًا وأكون أسعد واحد في الدنيا لو قبلتي تتجوزيني." أصابها الذهول، بقيت ساكنة لا تقوى على الحراك، فأكمل قائلًا: "أنا عارف إنك اتفاجئتي بس مش عايزك تتسرعي في ردك.. معاكي يوم اتنين شهر زي ما تحبي، فكري براحتك وردي عليا لما توصلي لقرار."
تورّدت وجنتيها خجلًا وكأنها مراهقة، وقالت بتلعثم: "إن شاء الله، ياريت لو نمشي بقا عشان إبراهيم ميضايقش." "ماشي زي ما تحبي، هحاسب ونمشي." خرجت برفقته من المطعم، فنظر إليها مبتسمًا وقال بمحياه البشوش: "أتمنى إنك متتسرعيش في الرد وتاخدي وقتك الكافـ... بتر كلمته عندما اصطدم بأحدهم، لينظر إليه ويقول: "عفوًا." بينما نظر الآخر إلى صافيه بذهول، فتمتمت هي بذهول مماثل وقالت: "سليمان؟!!! ~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
كانت تقف تكمل عملها بضجر وتأفف، تحاول إنجاز ما وُكل إليها من عمل قبل حلول الليل لتغادر سريعًا. "يُسر، بيقول لك غسان بيه طلع لك القهوة أوضة المكتب." أومأت بموافقة وعدلت هندامها سريعًا، ثم صعدت لغرفة مكتب ذلك المدعو غسان مالك الفيلا التي تعمل بها. طرقت الباب ودلفت، لتجده يقبع خلف مكتبه بهدوء، فقال دون أن ينظر إليها: "تعالي." تقدمت بتوتر ووضعت فنجان القهوة فوق المكتب وقالت: "تؤمر بحاجة تانية يا غسان بيه؟ "اقعدي."
نطق بها غسان باقتضاب، فجلست على المقعد المقابل له. مرت أكثر من نصف ساعة وهو لا يزال يباشر عمله دون أن يوجه لها ولو كلمة واحدة، حتى زفرت بملل وقالت بصوتٍ حاد: "حضرتك عايزني في حاجة ولا أمشي؟! بقالي نص ساعة قاعدة ومستنية تتكلم بس الظاهر إنك نسيت إني قاعدة." أمسك بنظارته يخفضها عن عينيه، ثم نظر إليها بثبات وقال: "تعرفي يحيي الهنداوي منين؟!!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!